وأفضل تطوع به من العبادات: الجهاد. قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد (١). قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ إلى ﴿غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ (٣)، ولحديث أبي سعيد قال: قيل: يا رسول اللَّه، أي الناس أفضل؟ قال: "من يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله" (٤) متفق عليه. ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه، فلا يساويه في فضله.
وغزو البحر أفضل من غزو البر، لحديث ابن ماجه مرفوعًا: "شهيد البر يغفر له كل شيء إلا الدَّين، ويغفر لشهيد البحر كل شيء حتى الدين" (٥).
(ولا يتطوع به) -أي الجهاد- (مَنْ أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه)
стр. 667
لحديث عبد اللَّه بن عمرو: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أجاهد؛ قال: "لك أبوان؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" (١). وعن ابن عباس نحوه (٢)، ولأن بر الوالد فرض عين، والجهاد فرض كفاية، ولا يعتبر إذن جد وجدة، لورود الأخبار في الأبوين، وغيرهما لا يساويهما في الشفقة، ولا يعتبر إذن الأبوين في سفر لواجب، من حج، أو علم، أو جهاد.
ولا يتطوع به مدين لآدمي لا وفاء له، حالًّا أو مؤجَّلًا، إلا بإذن رب الدَّين، أو رهن، أو كفيل مليء، ولا يحل للمسلمين فرار من مثليهم، ولو واحد من اثنين. قال ابن عباس: من فز من اثنين فقد فرّ، ومن فر من ثلاثة فما فر (٣). إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، وإن بَعُدَت، للآية (٤).
ومعنى التحرُّف للقتال: التحيز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كانحرافهم عن مقابلة شمس، أو ريح، أو استناد إلى نحو جبل، ومعنى التحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين، ليكون معهم، فيتقوى بهم. قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان، والزحف بالحجاز، جاز التحيز إليهم (٥). لحديث ابن عمر مرفوعًا: أنا فئة لكم. وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: أنا فئة لكل مسلم. وكان بالمدينة، وجيوشه بالشام، ومصر،
стр. 668
والعراق، وخراسان (١)، رواهما سعيد.
(وسن رباط) في سبيل اللَّه، لحديث سلمان مرفوعًا: "رباط ليلة في سبيل اللَّه خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان" (٢) رواه مسلم.
(وأقلُّه ساعة)، قال أحمد (٣): يوم رباط، وليلة رباط، أو ساعة رباط. وسمي المقام بالثغور رباطًا، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم، والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو، ويخيفهم (٤).
(وتمامه) أي الرباط (أربعون يومًا) رواه أبو الشيخ مرفوعًا (٥)، وأفضله ما كان أشد خوفًا، وهو أفضل من المقام بمكة. والصلاة بالمساجد الثلاثة أفضل من الصلاة فيه.
تتمة:
تجب الهجرة على كل عاجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم كفر، أو بدع مضلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ. . .﴾ (٦) الآية.
стр. 669
إن قدر عليها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ. . .﴾ (١) إلى آخر الآية. وعنه ﷺ : "أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا ترى ناراهما" (٢) رواه أبو داود والترمذي. أي لا يكون بموضع يرى نارهم به، ويرون ناره إذا أوقدت.
وسن هجرة لقادر على إظهار دينه، بنحو دار كفر، ليتخلص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم، وعلم مما تقدم: بقاء حكم الهجرة، لحديث: "لا تنقطع الهجرة بعد الفتح" (٣) أي من مكة.
(وعلى الإمام منع مخذِّل) أي: منفر (٤) للناس عن الغزو، ومزهدهم في القتل والخروج إليه، كقوله: الحر والبرد شديد، أو المشقة شديدة، أو لا تؤمن هزيمة الجيش (و) عليه منع (مرجف) كمن يقول: هلكت سرية المسلمين، ولا طاقة لهم بالكفار، ونحوه. وعليه منع مكاتب بأخبارنا، ومعروف بنفاق، وصبي ولو مميزًا، أو نساء إلا عجوزًا لسقي ماء ونحوه.
وتحرم استعانة بكافر، إلا لضرورة، أو بأهل الأهواء في شيء من أمور
стр. 670
المسلمين، لأنهم دعاة، واليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم.
(وعلى الجيش) أي: يلزمهم (طاعته) أي: طاعة الإمام، أو الأمير، برأيه وقسمته الغنيمة، وإن خفي عليه صواب عرفوه، ونصحوه، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، ولحديث: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٢). رواه النسائي، ولحديث: "الدين النصيحة" (٣) (و) عليهم (الصبر معه) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر.
(وتمُلك الغنيمةُ باستيلاء عليها) ولو (في دار حرب) لأن الاستيلاء التام سبب الملك، وقد وجد، لثبوت أيدينا عليها حقيقة، ولزوال ملك كفار عنها، لأنه لا ينفذ عتقهم لعبد منها، والملك لا يزول إلى غير مالك.
ويجوز قسمتها بدار الحرب، وبيعُها، فلو غلب عليها العدو بمكانها فمن مال مشتر فرط أو لا، لحديث: "الخراج بالضمان" (٦)، وشراء الأمير لنفسه منها، إن وكل من يُجهل أنه وكيله، صح، وإلا حرم، للمحاباة، وتضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمته.
стр. 671
ويبدأ في قسم بدفع سلب إلى مستحقه، ثم بأجرة جمع (١) وحفظها وحملها، ثم يخمس الباقي على خمسة أسهم (فيُجعل خُمسها خمسة أسهم) أيضًا (سهم للَّه ولرسوله) ﷺ مصرفه كالفيء في مصالح المسلمين (وسهم لذوي القربى: وهم بنو هاشم و) بنو (المطلب) بن عبد مناف، دون غيرهم من بني عبد مناف، لحديث جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول اللَّه ﷺ من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب، بقيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول اللَّه، أما بنو هاشم، فلا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك اللَّه به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ ! فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه (٢). رواه أحمد، والبخاري.
