Полный текст (348 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأمّا مَنْ قال: ((قَدني)) فالوجه فيه عنده أن ((قَد)) بمعنى اكفُفْ فلما أشبَه فِعلَ الأمرِ لحقَه حكمٌ من أَحكامه، كما قالَ: حسبُك يَنَمِ النّاس، بجزمِ الجَواب، لأنه حَمله على اكفُف ينمِ النّاس.
والوَجْهُ الثَّاني: أن هذا البِناء ينصبُ المعرفة والنّكرة وأفعل الذي هو اسم لا يعَمل ذلك وإنما هو يختصُّ بالنكرات.
فإن قيلَ: فقد عمل في المعارفِ كقولِ العَبّاس بن مِرداس:
وأضربُ مِنّا بالسُّيوف القَوَانِسا
فنَصب القَوانِسَ بأضرب، وقالَ النَّابغة:
فإن يَهلك أَبو قابوس يَهلك ... رَبيْعُ النّاسِ والشَّهرِ الحَرامِ
ونَأخذ بعدهم بِذِنابِ عَيْشٍ ... أَجبَّ الظَّهرَ لَيس لَه سَنامِ
فنصَب الظّهر بأحبّ، وقالَ آخر:
ولقد أغتدي وما صَقَعَ الدّيْ ... ـك على أدهمٍ أجشّ الصَهِيلا
فنصب بأفعل.
стр. 177
فالجوابُ: أن هذه المواضعَ مَخرجها غيرُ ما ادعوا، وذلك أن مَنْ نصب ما بعدها إمّا يكون فعل محذوف يفسره أَفعل كما قال تعالى: ﴿إنّ ربَّك هو أعلمُ بمَنْ ضَلَّ عن سَبِيْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿الله أعلمُ حَيْثُ يَجعل رِسالاَته﴾ ف ((حيثُ)) و ((مَنْ)) لا يجوز أن يكونا مَجرورين بالإِضافة، لأنَّ أفعلَ تُضاف إلى ما هي بعض له وذلك محالٌ هنا، وأمَّا ((أجبَّ الظَّهر)) فروي بالإٍضافة، ولا حُجّة فيه على هذا، وقد رُوي بالرّفع على تَقديرِ أجبّ الظهرَ منه، أمَّا النَّصب فعلى التَّشبيه بالمفعول به كباب الحَسن الوجه، وقيل الأَلف واللاّمُ زائِدتان كما قالَ الآخر:
خلّص أمّ العَمرو من أَسيرها ... حُرّاسُ أبوابٍ على قُصُورها
وعلى مذهبهم يجوزُ أن يكونَ بدلاً من الضَّمير، وعلى كل حال لا يبقى لهم فيه حجة وكذلك القول في ((أجشَّ الصهيلا)).
والوجه الثالث: أن هذا البناء مبنيّ على الفتح ولو كان اسماً لم يكن مبنياً، إذ لا علة للبناء خصوصاً على الفتح، فإِنْ قيل: علة بنائه شيئان:
أحدُهما: تَضَمُّن معنى هَمزة الاستفهامِ، لأنَّ قولَك: ما أَحسن زيداً أي شيءٌ أوجبَ ذلك؟.
стр. 178
والثاني: تَضَمُّنهُ حرفُ التَّعجب، لأنّ التَّعجُّب معنى، والأصلُ في كلِّ معنى أن يوضعَ له حرفٌ فيُعتَقَد ذلك وإن لم يُنطق به، كما في بناءِ هذا وهؤلاء.
والجوابُ أمّا الاستفهامُ فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّ التّعجُّب خبرٌ يَحتمل الصّدقَ والكَذِبَ وبين الخبرِ والاستفهامِ بونٌ بَعيدٌ.
والثاني: أنَّ الاستفهامَ لو كان لكانت ((ما)) هي المُتضمنة له لا الفعل الذي بعدها. وأمّا حرفُ التَّعجب فلا حاجةَ إلى تقديره، لأنَّ الصيغَة دالةٌ على التَّعجب فلم يَحتج معها إلى حرفٍ، كما أنَّ ((نعم)) و ((بئس)) موضوعتان على المَدح والذّم ولم تحتَج مع ذلِكَ إلى تقديرِ حرفٍ يدلُّ عليهما وكذلك عسى وحبذا.
والوجهُ الرابعُ: أن أحكامَ الفِعلية موجودةٌ فيه منها لحقوق نون الوقاية به على تقدّم، ومنها أنّك إذا أتيت بفعلٍ آخر والمفعول واحد أَجريته مجرى أكل وشرب مثاله قولك ما أَحسن زيداً وأجملَ.
وأما حُجَّةُ الكوفيين: فإنهم احتجوا بثلاثةِ أشياء:
أحدُها: أنه يصغر، يقال ما أُحَيْسِنَهُ قال الشَّاعرُ:
стр. 179
يا ما أُمَيْلِحَ غزلاناً شَدَنَّ لنا ... من هَؤليائِكُنَّ الضَّالِ والسّمرِ
والتَّصغيرُ من خَصائص الأسماء.
والوجهُ الثاني: أن عينَ هذه الكلمةِ تَصِحُّ إذا كانت واواً أو ياءً نحو ما أَخوف زيداً وما أَسيره ولو كان فِعلاً لاعتُلت لأن الاعتلال من خَصائص الأفعالِ.
