Полный текст (348 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٣٤ - مسألة [التَّنازع في العمل]
إذا كان معكَ فعلان والمعمولُ فيه لَفظٌ واحدٌ وصحَّ، عَمَلُ كلُّ واحدٍ منهما فيه فأولاهما بالعَمل الثَّاني.
وقالَ الكوفيون: أَولاهما الأول وذلك مثلُ قولِكَ: ضَربني وضَربتُ زيداً فالوجه عندنا نصب زيد بضربت، وعندهم رفعه بضربني.
وقالَ الكسائي: إن كَانَ للفعل الأول فاعلٌ حُذف ولم يجعل مكانه ضمير.
لنا في المسألة السّماعُ والقياسُ، فمن السّماعِ قَوله تَعالى:
стр. 142
﴿يَستَفتُونَكَ قُل اللَّه يُفتِيْكُم في الكَلاَلَةِ﴾ ف ((في)) تعلق ب ((يُفتِيْكُمْ)) إذ لو كان مُتعلقاً ((بيستفتونك)) لقالَ يفتيكُم فيها لتقدُّمها تقديراً، وكذلك قوله تَعالى: ﴿آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أعمل الثَّاني ولو أَعمل الأوَّل لقالَ: أُفرغه، وقالَ تعالى: ﴿هاؤُم اقرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾ ف ((كتابي)) منصوب باقرؤوا لا ب ((هاؤم))، إذ لو كان ب ((هاؤُم)) لقالَ اقرؤوه فإن قيلَ: حُذف المفعول جائزٌ.
قيلَ: ولكن الأَولى أن لا يُحذفَ، لا سيَّما ها هُنا، لأنَّ المفعولَ إذا كان متقدِّماً ذكراً وجبَ أن يعودَ عليه الضَّميرُ، ليتَعَيَّن أن الفعلَ الثاني هو الأَوَّل في المعنى، ولو لم يأتِ بالضمير لجاز أن يتوهَّم أنَّ المفعولَ غيرُ الأولِ، ومما جاءَ في الشِّعرِ قولُ طُفيلٍ الغَنَوِيّ:
وكُمْتاً مدمّاة كأنَّ متونَها ... جَرى فوقَها واستَشعَرَتْ لونَ مُذهبِ
стр. 143
فنصبَ ((لونَ))، ولو كان الأول هو العامل لرفعه ب ((جرَى)) وقال الفَرَزدَق:
ولكنَّ نصفاً لو سَببتُ وسبَّني ... بنو عَبدِ شَمْسٍ من مَنَافٍ وَهَاشِمِ
ولو أعمل الأول لقال: ((وسبُّوني بني عَبدِ شَمسٍ.
وأمَّا القياسُ فمن ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدها: أنَّ الفعل الثاني أقرب إلى المعمول من الأول، وقربه منه يقتضي له أن لا يلغي عنه، يدل عليه أنَّ المجاورة توجب كثيراً من أحكامِ الثَّاني للأوَّل، والأوَّل للثاني، ألا تَرَى إلى قولهم: الشمسُ طلعت، وأنَّه لا يجوز فيه حذفُ التَّاء لما جَاوَرَ الضَّمير الفعل، وكذلك قامت هندٌ لا يجوز فيه حذف التاء، فلو فَصلت بينهما جازَ حذفها، وما كان ذاك إلاَّ لأجلِ المجاورة.
والوجهُ الثَّاني: أنَّ العربَ تقول: خَشَّنتُ بَصدره وصَدرِ زيدٍ فَيجرون المَعطوف ويحمِلونه على المَجرورِ، مع أنَّ حرفَ الجرِّ أَضعفُ من الفعلِ،
стр. 144
ولو كان الأوَّل أَولى لَنصبوا المعطوف لا غيرُ، لقوّته بالتَّقدم وبكونه فِعلاً.
والوجه الثَّالث: أنَّ العاملَ مع المعمولِ كالعلةِ العَقليةِ مع المَعلولِ والعلةُ لا يفصلُ بينها وبينَ معلولها، فيجبُ أن يكونَ العاملُ مع المعمولِ كذلك، إلاّ في مواضعَ قد استثنيت على خلافِ الدَّليلِ، لدليلٍ راجعٍ عليه ويلزم من إعمال الأول الفَصل بالجملةِ الثَّانية.
واحتجَّ الآخرون بالسماع والقياس:
فمن السَّماع قولُ الشاعرِ:
ولمَّا أن تَحمّل آل لَيلى ... سَمِعْنَا بَيْنَهُمْ نَعَب الغَرابَا
وقالَ آخر:
فردّ على الفُؤادِ هَوَيً عَميداً ... وسُوئلٍ لَو يُرَدّ لَنا سُؤالا
وَقَدْ نُعنَى بها وَنَرى عُصُوراً ... بِهَا يَقْتَدْنَنَا الخُردَ الخِدَالا
فنصب ((الخُرد)) ب ((نَرى)) لا ب ((يَقتدن))، وقالَ عمر بنُ أبي رَبيعة:
إذا هيَ لم تَستَكْ بعُودِ أَرَاكَةٍ ... تُنُخِّلَ فاستَاكَتْ به عودُ أَسحِل
стр. 145
فرفع ((عوداً)) ب ((تُنُخّل)) ب ((استاكَت))، وقالَ امروءُ القَيس:
فَلو أَنَّما أَسْعَى لَأدنى مَعِيشَةٍ ... كَفانِي وَلَمْ أَطلُبْ قَليلٌ من المالِ
فرفع قليلاً ب ((كفاني)).
وأمَّا القياسُ، فهو أنَّ الفعلَ الأول أَولى لتقدُّمه، ومتى لم يظهر عمله لَزِمَ منه أمران:
أحدهما: الإِضمار قبلَ الذِّكر لَفظاً وتَقديراً، وليس بجائز كما لا يجوز ضرب غلامُه زيداً، ومن الثَّاني إلغاء العامل المبدوءُ به مع اقتضائِه له، وليس كذلك إلغاء الثَّاني، لأنَّ الأولَ إذا عمل صار معموله كالمتقدم في الذِّكر، فلا يَضعف حذف معمول الثاني، ويدلُّ على ذلك أنَّ قولهم: ((خَشّنتُ بصدره وبصدرِ زيدٍ)) بإعادة حرفِ الجرِّ أجودُ، وإذا كان كذلك وكان إعمال الأولى أولى لما ذكرنا، ولم ينقض معنى وجبَ أن يكونَ هو المختارُ.
стр. 146
والجوابُ: أمَّا الشِّعرُ فعنهُ جوابان:
أحدُهما: أنَّه لا حجةَ فيه، لأنَّ الخلافَ بيننا في الأَولية لا في عَدَمِ الجَواز، ونحن نقولُ: هو جائزٌ، ولا يَدُلُّ الشِّعرُ على أكثَر من الجوازِ.
