علم ذلك من مشتريه ولو بقرائن، ولا بيع مأكول ومشروب ومشموم ممن يشرب عليه مسكرًا، ولا بيع جوز وبيض ونحوهما لقمار، ولا بيع غلام وأمة لمن عرف بوطء دبر، أو لغناء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
(ولا) يصح بيع (عبد مسلم لكافر) ولو وكيلًا لمسلم (لا يعتق عليه) كالنكاح، فإن كان يعتق عليه كأبيه وابنه وأخيه صح شراؤه له، لأن ملكه لا يستقر عليه، وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه عنه، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٢).
(وحرم ولم يصح بيعه) أي المسلم (على بيع أخيه) المسلم، كقوله لمن اشترى شيئًا بعشرة: أعطيك مثله -مثلًا- بتسعة زمن الخيارين، (وشراؤه على شرائه)، كقوله لمن باع شيئًا بتسعة: عندي فيه عشرة زمن الخيارين خيار المجلس وخيار الشرط (وسومه على سومه) أي: المسلم مع الرضا من بائع صريحًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يسم الرجل على سوم أخيه" (٣) رواه مسلم، فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم، لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة، ويصح العقد على السوم فقط، وكالبيع الإجارة وسائر العقود وطلب الولايات ونحوها، كخطبته على خطبة أخيه المسلم إذا أجيب فتحرم هذه كلها بعد الرضا الصريح، للإيذاء.
وإن قدم باد لبيع سلعته بسعر يومها وجهله، وقصده حاضر عارف به، وبالناس إليها حاجة حرمت مباشرته البيع له، لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض" (٤)،
стр. 702
وحديث ابن عباس: نهى النبي ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد. قيل لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا (١). متفق عليه.
ويبطل بيعه له رضي بذلك أهل البلد أو لا؛ لعموم الخبر، ولأن النهي يقتضي الفساد، فإن كان القادم بالسلعة من أهل البلد، أو ليس منهم وليس ثمَّ إليها حاجة، أو قدم بها ليبيعها بسعر يومها، أو لم يجهل سعرها أو بعثها إلى الحاضر، جاز للحاضر مباشرتها، وصح البيع؛ لزوال المعنى الذي لأجله امتنع بيعه له، وإن استخبر قادم حاضرًا عن سعر جهله أخبره به وجوبًا، لوجوب النصح، ولا يكره أن يشير حاضر على باد بلا مباشرة بيع له.
ومن استولى على ملك غيره بلا حق أو جحده أو منعه حتى يبيعه إياه ففعل، لم يصح البيع لأنه ملجأ إليه، ومن أشهد أنه يبيع ماله أو يهبه خوفًا وتقية عمل به.
ومن قال لآخر: اشترني من زيد فإني عبده، ففعل فبان حرًّا، فإن أخذ شيئًا من الثمن غرمه، وإلا لم تلزمه العهدة حفر البائع أو غاب؛ لأن الحاصل منه الإقرار دون الضمان، وأدِّب هو وبائع نصًّا (٢) لتغريرهما المشتري.
وتُحدُّ حرة قالت لرجل: اشترني من زيد فأنا أمته. ففعل ووطئت، لزناها مع العلم، ولا مهر لها لزناها مطاوعة، ويلحق الولد بمشتر لأنه وطئها يعتقدها أمته، فوطؤه وطء شبهة.
стр. 703
ومن باع شيئًا بثمن نسيئة (١)، أو حالًّا لم يقبض، لم يصح شراؤه له من مشتريه بنقد من جنس الأول أقل منه، ولو نسيئة، لخبر أحمد وسعيد، عن غندر (٢)، عن شعبة (٣)، عن أبي إسحاق السبيعي (٤)، عن امرأته العالية (٥)، قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها: بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، أبلغي زيدًا أن جهاده مع رسول اللَّه ﷺ بطل إلا أن يتوب (٦)، ولأن ذلك ذريعة إلى
стр. 704
الربا، وكذا العقد الأول غير صحيح حيث كان وسيلة إلى الثاني، إلا إن تغيرت صفة المبيع، مثل إن كان عبدًا فهزل، أو نسي صنعة، أو عمي ونحوه، فيجوز بيعه بدون الثمن الأول، وكذا إن اشتراه بعرض أو نقد لا من جنس الأول أو قدره أو أكثر منه، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة (١)؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينًا؛ أي نقدًا حاضرًا، وعكسها مثلها.
وإن اشتراه أبو البائع أو ابنه ونحوه بناقد من جنس الأول أقل منه، صح ما لم يكن حيلة على الربا، فيحرم، ولا يصح كالعينة.
ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي مائة -مثلًا- بأكثر؛ ليتوسع بثمنه، فلا بأس، نصًّا (٢) ويسمى التورق، وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى من المشتري، بثمنه قبل قبضه من جنسه، أو بما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يصح، روي عن ابن عمر (٣)؛ لأنه وسيلة لبيع المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون نسيئة، فلم يصح حسمًا لمادة ربا النسيئة، فإن اشترى منه
стр. 705
بدراهم فسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء مما عليه، أو لم يسلمها إليه وتقاصَّا، جاز. ويستحب الإشهاد على البيع.
تتمة:
يحرم التسعير، وهو منع الناس البيع بزيادة على ثمن يقدره، ويكره الشراء به، لحديث أنس قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، غلا السعر فسعِّر لنا. فقال: "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، إني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (١). رواه أبو داود وغيره. وإن هُدِّدَ من خالف حرم البيع وبطل.
وحرم احتكار وهو الشراء للتجارة وحبسه مع حاجة الناس إليه، من
قوت آدمي، نصًّا (٢)، لحديث أبي أمامة أن النبي ﷺ نهى أن يحتكر الطعام (٣)، ويصح شراء محتكر، لأن المحرم الاحتكار دون الشراء، ولا تكره التجارة في الطعام لمن لم يرد الاحتكار، ويجبر محتكر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره ادخار قوت أهله أو دوابه نصًّا (٤)، لأنه ﷺ ادخر قوت أهله سنة (٥).
стр. 706
فصل في الشروط في البيع
وهي ما يشترطه أحد المتعاقدين على الآخر فيه، وتعتبر مقارنته للعقد، (والشروط في البيع) وفي شبهه من نحو إجارة وشركة (ضربان: صحيح) لازم، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقتضيه بيع كشرط تقابض، وحلول ثمن، وتصرف كل فيما يصير إليه، واشتراط رده بعيب قديم، فلا أثر لذلك، لأنه تحصيل للحاصل.
الثاني: ما كان من مصلحته (كشرط رهن وضامن) بالثمن (و) كذا شرط كفيل ببدن مشتر، ويدخل فيه لو باعه وشرط عليه رهن المبيع على ثمنه فيصح نصًّا (١)، أو شرط (تأجيل ثمن) أو بعضه إلى أجل معين، أو شرط صفة في مبيع ككون العبد كاتبًا ونحوه، أو مسلمًا، أو الأمة بكرًا أو تحيض، أو الدابة هملاجة (٢) أو لبونًا أو حاملًا، والفهد ونحوه صيودًا، أو الأرض خراجها كذا في كل سنة، والطائر مصوتًا أو يبيض، أو يجيء من مسافة معلومة، فيصح الشرط ويلزم، لأن في اشتراط هذه الصفات قصدًا صحيحًا، وتختلف الرغبات باختلافها، فإن حصل للمشترط شرطه فلا فسخ، وإلا فله الفسخ؛ لفقد الشرط، ولحديث "المؤمنون عند شروطهم" (٣)، أو أرش فَقْدِ الصفة كأرش عيب ظهر عليه، وإن تعذر رد
стр. 707
لنحو تلف مبيع تعين أرش فقد الصفة كمعيب تعذر رده، وإن أخبره بائع بصفة في مبيع يرغب فيه لها، فصدقه بلا شرط، فبان فقدها، فلا خيار له، لتقصيره بعدم الشرط، أو شرط صفة فبان أعلى فلا خيار (١).