والثَّالثُ: أنّه جامدٌ لا يَتَصَرّف فلا يكونُ منه مُستقبل ولو كان فِعْلاً لتَصَرّف، ويدلُّ على أنَّه ليس بفعلٍ أنَّك تَقولُ ما أَعظمَ الله قالَ الشاعرُ:
ما أَقَدَرَ الله أن يَدني على شَحَطٍ ... مَن دارُهُ الحَزن ممن دارُه صُولُ
ولو كان فِعلاً لكان التّقدير شيئاً عظُّمَ اللَّهَ، وعظمةُ اللَّهِ من صفاتِ الذّات لا تَحصل بجعلِ جاعلٍ.
والجوابُ: أما التَّصغيرُ فإنّه يتناول لفظ الفعلِ هنا والمراد تَصغير مَصدره وكأنَّه قالَ فيه حُسنٌ قليل، وهذا كما يضاف إلى الفعل في نَحو قوله: ﴿هذا يومُ ينفعُ الصَّادقين صِدْقُهُم﴾ وهو كثيرٌ، والمعنى إضافة الزّمان إلى مصدر الفعل، وحسن ذلك في فعل التَّعجب أنه لجمودِهِ أشبهَ الاسمَ، ومن هاهُنا صحّت فيه الياءُ، والواو نحو ما أَقَومه وما أَخَوفه، لأنَّه
стр. 180
لما لَزِمَ طريقةً واحدةً كان كالاسم وهذا هو الجَواب عن الوَجه الثَّاني على أن صِحّة الواو لا يقَطع بها على الاسم أَلا تراهم قالوا: ((استَحْوَذَ))، و ((استَنْوَقَ الجَمَلُ)) و ((استَتْيَسَتِ الشّاة)) ونحو ذلك.
أمّا عدمُ تصَرفه فلا يدلُّ على كونه اسماً ألا تَرى أن ((نعم)) و ((بئس)) و ((عسى)) أفعال ولا تتصّرف وكان السّببُ في ذلك أنّ فعلَ التّعجب ماضٍ أبداً؛ إذ لا يُتَعَجَّبُ إلا من أمرٍ متحقق، موجودٍ كما أن نِعم وبِئس كذلك.
فإن قيلَ فأنتَ تقولُ: ما أطولَ ما يخرج هذا الصّبي فتحكم على المعنى المستقبل قيل: التَّعجب هنا لأماراتٍ دالة على وجود الأمر في المستقبل، فكأنَّ ذلك موجود الآن، وهذا مثل قوله تَعالى ﴿رُبَّما يَوَدُّ الذين كَفروا﴾ و ((رُبّ)) إنما تَدخل على المَاضِي ولكنْ لما كان خَبرُ الله حَقاً وصِدْقاً جَرى مَجرى المَوجود وأمَّا قولهم: ما أعظمَ الله فالمُراد به شيءٌ عظم الله عندي: ولم يوجب له في نفسه سبحانه تعظيماً لم يكن: وإنما هو دالُّ على أمر ظهرَ للمَخلوق ثمّ إن هذا لازمٌ لهم، كما يَلزمنا فإنّ المَعنى لا يَختلفُ بينَ أن يكونَ اللّفظُ فعلاً أو اسماً ... والله أعلمُ بالصّواب ...
стр. 181
٤٣ - مسألة [التعجب من الألوان]
لا يُبنى فعل التَّعجب من الألوان.
وقال الكوفيون: يُبنى من البَياض والسَّواد فقط.
وحجةُ الأولين أنّه فعلُ مأخوذٌ من اللَّون فلم يُبن منه فعل التَّعجب كالحُمرة وغيرها، وإنما كان كذلك لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في فعل اللون أفعل نحو أبيض وأحمر، وفعل التعجب لا يبنى إلا من الثلاثي.
والثاني: أن الألوان للزومها المحل تجري مجرى العيوب الظاهرة والأعضاء ولذلك لا يبنى منها فعل التعجب، فلا يقال في العظيم الرجل ما أرجله ولا في عور العين ما أعوره كذلك الألوان.
стр. 182
واحتج الآخرون بالسماع والقياس.
فمن السماع قول الشاعر:
جارِيةٌ في دِرعِها الفِضفاضِ ... تُقطّعُ الحَديثَ بالإِيماضِ
أبيضُ من أُختِ بني أَباضِ
وكذلك قولُ الآخر:
إذا الرجالُ شَتَوا واشتَدّ أزمُهُمُ ... فأنتَ أَبيَضُهُم سِربال طَبَّاخِ
وأَفعل في حكمِ فعلِ التَّعجبِ فيما يجوزُ ويمتنعُ.
وأمَّا القياسُ فهو أن البَياض والسَّواد أصلان لكلِّ لونٍ، إذ كانَ بقيّةُ الألوانِ يتركب منها، وأحكامُ الأصولِ أعمُّ من أحكامِ الفروع وأقوى.
والجوابُ عن الشّعر من وَجهين:
أحدُها أن أفعلَ فيه ليس للمبالغةِ وإنّما هو اسمٌ بمنزلة قولك شيءٌ أسود وأبيض أي مبيضّ ومسودٌ، والخلافُ فيما يراد به المبالغة.
والثّاني: أن هذا من الشُّذوذ الذي لا تناقض به الأصول قولهم: ((إن البياض والسواد أصلان للألوان)) جوابه من وجهين:
стр. 183
أحدُهما: ليس كذلك بل كل لونٍ أصل بنفسه وليس بمركب ولو قدر أنّه مركب، ولكن هذا لا يمنعُ من أن يكونَ أصلاً؛ لأن حقيقتَه واسمه تغيرا فهو، بمثابة الأدوية المركبة فإن طَبائعها وأسماءَها تُخالف أحكامَ مفرداتها وكذلك ما رُكب من الكلمات نحو ((لولا)) و ((لن)) على قول الخليل.