والثاني: أنَّ قولَه ((الخرد)) إنَّما أُعمل فيه الأَول، لأنَّ القوافي منصوبة فترجح عنده إعمال الأول لحفظ القافية، وكذلك ((نَعَبَ الغُرابا)) وأمَّا بيتُ امرئِ القَيس فإنَّ النَّصب فيه يفسد المعنى، وذلك أنَّ غرضه تعظيم شأنه، وأنَّه لو كان يسعى لأمر ناقص لكان يَكفيه القليلُ من المالِ، ولو نصب لانعكس هذا المعنى ولذلك قال بعده:
ولكنَّما أَسعى لمجدٍ مؤثِّل
وإنَّما يجوزُ الأمران فيما لا يُحيل المعنى، قولهم: ((يُفضي إلى الإِضمار قبلَ الذِّكر))، قلنا: ذلك جائزٌ إذا كان في الكلام ما يُفسره كقوله تعالى: ﴿حتَّى تَوارَتْ بالحِجاب﴾ يعني الشَّمسَ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ وكذلك ﴿كل من عليها فان﴾ وها هنا يفسر المضمر ما بعده، وكذلك أيضًا جازَ نعم رجلاً زيدٌ فإنَّ الفاعلَ مضمرُ لمَّا كان في الكلامِ ما يفسِّرُه.
وأمَّا تقدمُ العامل فإنَّه يَقتضي المَعمول لا مَحالةَ ولكنْ اقتضاءُ الثاني لمعموله أشدُّ لمجاورتِه إياه وقُربه منه، وقد أَجرت العربُ كثيراً من أحكام المجاور على المجاور له حتى في أشياءَ يُخالف فيها الثاني الأول في المعنى كقولهم: ((حِجْرُ ضبٍّ خربٍ)) وكقولهم: ((إني لآتية بالغَدايا
стр. 147
والعَشايا))، والغَداةُ لا تُجمع على غدايا، ولكن جازَ من أجلِ العَشايا وهو كثير، وقولهم: ((خَشَّنتُ بصدره وبصدرِ زيدٍ)) ليس مما نحن فيه لأنَّ الفعلَ الذي هو خشنت لا يتعدّى بنفسه في أكثرِ الاستعمال، ولما عدَّاهُ بالباء كان الأولى أن يُعيده، وعلى أنَّ هذه الرواية معارضة بالرِّواية الأولى وهي التي ذكرناها في حجتنا.
وأمَّا مذهبُ الكسائي فبعيدٌ، لأنَّه يلزمُ منه أن يكونَ الفعلُ بلا فاعلٍ وهذا بعيدٌ في الاستعمالِ والقياسِ.
واللَّه أعلمُ بالصَّواب ..
стр. 148
٣٥ - مسألة [إبراز الضّمير في اسم الفاعل والصفة المشبهة]
اسمُ الفاعلِ والصّفةُ المشبهة به إذا جَريا على غيرِ من همالة وَجَبَ إبرازُ الضميرِ فيهما.
وقالَ الكوفيون لا يجبُ ذلك.
وصورتُهُ قولك: ((هندٌ زيدٌ ضاربتهُ هِيَ)) لابدّ من ((هِيَ)) عندنا، وعندهم لا يلزمُ.
стр. 149
لنا فيه طريقان:
أحدُهما: أن اسمَ الفاعلِ والصّفة المشبهَة به فَرعان على الفعلِ في العملِ وَتَحمُّلِ الضَّميرِ، وقد انضمّ إلى ذلك هُنا جريانُه على غيرِ من هو له فقد انضمّ فرعٌ إلى فرعٍ، والفرعُ يقصرُ عن الأصلِ، فيجبُ أن يبرزَ الضَّميرُ ليظهرَ أثَر القُصور، ويمتاز الفرعُ عن الأصلِ.
والطريقُ الثَّاني: أن تركَ إبرازِ الضَّميرِ يُفضي إلى اللَّبس في بعضِ المَواضع واللَّبسُ يزولُ بإِبْراز الضَّميرِ، فيجبُ أن يبرزَ نفياً لِلّبس، ثم يطردُ البابُ فيما لا يلبس كما فعلوا ذلك في كثير من المواضع نحو نعد وتعد، وأعد فإنهم حذفوا منها الواو كما حذفوها في يَعد، وكذلك يُكرم وتُكرم، ونُكرم محمول على أَكرم، ومثال ذلك قولك: ((زيدٌ أخوه ضاربه)) فإن ((ضاربه)) يجوزُ ان يكونَ للأخِ فيكون جارياً على من هو له، لأنَّ ((أخوه)) مبتدأ، ((ضاربُه)) خبره، والضَّربُ لزيدٍ ولا يحصلُ الفصل بينهما إلا بإبراز الضمير.
واحتج الكوفيون بالسماع والقياس، فمن السماع قراءةُ بعضهم ﴿إِلَيْ
стр. 150
طَعَامٍ غَيرِ نَاظِرِيْنَ إِنَاه﴾ بالجر في غير، وهو جار على طعام ولم يقل ناظرين أنتم، ومن السَّماع قولُ الشَّاعِرِ:
تَرى أَرباقَهم مُتَقَلّديْهَا ... كما صَدِيَ الحَديدُ على الكُماةِ
وقال آخر:
وإنَّ امرءاً أفَضَى إليكَ ودونَه ... من الأرضَ موماةٌ وبَيداءَ سَمْلَقُ
لَمحقوقةٌ أن تَستَجِيْبي دَعاءَة ... وأن تَعلمي أنّ المعانَ المُوفَّقُ
ولم يقل: مُتقلديها هم، ولا محقوقة أَنت.
ومن القياس أن اسمَ الفاعلِ والصفةَ يعملان عملَ الفعلِ، والفعلُ لا يجب فيه إبراز الضمير، كذلك ما يعمل عمله، وكذلك إذا جرى على من هو له يبرز ضميره، كذلك ها هنا.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فالقراءةُ المذكورةُ فيها بعيدةٌ [عن] الصّحة، وإنّما جوَّزها من هو على مذهبهم في ذلك، فلا تكونُ حُجَّةً على مُخالِفيهم.
стр. 151
وأما الشّعرُ فليس على حكم مسألتنا بل فيه حذف مضاف تقديره: ترى أصحاب أَرباقها فحذَف المُضاف وأَبقى المُضاف إليه وشَواهده كثيرةٌ. وأمَّا البيتُ الآخرُ فلا حُجَّة لهم فيه أيضاً؛ لأنَّ قولَه: ((أنَ تَستَجِيْبي)) هو الفاعِلُ والتقدير: لمحقوقه استجابته، والهاء في ((دعاءَه)) عائدةٌ عليه.
