← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ابن عباس "في الدوحة (١) بقرة، وفي الجزلة شاة" (٢) قال (٣): والدوحة الشجرة العظيمة. والجزلة: الصغيرة. ويخير بين ذبحها، وتفرقتها، أو إطلاقها، لمساكين الحرم، وبين تقويمها بدراهم، ويفعل بقيمته كجزاء صيد، بأن يشتري طعامًا، يجزئ في فطرة، فيطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا. ويُضمن حشيش، وورق بقيمته، نصًّا (٤)، لأنه متقوم، ويفعل بقيمته كما سبق. ويُضمن غصن بما نقص، كأعضاء الحيوان. ويُضْمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم، أو بعض أصله بالحرم، لتبعيته لأصله. وكره إخراج تراب الحرم، وحجارته إلى الحل، نصًّا (٥)، قال: لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر، وابن عباس (٦). ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والإخراج أشد كراهة. ولا يكره إخراج ماء زمزم، لما روى الترمذي -وقال: حسن غريب- عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله (٧)، ولأنه يستخلف، كالثمرة. وقال أحمد: أخرجه كعبٌ (٨). ولم يزد عليه.

стр. 597

ولا يكره وضع الحصى بالمساجد كما في مسجده ﷺ زمنه، وبعده، ويحرم إخراج تراب المساجد، وإخراج طيبها، في الحل والحرم، لتبرُّك وغيره، لأنه انتفاع بالموقوف في غير جهته. قال أحمد: إذا أراد أن يستشفي بطيب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (١). تتمة: حد حرم مكة مات كل جهة عليه أنصاب، لم تزل معلومة، فلا حاجة لتسميتها. ويستحب المجاورة بمكة. وهي أفضل من المدينة لحديث عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "واللَّه إنك لخير أرض اللَّه وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (٢). رواه أحمد، وغيره. وقال الترمذي: حسن صحيح. قال ابن عقيل: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي ﷺ فيها فلا واللَّه. ولا العرش، وحملته، والجنة، لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح (٣). وتضاعف الحسنة والسيئة، بمكان فاضل، وزمن فاضل، لقول ابن عباس (٤). وسئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا،

стр. 598

إلا بمكة، لتعظيم البلد، ولو أن رجلًا بعدن وَهَمَّ أن يقتل عند البيت، أذاقه اللَّه من العذاب الأليم (١). (و) حرم (صيد حرم المدينة) المشرفة، وتسمى طابة وطيبة (٢)؛ للخبر (٣)، والأولى ألا تسمى يثرب، وإن صاده وذبحه؛ صحت تذكيته،

стр. 599

جزم به في "الإقناع" (١). (و) حرم (قطعُ شجره وحشيشه) لحديث: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" (٢). متفق عليه (لغير حاجة علف وفتب ونحوهما) كالمساند، والحرث، مما تدعو إليه الحاجة، لحديث أحمد، عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا أصحاب عمل، وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّص لنا. فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسدّ (٣)، وأما غير ذلك فلا يعضد" (٤) رواه أحمد. والقائمتان اللتان تنصب البكرة عليهما، والعارضة هي التي بين القائمتين، والمسدّ عود البَكَرة.

стр. 600

وعن علي مرفوعًا: "المدينة حرمها ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره" (١) رواه أبو داود. ومن أدخلها صيدًا، فله إمساكه، وذبحه، نصًّا (٢)، لحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " (٣) -بالغين المعجمة- هو طائر صغير، كان يلعب به، متفق عليه (ولا جزاء) فيما حرم من ذلك. قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ، ولا أحدًا من أصحابه، حكموا فيه بجزاء (٤). وحرمها: بريدٌ في بريد، نصًّا (٥)، وهو ما بين ثور، وهو: جبل صغير، يضرب لونه إلى الحمرة، بتدوير، وهو خلف أحد من جهة الشمال. وعَير، وهو: جبل مشهور بالمدينة، لحديث علي المتقدم (٦)، وذلك ما بين لابتيها، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بين لابتيها حرام" (٧) متفق عليه، واللابة الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود.

стр. 601

باب آداب دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي ونحوهما يسن الاغتسال لدخولها، كما تقدم (١) و (يسن) دخولها (نهارًا) للخبر (٢) (من أعلاهما) أي مكة من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والدال ممدود مهموز- والثنية طريق بين جبلين (٣)، وسن خروج من أسفلها، من ثنية كُدي -بضم الكاف والتنوين- (٤) عند ذي طوى. (و) يسن دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة) وبإزائه الآن الباب المعروف بباب السلام، لحديث جابر: أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثم دخل" (٥). رواه مسلم، وغيره.