(و) الثالث: (شرط بائع) على مشتر (نفعًا معلومًا في مبيع) غير وطء ودواعيه (كـ) اشتراط بائع (سكنى الدار) المبيعة (شهرًا) مثلًا، وحملان البعير المبيع ونحوه إلى محل معين، وخدمة العبد مدة معلومة، فيصح نصًّا (٢)، لحديث جابر أنه باع النبي ﷺ جملًا واشترط ظهره إلى المدينة، وفي لفظ قال: فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي (٣). متفق عليه.
ولبائع إجارة ما استثنى وإعارته، وإن باع مشتر ما استثنى نفعه صح البيع، وكان المبيع يزيد المشتري الثاني مستثنى النفع كالأول، وللمشتري الثاني الفسخ إن لم يعلم، كمن اشترى أمة مزوجة أو دارًا مؤجرة.
(و) كذا يصح شرط (مشتر نفع بائع) نفسه في مبيع (كـ) شرط (حمل حطب) مبيع (أو تكسيره) وخياطة ثوب أو تفصيله، أو حيز رطبة (٤)، أو حصاد زرع ونحوه بشرط علم النفع المشروط، واحتج أحمد على صحة ذلك بما روي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة (٥) حطب وشارطه على حملها (٦)، ولأن ذلك بيع وإجارة، فإن شرط نفع غير مبيع، أو لم يعلم النفع
стр. 708
لم يصح، فإن تراضيا على أخذ عوض عن ذلك النفع المعلوم جاز.
(وإن جمع بأن شرطين) ولو صحيحين كحمل حطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله (بطل البيع)، لحديث ابن عمرو مرفوعًا: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" (١) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. ما لم يكونا من مقتضاه، كاشتراط حلول الثمن ونحوه، أو يكونا من مصلحته، كاشتراط رهن، وضمين معينين، فيصح.
ويصح تعليق فسخ غير خلع بشرط، كبعتك كذا بكذا على أن تنقدني الثمن إلى وقت معين ولو أكثر من ثلاثة أيام، أو على أن ترهننيه بثمنه، وإلا فلا بيع بيننا، فينعقد البيع بالقبول، وينفسخ إذ لم يف بشرطه.
(و) الضرب الثاني من الشروط في البيع: (فاسد) وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: ما (يبطله) أي العقد من أصله (كشرط عقد آخر من قرض وغيره) كبيع وإجارة، وشركة وقرض، وصرف الثمن أو صرف غيره، وهو بيعتان في بيعة المنهي عنه، قاله أحمد (٢). والنهي يقتضي الفساد، وكذا لو باعه شيئًا على أن يزوجه ابنته، أو ينفق على عبده ونحوه.
(أو ما يُعلق البيع) وهو النوع الثاني، ولا ينعقد معه بيع: (كبعتك) كذا (إن جئتني أو رضي زيد) بكذا، أو اشتريت كذا إن جئتني، أو رضي زيد بكذا، لأنه عقد معاوضة يقتضي نقل الملك حال العقد، والشرط يمنعه.
(و) النوع الثالث: (فاسد لا يبطله) أي العقد كشرطه ما ينافي مقتضاه
стр. 709
(كشرط أن لا خسارة) في مبيع (أو) شرط أنه (متى نفق) المبيع (وإلا رده) لبائعه (ونحو ذلك)، أو اشترط بائع على مشتر أن لا يقفه أو لا يبيعه أو يهبه، فالشرط فاسد، والبيع صحيح، إلا شرط عتق فيصح ويجبر عليه مشتر أبَاهُ، لأنه مستحق للَّه تعالى، لأنه قربة التزمها المشتري فأجبر عليه كالنذر، وكذا شرط خيار وأجل مجهولين، أو إن باعه مشتر فهو أحق به بالثمن، أو شرط الأمة لا تحمل، فيصح البيع، وتبطل هذه الشروط.
ولمن فات غرضه بفساد الشرط عن بائع ومشتر، الفسخُ، علم الحكم أو جهله، لأنه لم يسلم له الشرط الذي دخل عليه؛ لقضاء الشرع بفساده، أو أخذ أرش نقص ثمن بسبب إلغاء شرطه، أو استرجاع زيادته بسبب إلغائه، (وإن شرط) بائع على مشتر (البراءة من كل عيب) فيما باعه له (مجهول) أي: العيب أو من عيب كذا إن كان (لم يبرأ) بائع بذلك، فلمشتر الفسخ بعيب لم يعلمه حال عقد، لما روى أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب زيد به عيبًا، فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ قال: لا. فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم (١). وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر، فكانت كالإجماع.
وأيضًا خيار العيب إنما يثبت بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله كالشفعة، وإن سماه لمشتر برئ منه لدخوله على بصيرة، أو أبرأه من كان عيب بعد العقد، برئ منه لإسقاطه بعد ثبوته له كالشفعة.
стр. 710
تتمة:
من باع ما يذرع من نحو ثوب وأرض على أنه عشرة أذرع أو أشبار أو أجربة (١) ونحوها، فبان أكثر، صح البيع، والزائد لبائع، ولكلٍّ الفسخ لضرر الشركة ما لم يعط بائع الزائد لمشتر مجانًا (٢)، لأنه زاده خيرًا، وإن بان أقل صح البيع، والنقص على بائع، ويخير بائع إن أخذه مشتر بقسطه من ثمن دفعًا لضرره، لا إن أخذه مشتر بجميعه، ولم يفسخ البيع لزوال ضرره، ولا يجبر أحدهما على المعاوضة.
ويصح في صبرة ونحوها على أنها عشرة أقفزة فتبين أقل أو أكثر، وكذا نحو زيرة حديد (٣) ودَنِّ (٤) عسل ونحوه، فيبين أكثر أو أقل مما عين، ولا خيار لواحد منهما لأنه لا ضرر عليه في رد الزائد إن زادت، ولا في أخذ الناقص بقسطه، لأن نقصان القدر ليس بعيب في الباقي، ويأخذه مشتر ناقصًا بقسطه من ثمن.
стр. 711
فصل في الخيار في البيع والتصرف في المبيع قبل قبضه وما يحصل به القبض والإقالة وما يتعلق بها
(والخيار) اسم مصدر اختار، وهو طلب خير الأمرين (١)، وهو (سبعة أقسام) بالاستقراء بحسب أسبابه:
أحدها: (خيار مجلس) -بكسر اللام- موضع الجلوس، والمراد هنا مكان التبايع.