ولا يستحقه منه مولى لهم، ولا من أمه منهم دون أبيه، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهم يستحقون بالقرابة، كالميراث، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، لعموم الآية (٣)، ولأن النبي ﷺ كان يعطي أقاربه كلهم وفيهم الغني، كالعباس (وسهم لليتامى الفقراء) وهم من مات أبوه ولم يبلغ، لحديث: "لا يتم بعد احتلام" (٤) واعتبر فقرهم، لأن الصرف إليهم لحاجتهم، ويسوى فيه بين ذكرهم وأنثاهم (وسهم للمساكين) أي: أهل الحاجة، فيدخل فيهم الفقراء (وسهم لأبناء السبيل) فيعطون، كما يعطون في زكاة.
стр. 672
(وشرُط في) سهم (من يسهم له: إسلام) لأنه عطية من اللَّه تعالى، فلا حق لكافر فيه، كزكاة.
ومن فيه سببان فأكثر، ممن يستحق من الخمس، أخذ بها (ثم يقْسمُ) إمامٌ (الباقي) بعد ما ذكر (بين من شهد الوقعة) أي: الحرب، لقصد قتال، قاتل أو لم يقاتل، أو بعث في سرية، أو لمصلحة، كرسول، ودليل، ونحوهما، فيقسم (للراجل) ولو كافرًا (سهمٌ، وللفارس على فرس عربي) ويسمى: العتيق (ثلاثة) أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، لحديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له (١). متفق عليه.
(و) للفارس (على) فرس (غيره) أي: غير العربي، كالهجين: وهو ما أبوه فقط عربي، أو مقرف: وهو ما أمه فقط عربية، أو برذون: وهو ما أبواه نبطيان (٢) (اثنان) سهم له، وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربب سهمين، وأعطى الهجين سهمًا (٣). رواه سعيد.
(ويُقسم لحرٍّ) لا لعبد لم يأذن له سيده في غزو، ولعصيانه (مسلم) فلا يقسم لكافر لم يأذن له الأمير. مكلَّف، فلا يقسم لصبي ولا مجنون، لأنهما لا يصلحان لقتال (ويرضخ لغيرهم) أي غير من يقسم له، وهو: العطاء دون السهم، لمن لا سهم له من الغنيمة، فيرضخ لمميز، وعبد، وخنثى، وامرأة، على ما يراه الإمام أو نائبه، ولا يرضخ الكافر.
стр. 673
(وإذا فتحوا) أي الغزاة (أرضًا بالسيف، خُيِّرَ الإمام بين قسمها) بين الغانمين، كمنقول فيه (و) بين (وقفها على المسلمين) بلفظ يحصل به الوقف (ضاربًا عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي في يده) من مسلم، وذمي، هو أجرتها كل عام. الثانية: ما جُلُّوا عنها، خوفًا منا، وحكمها كالأولى. الثالثة: المصالح عليها، وهي نوعان: فما صولحوا على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج، فهي كالعنوة في التخيير. والثاني: ما صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهي كجزية، إن أسلموا، أو انتقلت إلى مسلم؛ سقط (١)، ويقرون فيها بلا جزية، لأنها ليست بدار إسلام. ويجب على الإمام فعل الأصلح، ويرجع في خراج، وفي جزية، إلى تقديره.
(وما أُخذ من مشرك بلا قتال كجزية وخراج وعُشر) تجارة من حربي، ونصفه من ذمي. وما ترك من كفار فزعًا، أو ترك عن مسلم، أو كافر لا وارث له (فيءٌ) من فاء الظل، إذا رجع نحو المشرق، سمي به المأخوذ من الكفار، لأنه رجع منهم إلى المسلمين، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢) الآية.
ومصرف الفيء (لمصالح المسلمين، وكذا خمسُ خمس الغنيمة) يصرف في مصالح المسلمين -أيضًا- لعموم نفعها، ودعاء الحاجة إلى تحصيلها، ويبدأ بالأهم فالأهم من سد ثغر، وكفاية أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين، ثم بالأهم فالأهم، من سد بثق، أي: المكان المنفتح من جانب النهر (٣). ومن كراء نهر، أي: تنظيفه مما يعوق الماء عن جريه. ومن عمل قنطرة، ورزق قضاة، وغير ذلك.
стр. 674
فصل في عقد الذمة
(ويجوز عقد الذمة) وهي لغة: العهد، والضمان، والأمان (١). لحديث: "يسعى بذمتهم أدناهم" (٢). ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية، والتزامِ أحكام الملة (٣). والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .﴾ (٤) الآية.
ولا تعقد الذمة إلا (لمن له كتاب) وهم اليهود، والنصارى، ومن تدين بالتوراة كالسامرة، أو تدين بالإنجيل، كالإفرنج، والصابئين، والروم، والأرمن (أو) من له (شُبهته) أي الكتاب كالمجوسي، فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فذلك شبهة لهم أوجبت حقن دمائهم، بأخذ الجزية منهم، ولأخذه ﷺ الجزية من مجوس هجر (٥). رواه البخاري.
ونصارى العرب، ويهودهم، ومجوسهم، من بني تغلب، وغيرهم، لا جزية عليهم ولو بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتين من أموالهم، لأن عمر ضعفها عليهم (٦)، ومصرفها كمصرف جزية.
(ويُقاتَل هؤلاء) أي: أهل الكتاب، ومن له شبهته (حتى يُسلموا، أو
стр. 675
يُعطوا الجزية) للآية (١) (و) يقاتل (غيرهم) أي: غير أهل الكتاب أو من له شبهته (حتى بُسلموا، أو يُقتلوا) لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه" (٢). خص منه أهل الكتاب، ومن ألحق بهم، لما تقدم، وبقي ما عداهم على الأصل.
(وتؤخذ منهم) أي الجزية (ممتهنين مصغَّرين) حالان، فتجرُّ أيديهم عند أخذها، ويطال قيامهم، حتى يألموا ويتعبوا، وتؤخذ منهم وهم قيام، والآخذ جالس، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) ولا يقبل منهم إرسالها مع غيرهم، لزوال الصغار.