أمَّا القياسُ على الفعلِ فغيرُ مستقيمٍ لوجهين:
أحدُهما: أنَّ الفعلَ هو الأصل في العمل وفي استحقاق الفاعل واسم الفاعل ليس كذلك.
والثاني: أن الضمائرَ في اسم الفاعل والمَفعول غيرُ مستحكمة ولذلك لا يظهر الضمير فيها لفظاً، بل هي على صورةٍ واحدةٍ في كلِّ حالٍ وإنّما يُقْضَى بالضمائر فيها حُكماً بخلافِ الفعلِ فإن ضميرَ التَّثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ يظهرُ فيها لفظاً نحو ضربا وضربوا وضربن، فعندَ ذلك يُستغنى عن إظهارها في مسألتنا.
والله أعلمُ بالصَّواب ..
стр. 152
٣٦ - مسألة [الفعلُ هو العاملُ في الفاعلِ والمفعولِ]
العاملُ في الفاعلِ والمفعولِ الفعلُ.
وقالَ بعضُ الكوفيين العاملُ في المفعولِ الفعلُ والفاعلُ معاً.
ومنهم من قالَ: الفعلُ عاملٌ في الفاعلِ، والفاعِلُ عاملٌ في المفعولِ.
ومنهم من قالَ: كلُّ واحدٍ منهما معمولُ معناه.
وحجَّة الأولين: أنَّ الفعلَ مؤثِّرٌ في الفاعِل والمفعولِ جميعاً؛ لأن به يتغيرُ حالُ الاسمِ، فينتقل من المبتدأ إلى الفاعل، ومن الفاعلِ إلى المفعولِ وذلك على حَسَبِ تأثيره فيهما، وبهذا الاعتبار اشتُقَّ لما يسند إليه
стр. 153
الفعلُ فاعل وكذلك اشتُقَّ منه المَفعول، وتصرُّف الاسمين منه دليلٌ ظاهرٌ على تأثيرِه فيهما وإذا أَثَّر فيهما في المَعنى أثَّر فيهما إعراباً، لأنَّ الإِعرابَ تابعٌ للمعنى.
واحتجَّ الآخرون أنّ الفعلَ والفاعلَ كالشيءِ الواحدِ يدلُّ على ذلك اثنا عشر وَجْهاً قد استوفيتها في ((اللُّباب)) و ((شرح اللُّمع))، وإذا كانا كذلك كانا عاملين في المفعول، فالعامل هنا مجتمعٌ من شيئين جاريين مجرى شيءٍ واحدٍ، وصارا كما قالوا في الخبر: يرتفع بالابتداء والمبتدأ وفي جوابِ الشَّرطِ: ينجزمُ بأنْ والفعل.
وقال بعضُهم: لو كان الفعلُ وحده عاملاً في المفعول لم يَجُز الفصل بينهما، وقد جاز ذلك فإن الفاعل يفصل بينهما.
والجوابُ: أمَّا جعلُ الفعلِ والفاعلِ كالشيءِ الواحدِ فلا يوجبُ ذلك أن يكونا كشيءٍ واحدٍ في كلِّ وجه، أَلا تَرى أنَّ المفعولَ يجوزُ أن يقعَ بين الفعلِ والفاعلِ نحو ضرب زيداً عمروُ، ولو كانا شيئاً واحداً لم يَجُزْ وكذلك الفصل بينهما بالظرف، وإذا كانا كالشّيءِ الواحد في بعض الأحكام لم يمنع ذلك من عملِ الفعلِ في المفعول، ويدلُّ على فسادِ ما ذهبوا إليه أنَّ الفعلَ يعملُ في الفاعلِ، ولو كان كجزءٍ منه من كل وجهٍ لم يَعْمَلْ فيه؛ لأنَّ بعض الكلمةِ لا يعملُ في بعضها.
стр. 154
أمَّا مَنْ ذَهب إلى أن العاملَ فيهما المعنى فحاصِلُه راجعٌ إلى مَذهب البَصريين، لأنَّ معنى الفَاعل والمفعول حاصلُ من الفعلِ، فإن أراد ذلك فقد حصلَ الوِفاق، وإن أرادوا معنى آخر فهو فاسدٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّ ذلك يُفضي إلى عملِ الشيءِ في نفسه، وذلك أنَّ الاسمَ لا يكون فاعلاً ولا مفعولاً إلى بنسبة الفعل إليه، فيلزم منه معناه، ولا يجوز أن يكون معنى الشيءِ عاملاً فيه، إذ لو كان كذلك لكان العملُ في جميعِ الأَسماء واحداً، لأن معناه لا يَختلف، ولأنَّ ذلك يُفضي إلى أنَّه لا حاجة إلى موجب الإِعراب، إذ الإِعراب قائمٌ بالمعرب، وإذا كان المعرب هو الموجب للمعنى القائم به لم يحتج إلى أمر آخر وذلك لا قائل به.
والوَجهُ الثاني: أنَّك تَرفع قولك: ((ماتَ زيدٌ)) ب ((مات))، وزيدٌ في المعنى مفعولٌ وكذلك: جُرب زيدٌ، ولو كان معنى المفعول هو العامل لوجب أن تنصب الجميع، ويدل على فسادِ مذهبهم أنَّك تفصل بأن مع الفصل بينهما، وبين اسمها بالظرف نحو: ((إنَّ في الدّار زيداً)) ودلالة هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّكَ نصبتَ بها مع الفصل.
والثاني: أنَّك نصبتَ بأن وحدها، لا بها وبالظرف، وإذا كان العامل الحرف وحده - مع ضعف الحروف عن الأفعال- فكيفَ لا يعملُ الفعلُ الذي هو الأصل القوي وحده؟.
والله أعلم بالصَّواب ..
стр. 155
٣٧ - مسألة [الاشتغال]
قولك: زيداً ضربته على رأي من نصب زيداً، النصب فيه بفعل مقدر دل عليه المذكور.
وقال بعض الكوفيين: هو منصوب بنفس ضربته.
وحجة الأولين: أن ضربت يتعدى إلى مفعول واحد وقد استوفاه وهو الهاء، فلم يبق له سبيل على نصب زيد، فوجب أن يقدر له ما ينصبه وأولى ما كان ذلك المقدر ما دل عليه المذكور، يدل على ذلك أنك لو
стр. 156
رفعت زيداً في هذه المسألة جاز، وكان هو الأقوى، ومن المعلوم أن ذلك لم يجز إلا لتمام الكلام بقولك ضربتُه، وإذا كان في نفسه تامّاً لم يكن له عمل فيما قبله.