ويثبت خيار مجلس في بيع عند أكثر أهل العلم، ويروى عن عمر وابنه وابن عباس وغيرهم (٢)، (فالمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما عرفًا) بما يعده الناس تفرقًا، لحديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٣) متفق عليه، فإن كانا في مكان واسع، كمجلس كبير وصحراء، فبمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، ولو لم يبعد عنه بحيث لا يسمع كلامه في العادة، وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فبمفارقته إلى بيت آخر أو مجلس، وإن كانا في دار صغيرة فبصعود أحدهما السطح أو خروجه منها، وإن كانا في سفينة كبيرة فبصعود أحدهما أعلاها إن كانا أسفل أو بالعكس، وإن كانت صغيرة فبخروج أحدهما منها، فإن حجز بينهما بنحو حائط أو ناما لم يُعَد
стр. 712
تفرقًا، وخيارهما باق، ولو طالت المدة لبقائهما بمحل عقد، وإن تفرقا مع إكراه أو فزع من مخوف استمر خيارهما إلى أن يتفرقا من مجلس باختيار، وإن أكره أحدهما بقي خياره فقط.
ولا يثبت خيار إن تبايعا على أن لا خيار، وأسقطاه بعد عقد، وإن أسقطه أحدهما، أو قال لصاحبه: اختر. ساقط خياره فقط، لحديث ابن عمر: فإن خيَّر أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع (١) -أي: لزم-.
وتحرم الفرقة خشية الإقالة؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" (٢). رواه النسائي وغيره.
ولا خيار في كتابة، وتولي طرفي عقد، وشراء من يعتق عليه، وقسمة إجبار، ونكاح، وخلع، وطلاق، وإبراء، وعتق على مال، ورهن، وضمان، وكفالة، وصلح عن دم عمد.
ولا يثبت خيار المجلس أيضًا في بقية العقود، كالمساقاة، والمزارعة، والوكالة، والشركة ونحوها من العقود الجائزة، للتمكن من فسخها بأصل وضعها، وينقطع خيار مجلس بموت أحدهما، لأن الموت أعظم الفرقتين، لا بجنونه وهو على خياره إذا أفاق.
(و) الثاني من أقسام الخيار: (خيار شرط، وهو أن يشترطاه أو) يشترطه (أحدهما) في صلب عقد، أو في زمن خياري مجلس وشرط، لأنه
стр. 713
بمنزلة حال العقد (مدة معلومة) فيصح، ولو فوق ثلاثة أيام، لحديث: "المسلمون على شروطهم" (١) وعلم منه أنه لا يصح اشتراطه بعد لزومه، ولا إلى أجل مجهول، ويصح فيما يسرع فساده قبله، ويباع ويحفظ ثمنه.
(وحرم) شرط خيار في عقد بيع جعل (حيلة) ليربح في قرض، (ولم يصح البيع) نصًّا (٢)، لأنه وسيلة لمحرم، (وينتقل الملك فيهما) أي في زمن الخيارين السابقين (إلى مشتر) (٣) والثمن إلى بائع، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، (لكن يحرم، ولا يصح تصرف) مشتر ولا بائع (في مبيع و) لا في (عوضه) أي المبيع من ثمن معين (مدتهما) أي الخيارين (إلا عتق مشتر) فيصح (مطلقًا)، سواء كان الخيار لهما أو لبائع فقط. وملك بائع الفسخ لا يمنعه لقوته وسرايته، ولا ينفذ عتق بائع لمبيع ولا شيء من تصرفاته لزوال ملكه عنه، سواء كان الخيار لهما أو له أو لمشتر إلا بتوكيل مشتر، لأن الملك له، وليس تصرف بائع شرط الخيار له وحده فسخًا لبيع نصًا (٤)، لأن الملك انتقل عنه، فلا يكون تصرفه استرجاعًا، كوجود ماله عند من أفلس، (وإلا تصرفه) أي المشتري (في مبيع، والخيار له) فقط، فيصح، لأنه إمضاء وإسقاط لخياره.
ولا يسقط خياره بتصرف في مبيع لتجربة، كركوب دابة لنظر سيرها، وحلب شاة لمعرفة قدر لبنها، لأنه المقصود من الخيار، فلم يبطل به، ويبطل خيارهما مطلقًا بتلف مبيع بعد قبض، وكذا قبله فيما هو من ضمان مشتر، بخلاف نحو ما اشتري بكيل فيبطل البيع بتلفه ويبطل معه الخيار، وبإتلاف مشتر يسقط مطلقًا، قبض أو لم يقبض، اشترى بكيل أو وزن أو لا،
стр. 714
لاستقرار الثمن بذلك في ذمته، والخيار يسقطه، وكخيار العيب إذا تلف المعيب.
وإن باع عبدًا بأمة بشرط خيار فمات العبد قبل انقضاء أمد خيار ووجد بها عيبًا فله ردها، ويرجع بقيمة العبد على مشتر لتعذر رده.
ويورث خيار الشرط إن طالب به مستحقه قبل موته، كشفعة، وحد قذف، وإلا فلا، ولا يشترط ذلك في إرث خيار غيره كخيار عيب وتدليس، لأنه حق فيه معنى المال ثبت لمورث، فقام وارثه مقامه.
(و) الثالث من أقسام الخيار: (خيار غبن (١) يخرج عن العادة) نصًّا (٢)، لأنه لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العادة كالقبض والحرز، فإن لم يخرج عن عادة فلا فسخ، لأنه يتسامح به (لـ) أجل (نجش) بأن يزايده من لا يريد شراء ليغره، من نجشت الصيد إذا أثرته، كأن الناجش يثير كثرة
стр. 715
الثمن بنجشه (١)، ولو كانت المزايدة بلا مواطأة مع بائع، ومنه قول بائع: أعطيت في السلعة كذا، وهو كاذب.
ويحرم النجش؛ لتغريره المشتري، ولهذا يحرم على بائع سوم مشتر كثيرًا ليبذل قريبًا منه، ذكره الشيخ تقي الدين (٢)، وإن أخبره أنه اشتراها بكذا، وكان زائدًا عما اشتراها به لم يبطل البيع، وكان له الخيار، صححه في "الإنصاف" (٣).
ولا أرش لمغبون مع إمساك مبيع، ومن قال عند العقد: لا خلابة -أي خديعة- فله الخيار إذا خلب، لما روي أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يخادع في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" (٤) متفق عليه، وهي بكسر الخاء: الخديعة (٥) (أو) لأجل (غيره)؛ أي غير النجش كمسترسل غبن، وهو من جهل القيمة ولا يحسن يماكس من بائع ومشتر (٦)، ويقبل قوله في جهل القيمة إن لم تكذبه قرينة.
стр. 716
وكركبان تلقاهم حاضر عند قربهم من البلد، ولو كان التلقي بلا قصد نصًّا (١)، لأنه شرع لإزالة ضررهم بالغبن ولا أثر للقصد فيه، فإذا باعوا واشتروا قبل العلم بالسعر وغبنوا فلهم الخيار، لحديث: "لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار" (٢) رواه مسلم.
والغبن محرم لما فيه من التغرير بالمشتري، وخياره كخيار عيب على التراخي، ولا يمنع الفسخ تعيبه عند مشتر، وعليه الأرش لعيب حدث عنده إذا رده، كالمعيب إذا تعيب عنده ورده، ولا يمنع الفسخ تلفه عند مشتر، وعليه قيمته لبائعه لأنه فوته عليه.