стр. 602

ويقول ما ورد، كما في دخول غيره من المساجد (١) (فإذا رأى البيت رفع يديه) نصًّا (٢)، لحديث الشافعي، عن ابن جريح: أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه (وقال) بعد رفعهما (ما ورد)، ومنه: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًا، وزد من عظمه، وشرفه، ممن حجه واعتمره، تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًّا" (٣). رواه الشافعي بإسناده، عن ابن جريج، مرفوعًا. ويقول: الحمد للَّه رب العالمين كثيرًا، كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد للَّه الذي بلغني بيته، ورآني أهلًا، والحمد للَّه على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت. ذكره الأثرم، وإبراهيم الحربي (٤). ويرفع بذلك صوته، لأنه ذكر مشروع، أشبه التلبية.

стр. 603

(ثم طاف) حال كونه (مضطبعًا) استحبابًا، في كل أسبوعه، نصًّا (١)، بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، لما روى أبو داود، وغيره، عن يعلى بن أمية، أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا (٢). وروي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى (٣). وإذا فرغ من طوافه أزاله. ويطوف (للعمرة المعتمر، و) يطوف (للقدوم) وهو الورد (غيره) أي غير المعتمر، وهو المفرد، والقارن، فتستحب البداءة بالطواف لداخل المسجد الحرام، وهو تحية الكعبة، وتحية المسجد الصلاة، وتجزئ عنها ركعتا الطواف، لحديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا (٤). وعن عائشة: حين قدم مكة توضأ، ثم طاف بالبيت (٥). متفق عليه. وروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم (٦) (ويستلم الحجر الأسود) أي يمسحه بيده اليمنى، والاستلام من السلام، وهو التحية، وأهل اليمن

стр. 604

يسمون الحجر الأسود: المحيا، لأن الناس يحيونه بالاستلام. وروى الترمذي مرفوعًا: "إنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" (١). ويبتدئ الطواف منه، لفعله ﵇ (٢) (ويقبِّله) بلا صوت يظهر للقُبلة. لحديث عمر: أن النبي ﷺ استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" (٣). رواه ابن ماجه. ويسجد عليه لفعل ابن عمر، وابن عباس (٤). فإن شق استلامه، وتقبيله، لنحو زحام، لم يزاحم، واستلمه بيده، وقبَّلها، روي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وأبي سعيد (٥). لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ استلمه، وقبل يده (٦). رواه مسلم.

стр. 605

فإن شق استلامه بيده، استلمه بشيء، وقبَّله، روي عن ابن عباس موقوفًا (١). (فإن شق) عليه استلامه بشيء أيضًا (أشار إليه) بيده أو بشيء، لحديث البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي ﷺ على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده، وكبر (٢)؛ ولا يقبله أي ما أشار به. ويستقبل الحجر الأسود بوجهه (ويقول) كلما استلمه، أو أشار إليه (ما ورد) ومنه: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ، لحديث عبد اللَّه بن السائب، أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه (٣). ثم يجعل البيت عن يساره، لأنه ﷺ طاف كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤) وليقرب جانبه الأيسر للبيت، فأول ركن يمر به يسمى

стр. 606

الشامي، وهو جهة الشام، ثم الغربي، وهو جهة المغرب، ثم اليماني، جهة اليمن. (ويرمُل الأفقي) أي غير المحرم من مكة أو قربها، وغير الراكب، وغير حامل معذور، وغير النساء (في هذا الطواف) خاصة، فيسرع المشي، ويقارب الخطى، في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعة أشواط بلا رمل، حديث عائشة (١). ورواه عنه أيضًا جابر، وابن عباس، وابن عمر. بأحاديث متفق عليها (٢). قال ابن عباس: ورمل النبي ﷺ في عُمَرِه كلها، وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده (٣). رواه أحمد. ويكون الرمل من الحجَر إلى الحجر، لحديث ابن عمر، وجابر (٤). ولا يُقضى رَمَلٌ في الأربعة أشواط، لأنه هيئة فات موضعها، فسقط، كالجهر في الركعتين الأوليين من مغرب وعشاء، ومن لم يتمكن من الرمل، مع الدنو من البيت، للزحام، وأمكنه الرمل إن طاف في حاشية الناس، فالرمل له أولى من الدنو من البيت بلا رمل، وتأخير الطواف للرمل، أو للدنو من البيت، أولى من التقديم، ليأتي به على الوجه الأكمل. وكلما حاذى الحجر، والركن اليماني، استلمهما ندبًا، لحديث ابن عمر: كان رسول اللَّه ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر في طوافه. قال نافع: كان ابن عمر يفعله (٥). رواه أبو داود، لكن لا يقبل إلا