واحتجَّ الآخرون بأن الهاء هي زيد في المعنى، وإنما ذكرت للبيان وإلا فهو في المعنى كقولك: ((زيدٌ ضربتُ)) ولو قالَ ذلك لم يكن فيه خلاف أن النصب بضربت فكذلك إذا أَتى بالهاء، على جهةِ البَيان والتَّوكيد ويدل على ما ذكرنا أن النصب في قولك: ((ضربت أباك زيداً)) هو بضربت لما كان زيدٌ هو الأَبُ في المعنى.
والجوابُ: أنَّ الهاء وإن كانت هي زيداً في المعنى فهو اسم له موضع في الإِعراب، وذلك يوجب أن يكون لها عامل، ولا عامل إلا ضربت هذه، فلا يبقى لها معمول آخر، بخلاف قولك: ضربتُ أباك زيداً، لأن زيداً بدل من الأب، والبدلُ لا يصحُّ في مسألتنا، ثم يَبطل مذهبهم بأنَّك تنصب في موضع لا يتصور نصبه بالمذكور كقولك: زيدٌ ضربتُ أَخاه، لأن الضَّربَ لم يقع بزيدٍ فيضطر ها هنا إلى تقدير ناصب آخر، كأنك قلت أهنت زيداً ضربت أخاه فالمانعُ هنا كالمانعِ في مسأَلتنا؛ لأنَّ المانعَ ثَمَّ امتناع تَعدّى الفعل إلى المُظهر معاً، والمانعُ هنا امتناعُ تَعدى ضَربتُ إلى زيدٍ إذا لم يكنْ واقعاً به، بَلْ بشيءٍ من سَبَبِهِ وكذلك الهاء في ضربته هي من سبب زَيْدٍ، ويَدلُّ عليه أنك تقول زيداً لست مثله فتنصب زيداً ومحال أن ينتصب بلست، وإنّما ينتصبُ بمحذوفٍ تقديرهُ خالفتُ زيداً فهذا كلُّه ما ذكرنا.
والله أعلم بالصواب.
стр. 157
مسائل ما لم يسم فاعله
٣٨ - مسألة [نيابة غير المفعول به عن الفاعل]
إذا اجتَمع في الكلامِ مفعولٌ به صحيحٌ وظرفٌ وحرفُ جرٍّ فالقائم مقام الفاعل هو المفعول الصحيح.
وقال الكوفيون: يجوز أن يقامَ الظرف وحرف الجر مقامه.
لنا أن المفعول الصحيح أشبه بالفاعل فأقيم مقامه لا غير، ويبان أنه أشبه به من أربعة أوجه:
أحدها: أن الفعلَ يصلُ إليه بنفسه، ولا دلالةَ في الفعلِ عليه، بخلاف الظَّرف وحرف الجر، والمصدر.
والثاني: أنَّ المفعولَ به شريكُ الفاعلِ في تحقُّق الفعلِ، لأنَّ
стр. 158
الفاعل يُوجِدُ الفعل، والمفعول به يحفظُهُ من حيثُ كان محلاًّ له.
والثالث: أن المفعول قد جُعل فاعلاً في اللّفظ كقولك: مات زيدٌ وطلعت الشّمس ورخص السِّعرُ، وليس كذلك بقيّة الفضلات.
والرابع: أن من الأفعالِ ما اقتصر فيه على المَفعول ولم يُذكر الفاعل كقولك: ((عُنيت بحاجتك))، و ((نُفِست المرأة))، و ((جُنَّ الرجل))، وليس كذلك بقية الفضلات.
واحتجَّ الآخرون بأنَّ الظّرفَ وحرفَ الجَرِّ يعملُ فيهما الفِعل ويجعلان مفعولاً بهما على السَّعة، فصارا كالمفعول به، وكما جازَ أن يُجعل المفعول به قائماً مقامَ الفاعل كذلك هذه الأشياء.
والجوابُ: أنا قد بينا أن المفعولَ به من أشبهَ بالفاعلِ وإذا دعت الحاجةُ إلى نيابة شيء يقامُ مقامَ غيره فأولى ما كان النائب ما هو أشبه بالمنوب عنه.
فإن قيل: يبطل ما ذكرتموه بقولك أعطيت زيداً درهماً، فإذا لم تسم الفاعل جاز أن تقيم الدرهم مقامه، ولا شبهة أن زيداً أشبه بالفاعل إذ كان فاعلاً للأخذ، والدرهم ليس إلا مفعولاً به.
قيلَ: هما في هذه الحالِ متساويان في المفعوليّة، والفِعلُ واصلٌ إليهما على حدٍّ سواء، وقوّةُ المفعول الأَول من طَريقِ المعنى لا من جهةِ اللَّفظِ، ومع هذا فرفع الدِّرهمِ ضَعيفٌ سوّغه أَمن اللّبْسِ.
والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 159
٣٩ - مسألة [إقامة المَصدر مقامَ الفعل]
لا يجوزُ أن يقامَ المصدرُ مقامَ الفاعلِ مع وجودِ المفعول به الصَّحيحِ في الاختِيار، وإنّما بابه الشّعر.
ومن البَصريين من قالَ يجوزُ.
وحجّة الأوليين: أن المصدرَ يدلُّ على أكثرِ مما دلَّ عليه الفعلُ ولا فائدةَ فيه أكثرَ من التَّوكيد، والفاعلُ غيرُ الفِعل من كلِّ وجهٍ، وهو واجبُ الذّكرِ لفظاً أو تقديراً، فلا يقومُ مقامَه إلا ما شابَهَهُ.
واحتجَّ الآخرون بالسّماعِ والقياسِ.
стр. 160
أمَّا السماعُ: [فـ] قوله تعالى: ﴿وكذلك نُجي المؤمنين﴾ قراءة حَفصٍ عن عاصمٍ بتشديد الجِيم فلا وجهَ له إلا نُجّي النَّجاء.
وقرأَ أبو جَعفرٍ: ﴿ليُجزي قوماً﴾ على ما لم يُسم فاعله، أي
стр. 161
يُجزى الجَزاء قوماً، ومن السَّماع قولُ جَريرٍ:
فَلو ولدت قُفَيرةُ جروَ كلبٍ ... لَسُبَّ بذلِكَ الكَلْبَ الكِلاَبا
أي سُبَّ السَبُّ.
أمَّا القياسُ فهو أن المَصدر اسم يصلُ الفِعلُ إليه بِنَفْسِهِ فجازَت إقامَتُهُ مقامَ الفاعِل كالمَفعول به الصَّحيح.
والجوابُ: أمَّا قراءةُ حفصٍ فعنها ثلاثةُ أَجوبةٍ:
стр. 162
أحدُهما: أنّها ضعيفةٌ لا يَنبغي أن يُؤخذ بها، يدلُّ عليه أن فيها أَمرين يُضَعِّفانِها:
أَحدُهما: إقامةُ المصدَرِ مقامَ الفاعل مع المَفعول الصَّحيح مع أن المَعنى ليس عليه، لأنَّ المعنى أن المؤمنين هم الذين يَنجون ونسبةُ النَّجاء إلى النجاء بَعيدٌ جدّاً.