(لا) لأجل (استعجالـ) ـه في المبيع، ولو توقف فيه ولم يستعجل لم يغبن، فلا خيار لهما لعدم التغرير، وكذا إجارة فيثبت فيها خيار الغبن إذا جهل أجرة المثل ولم يحسن يماكس فيها.
(و) الرابع: (خيار تدليس) من الدَّلَس بالتحريك بمعنى الظلمة (٣) (بما يزيد به الثمن) ولو لم يكن عيبًا (كتصرية) اللبن -أي جمعه- في الضرع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" (٤) متفق عليه، (و) كـ (تسويد شعر جارية) وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله
стр. 717
عند عرض لبيع، وكذا تحسين وجه الصبرة، وصقل وجه المتاع.
ويحرم تدليس كتحريم كتم عيب، لحديث عقبة بن عامر يرفعه: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بينه له" (١) رواه أحمد وغيره، وحديث: "من غشنا فليس منّا" (٢)، وحديث: "من باع عيبًا لم يبينه لم يزل في مقت من اللَّه ولم تزل الملائكة تلعنه" (٣) رواه ابن ماجه.
(وخيار غبن و) خيار (عيب و) خيار (تدليس على التراخي) لثبوته لدفع ضرر متحقق، فلا يسقط بالتأخير بلا رضًا كالقصاص (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وجد فلا خيار، لقيام دليل الرضا مقام التصريح به، (إلا في تصرية فـ) له الخيار (ثلاثة أيام) منذ علم بها، لحديث: "من اشترى مصراة فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر" (٤) رواه مسلم، فإن أمسكها فلا أرش، لظاهر الخبر، وإن ردها رد معها صاعًا من تمر، ولو زاد صاع التمر عليها قيمةً، إن حلبها، وله ردها بعد رضاه بالتصرية بعيب غيرها، ويرد معها صاعًا من تمر إن حلبها قياسًا على التصرية، فإن عدم التمر فقيمته موضع عقد، ويقبل رد اللبن بحاله إذا لم يتغير، كردها به قبل الحلب، وإن كان بغير مصراةٍ لبنٌ كثير فحلبه ثم ردها بعيب، رده إن بقي، أو رد مثله إن عدم، وما حدث بعد البيع فلا يرده لأنه نماء منفصل.
стр. 718
(و) الخامس: (خيار عيب ينقص قيمة المبيع) عادة (١). فما عده التجار منقصًا أنيط الحكم به، لأنه لم يرد في الشرع نص في كل فرد منه يرجع فيه إليه (كمرض) بحيوان يجوز بيعه على جميع حالاته، وبخر (٢) في عبد وأمة، وحَوَلِ وخرس وكلف (٣) وطرش (٤) وقرع، وإن لم يكن له ريح (٥)، وتحريم عام بملك ونكاح وما يعد عيبًا في نكاح ويأتي (٦)، وكسعال ونحوه، وحمل أمة لا دابة (و) كـ (فقد عضو) كإصبع مبيع، أو ذهاب سن من كبير، (و) كـ (زيادته) أي العضو كإصبع زائدة أو سن، وكزنا من بلغ عشرًا من أمة وعبد، وكشربه مسكرًا، وسرقته وإباقه، وبوله في فراشه، فإن كان من دون عشر فليس ذلك فيه عيب، وكحمق كبير، وهو ارتكابه الخطأ على بصيرة، وفزعه شديدًا، وكونه أعسر لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، وكثرة كذب، وتخنث، وكونه خنثى، وإهمال الأدب والوقار في محالهما، نصًّا (٧)، قال شارح "المنتهى": ولعل المراد في غير الجلب
стр. 719
والصغير (١)، انتهى.
وعدم ختان ذكر كبير، وعثرة مركوب، وعضه، ورفسه، وحرنه (٢)، وكونه شموسًا (٣)، أو بعينه ظفرة (٤)، وكذا ما بمعنى عيب، كطول مدة نقل ما بدار مبيعة عرفًا، ولا أجرة على بائع لمدة نقل اتصل عادة، وكبق ونحوه غير معتاد بها، وكونها ينزلها الجند، قال الشيخ تقي الدين: وجار السوء عيب (٥)، وكون ثوب غير جديد ما لم يبن أثر استعماله، لا معرفة غناء فليست بعيب ولا ثيوبة؛ لأنها الغالب على الجواري، ولا عدم حيض، ولا كفر لأنه الأصل في الرقيق، ولا فسق باعتقاد، أو فعل غير زنًا وشرب مسكر ونحوه مما سبق، ولا تغفيل ولا عجمة لسان، أو كونه تمتامًا، أو فأفاء، أو ألثغ (٦) لأنها الأصل فيه، ولا صداع وحمى يسيرين، ولا سقوط آيات يسيرة عرفًا بمصحف ونحوه.
(فإذا علم) مشتر بـ (العيب خُيِّر بين إمساك مع أرش) عيب (أورد)
стр. 720
مبيع معيب (وأخذ ثمن) كامل، لاستحقاقه بالفسخ استرجاع جميع الثمن، (وإن تلف مبيع أو أعتق ونحوه)، كأن صبغ ثوبًا غير عالم بعيبه، أو نسج غزلًا أو وهب مبيعًا أو باعه (تعين أرش، وإن تعيب) عنده (أيضًا) أي عند مشتر (خير فيه)، أي في مبيع معيب، تعيب عنده (بين أخذ أرش) عيب أول (و) بين (رد) مبيع معيب تعيب عنده (مع دفع أرش) عيبه الحادث عنده، (ويأخذ ثمنه) كاملًا.
والأرش قسط ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا من ثمنه، فلو قوّم صحيحًا بعشرة ومعيبًا بثمانية، فقد نقص خمس قيمته، فيرجع بخمس الثمن قل أو أكثر، ما لم يفض إلى ربا، كشراء حلي فضة بزنته دراهم ويجده معيبًا، أو قفيز مما يجري فيه الربا بمثله فيجده معيبًا فيرد، أو يمسك مجانًا بلا أرش، لأن أخذه يؤدي إلى ربا الفضل، أو مسألة مُدِّ عجوة (١).
وإن تعيب عند مشتر، فسخه حاكم لتعذر فسخ كل من بائع ومشتر، ورد بائع الثمن وطالب بقيمة المبيع معيبًا بعيبه الأول، وإن لم يعلم عيبه حتى تلف عنده، ولم يرض بعيبه فسخ العقد، ورد بدله واسترجع الثمن، وكسب مبيع معيب من عقد إلى رد، لمشتر؛ لحديث: "الخراج بالضمان" (٢) ولو تلف المبيع لكان من ضمانه.
стр. 721
ولا يرد نماء منفصلًا كثمرة ووولد بهيمة، إلا لعذر كولد أمة، فيرد معها، لتحريم التفريق، وله قيمته على بائع، وله رد أمة ثيب وطئها مجانًا، وإن وطئ بكرًا ثم علم عيبها، أو تعيب مبيع عنده كثوب قطعه، أو نسي رقيق صنعة عنده، ثم علم عيبه فله الأرش للعيب الأول، أو رده مع أرش نقصه الحادث عنده، لقول عثمان في رجل اشترى ثوبًا ولبسه ثم اطلع على عيبه: يرده وما نقص (١). فأجاز الرد مع النقصان، رواه الخلال، وعليه اعتمد الإمام (٢)، والأرش هنا: ما بين قيمته بالعيب الأول، وقيمته بالعيب الثاني.