ويجوز أن يشترط مع الجزية، ضيافة من يمر بهم من المسلمين (ولا تؤخذ) الجزية (من صبي وعبد وامرأة) لأنهم لا يقتلون، وهي بدل القتل، (و) لا تؤخذ من (فقير عاجز عنها) لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، ونحوهم -أي الصبي وما عطف عليه- كأعمى، ومجنون، وشيخ فانٍ، وراهب بصومعته، لأنهم لم يُقتلوا.
(ويلزم أخذهم) أي: أهل الذمة (بحكم الإسلام فيما يعتقدون تحريمه من نفس، وعرض، ومال، وغيرها) كإقامة حد في زنا، ولا يحدون فيما يحلونه، كخمر، وأكل خنزير، ونكاح ذات محرم، ولأنهم يقرون على كفرهم، وهو أعظم جرمًا وإثمًا من ذلك، إلا أنهم يمنعون من إظهاره.
стр. 676
(ويلزمهم التميُّز عن المسلمين) بلباسهم، وبقبورهم، ونحو ذلك، (ولهم ركوب غير خيل بغير هج) بل بإكاف، أو برذعة عرضًا، رجلاه إلى جانب، وظهره إلى جانب.
(وحَرُمَ تعظيمهم) وقيام لهم. والمبتدع يجب هجره. وتصديرهم في المجالس (وبُداءَتهُم بالسلام) وبكيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ وتهنئتهم وتعزيتهم، وعيادتهم، وشهادة أعيادهم، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تبتدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى ضيقها" (١) رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما، وما عدا السلام مما ذكر ففي معناه.
ومن سلم على ذمي لا يعلمه ثم علمه، سن قول: رُدَّ علي سلامي، لما روي عن ابن عمر (٢). فإن كان مع الذمي مسلم، سلَّم ناويًا المسلم، نصًّا (٣)، وإن سلم ذمي على مسلم لزم رده، فيقول: وعليكم. لحديث أحمد، عن أنس قال: "نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الذمة على: وعليكم" (٤).
وإن شمَّته كافر، أجابه: بيهديكم اللَّه. وكذا إن عطس الذمي، فحمد، لحديث أبي موسى: إن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: يرحمكم اللَّه، فكان يقول لهم: "يهديكم اللَّه، ويصلح
стр. 677
بالكم" (١). رواه أبو داود، وغيره.
ويمنعون من حمل سلاح ونحو ذلك، ومن تعلية بناء على مسلم، ومن إحداث كنائس، وبِيَع، ومجتمع يجتمعون فيه لصلاتهم، ومن بناء ما استهدم منها، ولو كلها، ومن إظهار منكر، وعيد، وصليب، وإظهار أكل وشرب نهار رمضان، ومن رفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن، ومن ضرب ناقوس، وجهر بكتابهم، ومن دخول حرم مكة لقمله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، والمراد به الحرم.
ويمنعون بإقامة بالحجاز، كالمدينة، واليمامة، وخيبر، لحديث عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أنزل فيها إلا مسلمًا" (٣). قال الترمذي: حسن صحيح. وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذن فيه مسلم.
ويجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وإن تحاكموا إلينا بعضهم من بعض فلنا الحكمُ، والتركُ، ويجب بين مسلم وذمي، ويلزمهم حكمنا، ويمنعون من شراء مصحف، وكتب حديث، وفقه.
(وإن تعدى الذمي على مسلم) بقتل، أو فتنته عن دينه، انتقض عهده، لأنه ضرر يعم المسلمين، أشبه ما لو قاتلهم (أو ذكر اللَّه، أو كتابه، أو رسوله بسوء) ونحوه، كقوله لن سمعه يؤذن: كذبت (انتقض عهده) لما روي أنه قيل لابن عمر: إن راهبًا يشتم رسول اللَّه ﷺ فقال: لو سمعته
стр. 678
قتلته، إنا لم نُعطِ الأمان على هذا (١).
أو أبى بذل جزية، أو الصغار، أو التزام أحكامنا، أو قاتلنا، أو لحق بدار حرب مقيمًا، أو زنا بمسلمة، أو أصابهم باسم نكاح، أو قطع طريقًا، أو تجسس، أو آوى جاسوسًا، انتقض عهده، سواء شرط عليهم ذلك، أو لا (فـ) حينئذ (يخير الإمام فيه) أي (٢) المنتقض عهده، ولو قال: تبتُ (كأسير حربي) بين قتل، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، واسترقاق، ومَنٍّ، وفداءِ، لأنه كافر لا أمان له، قدرنا عليه في دارنا، بغير عهد، ولا عقد، وماله فيء، ولا ينتقض عهد نسائه، ولا أولاده، حيث انتقض عهده، نصًّا (٤)، لوجود النقض منه دونهم.
стр. 679
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات
تأليف
عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي
. . . - ١٢٤٠ هـ
تحقيق
الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم
الجزء الثاني
стр. 680
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 681
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات
٢
стр. 682
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غاية في كلمة
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
جميع الحقوق محفوظة ٢٠٠٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
стр. 683
كتاب البيع
وسائر المعاملات من الربا، والرهن، والضمان، والصلح، والحجر، والوكالة، وغير ذلك مما يأتي مفصلًا إن شاء اللَّه تعالى. وهو مأخوذ من الباع؛ لمد كل من المتبايعين يده للآخر أخذًا وعطاءً، أو من المبايعة -أي المصافحة- كل منهما الآخر عنده (١)، وهو جائز بالإجماع (٢) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣)، وحديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٤) متفق عليه.
وهو لغة: دفع عوض وأخذ معوض عنه (٥)، وشرعًا: مبادلة عين مالية مباحة النفع بلا حاجة أو منفعة مباحة مطلقًا كممر في دار وبقعة تحفر بئرًا، بخلاف نحو جلد ميتة مدبوع، لأنه لا ينتفع به مطلقًا بأحدهما كبيع كتاب بكتاب أو بممر في دار، وبيع نحو ممر في دار بكتاب، أو بممر في دار أخرى، أو مبادلة عين مالية، أو منفعة مباحة مطلقًا بمال في الذمة من نقد أو غيره، وكذا مبادلة مال في الذمة بمال في الذمة إذا قبض أحدهما قبل التفرق، أو بعين مالية أو منفعة مباحة فشمل حينئذ تسع صور (٦).