стр. 607

الحجر الأسود، فإن شق استلامهما أشار إليهما. ولا يسن استلام الركن الشامي، ولا الغربي، لقول ابن عمر: إن رسول اللَّه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر الأسود، والركن اليماني (١). ويقول كلما حاذى الحجر: اللَّه أكبر. فقط، لحديث ابن عباس: طاف النبي ﷺ على بعير، وكلما أتى الركن أشار بيده، وكبر (٢). ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. لحديث أحمد، في "المناسك" عن عبد اللَّه بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقوله (٣). وعن أبي هريرة، مرفوعًا: "وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين" (٤). ويقول في بقية الأشواط: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم. وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي (٥). ويَذْكُرَ، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ ، ويقرأ

стр. 608

القرآن، لحديث "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (١). ولا يجزئ الطواف عن حامل معذور، إلا أن ينوي وحده، أو ينويا جميعًا عنه، وحكم سعي راكبًا كطواف، فلا يجزئه إلا لعذر. وإن طاف على سطح المسجد، توجه الإجزاء، كصلاته إليها، ويجزئ طواف في المسجد من وراء حائل، ولا يجزئ خارجه، أو منكسًا، أو على جدار الحجر -بكسر الحاء- فلا يجزئه، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) والحجر منه، لحديث عائشة مرفوعًا: "هو من البيت" (٣). رواه مسلم. وكذا لو طاف على شاذَروان الكعبة -بفتح الذال المعجمة- وهو ما فضل عن جدارها (٤)، فلا يجزئه لأنه من البيت، فإذا لم يطف به، لم يطف بكل البيت، وإن مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح طوافه. وإن طاف طوافًا ناقصًا، أو طاف بلا نية، فلا يجزئه، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٥). وكالصلاة، أو طاف محدثًا، أو نجسًا -أيضًا- فلا يجزئه، لحديث: "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" (٦) ولقوله ﷺ لعائشة حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت" (٧)،

стр. 609

ويلزم الناس انتظار حائض فقط إن أمكن، ويسن فعل سائر المناسك على طهارة. وإن طاف محرم فيما لا يحل لمحرم لبسه، صح طوافه، لعود النهي لخارج. ويبتدئ الطواف لحدث فيه تعمَّده، أو سبقه، بعد أن يتطهر، كالصلاة، ويبتدئه لقطع طويل، عرفًا، لأن الموالاة شرط فيه، كالصلاة، ولأنه ﵇ والى طوافه وقال: "خذوا عني مناسككم" (١)، وإن كان قطعه يسيرًا، أو أقيمت صلاة، أو حضرت جنازة، وهو فيه، صلى، وبنى. ويبتدئ الشوط من الحَجَر، فلا يعتد ببعض شوط قطعه، قاله أحمد (٢). وكذا السعي، وعلم مما سبق أنه يشترط لطواف: عقل، ونية، وستر عورة، وطهارة من حدث، لغير طفل لا يميز، وطهارة من خبث، وإكمال السبع، وجعل البيت فيه عن يساره، وكونه ماشيًا مع قدرة، والموالاة بينه، وابتداؤه من الحجر الأسود بحيث يحاذيه، وكونه في المسجد وخارج البيت جميعه. (فإذا فرغ) من طوافه (صلى ركعتين) نافلة، والأفضل كونهما (خلف المقام) أي مقام إبراهيم، لحديث جابر في صفة حجه ﷺ وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣)، فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. الحديث، رواه مسلم (٤). ولا يشرع تقبيله، ولا مسحه، كصخرة بيت المقدس، ويقرأ فيها بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسورة الإخلاص، بعد الفاتحة للخبر (٥).

стр. 610

وتجزئ مكتوبة عنها (ثم يستلم الحجر) ويسن عوده إلى الحجر (الأسود) بعد الصلاة، فيستلمه، نصًّا (١)، لفعله ﵇، ذكره جابر في صفة حجه ﷺ (٢). ويسن الإكثار من الطواف ليلًا ونهارًا، وهو للغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، وله جمع أسابيع، بركعتين لكل أسبوع، وفعلته عائشة، والمسور بن مخرمة (٣)، ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين، لأن عمر صلاهما بذي طوى (٤)، وأخرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة، بأمر النبي ﷺ (٥)، والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه. ولطائف تأخير سعيه عن طوافه، بطواف، وغيره، فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره (ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت فـ) يستقبله و (يكبِّر ثلاثًا، ويقول ما ورد)، فيقول ثلاثًا: "الحمد للَّه على ما هدانا، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، لحديث جابر في صفة حجه ﷺ : ثم