ولا يرجع مشتر رد معيبًا مع أرش عيب حدث عنده إن زال، كتذكرة صنعة نسيها لصيرورة المبيع مضمونًا على المشتري بقيمته بفسخه بالعيب الأول، بخلاف مشتر أخذ أرش عيب من بائع، ثم زال سريعًا، فيرده لزوال النقص الذي لأجله وجب الأرش.
وإن دلس بائع عيبًا بأن علمه وكتمه، فلا أرش على مشتر بتعيبه عنده، وإن تلف بغير فعله كموته أو أبق العبد ذهب على بائع دلس، نصًّا (٣)، لأنه غيره. وإلا يكن دلس، فتلف، أو عتق، أو لم يعلم مشتر عيبه حتى صبغ نحو ثوب، أو نسج غزلًا، أو وهب مبيعًا، أو باعه أو بعضه، تعين أرش، نصًّا (٤)، لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، ولم يوجد منه
стр. 722
الرضا به ناقصًا، فإن فعل ذلك عالمًا بعيبه فلا أرش له، لرضاه بالمبيع ناقصًا.
وإن كسر ما مأكوله في جوفه كرمان وبَطِّيخ فوجده فاسدًا، أو ليس لمكسوره قيمة كبيض الدجاج، رجع بثمنه كاملًا لتبين فساد العقد من أصله، لأنه وقع على ما لا نفع فيه، وإن وجد البعض فاسدًا رجع بقسطه من الثمن، وليس عليه رد فاسده إلى بائعه، لأنه لا فائدة فيه. وإن كان لمكسوره قيمة، كبيض النعام وجوز الهند، خُيِّر مشتر بين أخذ أرشه وبين رده مع أرش كسره، إن لي يدلس بائع كما مَرَّ، ويأخذ ثمنه، ويتعين لمشتر أرش مع كسر لا تبقى معه قمة، كنحو جوز هند، لأنه أتلفه.
وخيار عيب على التراخي، فلا يسقط إلا إن وجد دليل الرضا، كتصرفه في مبيع بعد علمه بالعيب، بنحو بيع أو إجارة أو استعمال لغير تجربة، فيسقط أرش الرد؛ لقيام دليل الرضا مقام التصريح به، وإن تصرف في بعضه فله أرش الباقي لا رده.
ولا يفتقر رد إلى حضور بائع ولا رضاه، ولا قضاء حاكم كالطلاق. ولمشتر مع غيره (١) معيبًا أو بشرط خيار إذا رضي الآخر بإمضائه الفسخُ في نصيبه.
ومن اشترى معيبًا في وعائين صفقة لم يملك رد أحدهما بقسطه من الثمن، لأنه تفريق للصفقة مع إمكان عدمه، أشبه رد بعض المعيب الواحد، وله مع الإمساك الأرش إلا إن تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه، لأنه، ضرر فيه على البائع، كرد الجميع. ويقبل قول مشتر بيمينه في قيمة التالف ليوزع الثمن عليهما.
ومع عيب أحد المبيعين أو ما في الوعاءين دون الآخر له رده بقسطه من الثمن، لأنه لا ضرر فيه على البائع، ولا يرد أحدهما إن نقص مبيع
стр. 723
بتفريق كمصراعي باب، وزوجي خُفٍّ، وجد بأحدهما عيب فلا يرده وحده لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة، أو حرم تفريق كأخوين ونحوهما بيعا صَفْقَةً، وبان أحدهما معيبًا فليس له رده، لتحريم التفريق بين ذوي الرحم المحرم.
والمبيع بعد فسخ أمانةٌ بيد مشتر لحصوله في يده بلا تَعَدٍّ، لكن إن قصر في رده فتلف ضمنه لتفريطه، كثوب أطارته الريح إلى بيته.
(وإن اختلفا) أي: بائع ومشتر (عند من حدث) العيب في المبيع مع الاحتمال، ولا بينة لأحدهما، (فـ) القول (قول مشتر بيمينه)، وهذه المسألة من المفردات (١)، فيحلف على البت أنه اشتراه وبه العيب، أو أنه ما حدث عنده، لأنه ينكر القبض في الجزء الفائت، والأصل عدمه كقبض المبيع، إن لم يخرج مبيع عن يد المشتري، فإن غاب عنه فليس له رده لاحتمال حدوثه عند من انتقل إليه، فلا يجوز له الحلف على البت، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما، كإصبع زائدة وجرح طري، قُبل قوله بلا يمين لعدم الحاجة إليه.
ويقبل قول بائع بيمينه أن المبيع المعين بعقد ليس المردود، نصًّا (٢)، لإنكار بائع كونه سلعته، وإنكاره استحقاق الفسخ، فإن أقر بكونه معيبًا،
стр. 724
وأنكر أنه المبيع فقول مشتر، إلا في خيار شرط إذا أراد المشتري رد ما اشتراه بشرط الخيار، وأنكر البائع كونه المبيع، فالقول قول مشتر بيمينه، لاتفاقهما على استحقاق الفسخ.
ويقبل قول مشتر في عين ثمن معين بعقد، أنه ليس المردود إن رد عليه بعيب لما تقدم، فإن رد عليه بخيار شرط فقياس التي قبلها يقبل قول بائع، ويقبل قول قابض من بائع وغيره بيمينه في ثابت في ذمة من ثمن مبيع، وقرض وسلم وأجرة، وقيمة متلف، إذا أراد رده بعيب وأنكر مقبوض منه، لأن الأصل بقاء شغل الذمة، إلا إن خرج من يده فلا يملك رده، كما تقدم.
ومن باع قِنًّا تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره ممن يعلم ذلك، فلا شيء له، لرضاه به معيبًا، وإن علم بعد البيع خُيِّر بين رد وبين أخذ أرش مع إمساك، وإن لزمه مال والبائع معسر قدم حق مجني عليه لسبقه على حق مشتر، فيباع فيها، ولمشتر جهل الحال الخيار، وإن كان بائع موسرًا تعلق أرش وجب بجناية مبيع قبل بيع بذمته، ولا خيار لمشتر لأنه لا ضرر عليه.
(و) السادس: (خيار) في مبيع بـ (تخبير ثمن)، فإذا أخبر بثمن فعقد به تولية (١)، أو شركة (٢) أو مرابحة (٣) أو وضيعة (٤). (فمتى بأن) المبيع (أكثر)
стр. 725
مما أخبره به بائع، أو الثمن أقل مما أخبره به (أو أنه اشتراه مؤجلًا) ولم يبينه حط الزائد، ويحط قسطه في مرابحة، وينقصه في مواضعه لأنه تبع له، وأجل ثمن في مؤجل، ولا خيار لمشتر.
ولا تقبل دعوى بائع غلطًا في إخبار برأس ماله بلا بينة، لأنه مدع لغلطه على غيره أشبه المضارب إذا ادعى الغلط في الربح بعد أن أقر به، (أو) بأن أنه اشتراه (ممن لا نقبل شهادته له) كأحد عمودي نسبه، أو زوجه، (أو) بأن بأنه اشتراه (بأكثر من ثمنه حيلة) كشرائه من غلام دكانه، أو من غيره وكتمه، فللمشتري الخيار إذا علم بين الإمساك والرد كالتدليس، فإن لم يكن حيلة جاز.