والجوابُ الثاني: نُقدر أنهما أصلان ولكن لم يُجَوِّزْ ذلك بناءَها على هذه الصّيغة، وبيانُه من وجهين:
أحدُهما: أن العلةَ في امتناعِ بناءِ فعل التّعجب من غيرهما موجودةٌ فيهما وهو كونه على أكثر من أربعةِ أحرفٍ والأصلُ ألاَّ يُخالِفَ مقتضى العِلّة.
والثاني: أن الأصولَ أولى بمراعاةِ أحكامِها، وأبعد من التّغيير بخلافِ الفروع، فإن الفرعَ مغيرٌ عن الأصلِ والتَّغيير يُؤنس بالتَّغيير، ألا تَرى أن النَّسب إلى حَنيفة وإلى ثَقيف ثَقيفي ولم يكن الفَرق بينهما إلا أن حنيفةَ حُذفت منها التّاء، فحُذفت منها الياء أيضاً وثقيف لم يُحذف منه شيءٌ فلم تُحذف منه الياء، والله أعلمُ بالصّواب ..
стр. 184
مسائل باب كان وأخواتها
٤٤ - مسألة [المنصوب بكان]
المنصوب بكانَ لا ينتصب على الحالِ.
وقالَ الكُوفيُّون هو منصوبٌ على الحالِ.
والمسألة تبنى على حرفٍ وهو أن الحال له أحكام لا تتحقق في المنصوب هاهنا، وانتفاء الحكم يدل على انتفاء المحكوم عليه، فنحرر من هذا دليلاً فنقول: أحكامُ الحالِ منتفيةٌ عن منصوب هنا فينتفي كونه حالاً، وبيانه: أنَّ أحكامَ الحالِ كثيرةٌ.
أحدها: أن يجوزَ حذفُها ويبقى الكلامُ تاماً، وليس المنصوبُ هاهنا
стр. 185
ومنها: أن الحالَ وصفُ هيئةِ الفاعلِ والمفعولِ به وقتَ وقوعِ الفعلِ منه أو به كما ذكرناه من قولك: جاءَ زيدٌ راكباً، فالركوب هيئةَ الفاعل، ولا هيئة للمرفوع بكان؛ لأنَّها لا تدلُّ على فعل يكون لفاعله هيئة.
الثالث: أنَّ الحالَ لا يكونُ إلا نكرةً هذا هو الأصل؛ إذ لو كان معرفةً لكان تابعاً لصاحبِ الحالِ، إمّا صفةً، وإما بدلاً، وإما توكيداً، والمنصوب في كان ليس كذلك بل يكون معرفة ونكرة، ولا يصح فيه البَدَلُ ولا الوَصْفُ ولا التَّوْكِيْدُ.
الرابعُ: أن الحالَ صفةٌ في الأَصل، ومن حكمِ الصّفة أن تكونَ مُشتَقّةً، ولا يشترط ذلك في المنصوب بكان، ألا ترى أنك تقول كان زيدٌ أباك و [كانت] أمُّك هنداً، وليس هذا من المُشتَقِّ في شيءٍ.
الخامِسُ: أن المنصوبَ بكان يتقدَّمُ على اسمها وعليها أيضاً والحال لا يتقدم على صاحب الحال، ولا على العاملِ فيها عندهم وهذا يُبطل مَذهبهم في خبر كان.
فإن قيل: أمَّا جواز حذف الحال فغير ثابت في كل موضع ألا تَرى أن قولَك: مررتُ بكلٍّ قائماً وبكلٍّ قاعداً منصوبٌ فيه حال ولا يجوز الاقتصار على قولك: مررت بكل، لأن معنى الكلام على ذكر الحال. قولهم: إنّها صفةُ هيئةِ الفاعل أو المفعول به قلنا: المنصوب بكان يؤول إلى معنى الصفة، ألا ترى أن قولك كان زيد أباك معناه كان زيد والدك أو الذي ولدك
стр. 186
وأما كون الحال نكرة فقد جاءت معرفة في بعض المواضع كقولهم:
((أرسلها العراك)) أي معتركة و ((افعله جهدك وطاقتك)) أي مجتهداً، و ((كلمته فاه إلى في)) أي [مشافهاً]، وكل ذلك معرفة.
أمَّا كونُ الحال مُشتقة فغيرُ لازمٍ أن قولَهم: ((جَهدُك وطاقَتُك)) ليس بمشتقٍّ عندكم وهو الحال فكذلك قولهم: ((مررتُ بالحيَّةِ ذِراعاً وطولها)) ومنه قولُه تَعالى: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتقون، قرآناً عربياً﴾ ف ((قُرآناً)) حال، وليس بمشتق، وتقول: مررت بزيد رجلاً صالحاً ((فرجلاً)) حال وليس بمشتق.
وأمَّا تقديمُ الحالِ فجائزٌ عندكم، وأمَّا عندنا فلا يَجوزُ لمانعٍ وهو الإِضمارُ قبلَ الذكرِ ولم يُوجد المانع في المنصوب بكان.