والثاني: أنّه سكن الياء وهي آخر الفعل الماضي، وهو من بابِ الضَّرورةِ أيضاً، وما هذا لا يُجعلُ أصلاً يقاسُ عليه.
والثالثُ: أن أَصله من نُنْجي بنونين فقلب الثَّانية جيماً، وأُدغم وعلى هذا هو مستقبل لم يسكن آخره للضرورة.
أمَّا قوله: ((ليُجزي)) فتقديره ليُجزي الخَيرَ فالخيْر مفعولٌ ثانٍ كأنَّك
تقولُ: جَزيت زيداً خيراً، وهذا إقامةُ مفعولٍ به صحيحٌ مقامَ الفاعل.
أمَّا البيتُ فقد قيلَ: هو من ضَرورة الشّعرِ، وقيلَ: إن التَّقديرَ يا جروَ كلبٍ أي لو ولدت قُفيرة الكلابِ، فالكلابُ مفعولٌ وَلَدَتْ ويا جروَ كَلْبٍ نِداءٌ، معتَرِضٌ، وأفردَ الضَّمير في ((سُبّ)) لأنه يعودُ إلى جِنْسِ الكِلاب.
قولُهم: ((يصلُ الفعلُ إليه بنفسِهِ)). قُلنا: هو مع ذلِكَ فَضْلَةٌ مُستَغنىً عنها كما ذَكرنا.
والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 163
٤٠ - مسألة [نِعم وبِئس فعلان ماضيان]
نِعم وبِئس فعلان ماضِيان غير متصرِّفين.
وقال الكوفيون: هما اسمان، وهما في الأصلِ صفة لموصوفٍ مَحذوفٍ كأنَّك إذا قلتَ: نعم الرجل زيد فتقديره: الرّجلُ نعمَ الرّجلُ، ولمَّا حذفت الموصوف وهو اسم فكما كان الرجل اسماً فكذلك ما قام مقامه، والرجل مرفوع بنعم كما يرتفع الفاعل باسم الفاعل.
وحجة الأولين من أوجهٍ أحدُهما: اتصالُ ضميرِ المَرفوع بها كما حكى الكِسائي: ((نَعِموا رجالاً الزَّيدون))، وإذا لم يَظهر كان مستتراً وأضمر شريطة التَّفسير، كما ذلك في قَولهم: ((ربه رجلاً)) وهذا لا يكون في الأسماء.
стр. 164
والوجهُ الثَّاني: أن تاءَ التّأنيث الساكنة تَتّصل بنعمَ كقولِكَ: نعمت المرأةُ هندٌ لا يكونُ في الأَسماء.
فإن قيل: التاءُ قد تَتّصل بالحروف نحو: ((رُبّت))، و ((ثُمّت)) و ((لات))، فلا يدل اتصالهما بنعمَ على أنّها فعلٌ.
قيلَ: اتصالُها ساكنةً ب ((نعمَ)) دليلٌ على أنَّها فعلٌ، وليس كذلك، ثم وربّ لأنها مُتحركة، ويدلُّ على الفَرق بينهما أنَّ التاءَ في ((نِعمت)) تدلُّ على تأنيثِ الفاعلِ، كدلالة التّاء في قامت، والتاء في ((ثُمت)) و ((رُبت)) تدلُّ على تأنيثِ الكَلمة في نَفْسِها، لا على التأنيث في غيرها. أمَّا ((لات)) فقد قيلَ إن التاءَ مُتصلة بما بعدها لأنهم قالوا: ((تالآن)) و ((تَحين)) وليس قبلها ((لا)) ومنهم من قالَ: هي متصلةٌ بلا ولكن حكمها حكم رُبت ولذلك وقف عليها قوم بالهاء فقالوا: ((لاه)) ولم يَقف أحدٌ على نِعمت بالهاء.
فإن قيل: لحوق التاء بنعم غير لازم بل يجوز أن تقول نعم المرأة هند قيل: دخولها أحسن وأما حذفها فلأنَّ المرأةَ في معنى الجنس فكان التذكير لذلك على أن الحجة في جواز دخولهما لا في وجوبه.
والوَجهُ الثَّالثُ: السَّبرُ والتَّقسيمُ وذلك أن ((نِعم)) ليس حرفاً بالإِجماع، وقد دَلّ الدليلُ على أنّها ليست اسماً لوجهين:
стр. 165
أحدُهما: أنّها مبنيةٌ على الفتحِ، أمّا البناء فلا سببَ له مع كونِها اسماً، لأنَّ الاسمَ يُبنى إذا شابَه الحرف، ولا مشابهةَ بين ((نِعم)) والحَرف، فلو كانت اسماً لأعربت.
والثاني: أنَّها لو كانت اسماً لكانت إمّا جامداً أو وَصفاً ولا سبيل إلى اعتقاد الجُمود فيها، لأنَّ وجهَ الاشتقاقِ فيها ظاهرٌ، ولأنها مِنْ نَعِمَ الرَّجلُ إذا أصاب نعمةً، والمُنعم عليه يُمدحُ ولا يجوزُ أن تكونَ وصفاً، إذ لو كانت كذلك لظهرَ الموصوف معها، ولأنَّ الصفةَ ليست على هذا البناء، وإذا بطلَ كونُها حرفاً وكونها اسماً ثبتَ أنَّها فعلٌ.
واحتجَّ الكوفيون من سِتَّةِ أوجهٍ:
أحدُها: دخولُ حرفِ النداءِ عليها كقولك: ((يا نِعم المَولى ويا نِعم النَّصير)) وحرف النداء مختص بالأسماء.
والوَجه الثّاني: دخولُ حرفِ الجرِّ عليها كقولهم: ((نِعم السَّير على بِئس العَير))، وقيلَ لأعرابيٍّ وقد وُلدت له ابنة: نِعم المولودة ابنتك)) قالَ: ((والله ما هي بِنعم المَولودة نَصرها صُراخٌ وبِرُّها سَرقة)) فأجراها مجرى
قولك: ما زيدٌ بِنِعم الرّجل.
والوجهُ الثالثُ: أنَّه لو كان فعلاً لدلَّ على حدثٍ وزمانٍ، إذ هذا حدُّ الفِعل والزَّمانُ لا يقترنُ به.
والوجهُ الرَّابعُ: أنّه لو كانَ فِعلاً لتصرّف تَصرُّف الأفعال فكان منه مستقبل وأمر ومصدر واسم فاعل.
