← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13785

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات

عثمان ابن جامع

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الجمار) الثلاث (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فإن رمى ليلًا، أو قبل الزوال، لم يجزئه، لحديث جابر: رأيت رسول اللَّه ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس (١). (و) سن رميه (قبل الصلاة) أي صلاة الظهر يرمي كل واحدة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، كما تقدم، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر (٢). رواه ابن ماجه. وأن يحافظ على الصلوات مع الإمام في مسجد الخيف، وإلا فيصلي مع رفقته، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى، وهي أبعدهن مما يلي مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا، بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو، ويطيل، رافعًا يديه، نصًّا (٣). ثم يأتي الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه، ويرميها بسبع، ويقف عندها فيدعو، رافعًا يديه، ويطيل. ثم يأتي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ويرميها بسبع، ولا يقف عندها، لضيق المكان. ويستقبل القبلة في رمي الجمرات كلها، لخبر عائشة مرفوعًا: فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها (٤). رواه أبو داود. وقال ابن المنذر: كان عمر، وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا

стр. 632

مغفورًا (١). وترتيب الجمرات كما ذكر شرط، لأنه ﷺ رماها كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" فإن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة، لإخلاله بالترتيب. وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده، أو أكثر، أجزأه، أو أخر رمي الكل، إلى آخر أيام التشريق، ورماها بعد الزوال، أجزأه أداءً، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويجب ترتيبه بالنية، كفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلًا، بدأ بجمرة العقبة، فينوي رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم عن اليوم الثاني، والثالث كذلك. وفي تأخير الرمي عن أيام التشريق: دم، لفوات وقت الرمي، فيستقر الفداء، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا، أو نسيه، فإنه يهريق دمًا (٢)، كترك مبيت ليلة غير الثالثة، لمن تعجل بمنى. وفي ترك حصاة واحدة، ما في إزالة شعرةٍ، وفي ترك حصاتين، ما في إزالة شعرتين، وهذا إنما يتصور في آخر جرة من آخر يوم، وإلا لم يصح رمي ما بعدها، كما تقدم، وفي أكثر من حصاتين: دم. ومن له عذر من نحو مرض, وحبس، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهده إن قدر، وإن أغمي على المستنيب، لم تبطل النيابة، فله الرمي عنه، كما لو استنابه في الحج، ثم أغمي عليه.

стр. 633

ولا مبيت بمنى على سقاة ورعاة، لأن النبي ﷺ أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل سقايته (١). ولحديث مالك: رخص رسول اللَّه ﷺ لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما (٢). قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم، فإن غربت الشمس وهم بها، لزم الرعاة فقط المبيت. ويخطب الإمام أو نائبه ثاني أيام التشريق خطبة، يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير، وحكم توديعهم. لحديث أبي داود، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول اللَّه ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته (٣). (ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذرة ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس (٤)، ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، وأما من تعجل قبل الغروب، فيسقط عنه المبيت الليلة الثالثة، وكذا رمى اليوم الثالث، نصًّا (٥)، ويدفن متعجل بقية حصاه (٦)، زاد بعضهم (٧): في المرمى.

стр. 634

فإذا أتى متعجل أو غيره مكة، لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف. (وطواف الوداع واجب) إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١). متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة (يفعله) أي طواف الوداع (ثم يقف في الملتزم) وهو أربعة أذرع، بين الركن الذي به الحجر والباب (داعيًا بما ورد). فيلصق به جميع بدنه: وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين. لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: طفت مع عبد اللَّه، فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللَّه من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه، وكفيه، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل (٢). رواه أبو داود. ويقول وهو على هذه الحالة: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك، ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ (٣).

стр. 635

ويأتي الحطيم -أيضًا- وهو تحت الميزاب (١) فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، قاله (٢) الشيخ (٣). ويستلم الحجر الأسود، ويقبله، ثم يخرج. قال أحمد: فإذا ولىّ لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع أي استحبابًا (٤). ولا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه. قال الشيخ تقي الدين: هو بدعة مكروهة (٥). فإن ودَّع، ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع وجوبًا، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ولا يعيد إن اشترى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه، أو صلى، لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف. (وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد) ندبًا. وسن دخول البيت بلا خُف، وبلا نعل، وبلا سلاح، نصًّا (٦)، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين، ويدعو، والنظر إلى البيت عبادة نصًّا (٧)، قال ابن عمر: دخل النبي ﷺ ، وبلال، وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى (٨)؟ متفق عليه.