والجوابُ: أمَّا حذف الحال فجائزٌ في كلِّ موضعٍ ثم الكلام على ما قبلها، فأما قولهم: مررت بكل قائماً فإنما لم يسغ حذفها فيه لأن صاحب الحال ــ على التحقيق ــ محذوفٌ؛ لأن التقدير مررت بكل رجل أو بكل القوم فصاحبُ الحال هو المضاف إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ولكلِّ درجاتٌ مما عَمِلُوا﴾ أي لكل فريق أو واحد فلما حذف جعل حاله دليلاً عليه، وكذلك
стр. 187
قولهم: ضربي زيداً قائماً أي ضربني زيداً إذا كان قائماً ف ((قائماً)) حال من الضمير في كان المقدرة، وذكر الحال دالٌّ على المحذوف، وليس كذلك خبر كان، وقد بيّنا أن الحال صفة الهيئة. قولهم: خبر كان يؤول إلى الصفة. جوابه من ثلاثة أوجهٍ:
أَحدُها: أنَّ المرادَ بالصّفة هاهُنا ما كان تابعاً للموصوف قائِماً بغيرِه وليس كذلك خبر ((كان))؛ ألا ترى أن قولَك: كان زيدٌ أخاك إن أخاك ليس بتابع لما قبله، ولا هو هيئة قائمة بغيره، ولذلك لا يعدُّ في باب التوابع.
والثاني: أن الخبر ليس بواقع موقع الصفة، ألا ترى أن هنداً أمّ عمرو مبتدأ وخبر، وأم عمرو غير واقع موقع الصفة، ولذلك لا يعمل عمل الصفة في الإعراب، وليس كذلك الحال؛ فإن الحال تعمل فيما بعدها كقولك: جاء زيد راكباً أبوه فرساً، وكذلك الجملة في قولهم: ((جاء زيدٌ تقادُ الجنائب بين يديه)).
والثَّالثُ: أن العاملَ في الخَبر غيرُ العاملِ في الحالِ عندهم؛ لأن عندهم الخبر يرتفع بالمبتدأ، والمبتدأ بالخبر، وليس كذلك الحال فإنَّ العامل فيها هو العامل في صاحبها، قد بيّنا أن الحكمَ الحالِ أن تكونَ نكرةً وما ذكروه من المسائل فليس المنصوب فيه حالاً بل هو نائب عن الحال، فقولهم: ((أرسلها العراك)) تقديره أرسلها معتركة، ثم أقام الفعل مقام الاسم لمناسبته له، أي أرسلها تعترك، ثم حذف الفعل وجعل المصدر دالاًّ عليه، وهكذا: افعله مجتهداً، ثم تجتهد، ثم جهدك، ويدل على ما ذكرناه أن الحال مشتقة و ((جهدك)) قد سبق جوابه و ((ذراعاً)) في معنى المشتق؛ إذ
стр. 188
معناه مررت بالحيّة مذروعة أو طويلة، وغير المشتق قد يقع موقع المشتق ومنه قولهم: ((مررتُ بقاعٍ عرفج كلُّه)) أي خشن كلّه، وأمَّا ((قرآناً)) فبمعنى مقروءٌ، ومقروءٌ مشتق، وقال النحويون: هي حال موطئة، ومعنى ذلك أن ((عربياً)) هو الحال، و ((قرآناً)) وطأ للحال، فصار الحال في اللفظ وصفاً وكسى للموصوف اسم الحال، وقد بيّنا أن الحال عندهم لا يجوز تقديمها.
قولهم: ذلك من أجل تقدُّم الضمير على الظّاهر قلنا: فمثله في خبر كان إذا قلت كان قائماً زيدٌ فإن في ((قائماً)) ضميراً؛ لأنه اسم فاعل، ومع ذلك فقد جاز تقديمه وسيأتي ذلك في مسائل الحال.
واحتجّ الآخرون بأن خبرَ كان منصوبٌ ولا بد له من وصف ينتصبُ عليه وقد انحصرت المذاهب فيه على قولين:
أحدهما: هو مشبهه بالمفعول على قولكم.
والثاني: على الحال على قولنا.
والمذهب الأول باطل من أوجه:
أحدها: أن تشبيهَه بالمفعول لا يصحُّ؛ لأن المفعول غير الفاعل وخبر كان هو اسمها في المعنى.
والثّاني: أن المفعولَ يكونُ منفصلاً ومتّصلاً، وخبر كان الجيّدُ أن يكون منفصلاً.
والثالث: أن المفعول يصح أن يقال فعلتُ به، وخبر كان لا يصحُّ فيه ذلك.
стр. 189
كذلك، ألا ترى أنك لو قلت في قولك: كان زيد قائما كان قائم لم يجز كما لا يجوز في الحال.
والخامس: أن معمول خبر المبتدأ يجوز أن يتقدم عليه كقولك: زيداً عمرو ضرب ف ((زيداً)) منصوب بضرب، وخبر كان لا يجوز فيه ذلك، فلو قلت زيدٌ قائماً زيدٌ كان لم يجز.
والجواب: على ما ذكروه من وجهين جملةً وتفصيلاً:
أمَّا الجملة فإن جميع ما ذكروه من الفروق يدل على أنه ليس بمفعول به حقيقة، ونحن نقول به، فأما التشبيه بالمفعول به فممكن، والفروق المذكورة لا تقدح فيه، ووجه ذلك أن خبرَ كان واقعٌ بعد الفاعل وليس بأحد التوابع، ولا حالاً، ولا استثناءً، ولا تمييزاً، فلم يبق له إلا التشبيه بالمفعول به وهذا غير ممتنع، ألا ترى أن التمييز في نحو قولك:
عندي عشرون درهماً مشبه بالمفعول وليس بحال عند الجميع، وكذلك قولهم: مررت بالرجل الحسن الوجه.