والوجَهُ الخامسُ: أنّ اللامَ تدخلُ عليه إذا وقعَ خبراً لأنَّ كقولك: إنّ
стр. 166
زيداً لنعمَ الرّجلن ومعلومٌ أن هذه اللام لا تدخلُ إلا على الاسم أو على الفِعل المضارع، ونعمَ ليست فعلاً مضارعاً والماضي لا تدخلُ عليه فثَبت أنها اسمٌ:
والوجهُ السادسُ: قولهم نَعِيْمَ الرجل وهذا البناءُ ليس من أبينة الفِعل، فثبت أنه اسم.
والجوابُ عن فَصل النداء، من وجهين:
أحدُهما: أنه غيرُ دليلٍ على ما ادّعوا؛ لأنّ حكمَ حرفِ النداءِ أن يدخلَ على المفردِ أو المضافِ أو ما شابهه، وأما على الجُمل فلا. ونِعمَ الرَّجل عندهم جملةٌ ألا ترى أنك لا تقولُ يا زيدٌ منطلقٌ.
стр. 167
والوجهُ الثّاني: أن دخولَ ((يا)) على هذا الفِعل لها تأويلان:
أحدُهما: أن تكونَ دخلت ((يا)) للتّنبيه، ولا يحتاجَ إلى مُنادى كما أن ((ها)) تدخلُ كذلك كقولك ها أن زيداً قايمٌ، وكقول النَّابغة:
ها إنّ تاغُذرة إن لم تَكن نَفَعَتْ ... فإنّ صاحبَها قد تَاه في البَلَدِ
وإذا دَخلت على الحروف وعلى الأفعال للتّنبيه لم تَحتج إلى تقديرِ مُنادى ودخولها على فعل الأمر كقول الشاعر:
أَلا يا سلمى ذاتَ الدَّمالِيْجِ والعِقْدِ
وقالَ آخر:
ألا يَا سْلمِيْ ثُمَّ اسلَمِى ثُمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلاث تَحِيَّاتٍ وإن لَمْ تُكَلَّمِيْ
والتأويلُ الثّاني: أن يكونَ حذفَ المُنادى وهو يُريده كما قال الشَّاعر:
يا لَعنةُ اللَّهِ والأَقوامِ كلِّهِمُ ... والصَّالِحين على سِمْعانَ مِنْ جارِ
стр. 168
يريدُ يا قومُ، ويدلّ على ذلك وقوع الجملة بعدها، وقال تعالى: ﴿يا لَيْتَنِي كنتُ مَعَهُمْ﴾، ﴿يا لَيْتَني لم أَتَّخذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾، و ﴿يا لَيْتَ قَومي يَعلمون﴾ كل ذلك متأول على ما ذكرنا، فإن أحداً لا يَدّعى أن ((لَيتَ)) اسمٌ وأمَّا فَصْلُ دخول الجارِ فليس بمحكم الدّلالةِ على الاسمية لأن تقديرَ الحكايةِ فيه مُمكنٌ وهو أن كونَ التَّقديرِ في قولِه: ((ليستْ بنعمَ المَولودة)) أي لَيْسَتْ بمقُولٍ فيها نعمَ المَولودة فحذفَ القول لظهورِ معناه وهو كثيرٌ في القرآنِ وكلامِ العربِ قالَ تعالى: ﴿والملائكةُ باسطوا أَيْدِيَهُمْ أَخرجوا﴾ أي يقولون: أَخرجوا، وقالَ تَعالى: ﴿والملائكةُ يَدخلون عَلَيْهِمْ من كلّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقالَ الشّاعر:
واللهِ ما لَيلى بنَامَ صاحِبُه ... ولا مُخالطَ اللَّيانَ جَانِبُه
أي بمقول فيه نامَ وهو كقول الآخر:
مالَكَ عِندي غيرَ سَهْمٍ وحَجرْ ... وغَيرَ كَبداء شَديدةُ الوَترْ
تَرمي بِكَفَّي كانَ مِنْ أَرمَى البَشَرْ
стр. 169
أي بكفّي رجلٍ كان.
قولهم: لا يحَسنُ اقترانُ الزَّمان به، قُلنا: إنّما يَقرن بالفِعل الزمان ليصبح المرادُ به، ويُفصل بالزّمان بينَ الماضي والمُستقبل وهذا مستغنًى عنه هاهنا، لأنَّ نعمَ وبئسَ يَستوفيان غايةَ المَدحِ والذّمِ، وهذا لا يكونُ إلاّ بما هو موجودٌ، لأنّه المُتَيَقِّن، فَلَمّا اختُصَّ بهذا المعنى علم زَمانها ولهذا لم يتَصرفا، ويدلُّ على فسادِ ما قالوه أنّ ((عسى)) فعلٌ عندَ الجميعِ ولا يقترِنُ بها زمانٌ ولا تتصرّفُ للعلةِ التي ذَكرنا من دِلالتها على مَعنى القُرب، وبهذا أَشبهت هذه الأفعال الحروفَ حتى جَمُدَتْ، لأنّها دَلّت على مَعنى زائدٍ على الحدثِ والزَّمان وهذا هو بابُ الحروفِ.
وأمّا دخولُ اللاّم عليها فلا يدلُّ على أنّها اسمٌ، ألا تَرى أن اللامَ قد دخلتْ على الحرفِ في مثلِ قولهِ تَعالى: ﴿وَلسوف يُعطيك ربُّك فَتَرْضى﴾ وإنما حَسُنَ ذلك، لأنَّها لما جَمَدَتْ أشبَهت الأسماء، فدخلَ عليها ما يَدخُلُ على الأَسماء من حروفِ التَّوكيد وقد أَدخلوا اللاّم على الفِعل الماضي المَخض، كقولِ الشَّاعر:
إذاً لقامَ بنصري معشرٌ خُشُنٌ ... عندَ الحَفيظة إن ذُو لَوثة لاَنا
وكقولِ امرئ القَيس:
стр. 170
لَناموا فَما إن من حَدِيث ولا صَالِي
وأما نَعِيْم الرّجل فهي حكاية شاذَّة، والوجه فيها أن أصلَ ((نعم)) نَعِمَ بكسر العَين فأشبع الكسرة فنشأت الياءُ، وله نظائر كقولهم: ((الدّراهيم)) و ((والصّياريف)) و ((مُنتزاح)) و ((أدنوا فأنظروا)). أي منتزح وأنظر، والله أعلم بالصّواب.
стр. 171
٤١ - مسألة [(ما) التعجبية]
((ما)) في التَّعجب اسم تامٌّ غيرُ موصولٍ ولا موصوفٍ وقال أَبو الحسن: هي بمعنى الذي، والخبرُ محذوفٌ أي الذي أَحسن زيداً شيءُ.
وحجةُ الأولين من وجهين:
стр. 172
أحدُهما: أن مبني التَّعجبِ على الإِبهام، ولذلك عدَلوا فيه إلى ((ما)) لأنَّها أشدُّ إبهاماً من غيرها، والذي تتَّضح بِصلتها، وذلك يناقِضُ موضوعَ التَّعجب.