стр. 611

خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، رقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد اللَّه، وكبَّر (٢)، وقال: وذكر ما تقدم، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، لكن ليس فيه: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير" (٣) ويدعو بما أحب، لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد اللَّه ويدعو بما شاء أن يدعو (٤). رواه مسلم. ولا يلبي، لعدم نقله (ثم ينزل) من الصفا (ماشيًا إلى العلم الأول) وهو الميل الأخضر في ركن المسجد، فإذا صار بينه وبينه نحو ستة أذرع (فيسعى) ماش سعيًا (شديدًا إلى) العلم (الآخر) ميل أخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس (ثم يمشي ويرقى المروة) مكان معروف (ويقول) مستقبلًا القبلة (ما قاله على الصفا) من تكبير، وتهليل، ودعاء. ويجب استيعاب ما بينهما، فيلصق عقبه بأصلهما في ابتدائه بكل منهما، ويلصق -أيضًا- أصابعه بما يصل إليه من كل منهما، والراكب يفعل ذلك بدابته، فمن ترك شيئًا مما بينهما، ولو دون ذراع، لم يجزه سعيه. (ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، إلى الصفا، يفعله سبعًا، ويحسب ذهابه) سعية (ورجوعه) سعية، يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة، للخبر (٥)، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك

стр. 612

الشوط، ويكثر من الدعاء، والذكر فيما بين ذلك. قال الإمام: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم (١). وقال ﷺ : "إنما جُعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر اللَّه " (٢). قال الترمذي: حسن صحيح. ويشترط للسعي نية، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٣)، ويشترط له موالاة، قياسًا على الطواف. ويشترط كونه بعد طواف نسك، ولو مسنونًا، كطواف القدوم، لأنه ﷺ سعى بعد طواف، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٤). فلو سعى بعد طوافه، ثم علمه بلا طهارة، أعاد، ولا يسن السعي بعد كل طواف، ويسن موالاة بين الطواف والسعي، بأن لا يفرق بينهما طويلًا، وتسن له طهارة من حدث وخبث، وسترة، ولا يسن فيه اضطباع، نصًّا (٥)، والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة، ولا تسعى سعيًا شديدًا، لأنها عورة. وتسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي، لفعله ﷺ . (ويتحلل متمتع لا هدي معه بتقصير شعره) لأن عمرته تمت بالطواف

стр. 613

والسعي والتقصير، ليحلق رأسه للحج (ومن معه هدي) تحلل (إذا حج) لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة، قال: "من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليُحلل" (١) متفق عليه. ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، والمعتمر غير المتمتع، يحل سواء كان معه هدي، أو لا، في أشهر الحج، أو غيرها. وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته، ووطئ قبله، فعليه دم، وعمرته صحيحة. روي أن ابن عباس سئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصِّر. قال: من ترك من مناسكه شيئًا، أو نسيه، فليرق دمًا، قيل: فإنها موسرة، قال فلتنحر ناقة (٢). (والمتمتع يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف) وكذا المعتمر، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر (٣). قال الترمذي: حسن صحيح. ولا بأس بها سًّرا في طواف القدوم، نصًّا (٤)، قال الموفق: ويكره الجهر بها، لئلا يخلط على الطائفين (٥). وكذا السعي بعده.

стр. 614

فصل في صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك (يسن لمُحِلٍّ بمكة) وبقربها، ولمتمتع حل من عمرته (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو ثامن من ذي الحجة، لحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ وفيه: فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج (١)، وسمي الثامن بذلك لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، لما بعده، أو لأن إبراهيم أصبح يتروى فيه في أمر الرؤيا. إلا من متمتع لم يجد هديًا، وأراد الصيام، فيستحب له أن يحرم في السابع، ليصوم ثلاثة أيام في إحرام الحج. ويسن لمن أحرم من مكة، أو من قربها، أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، من الغسل، والتنظيف، ونحو ذلك، وبعد طواف، وصلاة ركعتين، ولا يطوف بعده لوداعه، لعدم دخول وقته، والأفضل أن يحرم من المسجد من تحت الميزاب، ويجوز إحرامه من خارج الحرم، ولا دم عليه، نصًّا (٢). (و) يسن (المبيت بمنى) فيخرج إليها قبل الزوال، ندبًا، ويصلي بها الظهر مع الإمام، ويقيم بها إلى الفجر من يوم عرفة، ويصلي مع الإمام، لحديث جابر: وركب رسول اللَّه ﷺ إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس (٣) (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة)، فأقام بنمرة (٤) إلى الزوال، فيخطب بها

стр. 615

الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتخة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة، لحديث جابر: حتى إذا جاء عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس، أمر بالقصواء فَرُحِلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس (١). (وكلها) أي عرفة (موقف إلا بطن عُرَنَة) (٢)، لحديث: "كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" (٣) رواه ابن ماجه. فلا يجزئ وقوفه فيه، لأنه ليس من عرفة كمزدلفة، وحَدُّ عرفة. من الجبل المشرف على عُرَنَة، إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر. ويسن وقوفه بعرفة راكبًا، كفعله ﷺ ، بخلاف سائر المناسك (ويجمع فيها) أي في عرفة من يباح له الجمع (بين الظهر والعصر تقديمًا) حتى المنفرد، نصًّا (٤). وسن وقوفه -أيضًا- مستقبلًا القبلة، عند الصخرات، وجبل الرحمة واسمه إلال -على وزن هلال- ويقال له: جبل الدعاء (٥)، لقول جابر عنه ﷺ : جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة (٦) ما بين يديه واستقبل القبلة (٧).