والجواب الثاني: وهو التَّفصيل، فأمَّا كونه منفصلاً ومتصلاً فإِنَّ كلا الأمرين جائز؛ ألا ترى أن قولك: كنته وكنت إياه جائزان ومنه قول أبي الأسود:
دع الخمرَ يشربها الغواة فإنني ... رأيتُ أخاها مغنياً بمكانها
стр. 190
فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غَذته أمه بلبانها
يعني الزّبيب، فجعل خبرَ كان متصلاً، والحال ليست كذلك، وقولهم:
فعلت به فقد سبق جوابه.
أما قيامه مقام الفاعل فلا يجوز لما يلزم فيه من حذف الخبر؛ لأن كان لا بد لها من خبر، وقيام خبرها مقام الفاعل يحيل ذلك، ومثله الحال فإنها لا تقام مقام الفاعل، فقد فزعوا إلى غير مفزع، وأمَّا مسألة التقديم فعنها جوابان:
أحدهما: أنّها جائزة؛ لأن خبر كان يجوز أن يتقدم عليها وعلى اسمها، كما أن المفعول به كذلك.
والثاني: نسلم أنه لا يجوز ولكنّ وجه المنع أن عمراً هنا مبتدأ، وكان غير عامله فيه، فلو قدمت خبر كان على المبتدأ لفصلت بين العامل والمعمول بالأجنبي، وهذا ممتنع، ألا ترى أن قولك: كانت زيداً الحُمى تأخذ إذا نصبت زيداً بتأخذ وجعلت الحمى اسم كان وتأخذ الخبر لم يجزْ لما ذكرنا من الفصل ولكن إن جعلت في كان ضميرَ الشأن جازت المسألة؛ لأن اسم كان قد تقدم على معمول الخبر فلا فصل بأجنبي .. والله أعلم بالصواب.
стр. 191
٤٥ - مسألة [تقديم خبر ما زال وأخواتها على (ما)]
لا يجوز تقديم خبر ((ما زال)) وأخواتها مما في أوله ((ما)) على ((ما)) كقولك: قائماً ما زالَ زيدٌ.
ووافق الكوفيون على امتناع ذلك في ((ما دام)).
ووافق الفراء في الجميع.
وقال بقية الكوفيين: يجوز التَّقديم فيما منعه البصريون.
وحجة الأولين: أن ((ما)) حرف يجب تصدره على الفعل لمعنى يحدثه فيه، فلم يجز تقديم ما في خبره عليه، قياساً على ((ما دام))، وعلى حروف الاستفهام.
стр. 192
وبيان ذلك أن ((ما)) للنفي، وهو معنى تحدثه ((ما زال)) وحروف المعاني لها صدر الكلام، فإذا تقدم عليها ما في خبرها بطل استحقاقها للتَّصدُّر، ومن هاهنا لم يجز التَّقديم في ((ما دام)) ولا في أدوات الاستفهام.
فإن قيل: الاعتراض عليه من وجهين:
أحدهما: أن ((ما)) مع ما بعدها صارتا كالكلمة الواحدة ولهذا عُدَّ هذا الكلام إثباتاً لا نفياً، على ما نبينه في حجتنا.
وأمَّا ((ما دام)) ف ((ما)) فيها مصدرية، والفعلُ صلة لها فلذلك لا يجوز تقديم المنصوب عليها لما في ذلك من تقديم الصلة على الموصول.
والثاني: أنَّ ما ذكرتموه ينتقض ب ((لا)) و ((لن)) فإنه يجوز تقديم أخبار هذه الأفعال عليها، وهي مشاركةٌ ل ((ما)) فيما ذكرتم.
فالجواب: أما كون الكلام إثباتاً في المعنى فسيأتي جوابه وأما ((ما دام)) فما ذكروه فيها صحيح، ولكن الجامع بينهما وبين ((ما زال)) اشتركهما في أن كلِّ واحدةٍ منهما يجب تصدرها وتأثيرها فيما بعدها فيمتنع التقديم لهذه العِلّة، وإن اختلفا في جهة على المنع، ولكن الجنس يجمعهما.
وأمَّا النقض فسيأتي الجواب عنه فيما بعد.
وأما حجة الكوفيين: فقد احتجوا بالسماع والقياس.
فمن السماع قول الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خَيْراً لا يزالُ يَزيدُ
стр. 193
كـ ((كان)) وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أن قولك: ما زالَ زيدٌ كريماً معناه هو على كل حال، ومن ها هُنا لم يجز الاستثناء منه، فلا تَقول: ما زالَ زيدٌ إِلا كريماً، كما لا يجوز كان زيدٌ إلا كريماً.
والثاني: أن ((زال)) معناه فارق، وفارق في معنى النفي و ((ما)) للنفي، وإذا دخل النفي على النفي صار إيجاباً وتصير المعاملة مع الإِيجاب، إذ كان التَّركيب ضد المعنى الإِفراد قالوا: فإن قلتم فكيفَ جاء الاستثناء في بيتِ ذي الرّمة وهو قوله:
حَراجيج ما تَنْفَكُّ إِلا مُناخَةً ... على الخَسف أو نَرمي به بلداً قَفْرا
قلنا في البيت عدة أوجه:
أحدها: أن الرواية: ((آلاً مُناخة)) و ((الآلُ)) الشَّخصُ الخَفِيُّ فكأنه
стр. 194
قال: ما تنفك مهزولة من السَّيرِ فلا يكون في البيت على هذا استثناء.