وكذا لو اشترى اثنان شيئًا وتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه، وكان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب ونحوها، (أو) اشترى شيئًا من المتقومات أيضًا فـ (باع بعضه بقسطه) من الثمن (ولم يبين ذلك فلمشترٍ) لم يبين له الحال على وجهه (الخيار أبين الرد والإمساك، دفعًا لما قد يلحقه من الضرر، وإن اشترى شيئًا لرغبة تخصه كحاجة إلى إرضاع نحو ولده لزمه أن خيبر بالحال، كالشراء بثمن غال لأجل الموسم الذي كان حال الشراء وذهب، وكذا لو اشترى دارًا بجواره، فإن كتمه فللمشتري الخيار، لأنه تدليس.
(و) السابع من أقسام الخيار: (خيار) يثبت (لاختلاف المتبايعين) في الثمن، وكذا لو اختلف المؤجر والمستأجر في الإجارة، (فإذا اختلفا) أو اختلف ورثتهما (في قدر ثمن) بأن قال بائع ووارثه: الثمن مائة. وقال مشتر ووارثه: ثمانون، (أو) اختلفا في قدر (أجرة ولا بينة) لأحدهما، تحالفا لأن كلًّا منهما مدّع ومنكر صورة، وكذا حكمًا، لسماع بينة كل منهما (أو) كان (لهما) أي لكل منهما بينة بما ادعاه، تحالفا لتعارض البينتين
стр. 726
وتساقطهما، فيصيران كمن لا بينة لهما، فيـ (حلف بائع) أولًا (ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا)، فيجمع بين النفي والإثبات، فالنفي لما ادعي عليه، والإثبات لما ادعاه، ويقدم النفي عليه، لأنه الأصل في اليمين، (ثم) يحلف (مشتر ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا) لما تقدم، ويحلف وارث إن علم الثمن على البت، وإلا فعلى نفي العلم.
(ولكل الفسخ) ولو بلا حاكم؛ لأنه لاستدراك الظلامة أشبه رد المعيب، وعلم منه أنه لا ينفسخ بنفس التحالف، لأنه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة، كما لو أقام كل منهما بينة (إن لم يرضَ) أحدهما (يقول الآخر)، فإن رضي أقر العقد لأن من رضي صاحبه بقوله منهما حصل له ما ادعاه فلا خيار له، وإن نكل (١) أحدهما عن اليمين، وحلف الآخر أقر العقد بما حلف عليه الحالف منهما، لأن النكول كإقامة البينة على من نكل.
(وبعد تلف) مبيع اختلفا في قدر ثمنه (يتحالفان) كما لو كان المبيع باقيًا (ويغرم مشتر قيمته) أي المبيع إن فسخ البيع، ويقبل قول مشتر في القيمة لأنه غارم، ويقبل قوله في قدر المبيع التالف وفي صفته، وإن تعيب عنده قبل تلفه ضم أرشه إليه، لأنه مضمون عليه حين التعيُّب.
تتمة:
كل غارم يقبل قوله بيمينه في قيمة ما يغرمه وقدره وصفته، وإن ثبت أنه معيب قُبل قول مشتر في تقدمه على البيع، لأن الأصل براءته مما يدعى عليه، (وإن اختلفا في أجل أو شرط ونحوه) كرهن وضمين، (فقول ناف) بيمينه لأن الأصل عدمه، كما يقبل قول منكر مفسد لبيع ونحوه (أو) اختلفا في (عين مبيع) كقول أحدهما: بعتني هذه الجارية. فيقول: بل العبد (أو) اختلفا في (قدره) كأن قال بائع: بعتك قفيزين. فقال مشتر: بل ثلاثة
стр. 727
(فقول بائع) نصًّا (١)، لأنه كالغارم ولاتفاقهما على وجوب الثمن واختلافهما في التعيين.
(ويثبت) الخيار (للخُلف في الصفة) إذا باعه بالوصف (و) لـ (تغير ما تقدمت رؤيته) العقد، وتقدم في السادس من شروط البيع (٢)، وإن اختلفا في صفة ثمن اتفقا على ذكره في البيع أخذ نقد البلد، نصًّا (٣) لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به، ثم إن تعدد نقد فغالبه رواجًا، فإن استوت فالوسط منها للتسوية بين حقيهما، وعلي مدعي المأخوذ اليمين لاحتمال ما قاله خصمه، وإن اختلفا في شرط صحيح وفاسد، أو في أجل أو رهن أو قدرهما -أي الأجل في غير المسلم والرهن- أو في ضمين، فقول منكره بيمينه، لأن الأصل عدمه، كما يقبل قول منكر مفسد لبيع ونحوه، لأن الأصل في العقود الصحة.
وإن أقاما بينتين قدمت بينة مدعي الصحة، وإن اختلفا في قدر مبيع، فقول بائع لأنه منكر للزيادة، وكذا في عينه، وإن تشاحا في أيهما يُسَلِّم، والثمن معين في العقد، نصب حاكم عدلًا يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن، وإن كان الثمن دينًا أجبر بائع على تسليم مبيع، ثم مشتر على تسليم ثمن إن كان الثمن حالًا بالمجلس، وإن كان الثمن حالًا دون مسافة قصر حجر على مشتر في ماله كله حتى يسلم الثمن.
وإن غَيب ماله ببلد بعيد أو كان ماله به، أو ظهر عسره فلبائع الفسخ كمفلس، وإن أحضر بعض الثمن لم يملك أخذ ما يقابله من مبيع إن نقص بتشقيص كمصراعي باب، ولا يملك بائع مطالبته بثمن في ذمة زمن خيار، ولا يملك أحدهما قبض معين من ثمن ومثمن زمن خيار شرط أو مجلس إلا بإذن صريح ممن له الخيار.
стр. 728
فصل في التصرف في المبيع
(ومن اشترى مكيلًا ونحوه) كموزون ومعدود ومزروع (لزم) البيع (بالعقد) وملكه مشتر، ونماؤه له أمانة بيد بائع (ولم يصح تصرفه) أي المشتري (فيه) أي في المبيع، ببيع ولو لبائعه ولا إجارته ولا هبته ولو بلا عوض ولا رهنه، ولو قبض ثمنه، ولا حوالة عليه (قبل قبضه) لحديث: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (١) متفق عليه.
وقيس على البيع ما ذكر بعده، ولأنه من ضمان بائعه، فلم يجز فيه شيء من ذلك كالسلم، فإن بيع مكيل ونحوه جزافًا جاز تصرف فيه قبل قبضه، نصًّا (٢)، (ويحصل قبض ما بيع بكيل ونحوه) كبوزن أو محمد أو ذرع (بذلك) أي بالكيل أو بالوزن أو العد أو الذرع، لحديث أحمد عن عثمان مرفوعًا: "إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل" (٣) ورواه البخاري تعليقًا (٤)، بشرط أن يكون ذلك (مع حضور مشتر أو) حضور (نائبه) أي المشتري (ووعاؤه) أي المشتري (كيَدِهِ) لأنهما لو تنازعا ما فيه كان لربه.