стр. 616

ولا يُشرع صعود جبل الرحمة. قال شيخ الإسلام إجماعًا (١). فيرفع يديه، ويكثر الدعاء، والاستغفار، والتفرع، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الاستجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويكثر من قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسِّر لي أمري. لحديث: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" (٢). رواه مالك في "الموطأ". وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير (٣). رواه الترمذي. (ووقت الوقوف) بعرفة (من فجر) يوم (عرفة إلى فجر) يوم (النحر) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللَّه ﷺ ذلك؟ قال: نعم (٤). فمن حصل في هذا الوقت بعرفة لحظة وهو أهل للحج، ولو مارًّا، أو نائمًا، أو جاهلًا أنها

стр. 617

عرفة، صح حجه، للخبر (١)، وكما لو علم بها، وعكسه إحرام وطواف وسعي، فلا يصير من حصل بالميقات محرمًا بلا نية، لأن الإحرام هو النية، كما سبق، وكذا الطواف والسعي، لا يصحان بلا نية، وتقدم. ومن وقف بها نهارًا، ودفع قبل الغروب، ولم يعد بعده، فعليه دم، لتركه واجبًا، بخلاف واقف ليلًا فقط، فلا دم عليه، لحديث: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج" (٢). (ثم يدفع) من عرفة (بعد الغروب) مع الأمير على طريق المأزمين (٣)،

стр. 618

لأنه ﵇ سلكه (إلى مزدلفة) (١) وتسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، وهي ما بين المأزمين -بالهمزة وكسر الزاي- وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة ووادي محسِّر -بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة- واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأنه يحسر سالكه (٢) (بسكينة) لقول جابر: ودفع رسول اللَّه ﷺ وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن [رأسها] (٣) ليصيب مورك رحله (٤)، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" (٥). ويستغفر لأنه لائق بالحال، يسرع في الفرجة، لحديث أسامة: كان رسول اللَّه ﷺ يسير العَنق، فإذا وجد فرجة نصَّ (٦). أي: أسرع، لأن العنق انبساط السير. والنص فوق العنق (٧). (ويجمع فيها) أي: في مزدلفة إذا وصلها (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (تأخيرًا) قبل حط رحله، لحديث أسامة بن زيد قال: دفع رسول اللَّه ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول اللَّه. فقال: "الصلاة أمامك". فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ

стр. 619

كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما (١). متفق عليه. وإن صلى المغرب بالطريق، ترك السنة، للخبر (٢)، وأجزأه، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما، كالظهر والعصر بعرفة، وفعله ﷺ محمول على الأفضل، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو بمزدلفة، جمَعَ وحده، لفعل ابن عمر (٣). (ويبيت بها) -أي بمزدلفة- وجوبًا، لأنه ﷺ بات بها (٤)، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل، لحديث ابن عباس: كنت في من قَدَّم النبي ﷺ في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى (٥). متفق عليه. وعن عائشة، قالت: أرسل رسول اللَّه ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة، قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (٦). رواه أبو داود. ومن دفع من مزدلفة إلى منى قبل نصف الليل غير سقاة زمزم ورعاة، فعليه دم، علم الحكم أو جهله، نسيه أو ذكره، لأنه ترك واجبًا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، وأما السقاة والرعاة فلا دم عليهم، لأنه ﷺ رخص للرعاة في ترك البيتوتة، في

стр. 620

حديث عدي (١) (٢)، ورخص للعباس في ترك البيتوتة، لأجل سقايته (٣)، وللمشقة عليهم بالمبيت. فإن عاد إليها قبل الفجر، مَنْ دفع منها قبل نصف الليل، فلا دم عليه، كمن لم يأتها إلا في نصف الليل الثاني، ومن أصبح بها، صلى الصبح بغلس، لحديث جابر يرفعه: صلى الصبح بها حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة (٤). وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام. (فإذا صلى الصبح، أتى المشعر الحرام) سمي به، لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَح، وهو جبل صغير بمزدلفة (٥) (فرقاه) إن سهل أ (ووقف عنده، وحمد اللَّه) تعالى (وكبَّر) وهلل، (وقرأ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ. . .﴾ الآيتين) إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ (٦)، (ويدعو) فيقول: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا، كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد. يكرره (حتى يسفر) لحديث

стр. 621

جابر مرفوعًا: لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا (١). (ثم يدفع إلى منى) قبل طلوع الشمس، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وأن رسول اللَّه ﷺ خالفهم "فأفاض قبل أن تطلع الشمس" (٢) رواه البخاري. ويسير بسكينة، لحديث ابن عباس: "إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" (٣). (فإذا بلغ محسِّرًا أسرع رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا حرّك دابته، لقول جابر: حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلًا (٤)، وعن ابن عمر أنه لما أتى محسرًا أسرع، وقال: إليك تعدو قلِقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها (٥).