стр. 684
(تنعقد) سائر المعاملات من بيع وغيره (بمعاطاة) نصًّا (١)، في القليل والكثير لعموم الأدلة (٢). ولأنه تعالى أحل البيع ولم يتبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم ومبايعاتهم على ذلك، كأعطني بهذا الدرهم ونحوه خبزًا، فيعطيه ما يرضيه مع سكوته، أو يساومه (٣) سلعة بثمن فيقول: خذها، أو هي لك ونحو ذلك.
(و) كذا نحو هبة وهدية وصدقة (بإيجاب) كقول بائع: بعتك كذا، وملكتك كذا ونحو ذلك، (وقبول) كقول مشتر: قبلت ذلك، ونحوه، وصح تقدم إيجاب على قبول بلفظ أمر وماض مجرد عن استفهام، كقول مشتر بعني أو اشتريت منك كذا بكذا، فيقول: بعتك، أو بارك اللَّه لك.
وصح تراخي أحدهما عن الآخر ماداما في المجلس، ولم يشتغلا بما يقطع البيع عرفًا, وإنما ينعقد (بسبعة شروط):
أحدها: (الرضا) فإن أكرها أو أحدهما بغير حق لم يصح، لحديث "إنما البيع عن تراض" (٤).
والثاني: الرشد (و) هو (كون عاقد جائز التصرف)، أي: حرًّا مكلفًا رشيدًا، فلا يصح من مجنون مطلقًا، ولا من سفيه وصغير، لأنه قول
стр. 685
يعتبر له الرضا فاعتبر فيه الرشد، كالإقرار، إلا في شيء يسير كرغيف وحزمة بقل ونحوهما فيصح من القِنِّ (١) ومن الصغير ولو غير مميز، ومن السفيه، وإلا إذا أذن لمميز أو سفيه وليهما فيصح، ولو في الكثير لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٢)، ويحرم الإذن لهما بلا مصلحة، لأنه إضاعة، وإلا إذا أذن لقنٍّ سيدُه فيصح تصرفه لزوال الحجر عنه بإذنه له، وفي "التنقيح": ويصح من القن قبول هبة ووصية بلا إذن سيد، نصًّا (٣). ويكونان لسيِّده.
(و) الثالث: (كون مبيع) معقود عليه ثمناَ كان أو مُثْمنًا، (مالًا) لأن غيره لا يقابل به (وهو) أي: المال شرعًا: (ما فيه منفعة مباحة) مطلقًا، وما يباح اقتناؤه بلا حاجة كبغل، وحمار، ودود قز (٤)، وبزره (٥)، ونحو ذلك، وكنحل منفرد عن كُوَّراته (٦). قال في "المغني" (٧): إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها [أن] (٨) تمتنع. أو مع كوارته خارجًا عنها، وفيها إذا شوهد داخلًا فيها لحصول العلم به بذلك، ويدخل ما فيها من العسل تبعًا، ولا
стр. 686
يصح بيع كوارة بما فيها من عسل ونحل؛ للجهالة.
ويصح بيع هر وفيل، لأنه يباح نفعه واقتناؤه أشبه البغل، وما يصاد عليه كبومة تجعل شُباشًا (١)، أو يصاد به كديدان وسباع بهائم تصلح لصيد كفهد، وسباع طير تصلح لصيد كباز وصقر، وولدها وبيضها، إلا الكلب، فإنه لا يصح بيعه لأنه لا ينتفع به إلا لحاجة، وكقرد لحفظ، وعَلقٍ (٢) لمص دم، ولبن آدمية انفصل منها، لأنه طاهر ينتفع به كلبن الشاة، بخلاف لبن الرجل. ويكره بيعه نصًّا (٣)، وكقن مرتدٌ ومريض وجان تحتم قتله.
ولا يصح بيع منذور عتقه نذر تبرر، ولا ميتة ولو طاهرة إلا سمكًا وجرادًا، ولا بيع سرجين (٤) نجس بالإجماع (٥)، ولا بيع دهن نجس أو متنجس، لأنه لا يطهر أشبه نجس العين، ويجوز أن يستصبح بدهن متنجس في غير مسجد.
وحرم بيع مصحف مطلقًا لما فيه من ابتذاله وترك تعظيمه، ويصح بيعه لمسلم، ولا يصح لكافر وإن ملكه ألزم بإزالة يده عنه لئلا يمتهنه، وقد
стр. 687
نهى النبي ﷺ عن السفر بالمصحف لأرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (١)، ولا يكره شراؤه (٢) ولا إبداله بمصحف لمسلم ولو مع دراهم من أحدهما، ويجوز نسخه بأجرة، ويجوز شراء كتب الزندقة (٣) ونحوها ليتلفها.
ولا يصح شراء خمر ليريقها لأنه لا فائدة فيها، ولا آلة لهو، وترياق (٤) فيه لحوم الحيات.
(و) الرابع: (كونه) أي المبيع (مملوكًا لبائعه) ملكًا تامًا ومثله الثمن حتى الأسير بأرض العدو إذا باع ملكه بدار الإسلام أو بدار الحرب نفذ تصرفه فيه لبقاء ملكه عليه (أو) كونه (مأذونًا له فيه) أي البيع من مالكه، أو من الشارع كولي صغير ونحوه، وناظر وقف وقت عقد، ولو ظن المالك أو المأذون له عدمهما (٥)، فلا يصح بيع فضولي (٦) وكل تصرفه ولو أجيز بَعدُ (٧)
стр. 688
إلا إذا اشتراه في ذمته ونواه لشخص لم يسمه، ثم إن أجازه من اشترى له، ملكه من حين العقد؛ لأنه اشترى لأجله أشبه ما لو كان بإذنه، فتكون منافعه ونماؤه له، وإلا يُجِزْهُ من اشترى له وقع لمشتر ولزمه كما لو لم ينوه لغيره.