стр. 729
(و) يحصل قبض في (صبرة) بيعت جزافًا بنقل (ومنقول بنقل) كأحجار طواحين، وفي حيوان بتمشيته (و) فيـ (ما يتناول) كدراهم وكتب ونحوها (بتناوله) وفي نحو أرض وبناء وشجر (بتخلية) بائع بينه وبين مشتر بلا حائل، ولو كان بالدار متاع بائع، لكن يعتبر في قبض مشاع ينقل إذن شريكه، فإن أبي نصب حاكم من يقبض، ولو سلمه بائع بلا إذن شريكه فهو غاصب، وقرار الضمان فيه إن تلف على مشتر إن علم بالحال، وإلا فعلى بائع لتغريره المشتري.
ويكره زلزلة الكيل؛ لاحتماله الزيادة على الواجب بها، وتصح استنابة من عليه الحق للمستحق، ومتى وجده قابض زائدًا قدرًا لا يتغابن به عادة أعلمه بالزيادة وجوبًا، ولم يجب عليه الرد بلا طلب، وإن قبضه ثقة يقول باذل إنه قدر حقه ولم يحضر كيله أو وزنه ثم اختبره فوجده ناقصًا قبل قوله في قدر نقصه، لأنه منكر، فالقول قوله بيمينه، وإن صدقه قابض في قدره برئ مقبض من عهدته، ولا تقبل دعوى نقصه بعد تصديقه، ولا يتصرف فيه قابض قبل اختباره لفساد القبض، لأن من شرط قبضه بكيل ونحوه، حضور مستحق أو نائبه ولم يوجد.
وأجرة كيَّال ووزان وعداد وذراع ونقاد، وتصفية ما يحتاج لتصفية على باذلٍ: بائع وغيره. وأجرة نقل على آخذ، نصًّا (١)، وأجرة دلَّال (٢) على بائع إلا مع شرط. ولا يضمن ناقد أمين حاذق خطأ متبرعًا كان أو بأجرة، فإن لم يكن حاذقًا أو أمينًا ضمن كما لو كان عمدًا.
(والإقالة فسخ) لا بيع. يقال: أقالك اللَّه عثرتك؛ أي أزالها (٣) (تسن
стр. 730
للنادم) من المتعاقدين، لحديث ابن ماجه، عن أبي هريرة يرفعه: "من أقال مسلمًا أقال اللَّه عثرته يوم القيامة" (١) وتصح الإقالة قبل قبض مبيع، وفي سلم قبل قبضه، لأنها فسخ، وبعد نداء جمعة.
وتصح من مُضارَب وشريك ولو بلا إذن رب مال أو شريك، ولا تصح من وكيل في شراء. ولا خيار فيها ولا شفعة كالرد بالعيب، ولا يحنث بها من حلف أن لا يبيع، ومؤنة رد على بائع لرضاه ببقاء المبيع أمانة بيد مشتر بعد التقايل، فلا يلزمه مؤنة ردٍّ، بخلاف الرد بالعيب لاعتباره مردودًا، ولا تصح مع تلف مثمن، ولا مع موت عاقد، ولا بزيادة على ثمن أو نقصه أو بغير جنسه، وما حصل قبل التقاتل من كسب ونماء منفصل فلمشتر، لحديث: "الخراج بالضمان" (٢).
стр. 731
فصل في الربا والصرف
(الربا) محرم بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "اجتنبوا السبع الموبقات" (٢) فعده منها، وهو لغة: الزيادة (٣)، وشرعًا: (نوعان: ربا فضل) في أشياء (وربا نسيئة) في أشياء.
(فربما الفضل يحرم في كل مكيل) مطعوم كبر ونحوه، أو لا كأشنان (٤) (و) في كل (موزون) من نقد أو غيره مطعوم كسكر، أو غيره كقطن (بيع بجنسه متفاضلًا) لحديث عبادة بن الصامت يرفعه: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد" (٥) رواه الإمام أحمد، ومسلم. (ولو يسيرًا لا يتاتى) كتمرة، لعموم الخبر، (ويصح به) أي: يصح بيعه بجنسه، بشرط كونه (متساويًا، و) يصح (بغيره) أي: بغير جنسه (مطلقًا) متساويًا أو لا (بشرط قبضٍ قبل تفرق) لقوله ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٦). رواه مسلم.
стр. 732
و (لا) يصح بيع (مكيل بجنسه وزنًا) كرطل تمر برطل تمر (ولا عكسه) كبيع موزون بمثله كيلًا، لحديث "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل" (١) رواه الأثرم من حديث عبادة، ولأنه لا يعلم العلم بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي (إلا إذا علم تساويهما في المعيار الشرير) فيصح البيع للعلم بالتماثل، ويصح البيع إذا اختلف الجنس كيلًا ووزنًا وجزافًا، لقوله ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢) رواه مسلم وأبو داود.
ويصح بيع لحم بمثله وزنًا من جنسه رطبًا ويابسًا إذا نزع عظمه، ويصح بيع لحم بحيوان من غير جنسه، كقطعة من لحم إبل بشاة، لأنه ربوي بيع بغير أصله ولا جنسه، ويصح بيع عسل بمثله إذا صفي كل منهما من شمعه، ويصح بيع فرع من جنس معه غيره لمصلحته كجبن، فإن فيه ملحًا، أو منفردًا كسمن بسمن متماثلًا كيلًا إن كان مائعًا وإلا فوزنًا، ويصح بيع فرع بفرع غيره، كزبد بمخيض ولو متفاضلًا لاختلافهما جنسًا بعد الانفصال، إلا مثل زبد بسمن فلا يصح بيعه به لاستخراجه منه، ولا بيع فرع بأصله كأقط أو زبد أو سمن أو مخيض بلبن لاستخراجه منه، ولا بيع نوع مسته النار كخبز شعير بنوعه الذي لم تمسه كعجين.
والجنس (٣): ما شمل أنواعًا مختلفة بالحقيقة،
стр. 733
والنوع (١): ما شمل أشياء مختلفة بالشخص، وقد يكون النوع جنسًا باعتبار ما تحته، والجنس نوعًا باعتبار ما فوقه كالذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، وفروعها أجناس، كالأدقة والأخباز، والأدهان، فدقيق البر جنس، وخبزه جنس، واللحم أجناس، واللبن أجناس باختلاف أصولها، فلحم البقر والجواميس جنس، ولبنها جنس، ولحم الضأن والمعز جنس، ولبنها جنس، وهكذا سائر الحيوانات. فيجوز بيع رطل لحم ضأن، برطلي لحم بقر، والشحم، والألية، والمخ، والقلب، والطحال، والرئة، والكلية، والكبد، والأكارع أجناس، فيجوز بيع رطل شحم برطلي مخ، أو برطلي أبيه لأنهما جنسان.
ويصح بيع دقيق ربوي بدقيقه إذا استويا نعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه، محلًا بمثل إذا استويا نشافًا أو رطوبة، ويصح بيع عصيره بعصيره، ورَطْبه برَطْبه، ويابسه بيابسه.