стр. 622

(وأخذ حصى الجمار سبعين) حصاة، كان ابن عمر يأخذه من جمع (١)، وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع. وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشيء قبل الرمي، وهو تحيتها. وتكون الحصاة (أكبر من الحمص ودون البندق) كحصى الخذف -بالخاء والذال المعجمتين- أي الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين، تخذف بها (٢). ومن حيث شاء أخذ حصى الجمار، لحديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ غداة العقبة: "القُط لي حصًى". فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا". ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (٣) رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى. قال في "الشرح" (٤): وكره أخذ الحصى من الحرم -يعني المسجد- لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى وهما من الحرم. وكره تكسيره. ولا يسن غسله. قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ فعله (٥).

стр. 623

وتجزئ مع الكراهة حصاة نجسة، وتجزئ حصاة غير معهودة، كحصاة مرمر، وبرام (١)، ونحوهما، ولا تجزئ حصاة صغير جدًّا، أو كبيرة، لظاهر الخبر (٢)، ولا ما رمي بها، لأخذه ﷺ الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها ثانيًا، كماء وضوء. ولا يجزئ بغير الحصى، كجوهر، وذهب، ونحوهما. فإذا وصل منى، وهو ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، بدأ بالرمي (فيرمي جرة العقبة وحدها بسبع) حصيات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة فلا يحسب إلا واحدة، لأنه ﵇ رمى سبع رميات، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٣) ويؤدب، لئلا يقتدى به. ويشترط علم الوصول بالمرمى، فلا يكفي ظنه، لأن الأصل بقاؤه بذمته، فلا يبرأ إلا بيقين، فلو رمى حصاة، فطارت بها الريح، أو نحو ذلك، قبل وقوعها بالمرمى لم يجزئه، وإن وقعت خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه، أجزأ. ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله، لحديث عائشة ترفعه: أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (٤). رواه أبو داود. وروي: أنه أمرها [أن] (٥) تعجل الإفاضة، وتوافي مكة مع صلاة الفجر (٦)، احتج به أحمد. ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، أشبه ما بعد الشمس، وندب بعد الشروق، لقول جابر: رأيت

стр. 624

رسول اللَّه ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده (١). رواه مسلم. وحديث أحمد، عن ابن عباس مرفوعًا: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (٢) محمول على وقت الفضيلة، فإن غربت شمس يوم النحر، ولم يرم جمرة العقبة، رماها من غده بعد الزوال، لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس، فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد (٣). و(يرفع يمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه) لأنس معونة على الرمي. (و) يسن أن (يكبر مع كل حصاة) لحديث جابر (٤)، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، لما روى حنبل، عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد اللَّه استبطن الوادي، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر. ثم قال: اللهم اجعله. . إلخ فسألته عما صنع؟ فقال حدثني أبي، أن النبي ﷺ رمى الجمرة من هذا المكان، ويقول كلما رمى مثل ذلك (٥). وندب أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه

стр. 625

الأيمن، لحديث عبد اللَّه بن يزيد: لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجوة على جانبه الأيمن، ثم رمى سبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة (١). قال الترمذي: حديث صحيح. ولا يقف عندها، لحديث ابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا: كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف (٢). رواه ابن ماجه. وللبخاري (٣) من حديث ابن عمرو، لضيق المكان. وله رميها من فوقها، لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها (٤). ويقطع التلبية بأول الرمي، لحديث الفضل بن عباس مرفوعًا: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (٥). متفق عليه. (ثم ينحر) هديًا إن كان معه، واجبًا كان، أو تطوعًا، لقول جابر: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا، فنحر ما بقي، وأشركه في هديه (٦). فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب، اشتراه، وإذا نحره، فرقه لمساكين الحرم، أو أطلقه لهم. (ويحلق أو يقصِّر) لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٧).

стр. 626

وسن استقبال محلوق رأسه القبلة، كسائر المناسك، وبدأة بشقه الأيمن، لأنه ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله (١)، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصُّدغ من الوجه، لأن ابن عمر كان يقول للحالق: ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية (٢)، وكان عطاء يقول: من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين (٣). قال جماعة: ويدعو (٤). قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق، لأنه نسك (٥)، وإن قصَّر، قصَّر (من جميع شعره) لا من كل شعرة بعينها، لأنه مشقة، ولا يكاد يعلم إلا بحلقه. ولا يجزئ حلق بعض الرأس، أو تقصيره، لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه، فكان تفسيرًا لمطلق الحلق، أو التقصير، فوجب الرجوع إليه، ومن لبَّد رأسه، أو ظفره، أو عقصه (٦)، فكغيره. (والمرأةُ) تقصر من شعرها كذلك (قدر أنملة) فأقل، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" (٧). رواه أبو داود، ولأن الحلق مُثْلة في حقهن. فتقصر من كل شعرها قدر أنملة. ونقل أبو داود: تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة (٨).