стр. 636

وإن لم يدخل البيت، فلا بأس، لحديث عائشة مرفوعًا: خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع، وهو كئيب. فقال: إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي (١). (وسن زيارة قبر (٢) النبي ﷺ وقبري صاحبيه) ﵄، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" (٣)، وفي رواية: "من زار قبري، وجبت له شفاعتي" (٤)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد ﵇" (٥). وإذا دخل مسجده ﷺ قال ما ورد لدخول غيره من المساجد،

стр. 637

وتقدم (١)، وصلى تحية المسجد، والأولى في الروضة، ثم يستقبل وسط القبر الشريف فيسلم عليه ﷺ ، مستقبلًا له، موليًا ظهره القبلة، فيقول: السلام عليك يا رسول اللَّه. كان ابن عمر لا يزيد على ذلك (٢)، وإن زاد فحسن. قال في شرح "الإقناع" (٣): قال في "الشرح" (٤) و"شرح المنتهى" (٥) أي لمصنفه، ويقول: السلام عليك يا أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللَّه وخيرته من خلقه وعباده. أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت اللَّه حتى أتاك اليقين، صلى اللَّه عليك كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٦) وقد أتيتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى

стр. 638

ربي (١)، فأسألك يا ربي أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين، برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يدعو لوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين، ولا يرفع صوته عنده، لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (٢) وحرمته ميتًا، كحرمته حيًّا. ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبر قبره ﷺ ، ويدعو بما أحب، ثم يتقدم قليلًا من مقام سلامه على رسول اللَّه ﷺ نحو ذراع على يمينه، فيسلم على أبي بكر الصديق ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق. ثم يتقدم نحو ذراع على يمينه -أيضًا- فيسلم على عمر بن الخطاب ﵁ فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق. ويقول: السلام عليكما يا صاحبي رسول اللَّه، وضجيعيه، ووزيريه، اللهم اجزهما عن نبيهما، وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك ﷺ (٣)، ولا بمسجده الشريف يا أرحم الراحمين. ولا يمس قبر النبي ﷺ , ولا حائطه، ولا يتمسح به، ولا يلصق به صدره، ولا يقبله، لما في ذلك من إساءة الأدب، والابتداع. قال الأثرم: رأيتَ أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي ﷺ ، يقومون من ناحية

стр. 639

فيسلمون. قال أبو عبد اللَّه: وهكذا ابن عمر كان يفعل (١). وأما المنبر، فروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده على مقعد النبي ﷺ من المنبر، ثم يضعها على وجهه (٢). تتمة: يستحب الإكثار من الصلاة في مسجده ﷺ ، وهي بألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، كما تقدم في الاعتكاف (٣)، وهي في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة. قال الشيخ: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقًا (٤)، ويسن أن يأتي مسجد قباء -بفتح القاف يقصر ويمد- على ميلين من المدينة، من جهة الجنوب (٥)، فيصلي فيه. لما في "الصحيحين" أنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين (٦)، وفيهما كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا (٧). وكان

стр. 640

ابن عمر يفعله (١)، يزور البقيع ويسلم على من فيه من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين. وإذا أراد الخروج من المدينة ليعود إلى وطنه، عاد إلى المسجد النبوي، فصلى فيه ركعتين، وعاد إلى قبر رسول اللَّه ﷺ فودع، وأعاد الدعاء. قاله في "المستوعب" (٢) قال: ويعزم على أن لا يعود على ما كان عليه قبل حجه من عمل لا يُرضى، ففي الحديث: "أنه يعود كيوم ولدته أمه" (٣). ويستجاب دعاؤه إلى أربعين يومًا. وروى أبو الشيخ الأصفهاني، وغيره، من رواية الليث، عن مجاهد قال: قال عمر: يغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج، بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وعشر من ربيع الأول (٤). ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. لما روى البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول. . فذكره (٥).

стр. 641

ولا بأس أن يُقال للحاج إذا قدم: تقبل اللَّه نسكك، وأعظم أجرك، وخلف نفقتك. رواه سعيد، عن ابن عمر (١)، وكان السلف يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب، وفي الخبر: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج" (٢). (وصفة العمرة أن يحرم بها من بالحرم) من مكي أو غيره (من أدنى الحل) فيخرج من الحرم، ويحرم من الحل وجوبًا، لأنه ميقاته، ليجمع بين الحل والحرم، والأفضل إحرامه من التنعيم، فالجعرانة، فالحديبية، فما بعد من الحرم عن مكة. وحَرُمَ إحرام بعمرة من الحرم، لتركه ميقاته، وينعقد إحرامه، وعليه دم، كمن تجاوز ميقاته بلا إحرام، ثم أحرم (وغيره) أي غير من بالحرم، يحرم بها (من دُوَيرة أهله، إن كان دون ميقات) كما تقدم في المواقيت (وإلا) يكون دون ميقات (فـ) يحرم (منه) أي من الميقات الذي يليه (ثم يطوف ويسعى ويقصِّر) أو يحلق، وقد حل من عمرته. ولا بأس بها في السنة مرارًا، روي عن علي، وابن عمر، وابن عباس وأنس، وعائشة (٣)، واعتمرت عائشة في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ ، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها. وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما

стр. 642

بينهما" (١). متفق عليه. والعمرة في غير أشهر الحج أفضل، نصًّا (٢)، وكره إكثار منها، والموالاة بينها. قال في "الفروع": باتفاق السلف (٣). وهي برمضان أفضل لحديث ابن عباس مرفوعًا "عمرة في رمضان تعدل حجة" (٤). متفق عليه. فائدة: قال أنس: حج النبي ﷺ حجة واحدة، واعتمر أربع عُمَر: واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنائم حنين (٥). متفق عليه. ولا يكره إحرام بها يوم عرفة، ولا أيام التشريق، لعدم نهي خاص عنه، وتجزئ عمرة القارن عن عمرة الإسلام، وتجزئ من التنعيم عن عمرة الإسلام، لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، قال لها النبي ﷺ حين حلت منهما: "قد حللت من حجك وعمرتك" (٦)، وإنما أعمرها من التنعيم قصدًا لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها.