ولا يصح بيع منزوع نواه مع نواه، بما نزع نواه مع نواه، لزوال التبعية، فصار كمُدِّ عجوة ودرهم، ولا بيع منزوع نواه بما نواه فيه لعدم التساوي، ولا بيع حب بدقيقه أو سويقه، ولا بيع دقيق حب بسويقه، ولا بيع نيئه بمطبوخه، ولا بيع أصله بعصيره، ولا بيع خالصه بمشوبه، أو مشوبه بمشوبه، ولا بيع المحاقلة (٢)، وهو بيع الحب المشتد في سنبله
стр. 734
بجنسه، ويصح بغير جنسه، ولا بيع المزابنة (١)، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر، لحديث ابن عمر: "نهي عن المزابنة" (٢) متفق عليه، إلا في العرايا (٣) وهي بيعه خرصًا بمثل ما يؤول إليه إذا جف، وصار تمرًا كيلًا فيما دون خمسة أوسق، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "رخص في العرايا بأن تباع بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق" (٤). متفق عليه، فلا يجوز في الخمسة لوقوع الشك فيها، وإنما رخص في ذلك لمحتاج لرطب ولا ثمن معه، لحديث محمود بن لبيد. متفق عليه (٥)، وإنما يصح ذلك بشرط
стр. 735
الحلول وتقابضهما بمجلس العقد، فالقبض فيما على نخل بتخليته، وفي تمر بكيل أو نقل لما علم كيله، وعلم منه أن الرطب لو كان مجذوذًا لم يجز بيعه بالتمر، للنهي عنه، والرخصة وردت في ذلك ليؤخذ شيئًا فشيئًا لحاجة التَّفَكُّه، وأن المشتري إن لم يكن محتاجًا للرطب، أو كان محتاجًا إليه ومعه نقد لم يصح، ولا تصح في بقية الثمار، ولا زيادة مشتر على القدر المأذون فيه ولو اشتراه من عدد في صفقات.
ويصح بيع تراب معدن بغير جنسه، وبيع تراب صاغة بغير جنسه، لعدم اشتراط المماثلة، ولا تضر جهالة المقصود لاستتاره بأصل الخلقة في المعدن، وحمل عليه تراب الصاغة، ولا يصح بجنسه للجهل بالتساوي، ويصح بيع نخل عليه رطب، أو تمر بمثله، أو بتمر أو رطب، لأن الربوي في ذلك غير مقصود بالبيع، وكذا عبد له مال إذا اشتراه بثمن من جنسًا ماله واشترطه إن لم يقصده.
ولا يصح بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، كمد عجوة، ودرهم بمثلهما أو بمدين أو درهمين، وكبيع محلى بفضة أو ذهب، بفضة أو ذهب، وتسمى مسألة مد عجوة (١) ودرهم، لأنها مثلت بذلك، ولا يصح ذلك سدًا لذريعة الربا، إلا أن يكون يسيرًا لا يقصد، كخبز فيه ملح بمثله.
ويصح قوله: أعطني بنصف هذا الدرهم نصفًا، وبالآخر فلوسًا أو حاجة، وقوله لصائغ: صنع لي خاتمًا وزنه درهمًا (٢)، وأعطيك مثل زنته، وأعطيك أجرتك درهمًا.
стр. 736
ومرجع كيلِ عرفُ المدينة على عهده ﷺ ، ووزنٍ عرفُ مكة كذلك، لحديث عبد الملك بن عمير مرفوعًا: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة" (١) وما لا عرف له هناك يعتبر عرفه في موضعه أشبه القبض والحرز، وكل مائع مكيل، لحديث: كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع (٢)، وقيل عليه سائر المائعات.
(وربا النسيئة) من النساء بالمد وهو التأخير (٣) (يحرم فيما) أي في مبيعين (اتفقا في علة ربا فضل كـ) بيع (مكيل بمكيل) مثله (و) بيع (موزون بموزون) مثله (نساءً).
وإن اختلف الجنس (إلا أن يكون الثمن) أو المثمن (أحد النقدين) أي الذهب والفضة (فيصح) لأنه لو حرم النَّسَاءُ في ذلك لسد باب المسلم في الموزونات، وقد رخص فيه الشرع. وأصل رأس ماله النقدان، إلا في صرفه بفلوس نافقة، فيشترط الحلول والتقابض نصًّا (٤)، إلحاقًا لها بالنقد، ومشي في "الإقناع" (٥) على خلاف ذلك، ويصح (بيع مكيل بموزون وعكسه) كبيع
стр. 737
موزون بمكيل (مطلقًا) حالًّا أو نساء، ويصح فيما لا يدخله ربا فضل، كثياب وحيوان وتبين وغيره، لحديث ابن عمرو أنه أمره النبي ﷺ أن يأخذ على قلائصِ (١) الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (٢).
стр. 738
رواه أحمد وغيره.
ولا يصح بيع كالئ بكالئ، وهو بيع دين بدين (١)، لنهيه ﷺ عن ذلك (٢)، ولا بيع دين لغير من هو عليه مطلقًا، ولا بيعه بمؤجل لمن هو عليه، ولا جعله رأس مال سلم، ولا تصارف المدينين بجنسين في ذمتيهما، لأنه بيع دين بدين. ويصح تصارفهما إن أحضر أحد الدينين، نصًّا (٣)، أو كان أمانة، لأنه بيع دين بعين.
ومن وَكَّل غريمه في بيع سلعته، وأخذ دينه من ثمنها، فباع الوكيل بغير جنس ما عليه، لم يصح أخذه من ثمن السلعة، نصًّا (٤)، لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه، ولأنه متهم.
ومن عليه دينار فبعث إلى غريمه بدينار ناقص وتتمته دراهم لم
стр. 739
[يجز] (١) لأنه من مسألة مد عجوة ودرهم.
(و) يصح (صرف ذهب بفضة وعكسه) كصرف فضة بذهب، مأخوذ من الصريف، وهو تصويت النقد بالميزان (٢) (وإذا افترق متصارفان) تفرقًا يبطل خيار مجلس صح فيما قبض و (بطل العقد فيما لم يقبض) لفوات شرطه، ويقوم الاعتياض عن أحد العوضين وسقوطه عن ذمة أحدهما مقام قبضه.
ويصح ولا يبطل صرف باشتراط خيار فيه، كسائر الشروط الفاسدة في البيع، وإن ظهر ما صورف به معيبًا، أو مغصوبًا بطل العقد، وإن ظهر بعضه بطل فيه فقط.
ولكل من المتصارفين الشراء من الآخر من جنس ما صرف منه بلا مواطأة، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ استعمل رجلًا على خيبر. فجاءه بتمر جنيب (٣) فقال: "أكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا واللَّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تفعل بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" (٤) متفق عليه، ولم يأمره أن يبيعه من غير من اشترى منه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
стр. 740
ولو صارف شخصًا على دينار بعشرة دراهم، فأعطاه خمسة عن نصفه، ثم اقترضها منه، ودفعها إليه ثانيًا عن النصف الباقي، صح ذلك، ما لم يكن حيلة، وهي التوسل إلى محرم بما ظاهره الإباحة.
والحيل كلها غير جائزة في شيء من أمور الدين، لأنه تعالى إنما حرم المحرمات لمفسدتها وضررها، ولا يزول ذلك مع بقاء معناها (١).
ومن عليه دينار فقضاه دراهم متفرقة كل نقدة بحسابها منه صح، وإلا فلا.
ويجوز الصرف والمعاملة بنقد مغشوش لمن يعرفه. قال أحمد (٢): إذا كان شيئًا اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا عليها، فأرجو أن لا يكون بها بأس. ولأن غايته اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، ولاستفاضته في الأعصار، فإن لم يعرف الآخر غشه لم يجز لما فيه من التغرير.
ويحرم كسر السكة الجائزة بين المسلمين للخبر (٣)، ولما فيه من التضييق