والوجه الثاني: أنهم حكوا فيه الرفع على أنه ليس بخير فيجوز أن تكون ((إلا)) غير، وتكون بدلاً من الضمير في ((تنفك)) أو على تقدير إلا هي مناخة.
والثالث: أن ((إلا)) زائدة كذا قال المازني وقد جاء زيادة ((إلا)) في مواضع كثيرة من الشعر، وقد أنشد سيبويه منه شيئاً.
والرَّابع: أن تكون ((مناخة)) حال والخبر ((على الخسف)) ومعناه لا تنفك على الخسف إلا في حالة إناختها، أي لا تزال مُذَلّةً بالسير متعبة إلا إذا أنيخت.
والخامس: أن تكون ((تنفك)) تامة فلا تحتاج إلى خبر وهذا الوجه فيه نظر وبعد، وذلك أنك إذا جعلت ((تنفك)) تامة كان ما تنفصل ولا تفارق السَّير أو الإِعياء إلا مناخة، فيكون ((على الخسف)) إمّا متعلقاً
стр. 195
بـ ((مناخةً)) أو حالاً من الضمير فيه فيكون المعنى أنّها لا تزال على الخسف حتى في حال الإِناخة، وليس المعنى على ذلك، وهذا البيت يحتاج إلى تأويله أهل البلدين جميعاً؛ لأنهم لا يجوزون الفصل بين خبر هذه الأفعال وبين اسمها في الاستثناء، ولا يجوزون أيضاً أن يكون الاستثناء خبراً لها، وعلى قولهم يجوز ذلك وليس المعنى عليه، وذلك أن قولَه: (ما تنفك إلا مناخة)) ليس بكلام تام، وإنما الخبر على الخسف، وقد كان الأصمعي لا يحتج بشعر ذي الرُّمة، ويقول فيه أشياء خارجة عن طريقة العرب، كما كان يقول في الكميت.
والجواب: أمَّا البيتُ فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أنَّ ((خيراً)) منصوب بفعل محذوف لا ب ((يزيد)) هذه، بل هذه مفسرة للناصب، كما يكون ذلك في باب المصادر والموصولات مثل قول الشاعر:
أَبَعْلِيَ هذه بالرَّحى المُتَقَاعِسِ
والتقدير يزداد على السنّ خيراً.
стр. 196
والثاني: أن الذي في البيت ((لا)) و ((لا)) ليست أصلاً في هذا الباب، وكذلك لم، وقد جوزوا تقديم الخبر فيها بخلاف ((ما)) فإنها الأصل في النفي، وهي أمُّ بابه، فالنفي فيها آكد.
والثالث: أن ذلك من أحكام الشعر، لا أحكام الاختيار قولهم إن معنى ((ما زال)) الإِثبات، قلنا: لا نظر إلى ما يحصل من معنى المركب، بل الاعتبار بوجود الحرف الذي يصدر به الكلام، ألا ترى أن الاستفهام إذا دخل على النفي صار معناه الإِيجاب، والتقرير، ومع هذا يكون الجواب فيه بالغاً، والحكم للفظ، لا لما آل المعنى إليه كقوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ ﴿فتهاجروا﴾ منصوب على جواب النفي، والاستفهام ولو كان هذا على محض الإِيجاب لم يجز النَّصب.
وأمَّا امتناع دخول ((إلا)) فهو من قبيل المعنى؛ لأن الاستثناء مخالف للمستثنى منه، ولا شكَّ أن معنى ما زال الإِثبات، وأن النَّفي نقضٌ له، وهذا على خلاف الإِعراب، والتقديم والتأخير؛ لأن ذلك من مكملات اللَّفظ، ألا ترى أن قولك: قائماً ما زيدٌ، وما قائماً زيدٌ مثل ما زيدٌ قائماً في المعنى وهو غير جائز في الإِعراب هاهنا والله أعلم بالصواب.
стр. 197
٤٦ - مسألة [(ليس) بين الفعلية والحرفية]
((ليس)) فعل.
وقال بعضهم هي حرف.
والدليل على الأول أنه لفظ يتحمل الضمائر، وتتصل به تاء التأنيث
стр. 198
الساكنة على حسب اتصال ذلك بالأفعال المتصرفة فكان فعلاً قياساً على ((عسى))، وبيان وصف أنك تقول: لستُ، ولستَ، ولستِ، وليسا، وليسوا، ولسنَ، كما تقول: قلتُ، وقلتَ، وقلتِ، وقالا، وقالوا، وقلنَ، وكذلك عسيتُ وما يتصل بها من الضَّمائر وإذا ثبت هذا حُكِمَ بأنَّها فعلٌ لما تقرر أن الحروف لا تتصل بها هذه العلامات وكذلك الأسماء، وإذا اختصت هذه العلامات بهذا اللفظ حكم بكونه فعلاً؛ لبطلان كونه من القسمين الآخرين.
فإن قيلَ: ما ذكرتموه منقوض ومعارضٌ، أما النَّقضُ فب ((هاؤم)) في أسماء الفعل لفاعلين في نحو قولك: ها أقرأ: بمعنى خذ الكتاب فاقرأ، فإنّه يقال فيه: هاءَ، وهاءِ، وهاءُ، وكذلك أنت وأنتها، وأنتم، وأنتن، وليست هذه أفعالاً.