стр. 643

فصل (أركان الحج أربعة) أحدها: (إحرام) بالحج، لأنه نية الدخول فيه، فلا يصح بدونها، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١). وكبقية العبادات. (و) الثاني: (وقوف) بعرفة لحديث "الحج عرفة" (٢) رواه أبو داود مختصرًا. (و) الثالث: (طواف) الزيارة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ (٣). (و) الرابع: (سعي) بين الصفا والمروة، لحديث عائشة قالت: طاف رسول اللَّه ﷺ ، وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- فكانت سنة، فلعمري ما أتم اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة" (٤). رواه مسلم، ولحديث: "اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي" (٥). رواه ابن ماجه. (وواجباته) أي الحج (سبعة) أحدها: (إحرام مار) عن أي (٦) (على ميقات منه) أي من ذلك الميقات، لما تقدم في المواقيت. (و) الثاني: (وقوف) بعرفة (إلى الليل إن وقف) بها (نهارًا، و)

стр. 644

الثالث: (مبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه) أتي الليل (إن وافاها قبله، و). الرابع: المبيت (بمنى لياليها) أي ليالي أيام التشريق، لفعله ﷺ ، وأمره به (١). (و) الخامس: (الرمي) للجمار (مرتبًا) على ما تقدم مفصلًا. (و) السادس: الـ (الحلق (٢) أو) الـ (التقصير، و) السابع: (طواف وداع) وهو الصدر -بفتح الصاد المهملة- وتقدم (٣). (وأركان العمرة ثلاثة): (إحرام) بها. (و) الثاني: (طواف). (و) الثالث: (سعي) كالحج. (وواجباتها) أي العمرة (اثنان: الإحرام من الحل، والحلق أو التقصير) كما تقدم (٤). (ومن فاته الوقوف) بعرفة في وقته لعذر، أو لا (فاته الحج) ذلك العام، لحديث: "الحج عرفة" (٥)، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، فمفهومه فوات الحج بخروج ليلة جمع، وسقط عنه توابع الوقوف، كمبيت بمزدلفة، ومنى، ورمي جمار. (و) من (تحلل بعمرة) عليه (هدي، إن لم يمن اشترط) في أول إحرامه: أن محلي حيث حبستني، وعليه قضاء حج فاته من قابل، ولو نفلًا، لما روى الدارقطني، عن ابن عباس مرفوعًا: "من فاته عرفات، فقد فاته

стр. 645

الحج، وليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل" (١)، وعمومه شامل للفرض والنفل. والحج يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات، فإن كان اشترط أولًا، لم يلزمه قضاء نفل، ولا هدي، حديث ضباعة، وتقدم في الإحرام (٢). وإن وقف الناس كلهم، أو كلهم إلا قليلًا في اليوم الثامن، أو العاشر خطأ، أجزأهم، نصًّا (٣)، لحديث الدارقطني، عن عبد العزيز بن [خالد] (٤) بن أسيد مرفوعًا: "يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه" (٥)، ولحديث أبي هريرة يرفعه: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" (٦). (ومن مُنعَ البيت) أي الوصول إليه، بالبلد، أو الطريق، فلم يمكنه الوصول إليه من طرق أخرى، ولو بعدت، ولو كان منعه بعد الوقوف بعرفة، كما قبله، أو كان المنع في إحرام عمرة (أهدى) أي ذبح هديًا، بنية التحلل، وجوبًا، (ثم حل) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٧) ولأنه ﷺ أمر أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا،

стр. 646

ويحلقوا، ويحلوا (١). وسواء كان الحصر عامًا للحاج، أو خاصًّا به، كمن حبس بغير حق، لعموم النص، ومن حبس بحق يمكنه أداؤه، فليس بمعذور (فإن فقده) أي الهدي (صام عشرة أيام) بنية التحلل قياسًا على المتمتع، وحل، نصًّا (٢). قال في "شرح المنتهى": وظاهره أن الحلق أو التقصير غير واجب هنا، وأن التحلل يحصل بدونه، وهو أحد القولين. قدمه في "المحرر"، وابن رزين في شرحه، وهو ظاهر الخرقي، لأنه من توابع الوقوف، كالرمي، انتهى (٣). ولا إطعام في الإحصار، لعدم وروده، واعتبرت النية في المحصر دون غيره، لأن من أتى بأفعال النسك أتى بما عليه، فحل بإكماله، فلم يحتج إلى نية، بخلاف المحصر، فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقر إلى نيته. ولا قضاء على محصر تحلل قبل فوت الحج، لظاهر الآية، لكن إن أمكن فعل الحج في ذلك العام لزمه (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم في حج (تحلل بعمرة، ولا دم)، لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر، فمعه أولى، فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض، أو فاته الحج، تحلل بطواف وسعي آخرين، لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة

стр. 647

ولا سعيها، وليس عليه أن يُجدد إحرامًا في الأصح. قاله في "شرح المنتهى" (١). ومن أحصر بمرض، أو بذهاب نفقة، أو ضل الطريق، بقي محرمًا حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلص من أذى به، بخلاف حصر العدو، ولا ينحر مَنْ مرض، أو ذهبت نفقته، أو ضل الطريق، هديًا معه، إلا بالحرم، فليس كالمحصر من عدو، نصًّا (٢)، وصغير كبالغ فيما سبق. لكن لا يقضي، حيث وجب، إلا بعد بلوغه، وبعد حجة الإسلام. وفاسده في ذلك كصحيحه. فإن حل من أفسد حجه لإحصار، ثم زال، وفي الوقت سعة قضى في ذلك العام. قال الموفق، والشارح، وجماعة: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة (٣). ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني، فله التحلل مجانًا، ولا قضاء عليه، لظاهر خبر ضباعة (٤)، لكن حجة الإسلام لا تسقط، إن لم يكن حج قبل، لعدم ما يسقط وجوبها.

стр. 648

فصل في الهدي والأضاحي والعقيقة والعقيقة (والأضحية) بضم الهمزة وكسرها، وتخفيف الياء وتشديدها، واحدة الأضاحي، وهي: ما يذبح من إبل، وبقر، وغنم أهلية، يوم العيد، وتالييه، على ما يأتي تقربًا إلى اللَّه تعالى (١). وأجمعوا (٢) على مشروعيتها، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣)، قال جع من المفسرين: المراد التضحية بعد صلاة العيد (٤). وروي: أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما (٥). متفق عليه. وهي (سنة) مؤكدة (يكره تركها لقادر) عليها، نصًّا (٦)، على مسلم تام الملك، أو مكاتب بإذن سيده. لحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "ثلاث كُتبت عليَّ وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر" (٧)، ولحديث: "من أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئًا" (٨). رواه مسلم، فتعليقه على الإرادة، يدل على

стр. 649

عدم وجوبه، وما استدل به على الوجوب (١) ضعفه أصحاب الحديث، ثم يحمل على تأكد الاستحباب، كحديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٢). والتضحية عن ميت أفضل منها عن حي، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية عن حي، وتجب الأضحية بنذر، لحديث:

стр. 650

"من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه" (١). وذبحها، وعقيقة، أفضل من الصدقة بثمنها، نصًّا (٢)، لحديث: "ما عمك ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى اللَّه من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من اللَّه سبحانه بمكان قبل أن يقع على الأرض" (٣). رواه ابن ماجه. وقد ضحى النبي ﷺ ، وأهدى الهدايا، والخلفاء بعده، ولو كان الصدقة بالثمن أفضل لم يعدلوا عنه. (ووقت الذبح) لأضحية، وهدي، ونذر، وتطوع، وقران، من (بعد) أسبق (صلاة عيد) بالبلد الذي يصلى به، ولو قبل خطبة (أو) من بعد (قدرها) أي الصلاة، لمن لم يصل، كأهل البوادي من أصحاب الطُّنُب (٤) ونحوهم، وإن فاتت الصلاة بالزوال، ذبح بعده (إلى آخر ثاني) أيام (التشريق) قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٥). وذبح أضحية، وهدي، في يوم العيد أفضل، ثم الذي يليه، ويجزئ ذبح في ليلتهما. قال في "الإقناع" (٦) مع الكراهة. فإن فات الوقت، قضى الواجب، وفعل به كالمذبوح في وقته، فلا يسقط الذبح بفوات وقته، كما لو

стр. 651

ذبحها في وقتها، ولم يفرقها حتى خرج، ويسقط التطوع بخروج وقته، لأنه سنة فات محلها. (ولا يعطى جازرٌ أجرته منها) لحديث "لا تعط في جزارتها شيئًا منها" (١)، قال أحمد: إسناده جيد (٢). ويعطيه منها هدية، وصدقة، لمفهوم الحديث، ولأنه في ذلك كغيره، بل هو أولى، لأنه باشرها، وتاقت إليها نفسه. (ولا يباع جلدها، ولا شيء منها) ويحرم ذلك (بل ينتفع به) أو يتصدق به، لأنه جزء منها، أو تبع له، فجاز الانتفاع به، والصدقة، كاللحم، وإن سُرق مذبوح من أضحية أو هدي مطلقًا، فلا شيء فيه، إلا بتعد، أو تفريط، كأمانة. ومن اشتبهت عليه أضحيته بأضحية غيره، فذبحها عن نفسه، فبانت للغير، أجزأت عن مالكها، إن لم يفرق لحمها، لعدم افتقار آلة الذبح إلى نية، كغسل النجاسة، فإن فرق اللحم، ضمن، لأن الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره، وإن نواها لنفسه، مع علمه أنها للغير، لم تُجز مالكها، سواء فرق الذابح اللحم أو لا، ويضمن الذابح قيمتها، إن فرق لحمها، وأرش الذبح، إن لم يفرقه. ومن ذبح أضحية أو هديًا معينين، في وقتهما، بغير إذن ربهما، أو وليه، ونوى عنه، أو أطلق، أجزأت، ولا ضمان، لأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها، فلم يضمن ذابحها، ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق اللَّه تعالى، فلم يضمن مريقه، كقاتل المرتد، بغير إذن الإمام. (وأفضل هدي وأضحية: إبل، ثم بقر، ثم غنم) إن أخرج كاملة،