ولا يصح بيع ما لا يملكه ولا أُذن له فيه؛ لحديث حكيم بن حزام مرفوعًا: "لا تبع ما ليس عندك" (١) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
ويصح بيع موصوف بصفات سلم لم يعين؛ لقبول ذمته للتصرف إذا قبض المبيع أو قبض ثمنه بمجلس عقد، ولا يصح بلفظ سلف أو سلم، ولو قبض ثمنه بمجلس عقد، لأن السلم لا يصح حالًّا.
ولا يصح بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة (٢) ولم يقسم كمزارع مصر والشام والعراق، لأنها موقوفة أقرت بأيدي أهلها بالخراج، غير الحيرة -بكسر الحاء- مدينة قرب الكوفة (٣)، وغير أُلَّيس - (٤) بضم الهمزة وتشديد اللام مفتوحة بعدها ياء ساكنة فسين مهملة- مدينة بالجزيرة، وغير بانقيا (٥) -بالموحدة أوله وكسر النون- وغير أرض بني صَلوبا -بفتح الصاد المهملة وضم اللام (٦) - لفتح هذه القرى صلحًا (٧)، إلا المساكن فيصح بيعها مطلقًا
стр. 689
ولو مما فتح عنوة، لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها وتبايعوها من غير نكير (١)، فكان كإجماع، إلا إذا باعها الإمام لمصلحة أو باعها غيره وحكم به من يرى صحته.
وتصح إجارة الأرض الموقوفة مما فتح عنوة مدة معلومة بأجر معلوم.
ولا يصح بيع رباع مكة وهي المنازل (٢)، ولا الحرم، ولا إجارتها، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ في مكة: "لا تباع رباعها، ولا تكرى بيوتها" (٣) رواه الأثرم، وعن مجاهد موقوفًا: "مكة حرام بيع رباعها، حرام إجارتها" (٤) رواه سعيد، وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول اللَّه ﷺ (٥)، ذكره مسدد في "مسنده".
ولا يصح بيع ماءٍ عِدٍّ (٦) -بكسر العين وتشديد الدال- كماء عين،
стр. 690
ونقع بئر لحديث: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" (١) رواه أبو عبيد والأثرم. ولا يصح ماء في معدن جار كقار وملح ونفط.
ولا بيع نابت من كلاء وشوك ونحو ذلك ما لم يحزه، لأنه لا يملك إلا بالحوز، فلا يدخل في بيع أرض ومشتريها أحق به، ويحرم دخول لأجل ذلك بغير إذن رب الأرض إن كانت محوطة، وإلا جاز إن لم يحصل بدخوله ضرر.
(و) الخامس: (كونه) أي المبيع وكذا الثمن المعين (مقدورًا على تسليمه)، لأن غير المقدور على تسليمه كالمعدوم، فلا يصح بيع عبد آبق، لحديث النهي عن بيعه (٢)، ولا نحو جمل شارد عُلم مكانه أو لا، لحديث مسلم عن أبي هريرة يرفعه "نهى عن بيع الغرر" (٣)، وفسره القاضي وجماعة: بما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر (٤) ولو لقادر على تحصيلهما، لأنه مجرد توهم لا ينافي تحقق عدمه ولا ظنه، بخلاف ظن القدرة على تحصيل مغصوب.
ولا يصح بيع سمك في ماء، لأنه غرر إلا سمكًا مرئيًا بماء محوز يسهل أخذه منه كحوض، فيصح لأنه معلوم ممكن تسليمه، كما لو كان بطشت، ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه ولو ألف الرجوع لأنه غرر.
ولا بيع مغصوب إلا لغاصبه أو القادر على أخذه منه، وله الفسخ إن عجز عن تحصيله من الغاصب بعد البيع؛ إزالة للضرر.
стр. 691
(و) السادس: (كونه) أي المبيع والثمن المعين (معلومًا لهما) أي المتعاقدين، لأن الجهالة به غرر، وحديث: "من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه" (١) يرويه عمر بن إبراهيم الكردي وهو متروك الحديث (٢)، ويحتمل أن معناه إذا أراد شراءه فهو بالخيار بين العقد عليه وتركه (برؤية) مقارنة للعقد يفرق بها المبيع جميعه كوجهي ثوب منقوش، أو برؤية بعض تدل على باقيه، كرؤية أحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر الصبرة (٣) المتساوية ووجه الرقيق، وما في ظروف وأعدال من جنس واحد متساوي الأجزاء لحصول العلم. بالمبيع بذلك.
فلا يصح البيع إن سبقت الرؤية العقد بزمن يتغير فيه المبيع ظاهرًا ولو كان التغير فيه شكًّا بأن مضى زمن يشك في تغيره تغيرًا ظاهرًا، للشك في وجود شرطه، والأصل عدمه، فإن سبقت العقد بزمن لا يتغير فيه عادة تغيرًا ظاهرًا صح البيع، لحصول العلم بالمبيع بتلك الرؤية، ولا حد لذلك الزمن إذ المبيع (٤) منه ما يسرع تغيره، وما يتباعد، وما يتوسط، فيتغير كل بحسبه.
ولا يصح البيع إن قال: بعتك هذا البغل فبان فرسًا، ونحو ذلك
стр. 692
للجهل بالمبيع، ولا بيع الأنموذج (١) بأن يريه صاعًا ويبيعه الصبرة على أنها مثله، وكرؤية المبيع معرفته بلمس أو شم أو ذوق فيما يعرف بذلك لحصول العلم بحقيقة المبيع، (أو) كونه معلومًا لهما (صفة تكفي في السلم) بأن يذكر ما يختلف به الثمن غالبًا، ويأتي في السلم (٢)؛ لقيام ذلك مقام رؤيته في حصول العلم به، فيصح بيع أعمى وشراؤه ما عرفه بلمس أو شم أو بذوق بعد إتيانه بما يعتبر في ذلك، كما يصح توكيله في بيع وشراء مطلقًا.