стр. 627

وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب ونحوه. قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ لما حلق رأسه، قلم أظفاره (١). وكان ابن عمر يأخذ من شاربه، وأظفاره (٢). وسن أن لا يشارط الحلاق على أجرة، لأنه دناءة. وسن إمرار الموسى على من عدم الشعر. وإن نتف الشعر، أو أزاله بنورة، أجزأ، لكن السنة الحلق أو التقصير. (ثم) بعد رمي وحلق أو تقصير (قد حل له كل شئ) قد حرم بالإحرام (إلا النساء) وطئًا ومباشرة، وقُبلة ولمسًا لشهوة، وعقد نكاح، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء" (٣). رواه سعيد. وقالت عائشة: طيبت رسول اللَّه ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (٤). متفق عليه. والحلق والتقصير نسك، في تركهما دم، لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن به عليهم، فدل على أنه من العبادة، ولأمره ﷺ بقوله: "فليقصر، ثم ليحلل" (٥)، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ولا دم عليه إن أخرهما

стр. 628

عن أيام منى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١)، فبين أول وقته دون آخره، فمتى أتى به أجزأه، كالطواف، لكن لابد من نيته نسكًا. وكذا إن قدَّم الحلق على الرمي، أو قدَّم الحلق على النحر، أو نحر قبل رميه، أو طاف للإفاضة قبل رميه جمرة العقبة، فلا شيء عليه، لحديث عطاء: أن النبي ﷺ قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج" (٢). وعنه مرفوعًا: "من قدم شيئًا قبل شيء فلا حرج". رواه سعيد (٣). ولحديث ابن عمرو، قال رجل: يا رسول اللَّه، حلقت قبل أن أذبح. قال: "اذبح ولا حرج"، فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج" (٤). متفق عليه، وفي لفظ، قال: فجاء رجل فقال: يا رسول اللَّه، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح. وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء، أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، وأشباهها، إلا قال: "افعلوا ولا حرج" (٥) رواه مسلم. ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي، وحلق، وطواف إفاضة. فلو حلق وطاف، ثم وطئ ولم يرم، فعليه دم لوطئه، ودم لتركه الرمي، وحجه صحيح. ويحصل التحلل الثاني بما بقي من الثلاثة، مع السعي من متمتع مطلقًا، ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم، لأنه ركن.

стр. 629

ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي للجمرات كلها أيامه، لحديث ابن عباس مرفوعًا: خطب الناس يوم النحر (١). -يعني بمنى- أخرجه البخاري. وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر (٢). رواه أبو داود. (ثم يُفيض إلى مكة فيطوف) مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة طوافًا للقدوم، نصًّا (٣)، برمل واضطباع، ثم للزيارة، وأما المتمتع الذي دخلها قبل فيطوف (طواف الزيارة) وهي الإفاضة، لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ولما كان يزور البيت ولا يقيم بمكة بل رجع إلى منى سمي -أيضًا- طواف الزيارة (الذي هو ركن) لا يتم حج إلا به إجماعًا (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ (٥)، ولحديث عائشة في حيض صفية (٦). متفق عليه. وأول وقته من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل، وإلا فبعد الوقوف، وفعله يوم النحر أفضل، لحديث ابن عمر: أفاض رسول اللَّه ﷺ يوم النحر (٧). متفق عليه، وإن أخره عن أيام منى جاز، لأنه لا آخر لوقته،

стр. 630

ولا شيء في تأخيره، كالسعي. (ثم يسعى) متمتع لحجه، لأن سعيه الأول كان لعمرته، وأما المفرد والقارن فيسعى أيضًا (إن لم يكن سعى) قبل، ومن سعى منهما، لم يعده، لأنه لا يستحب التطوع به، كسائر الأنساك، إلا الطواف، لأنه صلاة (وقد حل له كل شيء) حتى النساء. (وسن أن يشرب من ماء زمزم، لما أحب، ويتضلع منه) ويرش على بدنه، وثوبه، لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم. قال. فشربت منها كما ينبغي؟ قال: كيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم اللَّه، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها. فإذا فرغت، فاحمد اللَّه تعالى، فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" (١). رواه ابن ماجه. (ويدعو بما ورد) فيقول: بسم اللَّه، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك. زاد بعضهم: وحكمتك (٢)؛ لحديث جابر: "ماء زمزم لما شرب له" (٣). رواه ابن ماجه. (ثم يرجع) من أفاض يوم النحر إلى مكة بعد طوافه وسعيه على ما سبق (فيبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وإلا فليلتين، وجوبًا (ويرمي