стр. 652

لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. . . " (١) الحديث، والأفضل من كل جنس أسمن، فأغلى ثمنًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ (٢)، قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها (٣). فالأملح وهو الأبيض، أو ما فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر من سواده (٤). لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "دم عفراء أزكى عند اللَّه من دم سوداوين" (٥). رواه أحمد بمعناه، ولأنه لون أضحية النبي ﷺ ، ثم أصفر، ثم أسود. قال الإمام أحمد: يعجبني البياض، وقال: وأكره السواد (٦). (ولا يجزئ) في أضحية ولا هدي واجب (إلا جذع ضأن) وهو ما له ستة أشهر كوامل، لحديث: "يجزئ الجذع من الضأن أضحية" (٧). رواه ابن ماجه. والهدي مثلها، ويعرف بنوم الصوف على ظهره، كما نقل عن أهل البادية، (وثنيُّ غيره) أي غير الضأن، وهو الإبل، والبقر، والمعز (فثني إبل ما له خمس سنين) كوامل، سمي بذلك، لأنه ألقى بثنية (و) ثني (بقر) ما له (سنتان) كاملتان، وثني معز ما له سنة كاملة.

стр. 653

(وتجزئ الشاة عن واحد) وعن أهل بيته وعياله، نصًّا (١)، لحديث أبي أيوب: كان الرجل في عهد رسول اللَّه ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون، ويطعمون (٢). (و) تجزئ (البدنة والبقرة عن سبعة) روي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة (٣). لحديث جابر: نحرنا بالحديبية مع النبي ﷺ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (٤)، ويعتبر ذبحها عنهم، نصًّا (٥)، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٦) وسواء أرادوا كلهم قربة، أو أراد بعضهم قربة، وبعضهم لحمًا. وجذع ضأن أفضل من ثني معز، والواحدة من الضأن أو المعز أفضل من سُبع بدنة أو بقرة. وتجزئ جماء (٧)، وبتراء (٨)، وصمعاء (٩)، وخصي، ومرضوض الخصيتين، لأنه ﷺ ضحى بكبشين موجوءين (١٠) والوجاء رضُّ

стр. 654

الخصيتين (١)، ولأن الخصاء أذهب عضوًا غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه، ويسمن، فإن قطع ذكره مع ذلك لم يجز، وهو الخصي المجبوب. ويجزئ من إبل، وبقر، وغنم، ما خلق بغير أذن، أو ذهب نصف أليته فما دونه (٢)، وكذا الحامل (ولا تجزئ هزيلة) لا مخ فيها (و) لا (بينة عور) بأن انخسفت عينها، للخبر (٣)، (أو) بينة (عرج) لا تطيق مشيًا مع صحيحة، ولا مريضة بينة مرض، وهي التي فسد لحمها، بجرب، أو غيره (ولا ذاهبة الثنايا) من أصلها، وهي: الهتماء (أو) ذهب (أكثر أذنها أو) أكثر (قرنها)، لحديث علي: نهى النبي ﷺ أن يُضحى بأعضب الأذن والقرن. قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: النصف فأكثر. رواه الخمسة (٤). ولأن الأكثر كالكل. ولا تجزئ الجداء، وهي: جافة الضرع. ولا عصماء، وهي: التي

стр. 655

انكسر غلاف قرنها. وتكره معيبة إذن بخرق، أو شق، أو قطع لنصف فأقل. لحديث علي: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نستشرف العين، والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع من طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الشرقاء؛ قال: تشق إذنها للسِّمة" (١). رواه أبو داود. وهذا نهي تنزيه، فيحصل الإجزاء بها، لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، ولا يكاد يوجد سالم من ذلك كله. (والسنة نحر إبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى) بأن يطعنها بنحو حربة في الوهدة، وهي ما بين أصل العنق والصدر. لحديث زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر أتى رجلًا أناخ بدنة لينحرها، فقال: ابعثها قائمة، مقيدة، سنة محمد ﷺ " (٢). متفق عليه. وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي منها من قوائمها (٣)، ويؤيده ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٤)، لكن إذا خشي أن تنفر أناخها. (و) السنة (ذبح غيرها) أي غير الإبل، وهي: البقر والغنم علي جنبها الأيسر، موجهة إلى القبلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٥)،