ثم إن وجد مشتر ما وصف له أو تقدمت رؤيته العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا، متغيرًا فله الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، ويحلف مشتر إن اختلفا في نقصه صفة أو تغيره عما كان عليه، لأن الأصل براءته من الثمن، وهو على التراخي فلا يسقط خياره، إلا بما يدل على الرضى من سوم ونحوه، وإن أسقط حقه من الرد فلا أرش (٣) له، لأن الصفة لا يعتاض عنها.
ولا يصح بيع حمل ببطن إجماعًا، ذكره ابن المنذر (٤)؛ للجهالة به، ولا لبن في ضرع؛ لحديث ابن عباس: نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع، رواه الحلال وابن ماجه (٥)، ولا نوى في تمر، كبيض في طير، إلا إذا
стр. 693
بيع تبعًا، لأنه يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال.
ولا يصح بيع عَسْب الفحل -أي ضرابه- لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: نهى عن بيع المضامين، والملاقيح (١)، قال أبو عبيد: الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول (٢).
ولا يصح بيع مسك في فأر (٣) ما لم تفتح ويشاهد؛ لأنه مجهول كلؤلؤ
стр. 694
في صدف، ولا بيع لِفْتٍ (١) وفجل وجزر قبل قلع نصًّا (٢)، ولا ثوب مطوي، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه: حيث لم ير منه ما يدل على بقيته (٣).
ولا بيع ثوب نسج بعضه على أن ينسج بقيته ولو منشورًا للجهالة، فإن باعه المنسوج وسدى الباقي ولحمته (٤)، وشرط على البائع إتمام نسجه صح لزوال الجهالة.
ولا يصح بيع عطاء، وهو قسطه من الديوان قبل قبضه، لأنه مغيب فهو من بيع الغرر، ولا بيع رقعة به لأن المقصود هو دونها، ولا بيع معدن وحجارته قبل حوزه إن كان جاريا، وكذا إن كان جامدًا وجهل، ولا يصح سلف فيه نصًّا (٥)، لأنه لا يدرى ما فيه، فهو من بيع الغرر.
ولا يصح بيع ملامسة، كبعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فعليك بكذا، أو على أنك إن لمسته فعليك بكذا. ولا بيع منابذة؛ لحديث أبي سعيد: "نهي عن الملامسة والمنابذة" (٦) كقوله: متى نبذت هذا الثوب فلك بكذا، أو أي ثوب نبذته فلك بكذا، ولا بيع الحصاة، كارمها فعلى أي ثوب
стр. 695
وقعت فهو لك بكذا وكذا، أو بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها، بكذا، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "نهى عن بيع الحصاة" (١).
ولا يصح بيع ما لم يعين كعبد من عبيد، وشاة من قطيع، وشجرة من بستان ولو تساوت قيمها، لما فيه من الجهالة والغرر، ولا بيع الجميع إلا غير معيَّن.
ولا يصح بيع شيء بعشرة دراهم ونحوها، إلا ما يساوي درهمًا، لجهالة المستثنى، ويصح بيع شيء بعشرة دراهم مثلًا إلا بقدر درهم، لأنه استثناء للعُشْر، وهو معلوم.
ويصح بيع ما شوهد من حيوان وثياب وإن جَهِلا عَدَدَها، لأن الشرط معرفته لا معرفة عدده.
ويصح بيع أمة حامل بحُرٍّ، لأنها معلومة، وجهالة الحمل لا تضر.
ويصح بيع ما مأكوله في جوفه، كبيض ورمان ونحوه، لدعاء الحاجة إلى بيعه، كذلك. [لفساده إذا أخرج من قشره] (٢).
ويصح بيع حب مشتد في سنبله ويدخل الساتر تبعًا كنوى التمر، فإن استثنى القشر أو التبن بطل البيع، ويصح بيع تبن بدون حبه قبل تصفيته منه، لأنه معلوم بالمشاهدة.
ويصح بيع قفيز (٣) من هذه الصبرة إن تساوت أجزاؤها وزادت عليه، فإن اختلفت أجزاؤها كصبرة بَقَّال (٤)، أو لم تزد عليه لم يصح البيع
стр. 696
للجهالة في الأولى، والإتيان بمن المبعضة في الثانية، وإن تلفت الصبرة ونحوها ما عدا قدر مبيع من ذلك تعين، أو قدر بعضه أخذه بقسطه، ويصح بيع صبرة جزافًا (١) لحديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا: فنهانا رسول اللَّه ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (٢). متفق عليه، ويجوز بيعها جزافًا مع جهلهما أو علمهما بقدرها، ومع علم بائع وحده يحرم عليه بيعها جزافًا نصًّا (٣)، لأنه يقصد بذلك التغرير، ويصح البيع مع الحرمة للعلم بالمبيع بالمشاهدة، ولمشتر الرد لأن كتمه ذلك غش وغرر، وكذا يحرم على مشتر علم قدر الصبرة وحده شراؤها جزافًا، ولبائع الفسخ؛ لتغرير المشتري له.
تنبيه:
يحرم على بائع جعل صبرة على نحو حجر أو ربوة مما ينقصها، ويثبت به لمشتر لم يعلمه الخيار لأنه عيب، وإن بان تحتها حفرة لم يعلمها بائع فله الفسخ، كما لو باعها بكيل معهودة ثم وجد ما كَالَ به زائدًا. ويصح بيع صبرة علم قفزانها إلا قفيزًا، لأنه ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم (٤)، وهذه
стр. 697
معلومة، وكذا لو استثنى منها جزءًا مشاعًا معلومًا.
ولا يصح بيع ثمرة شجرة إلَّا صاعًا لجهالة آصعها، فتؤدي إلى جهالة ما يبقى بعد الصاع، ولا بيع نصف داره الذي يليه، لأنه لا يعلم إلى أين ينتهي قياس النصف، كما لو باعه عشرة أذرع من ثوب أو أرض، وعين الابتداء دون الانتهاء.
ولا يصح استثناء حمل مبيع من أمة أو بهيمة، أو استثناء شحم مأكول لأنهما مجهولان، وكذا استثناء رطل لحم أو شحم فلا يصح لجهالة ما يبقى، ويصح استثناء رأس مأكول وجلده وأطرافه نصًّا (١) حضرًا وسفرًا، لأنه ﷺ لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم، فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها (٢)، ولا يصح استثناء ما لا يصح بيعه مفردًا إلا في هذه الصورة؛ للخبر.