وأما المعارضة فهو أن علامات الفِعل ((قد))، والتصرف، وبناؤه على صيغة الفعل، فإن قوله ((ليس)) على غيرِ بناءِ الأفعالِ؛ لأنَّها تبني على فَعِلَ وفَعَلَ، وفَعُلَ، وليس هذا اللَّفظُ واحدٌ منها، إذ لو كان كذلك لانقلبت الياء ألفاً، أو لكان معتلّ العَين بالياء على فَعُلَ وليس بموجودٍ، وإذا دلت هذه على أنه ليس بفعلٍ حصلت المعارضة فمن أينَ يثبت كونه فِعْلاً؟.
فلئن قلتم فمن أين يثبت كونه حرفاً؟ قلنا: لما نذكره من الترجيح في حجتنا.
стр. 199
فالجواب: أمَّا النَّقضُ فغير لازم وذلك أن هذه العلامات لا تتصل بالحروف والأسماء على حسب اتصالها ب ((ليس)) وبيانه أمَّا الحرفُ في أنتَ وأنتُما، وأنتُمْ فإن الاسمَ فيه أن وهي الموجودة في قولك: أنا قلت فزِيْدَت التَّاءُ عليه، علامةً للخطَابِ، ثم كُسرت في المُؤنَّث للفَرقِ بينَه وبينَ المُذَكَّرِ، فإذا أردت التثنية والجمع زدت على التاء ميماً وألفاً، ميماً وتاءً فقلتَ: أنتما وأنتُم، وهذه حُروف تدلُّ على الخِطاب والكَمِيَّة، وليس كذلك في لسنا، ولستم، أمَّا لسنا فالضمير فيه ((نا)) مثل قمنا، ولستُما، ولستُم فالضمير فيه التاء وما بعدها علامةٌ لمجاوزة الواحد، و ((ليس)) قائمةً بنفسها، وليست اسماً بالاتفاق و ((أن)) في أنت هو اسم ولذلك تقول في المُثنى وفي الجَمعِ نحن و ((ليس)) لا يتغير لفظها و ((إنْ)) تتغير العلامات المتصلة بها وأما ((هاء)) في اسم الفعل فلا ينقض به؛ فإنها اسم بالاتفاق و ((ليس)) ليست اسماً عند أحدٍ، وإنما جاءت العلامات في هاء وهاء وهاء على جهة التشبيه بالفعل، هذا في بعض اللغات، وفيها لغاتٌ لا تدلُّ العلامةُ فيها على مثل ما تدلُّ العلامةُ في الفعلِ كقولهم: ((هاؤم)) فإنه زاد الميم والمراد به الأَمر، ليس في أفعال الأمر ما هو كذلك كقولك خُذ وخُذُوا، فإنَّه لا ميم فيه، وإذا بَعُدَ هذا اللَّفظ من فعلِ الأمرِ ومن بَقِيَّة الأفعالِ وكان اسماً لم يناقض به في باب ((ليس)).
وأما المعارضة فسيأتي جوابها.
واحتج الآخرون بالسَّماعِ والقياسِ.
وأما السَّماع فما حكى سيبويهِ من قولِ العَربِ: ((ليسَ الطِّيْبُ إلاَّ
стр. 200
المِسْكُ)) فرفعَ المسكَ والطيبَ جميعاً وأعرى ليس من مرفوع ومنصوب لوجود ((إلا)) الناقضة للنَّفْي، كما أن حكم ((ما)) كذلك.
وأما القياسُ فمن أوجهٍ:
أحدُها: أن الفعل موضوعٌ على الإِثباتِ، الحدث والزمان و ((ليس)) لا تدل على واحد منهما، وإِنَّما تنفيهما فهي في ذلك كما النافية.
ومنها: أنَّها لو كانت فعلاً ثلاثياً لكانت على أَحد أمثلةِ الفِعلِ وهي فَعُل وفَعَلَ وفَعِلَ ولا يجوز أن تكون على واحدٍ منها، أما الضم فليس في الأفعال ما عَينه ياءٌ مضمومةٌ، وأما الفتحُ والكسرُ فكان يجب أن تنقلبَ ألفاً، لتحركها وانفتاحِ ما قَبلها مثلُ خافَ وهابَ.
ومنها: أن ((ليسَ)) لا يصحُّ أن تكونَ صلةً ل ((ما)) المصدرية كقولك:
ما أحسن ما ليس زيد قائماً، ولو كانت فعلاً لصحَّ أن تكون صلة ل ((ما)).
ومنها: أن ((ليس)) ينتصب جوابها كما ينتصب جواب ((ما)) النافية كقولك: ليس زيدٌ بزائرك فتكرمه، وقولك: ما زَيْدٌ بزائِرك فتكرمه.
ومنها: أنّها غيرُ مُتَصَرّفةٍ، وأنَّها لا تدخلُ عليها ((قد)) وهذا من أدل علامات الأفعال.
والجوابُ أمَّا الحكاية عن العرب، فالجواب عنها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها شاذةٌ شذوذاً لا يثبت بمثله أصل، كما أن الجر
стр. 201
ب ((لعل))، وفتح لام كي لا يُجعل أصلاً يُستدل به وكذلك قولهم:
((لدن غدوة)) والشذوذ المطرح كثير.
والوجه الثاني: أن في ((ليس)) ضمير الشأن، والتقدير ليس الشأن، والقصة الطيبُ إلا المسك، كما قالوا: ((ليس خلق الله إلا مثله)).
فإن قيل: هذا لا يصح لأنّه يلزم منه دخول ((إلا)) بين المبتدأ والخبر وليس حكم ((إلا)) كذلك.