والثاني: أن الخبرَ لابدّ له منه، ومن شَرطه أن يكونَ مفيداً والخبرُ هنا محذوفٌ على قوله، والذي يقدّره نكرة غير مفيدة، ومن المَعلوم البَيّن أن الذي أَحسنه شيءٌ، فيعرى هذا التّقدير عن فائدة كما يَعرى قولك: رجل قائمٌ عن فائدة.
فإن قيلَ: يلزمكم مثل ذلك، لأنّك إذا قدّرت ((ما)) بشيءٍ كان التَّقدير شيءٌ أحسنَ زيداً وهذا معلومٌ أيضاً.
قيل: جعل المبتدأ نكرة قد جازَ في مواضعَ كقولهم: ((شرُّ أهرّ ذا نابٍ)) و ﴿سلامٌ عليكم﴾ و ﴿ويلٌ للمطففين﴾ وغير ذلك، وليس الخبرُ كذلك، وأنتَ لو قلتَ: جاءَني رجلٌ أو رجلٌ جاءني لكانَ مفيداً بخلاف الخبرِ المحض.
стр. 173
واحتج الآخرون: بأن ((ما)) لو كانت بمعنى شيءٍ لكانتْ تامةً في نفسها، وذلك غير جائز، لأنّها في غايةِ الإِبهامِ، والإِبهامُ يقتضي الإِيضاح، فأمَّا أن يكونَ تاماً مُستَغْنِياً عن بَيانٍ فلا.
والجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما: أن ((ما)) قد جاءَت تامةً من ذلك قوله تعالى: ﴿فنعما هي﴾ أي فنعمَ شيئاً هي. وقالَ أَبو الحَسَن في قوله تعالى: ﴿فيما نقضهم ميثاقهم﴾ أن ((ما)) بمعنى شيء، ونَقضهم بدلٌ منه، فإذا جاءَت في موضعٍ تامةً لم يستنكر كونها في هذا الموضع.
والوجهُ الثاني: أن جعلها بمعنى ((الذي)) لا يحَصلُ لها إيضاحاً بالعِلّة، لأنّك تُفسر ((الذي)) بقولك: شيءٌ، ولا فرقَ أن يقولَ: شيءُ أحسنَ زيداً، وبين قولك: الذي أحسَنَ زيداً شيءٌ في حقيقةِ الإِبهامِ بل هذا أَوضح، لأنّك بدأتَ بالشّيءِ الواضحِ ثم أَتيت بما يُبْهمُه.
والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 174
٤٢ - مسألة [فعلية أفعل في التعجب]
((أَفعل)) في التَّعجّب فعلٌ ماضٍ.
وقالَ الكوفيون: هو اسمٌ.
стр. 175
وحجّةُ الأولين من أوجهٍ ثلاثةِ:
أحدُهما: أن نون الوقايةِ تَلحق هذا البناء كقولك: ما أَعلمني وهذه النُّون لا تلحقُ الأسماءَ، إذ لا يُستنكر كَسر آخرَ الاسمِ وإنّما يُستنكَرُ كسر آخر الفعل أو الحرف، فأتى بالنون لتقع الكسرة عليها، ويبقى آخر الفعل على ما كان عليه.
ونُحرّر من هذا عبارة فنقولُ: لفظٌ تلزمه نون الِوقاية عندَ الإِضافة إلى الياءِ، فلم يكن اسماً كما لو جاء في غير التعجب، ولا يلزمُ عليه الحرف نحو مني وعني، لأنَّ الخلافَ ما وقع في كونِ هذا اللفظ اسماً أو فعلاً فلم يكن له هُنا مدخل فلا يناقض به. وإن شئت ذكرت دليلَ التَّقسيم فقلتَ ليس بحرفٍ بالاتفاق، ولا يجوزُ أن يكونَ اسماً، لأنّ الاسمَ لا تَلحقه نونُ الوقاية فلا تقولُ فلانٌ ضاربني، وهذه النُّون تَلحق لفظَ التَّعجُّب كقولك:
ما أعلمني، وهي من خَصائص الأفعال فثَبت أنَّه فعلٌ.
فإن قيل: قد دخلت هذه النُّون على الاسمِ في نحو قول الشاعر:
وليسَ حامِلُني إلا ابنُ حَمّالِ
وقالوا: قَطني، وقَدني وهما اسمان.
قيلَ: أمّا ((حامِلُني)) فمن الشَّاذِّ الذي لا يُعرّجُ عليه، وكأنّه حملَ اسمَ الفاعلِ على الفعلِ المضارع لما بَينهما من الشَّبه، ومثل ذلك يُحتمل في ضَرورة الشّعر. وأمَّا ((قَدني)) و ((قَطني)) فقد يقال: ((قَدِي)) و ((قَطِي)) ولا يجوزُ مثلُ ذلك في فعلِ التَّعجب.
стр. 176
وأمّا مَنْ قال: ((قَدني)) فالوجه فيه عنده أن ((قَد)) بمعنى اكفُفْ فلما أشبَه فِعلَ الأمرِ لحقَه حكمٌ من أَحكامه، كما قالَ: حسبُك يَنَمِ النّاس، بجزمِ الجَواب، لأنه حَمله على اكفُف ينمِ النّاس.
والوَجْهُ الثَّاني: أن هذا البِناء ينصبُ المعرفة والنّكرة وأفعل الذي هو اسم لا يعَمل ذلك وإنما هو يختصُّ بالنكرات.
فإن قيلَ: فقد عمل في المعارفِ كقولِ العَبّاس بن مِرداس:
وأضربُ مِنّا بالسُّيوف القَوَانِسا
فنَصب القَوانِسَ بأضرب، وقالَ النَّابغة:
فإن يَهلك أَبو قابوس يَهلك ... رَبيْعُ النّاسِ والشَّهرِ الحَرامِ
ونَأخذ بعدهم بِذِنابِ عَيْشٍ ... أَجبَّ الظَّهرَ لَيس لَه سَنامِ
فنصَب الظّهر بأحبّ، وقالَ آخر:
ولقد أغتدي وما صَقَعَ الدّيْ ... ـك على أدهمٍ أجشّ الصَهِيلا
فنصب بأفعل.