ولو أبي مشتر ذبح ما استثنى رأسه وجلده وأطرافه أو بعضها، ولم يشترطه عليه بائع في العقد، لم يجبر على الذبح، وعليه قيمته تقريبًا، فإن باع لمشتر ما استثناه صح كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل.
(و) الشرط السابع: (كون ثمن معلومًا) لمتعاقدين حال عقد البيع ولو برؤية متقدمة بزمن لا يتغير فيه، أو وصف كما تقدم في المبيع، لأنه أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع، أو بمشاهدة كصبرة، ووزن صنجة (٣)، ولو جهلا، وبنفقة عبده فلانٍ، أو ولده أو زوجته أو نفسه ونحو ذلك،
стр. 698
شهرًا أو سنة أو يومًا ونحوه، لأن لها عرفًا يرجع إليه عند التنازع، بخلاف نفقة دابته.
ويرجع بائع مع تعذر معرفة قدر ثمن بأن تلفت الصبرة ونحوها بقيمة مبيع، لأن الغالب بيع الشيء بقيمته، ولو أسَّرا ثمنا بلا عقد ثم عقداه ظاهرًا بأكثر، أو عقدا بيعًا سرًا بثمن وعلانية بأكثر، فالثمن الأول؛ لأن المشتري إنما دخل عليه فلا يلزمه ما زاد. (فلا يصح البيع بما ينقطع به السعر)؛ أي يقف عليه للجهالة، ولا كما يبيع الناس، ولا بدينار أو درهم وثَمّ نقود متساوية رواجًا، فإن غلب أحدها صح وصرف إليه.
ولا يصح البيع بعشرة صحاحًا، أو إحدى عشر مكسرة، ولا بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة لنهيه ﷺ عن البيعتين في بيعة (١)، وفسره العلماء بذلك (٢)، ولا يصح بيع شيء بثمن معلوم ورطل خمر أو جلد ميتة نجس، ولا يصح بيع شيء بدينار إلا درهمًا نصًّا (٣)، ويصح بيع ما بوعاء جزافًا مع ظرفه أو دونه أو كل رطل بكذا على أن يسقط منه وزن الظرف.
ومن اشترى شيئًا في ظرف كسمن ونحوه فوجد فيه رُبًّا (٤) أو غيره صح البيع في الباقي بقسطه من الثمن، كما لو باعه صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة، وله الخيار لتبعض الصفقة عليه، ولم يلزم البائع بدل الرُّبِّ ونحوه، سواء كان عنده من جنس المبيع أم لا، فإن تراضيا على إعطاء البدل جاز.
стр. 699
ومن باع معلومًا ومجهولًا لم يتعذر علمه كهذا العبد وثوب لم يعين، صح البيع في المعلوم بقسطه من الثمن، وبطل في المجهول، لأن المعلوم صدر فيه البيع من أهله بشرطه، ومعرفة ثمنه ممكنة بتقسيط الثمن على كل منهما وهو ممكن، لا إن تعذر علم المجهول ولم يتبين ثمن المعلوم: كبعتك هذه الفرس وحمل الأخرى بكذا، فلا يصح لأن المجهول لا يصح بيعه، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأنها إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فإن بين ثمن كل منهما صح في المعلوم بثمنه.
(وإن باع مشاعًا بينه وبين غيره، أو) باع (عبده وعبدَ غيره بغير إذن) شريك (أو) باع (عبدًا وحرًا، أو) باع (خَلًّا وخمرًا صفقة واحدةَ صح) البيع (في نصيبه) من المشاع (و) صح في (عبده، و) صح في (الخل بقسطه) من الثمن (ولمشتر الخيار) بين رد وإمساك إن لم يعلم الحال، لتبعض الصفقة عليه، وله الأرش إن أمسك فيما ينقصه تفريق، كزوجي خف ومصراعي باب، ويقدر خمر خَلًّا وحر عبدًا.
وإن جمع بين بيع وإجارة، أو بين بيع وصرف، أو بين بيع وخلع، أو بين بيع ونكاح بعوض واحد صحَّا؛ لأن اختلاف العقدين لا يمنع الصحة، وقَسَّط العوض عليهما ليعرف عوض كل منهما تفصيلًا، وإن جمع بين بيع وكتابة (١) بطل البيع وصحت الكتابة.
(ولا يصح بلا حاجة (٢) بيع) ولو قل المبيع ممن تلزمه الجمعة (ولا)
стр. 700
يصح (شراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها) أي: أذان الجمعة، أي الشروع فيه (الثاني) أي: الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام عليه لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١)، والنهي يقتضي الفساد، وخص بالنداء الثاني لأنه المعهود في زمنه ﷺ فتعلق الحكم به.
والشراء أحد شقي العقد فكان كالشق الآخر، وأما النداء الأول فحدث في زمن عثمان (٢)، قال المنقح: أو قبله أي لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة قبل ندائها -لمن منزله بعيد حث إنه يدركها- (٣) إذا سعى في ذلك الوقت.
وتحرم الصناعات كلها ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في النداء الثاني للجمعة، لأنها تشغل عن الصلاة، وتكون ذريعة إلى فواتها، ويستمر التحريم إلى انقضاء الصلاة إلا من حاجة، كمضطر إلي طعام أو شراب يباع فله شراؤه، وعريان وجد سترة تباع ونحو ذلك.
(وتصح سائر العقود) من إمضاء بيع خيار وإجارة وصلح وقرض ورهن وغيرها بعد نداء الجمعة، لأن النهي عن البيع، وغيره لا يساويه في التشاغل المؤدي لفواتها.
(ولا) يصح (بيع عصير أو) بيع (عنب) أو زبيب ونحوه (لمتخذه خمرًا) ولو ذميًا.