стр. 656

ولحديث: "ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده" (١). ويجوز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر، ويحل، لأنه لم يجاوز محل الذبح، ولعموم حديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه عليه، فكل" (٢)، ويسمي وجوبًا، حين يحرك يده بالفعل، وتسقط سهوًا (فيقول: بسم اللَّه) ويكبِّر ندبًا، ويقول: (اللهم هذا منك ولك) ولحديث ابن عمر مرفوعًا: "ذبح يوم العيد كبشين" ثم قال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، بسم اللَّه، اللَّه أكبر، اللهم هذا منك ولك" (٣). رواه أبو داود. ولا بأس بقول الذابح: اللهم تقبل من فلان، لحديث تقبَّل من محمد، وآل محمد، وأمة محمد، ثم ضحى (٤). رواه مسلم، ومن كون ذابح مسلمًا، لأنها قربة، ينبغي أن لا يليها غير أهلها، فإن استناب فيها ذميًّا، أجزأت مع الكراهة. وتولي مضح بنفسه أفضل، نصًّا (٥)، للأخبار (٦)، ويحضر إن وكَّل، لحديث ابن عباس الطويل "واحْضرُوها إذا ذبحتم، فإنه يغفر لكم عند أول

стр. 657

قطرة من دمها" (١). (وسن أن يأكل) من أضحيته (ويهدي ويتصدق أثلاثًا) أي: يأكل مع أهل بيته ثلثًا، ويهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث (مطلقًا) حتى من أضحية واجبة، أو موصى بها على يديه، وحتى الإهداء لكافر من أضحية تطوع. قال الإمام أحمد (٢): نحن نذهب إلى حديث عبد اللَّه: يأكل الثلث، ويعطي من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين. قال علقمة (٣): بعث معي عبد اللَّه بهدية، فأمرني أن آكل ثلثًا، وأن أرسل إلى أخيه بالثلث، وأن أتصدق بثلث. وهو قول ابن مسعود، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤)، والقانع: السائل. والمعتر: الذي يعتريك (٥)، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر ثلاثة فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا، ولا يجب الأكل منها. وإذا ضحى ولي اليتيم عنه فلا يهدي منها، ولا يتصدق بشيء، ويوفرها له، لأنه ممنوع من التبرع من ماله. (و) سن (الحلق بعدهما) أي بعد ذبح أضحية. قال أحمد (٦): على ما فعل ابن عمر، تعظيمًا لذلك اليوم. ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب لذلك بعده، كالمحرم.

стр. 658

فائدة: قال الشيخ تقي الدين: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، عند غيبته، كالنفقة عليهم. انتهى (١). (وإن أكلها) كلها (إلا أوقية، جاز) لإطلاق الأمر بالأكل والإطعام، كما لو تصدق بها، وأهداها كلها، ضمن ما يقع عليه اسم اللحم، كالأوقية، بمثله لحمًا، لأنه حق يجب عليه أداؤه، مع بقائه، فلزمته غرامته، كالوديعة. ونُسِخَ تحريم ادخار لحم الأضاحي، لحديث: "كنت نهيتكم عن ادخار لحم الأضاحي فوق ثلاث، فامسكوا ما بدا لكم" (٢). ويعتبر تمليك الفقير لشيء من اللحم، فلا يكفي إطعامه. (وحَرُمَ على مريدهما) أي: التضحية، عن نفسه، أو من يضحي عنه غيره (أخذ شيء من شعره) أو (ظفره) أو (بشرته في العشر) أي عشر ذي الحجة، إلى بعد الذبح، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، حتى يضحي" (٣). رواه مسلم. وفي رواية له: "ولا من بشرته" فإن فعل تاب إلى اللَّه تعالى، لوجوب التوبة من كل ذنب، فإن أخذ شيئًا من شعره، أو ظفره في العشر، ثم أراد التضحية، فظاهره أنه لا يحرم ذلك، لأنه حين أخذه لم يرد التضحية. (وتسن العقيقة) أي الذبيحة عن المولود، لأن العق: القطع (٤)، ومنه

стр. 659

عق والديه إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم والمريء. وهي سنة مؤكدة. قال أحمد (١): العقيقة سنة عن رسول اللَّه ﷺ ، قد عق عن الحسن والحسين (٢)، وفعله أصحابه (٣)، وقال ﷺ : "الغلام مرتهن بعقيقته" إسناده جيد (٤). وهي في حق الأب لا غيره، ولو كان معسرًا، ويقترض. قال أحمد (٥): إذا لم يكن عنده ما يعق، فاستقرض، رجوت أن يخلف اللَّه عليه، لأنه أحيا سنة. (وهي عن الغلام شاتان) متقاربتان سنًّا وشبهًا، فإن عدم الشاتين فواحدة (وعن الجارية شاة) لحديث أم كرز الكعبية: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة" (٦).