стр. 177
فالجوابُ: أن هذه المواضعَ مَخرجها غيرُ ما ادعوا، وذلك أن مَنْ نصب ما بعدها إمّا يكون فعل محذوف يفسره أَفعل كما قال تعالى: ﴿إنّ ربَّك هو أعلمُ بمَنْ ضَلَّ عن سَبِيْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿الله أعلمُ حَيْثُ يَجعل رِسالاَته﴾ ف ((حيثُ)) و ((مَنْ)) لا يجوز أن يكونا مَجرورين بالإِضافة، لأنَّ أفعلَ تُضاف إلى ما هي بعض له وذلك محالٌ هنا، وأمَّا ((أجبَّ الظَّهر)) فروي بالإٍضافة، ولا حُجّة فيه على هذا، وقد رُوي بالرّفع على تَقديرِ أجبّ الظهرَ منه، أمَّا النَّصب فعلى التَّشبيه بالمفعول به كباب الحَسن الوجه، وقيل الأَلف واللاّمُ زائِدتان كما قالَ الآخر:
خلّص أمّ العَمرو من أَسيرها ... حُرّاسُ أبوابٍ على قُصُورها
وعلى مذهبهم يجوزُ أن يكونَ بدلاً من الضَّمير، وعلى كل حال لا يبقى لهم فيه حجة وكذلك القول في ((أجشَّ الصهيلا)).
والوجه الثالث: أن هذا البناء مبنيّ على الفتح ولو كان اسماً لم يكن مبنياً، إذ لا علة للبناء خصوصاً على الفتح، فإِنْ قيل: علة بنائه شيئان:
أحدُهما: تَضَمُّن معنى هَمزة الاستفهامِ، لأنَّ قولَك: ما أَحسن زيداً أي شيءٌ أوجبَ ذلك؟.
стр. 178
والثاني: تَضَمُّنهُ حرفُ التَّعجب، لأنّ التَّعجُّب معنى، والأصلُ في كلِّ معنى أن يوضعَ له حرفٌ فيُعتَقَد ذلك وإن لم يُنطق به، كما في بناءِ هذا وهؤلاء.
والجوابُ أمّا الاستفهامُ فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّ التّعجُّب خبرٌ يَحتمل الصّدقَ والكَذِبَ وبين الخبرِ والاستفهامِ بونٌ بَعيدٌ.
والثاني: أنَّ الاستفهامَ لو كان لكانت ((ما)) هي المُتضمنة له لا الفعل الذي بعدها. وأمّا حرفُ التَّعجب فلا حاجةَ إلى تقديره، لأنَّ الصيغَة دالةٌ على التَّعجب فلم يَحتج معها إلى حرفٍ، كما أنَّ ((نعم)) و ((بئس)) موضوعتان على المَدح والذّم ولم تحتَج مع ذلِكَ إلى تقديرِ حرفٍ يدلُّ عليهما وكذلك عسى وحبذا.
والوجهُ الرابعُ: أن أحكامَ الفِعلية موجودةٌ فيه منها لحقوق نون الوقاية به على تقدّم، ومنها أنّك إذا أتيت بفعلٍ آخر والمفعول واحد أَجريته مجرى أكل وشرب مثاله قولك ما أَحسن زيداً وأجملَ.
وأما حُجَّةُ الكوفيين: فإنهم احتجوا بثلاثةِ أشياء:
أحدُها: أنه يصغر، يقال ما أُحَيْسِنَهُ قال الشَّاعرُ:
стр. 179
يا ما أُمَيْلِحَ غزلاناً شَدَنَّ لنا ... من هَؤليائِكُنَّ الضَّالِ والسّمرِ
والتَّصغيرُ من خَصائص الأسماء.
والوجهُ الثاني: أن عينَ هذه الكلمةِ تَصِحُّ إذا كانت واواً أو ياءً نحو ما أَخوف زيداً وما أَسيره ولو كان فِعلاً لاعتُلت لأن الاعتلال من خَصائص الأفعالِ.
والثَّالثُ: أنّه جامدٌ لا يَتَصَرّف فلا يكونُ منه مُستقبل ولو كان فِعْلاً لتَصَرّف، ويدلُّ على أنَّه ليس بفعلٍ أنَّك تَقولُ ما أَعظمَ الله قالَ الشاعرُ:
ما أَقَدَرَ الله أن يَدني على شَحَطٍ ... مَن دارُهُ الحَزن ممن دارُه صُولُ
ولو كان فِعلاً لكان التّقدير شيئاً عظُّمَ اللَّهَ، وعظمةُ اللَّهِ من صفاتِ الذّات لا تَحصل بجعلِ جاعلٍ.
والجوابُ: أما التَّصغيرُ فإنّه يتناول لفظ الفعلِ هنا والمراد تَصغير مَصدره وكأنَّه قالَ فيه حُسنٌ قليل، وهذا كما يضاف إلى الفعل في نَحو قوله: ﴿هذا يومُ ينفعُ الصَّادقين صِدْقُهُم﴾ وهو كثيرٌ، والمعنى إضافة الزّمان إلى مصدر الفعل، وحسن ذلك في فعل التَّعجب أنه لجمودِهِ أشبهَ الاسمَ، ومن هاهُنا صحّت فيه الياءُ، والواو نحو ما أَقَومه وما أَخَوفه، لأنَّه
стр. 180
لما لَزِمَ طريقةً واحدةً كان كالاسم وهذا هو الجَواب عن الوَجه الثَّاني على أن صِحّة الواو لا يقَطع بها على الاسم أَلا تراهم قالوا: ((استَحْوَذَ))، و ((استَنْوَقَ الجَمَلُ)) و ((استَتْيَسَتِ الشّاة)) ونحو ذلك.
أمّا عدمُ تصَرفه فلا يدلُّ على كونه اسماً ألا تَرى أن ((نعم)) و ((بئس)) و ((عسى)) أفعال ولا تتصّرف وكان السّببُ في ذلك أنّ فعلَ التّعجب ماضٍ أبداً؛ إذ لا يُتَعَجَّبُ إلا من أمرٍ متحقق، موجودٍ كما أن نِعم وبِئس كذلك.
فإن قيلَ فأنتَ تقولُ: ما أطولَ ما يخرج هذا الصّبي فتحكم على المعنى المستقبل قيل: التَّعجب هنا لأماراتٍ دالة على وجود الأمر في المستقبل، فكأنَّ ذلك موجود الآن، وهذا مثل قوله تَعالى ﴿رُبَّما يَوَدُّ الذين كَفروا﴾ و ((رُبّ)) إنما تَدخل على المَاضِي ولكنْ لما كان خَبرُ الله حَقاً وصِدْقاً جَرى مَجرى المَوجود وأمَّا قولهم: ما أعظمَ الله فالمُراد به شيءٌ عظم الله عندي: ولم يوجب له في نفسه سبحانه تعظيماً لم يكن: وإنما هو دالُّ على أمر ظهرَ للمَخلوق ثمّ إن هذا لازمٌ لهم، كما يَلزمنا فإنّ المَعنى لا يَختلفُ بينَ أن يكونَ اللّفظُ فعلاً أو اسماً ... والله أعلمُ بالصّواب ...
следующие страницы →