(ولا) يصح بيع (سلاح في فتنة) أو لأهل حرب أو قطاع طريق ممن
стр. 701
علم ذلك من مشتريه ولو بقرائن، ولا بيع مأكول ومشروب ومشموم ممن يشرب عليه مسكرًا، ولا بيع جوز وبيض ونحوهما لقمار، ولا بيع غلام وأمة لمن عرف بوطء دبر، أو لغناء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
(ولا) يصح بيع (عبد مسلم لكافر) ولو وكيلًا لمسلم (لا يعتق عليه) كالنكاح، فإن كان يعتق عليه كأبيه وابنه وأخيه صح شراؤه له، لأن ملكه لا يستقر عليه، وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه عنه، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٢).
(وحرم ولم يصح بيعه) أي المسلم (على بيع أخيه) المسلم، كقوله لمن اشترى شيئًا بعشرة: أعطيك مثله -مثلًا- بتسعة زمن الخيارين، (وشراؤه على شرائه)، كقوله لمن باع شيئًا بتسعة: عندي فيه عشرة زمن الخيارين خيار المجلس وخيار الشرط (وسومه على سومه) أي: المسلم مع الرضا من بائع صريحًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يسم الرجل على سوم أخيه" (٣) رواه مسلم، فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم، لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة، ويصح العقد على السوم فقط، وكالبيع الإجارة وسائر العقود وطلب الولايات ونحوها، كخطبته على خطبة أخيه المسلم إذا أجيب فتحرم هذه كلها بعد الرضا الصريح، للإيذاء.
وإن قدم باد لبيع سلعته بسعر يومها وجهله، وقصده حاضر عارف به، وبالناس إليها حاجة حرمت مباشرته البيع له، لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" (٤)،
стр. 702
وحديث ابن عباس: نهى النبي ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد. قيل لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا (١). متفق عليه.
ويبطل بيعه له رضي بذلك أهل البلد أو لا؛ لعموم الخبر، ولأن النهي يقتضي الفساد، فإن كان القادم بالسلعة من أهل البلد، أو ليس منهم وليس ثمَّ إليها حاجة، أو قدم بها ليبيعها بسعر يومها، أو لم يجهل سعرها أو بعثها إلى الحاضر، جاز للحاضر مباشرتها، وصح البيع؛ لزوال المعنى الذي لأجله امتنع بيعه له، وإن استخبر قادم حاضرًا عن سعر جهله أخبره به وجوبًا، لوجوب النصح، ولا يكره أن يشير حاضر على باد بلا مباشرة بيع له.
ومن استولى على ملك غيره بلا حق أو جحده أو منعه حتى يبيعه إياه ففعل، لم يصح البيع لأنه ملجأ إليه، ومن أشهد أنه يبيع ماله أو يهبه خوفًا وتقية عمل به.
ومن قال لآخر: اشترني من زيد فإني عبده، ففعل فبان حرًّا، فإن أخذ شيئًا من الثمن غرمه، وإلا لم تلزمه العهدة حفر البائع أو غاب؛ لأن الحاصل منه الإقرار دون الضمان، وأدِّب هو وبائع نصًّا (٢) لتغريرهما المشتري.
وتُحدُّ حرة قالت لرجل: اشترني من زيد فأنا أمته. ففعل ووطئت، لزناها مع العلم، ولا مهر لها لزناها مطاوعة، ويلحق الولد بمشتر لأنه وطئها يعتقدها أمته، فوطؤه وطء شبهة.
стр. 703
ومن باع شيئًا بثمن نسيئة (١)، أو حالًّا لم يقبض، لم يصح شراؤه له من مشتريه بنقد من جنس الأول أقل منه، ولو نسيئة، لخبر أحمد وسعيد، عن غندر (٢)، عن شعبة (٣)، عن أبي إسحاق السبيعي (٤)، عن امرأته العالية (٥)، قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها: بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، أبلغي زيدًا أن جهاده مع رسول اللَّه ﷺ بطل إلا أن يتوب (٦)، ولأن ذلك ذريعة إلى
стр. 704
الربا، وكذا العقد الأول غير صحيح حيث كان وسيلة إلى الثاني، إلا إن تغيرت صفة المبيع، مثل إن كان عبدًا فهزل، أو نسي صنعة، أو عمي ونحوه، فيجوز بيعه بدون الثمن الأول، وكذا إن اشتراه بعرض أو نقد لا من جنس الأول أو قدره أو أكثر منه، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة (١)؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينًا؛ أي نقدًا حاضرًا، وعكسها مثلها.
وإن اشتراه أبو البائع أو ابنه ونحوه بناقد من جنس الأول أقل منه، صح ما لم يكن حيلة على الربا، فيحرم، ولا يصح كالعينة.
ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي مائة -مثلًا- بأكثر؛ ليتوسع بثمنه، فلا بأس، نصًّا (٢) ويسمى التورق، وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى من المشتري، بثمنه قبل قبضه من جنسه، أو بما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يصح، روي عن ابن عمر (٣)؛ لأنه وسيلة لبيع المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون نسيئة، فلم يصح حسمًا لمادة ربا النسيئة، فإن اشترى منه
стр. 705
بدراهم فسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء مما عليه، أو لم يسلمها إليه وتقاصَّا، جاز. ويستحب الإشهاد على البيع.
تتمة:
يحرم التسعير، وهو منع الناس البيع بزيادة على ثمن يقدره، ويكره الشراء به، لحديث أنس قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا. فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، إني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (١). رواه أبو داود وغيره. وإن هُدِّدَ من خالف حرم البيع وبطل.
وحرم احتكار وهو الشراء للتجارة وحبسه مع حاجة الناس إليه، من
قوت آدمي، نصًّا (٢)، لحديث أبي أمامة أن النبي ﷺ نهى أن يحتكر الطعام (٣)، ويصح شراء محتكر، لأن المحرم الاحتكار دون الشراء، ولا تكره التجارة في الطعام لمن لم يرد الاحتكار، ويجبر محتكر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره ادخار قوت أهله أو دوابه نصًّا (٤)، لأنه ﷺ ادخر قوت أهله سنة (٥).