стр. 660

ولا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة، نصًّا (١)، قال في "النهاية" (٢): وأفضله شاة (تذبح يوم السابع) من ولادته أي المولود. قال في "الإنصاف" (٣): ذبحها يوم السابع أفضل، ويجوز ذبحها قبل ذلك، ولا يجوز قبل الولادة. ويحلق فيه رأس ذكر، ويتصدق بوزنه وَرِقًا، لحديث سمرة بن جندب مرفوعًا: "كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى، ويحلق رأسه" (٤). رواه الأثرم، وأبو داود. وعن أبي هريرة مثله (٥). قال أحمد: إسناده جيد (٦). وقال ﷺ لفاطمة لما ولدت الحسن: "احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة، على المساكين والأوفاض (٧) -يعني أهل

стр. 661

الصفة" (١) رواه الإمام أحمد. ويكره لطخ المولود من دمها، لأنه أذى، وتنجيس، ويسن أن يسمى فيه للخبر (٢)، ويحسن اسمه، لحديث: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم" (٣). رواه أبو داود. والتسمية حق للأب، وحَرُم أن يسمى بعبد لغير اللَّه، كعبد الكعبة، وعبد النبي، وبما يوازي أسماء اللَّه تعالى: كاللَّه، والرحمن، وما لا يليق إلا به، كملك الملوك، أو ملك الأملاك. لحديث أحمد: "اشتد غضب اللَّه على رجل يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا اللَّه تعالى" (٤). وكره أن يسمى بحرب، ويسار، ونحوهما، للنهي عن ذلك (٥)، ولأنه ربما كان طريقًا إلى التشاؤم، ولا يكره التسمية بأسماء الأنبياء، والملائكة. وعن مالك: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم

стр. 662

اسم محمد إلا رزقوا، ورزق خيرًا (١). وأحب الأسماء إلى اللَّه، عبد اللَّه، وعبد الرحمن، للخبر (٢). رواه مسلم، ويسن تغيير اسم قبيح كما فعل النبي ﷺ (٣). (فإن فات) الذبح في سابعه (ففي أربعة عشر، فإن فات) في أربعة عشر (ففي إحدى وعشرين) من ولادته (ثم لا تعتبر الأسابيع) بعد ذلك، فيعق أيّ يوم أراد، كقضاء أضحية، وغيرها. وينزعها أعضاء، ندبًا، ولا يكسر عظمها، لقول عائشة: "السنة شاتان متكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة، تطبخ جدولًا، ولا يكسر لها عظم" (٤). وجدولًا، أي: عضوًا عضوًا، وهو الجدل، بدال مهملة (٥)، وذلك للتفاؤل بالسلامة، كما روي عن عائشة ﵂ وطبخها أفضل، نصًّا (٦)، للخبر (٧)، ويكون بشيء حلو (٨)، تفاؤلًا بحلاوة أخلاقه.

стр. 663

(وحكمها) أي العقيقة، (كأضحية) فلا يجزئ فيها إلا ما يجزئ في أضحية، وكذا فيما يستحب ويكره، وفي أكل، وهدية، وصدقة، لأنها نسك مشروعة، أشبهت الأضحية، لكن يجوز أن يباع منها جلد، ورأس، وسواقط، ويتصدق بثمنه، بخلاف أضحية، وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية، فعق، أو ضحى، أجزأت عنه الأخرى، كما لو اتفق يوم عيد وجمعة، فاغتسل لأحدهما، وكذا ذبح متمتع، أو قارن، شاةً يوم النحر، فيجزئ عن الهدي الواجب. ولا عتيرة في الإسلام (١) متفق عليه، ولا يكرهان، لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة، لا النهي عنهما، واللَّه أعلم. * * *

стр. 664

كتاب الجهاد مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة، من جهد، أي بالغ في جهاد عدوه، فهو لغة: بذل الطاقة والوسع (١). وشرعًا: قتال الكفار خاصة (٢). و(هو فرض كفاية) لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٣)، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤)، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. . .﴾ (٥) الآية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإلا أثموا كلهم. وسن بتأكد مع قيام من يكفي به، للآيات (٦)، والأخبار (٧) الدالة على فضله. ولا يجب جهاد إلا على ذكر، لحديث عائشة: هل على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة (٨). ولا يجب على خنثى

стр. 665

مشكل للشك في شرطه. مسلم كسائر فروع الإسلام حُرٍّ، فلا يجب على عبد، لما روي أنه ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد (١)، مكلَّفٍ، فلا يجب على صغير، ولا على مجنون، لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" (٢)، سليم من العمى والعرج والمرض، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٣) الآية، وكذا لا يلزم أشل، ولا أقطع يد أو رجل، واجد بملك، أو بذل إمام ما يكفيه ويكفي أهله في غيبته لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ. . .﴾ (٤) الآية. ويسن تشييع غاز، لا تلقيه، نصًّا (٥) (إلا إذا حضره) أي حضر صف القتال (أو حصره، أو) حصر (بلده عدو) تعين عليه إن لم يكن عذر، لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ (٧) (أو كان النفير عامًّا) بأن استنفره من له استنفاره، من إمام أو نائبه (فـ) هو حينئذ (فرض عبر) لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٨). وقوله ﷺ : "إذا استنفرتم فانفروا" (٩) متفق عليه.