стр. 631

الجمار) الثلاث (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فإن رمى ليلًا، أو قبل الزوال، لم يجزئه، لحديث جابر: رأيت رسول اللَّه ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس (١). (و) سن رميه (قبل الصلاة) أي صلاة الظهر يرمي كل واحدة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، كما تقدم، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر (٢). رواه ابن ماجه. وأن يحافظ على الصلوات مع الإمام في مسجد الخيف، وإلا فيصلي مع رفقته، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى، وهي أبعدهن مما يلي مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا، بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو، ويطيل، رافعًا يديه، نصًّا (٣). ثم يأتي الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه، ويرميها بسبع، ويقف عندها فيدعو، رافعًا يديه، ويطيل. ثم يأتي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ويرميها بسبع، ولا يقف عندها، لضيق المكان. ويستقبل القبلة في رمي الجمرات كلها، لخبر عائشة مرفوعًا: فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها (٤). رواه أبو داود. وقال ابن المنذر: كان عمر، وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا

стр. 632

مغفورًا (١). وترتيب الجمرات كما ذكر شرط، لأنه ﷺ رماها كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" فإن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة، لإخلاله بالترتيب. وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده، أو أكثر، أجزأه، أو أخر رمي الكل، إلى آخر أيام التشريق، ورماها بعد الزوال، أجزأه أداءً، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويجب ترتيبه بالنية، كفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلًا، بدأ بجمرة العقبة، فينوي رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم عن اليوم الثاني، والثالث كذلك. وفي تأخير الرمي عن أيام التشريق: دم، لفوات وقت الرمي، فيستقر الفداء، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا، أو نسيه، فإنه يهريق دمًا (٢)، كترك مبيت ليلة غير الثالثة، لمن تعجل بمنى. وفي ترك حصاة واحدة، ما في إزالة شعرةٍ، وفي ترك حصاتين، ما في إزالة شعرتين، وهذا إنما يتصور في آخر جرة من آخر يوم، وإلا لم يصح رمي ما بعدها، كما تقدم، وفي أكثر من حصاتين: دم. ومن له عذر من نحو مرض, وحبس، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهده إن قدر، وإن أغمي على المستنيب، لم تبطل النيابة، فله الرمي عنه، كما لو استنابه في الحج، ثم أغمي عليه.

стр. 633

ولا مبيت بمنى على سقاة ورعاة، لأن النبي ﷺ أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل سقايته (١). ولحديث مالك: رخص رسول اللَّه ﷺ لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما (٢). قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم، فإن غربت الشمس وهم بها، لزم الرعاة فقط المبيت. ويخطب الإمام أو نائبه ثاني أيام التشريق خطبة، يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير، وحكم توديعهم. لحديث أبي داود، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول اللَّه ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته (٣). (ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذرة ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس (٤)، ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، وأما من تعجل قبل الغروب، فيسقط عنه المبيت الليلة الثالثة، وكذا رمى اليوم الثالث، نصًّا (٥)، ويدفن متعجل بقية حصاه (٦)، زاد بعضهم (٧): في المرمى.

стр. 634

فإذا أتى متعجل أو غيره مكة، لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف. (وطواف الوداع واجب) إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١). متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة (يفعله) أي طواف الوداع (ثم يقف في الملتزم) وهو أربعة أذرع، بين الركن الذي به الحجر والباب (داعيًا بما ورد). فيلصق به جميع بدنه: وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين. لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: طفت مع عبد اللَّه، فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللَّه من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه، وكفيه، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل (٢). رواه أبو داود. ويقول وهو على هذه الحالة: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك، ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ (٣).

стр. 635

ويأتي الحطيم -أيضًا- وهو تحت الميزاب (١) فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، قاله (٢) الشيخ (٣). ويستلم الحجر الأسود، ويقبله، ثم يخرج. قال أحمد: فإذا ولىّ لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع أي استحبابًا (٤). ولا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه. قال الشيخ تقي الدين: هو بدعة مكروهة (٥). فإن ودَّع، ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع وجوبًا، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ولا يعيد إن اشترى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه، أو صلى، لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف. (وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد) ندبًا. وسن دخول البيت بلا خُف، وبلا نعل، وبلا سلاح، نصًّا (٦)، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين، ويدعو، والنظر إلى البيت عبادة نصًّا (٧)، قال ابن عمر: دخل النبي ﷺ ، وبلال، وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى (٨)؟ متفق عليه.
следующие страницы →