стр. 666

وأفضل تطوع به من العبادات: الجهاد. قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد (١). قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ إلى ﴿غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ (٣)، ولحديث أبي سعيد قال: قيل: يا رسول اللَّه، أي الناس أفضل؟ قال: "من يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله" (٤) متفق عليه. ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه، فلا يساويه في فضله. وغزو البحر أفضل من غزو البر، لحديث ابن ماجه مرفوعًا: "شهيد البر يغفر له كل شيء إلا الدَّين، ويغفر لشهيد البحر كل شيء حتى الدين" (٥). (ولا يتطوع به) -أي الجهاد- (مَنْ أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه)

стр. 667

لحديث عبد اللَّه بن عمرو: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أجاهد؛ قال: "لك أبوان؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" (١). وعن ابن عباس نحوه (٢)، ولأن بر الوالد فرض عين، والجهاد فرض كفاية، ولا يعتبر إذن جد وجدة، لورود الأخبار في الأبوين، وغيرهما لا يساويهما في الشفقة، ولا يعتبر إذن الأبوين في سفر لواجب، من حج، أو علم، أو جهاد. ولا يتطوع به مدين لآدمي لا وفاء له، حالًّا أو مؤجَّلًا، إلا بإذن رب الدَّين، أو رهن، أو كفيل مليء، ولا يحل للمسلمين فرار من مثليهم، ولو واحد من اثنين. قال ابن عباس: من فز من اثنين فقد فرّ، ومن فر من ثلاثة فما فر (٣). إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، وإن بَعُدَت، للآية (٤). ومعنى التحرُّف للقتال: التحيز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كانحرافهم عن مقابلة شمس، أو ريح، أو استناد إلى نحو جبل، ومعنى التحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين، ليكون معهم، فيتقوى بهم. قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان، والزحف بالحجاز، جاز التحيز إليهم (٥). لحديث ابن عمر مرفوعًا: أنا فئة لكم. وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: أنا فئة لكل مسلم. وكان بالمدينة، وجيوشه بالشام، ومصر،

стр. 668

والعراق، وخراسان (١)، رواهما سعيد. (وسن رباط) في سبيل اللَّه، لحديث سلمان مرفوعًا: "رباط ليلة في سبيل اللَّه خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان" (٢) رواه مسلم. (وأقلُّه ساعة)، قال أحمد (٣): يوم رباط، وليلة رباط، أو ساعة رباط. وسمي المقام بالثغور رباطًا، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم، والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو، ويخيفهم (٤). (وتمامه) أي الرباط (أربعون يومًا) رواه أبو الشيخ مرفوعًا (٥)، وأفضله ما كان أشد خوفًا، وهو أفضل من المقام بمكة. والصلاة بالمساجد الثلاثة أفضل من الصلاة فيه. تتمة: تجب الهجرة على كل عاجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم كفر، أو بدع مضلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ. . .﴾ (٦) الآية.

стр. 669

إن قدر عليها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ. . .﴾ (١) إلى آخر الآية. وعنه ﷺ : "أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا ترى ناراهما" (٢) رواه أبو داود والترمذي. أي لا يكون بموضع يرى نارهم به، ويرون ناره إذا أوقدت. وسن هجرة لقادر على إظهار دينه، بنحو دار كفر، ليتخلص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم، وعلم مما تقدم: بقاء حكم الهجرة، لحديث: "لا تنقطع الهجرة بعد الفتح" (٣) أي من مكة. (وعلى الإمام منع مخذِّل) أي: منفر (٤) للناس عن الغزو، ومزهدهم في القتل والخروج إليه، كقوله: الحر والبرد شديد، أو المشقة شديدة، أو لا تؤمن هزيمة الجيش (و) عليه منع (مرجف) كمن يقول: هلكت سرية المسلمين، ولا طاقة لهم بالكفار، ونحوه. وعليه منع مكاتب بأخبارنا، ومعروف بنفاق، وصبي ولو مميزًا، أو نساء إلا عجوزًا لسقي ماء ونحوه. وتحرم استعانة بكافر، إلا لضرورة، أو بأهل الأهواء في شيء من أمور

стр. 670

المسلمين، لأنهم دعاة، واليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم. (وعلى الجيش) أي: يلزمهم (طاعته) أي: طاعة الإمام، أو الأمير، برأيه وقسمته الغنيمة، وإن خفي عليه صواب عرفوه، ونصحوه، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، ولحديث: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٢). رواه النسائي، ولحديث: "الدين النصيحة" (٣) (و) عليهم (الصبر معه) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر. (وتمُلك الغنيمةُ باستيلاء عليها) ولو (في دار حرب) لأن الاستيلاء التام سبب الملك، وقد وجد، لثبوت أيدينا عليها حقيقة، ولزوال ملك كفار عنها، لأنه لا ينفذ عتقهم لعبد منها، والملك لا يزول إلى غير مالك. ويجوز قسمتها بدار الحرب، وبيعُها، فلو غلب عليها العدو بمكانها فمن مال مشتر فرط أو لا، لحديث: "الخراج بالضمان" (٦)، وشراء الأمير لنفسه منها، إن وكل من يُجهل أنه وكيله، صح، وإلا حرم، للمحاباة، وتضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمته.
следующие страницы →