قيل: أما في الشِّعرِ والشُّذوذِ فيحتمل ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿إن نظنُّ إلاَّ ظَنًّا﴾ أي إن نحن إلا نظنُّ ظناً.
стр. 202
والوجه الثالث: أنا نقدر تجرد ((ليس)) عن ضمير ولكن هذا لا يخرجها عن أن تكون فعلاً لفظياً، ألا ترى أن كان وأخواتها أصلها أن تكون دالة على الحدث ثم خلعت دلالتها عليه وبقيت دلالتها على الزمان، وقد يأتي لفظ ((كان)) زائداً فلا يدل حدث ولا على زمان، فغير ممتنع أن يأتي لفظٌ ((ليس)) وهي فعلٌ لفظاً، وقد زال حكمها في الإِعراب دون دلالتها على النفي؛ لأنه إذا جاز أن تزاد ((كان))، ولا علة له في اللفظ، ولا دلالة على حدث ولا زمان كان ذلك في ليس أولى؛ لأنها وإن ألغيت عن العمل فنفيها باقٍ.
قولهم: الفعل موضوع للإثبات، جوابه من وجهين:
أحدهما: لا نسلم ذلك مطلقاً، فإن منها ما يدلُّ على النفي فقط، مثل أمسك عن الفعل، وكف عنه، وترك، وصام، فإنَّ ذلك كله يدل على النفي، وهي أفعال بلا خلاف.
والثاني: نُسلم ذلك ولكن نقول: نحن لا نثبتها فعلاً حقيقياً بل هي فعلٌ لفظيٌّ يَجري عليه حكم الحقيقي في العمل، قولهم: لو كان فعلاً لكانت على أحد الأمثلة قلنا: هي في الأصل على مثال ((فَعِلَ)) بالكسر ولكن سكنت كما كان ذلك في قولهم: ((صَيْد البعير)) وأصله
стр. 203
صَيِدَ إذا أصابه داء في عنقه يسمى ((الصيد)) ولزم هذا التسكين في ((ليس)) لما شبهت بالحروف وصارت في اللفظ مثل ((ليت)).
وأما امتناعُ كونِها صلةً ل ((ما)) المصدرية، فلأنَّها وضعت على النَّفي كالحرفِ فلا يكونُ منها مصدرٌ، ونحن نقول: إنها فعلٌ لفظيٌّ حقيقيٌّ.
وأما عدمُ تصرفها فلا ينفي كونها فعلاً، فإن فعلَ التَّعجب لا يتصرف وكذلك ((عسى)) و ((حبذا)) وأما بقية العلامات نحو ((قد)) فلا ينفي كونها فعلاً فإن ((عسى)) و ((حبذا)) وفعلَ التَّعجب لا تدخل عليها ((قد)) وهي أفعال ... والله أعلم بالصواب.
стр. 204
٤٧ - مسألة [تقديم خبر (ليس) عليها]
يجوزُ تقديمُ خبرِ ((لَيس)) عليها عند جمهور البصريين.
وقال الكوفيون، وبعض البصريين: لا يجوز.
стр. 205
وحجة الأولين من أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذابَ إلى أمةٍ معدودةٍ ليقولن ما يَحْبِسُهُ﴾، ثم قال: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾ فنصب ((يومَ)) ب ((مصروف)) و ((مصروف)) خبر ((ليس)) وتقديم معمول الخبرِ كتقديم الخبرِ نفسِهِ؛ لأن المعمولَ تابعٌ للعامِلِ ولا يقعُ التابعُ في موضعٍ لا يقعُ فيه المتبوع.
فإن قيل: في الآية وجوه خيرٌ مما ذكرتم.
أحدها: أن ((يومَ)) في موضع رفع وبني على الفتحِ لإضافته إلى الفعل كما قرأ نافعٌ: ﴿هذا يومَ ينفع الصادقين صدقهم﴾ بفتح الميم وعلى هذا لا يَبقى لكم فيه حُجَّة.
والثاني: نقدر أنه منصوب ولكن لا ب ((مصروف))، بل بفعل دل الكلام عليه تقديره: يلازمُهُم يومَ يأتيهم، أو يَهجِمُ عليهم ومثلُ ذلك لا ب ((مَصْروف)) كقولك: زيداً ضربته، هو منصوب بفعل محذوف.
стр. 206
والثالث: سلّمنا أنه منصوب ب ((مصروف)) ولكن هو ظرف له والظروف يُتساهل في نَصبها فلا يَلزمُ من ذلك جوازُ النَّصبِ في غيرها.
والجواب: أما الأول فجوابه من وجهين:
أحدُهما: أنه لو كان من هذا الموضع لكان مبتدأ والجملة بعده خبر عنه فيلزم من ذلك أن يكونَ فيه ضمير يعود على المبتدأ فيكون الأصل ليس مصروفاً عنهم فيه، وحذفُ العائدِ على المبتدأ من مواضِعِ الضَّرورة.
والثاني: أن ((يومَ)) مضافٌ إلى فعل معرب، والجيد في مثل ذلك إعراب المضاف، ولم يقرأ أحدٌ من القراء ((يومٌ)) _بالرفع_ بخلافِ قوله:
﴿يومُ ينفع الصادقين﴾ على أن ((يوم ينفع)) معرب بالنّصب وهو ظرفٌ لما دل عليه هذا؛ أي هذا واقعٌ في يوم نفع الصادقين.
وأمَّا نصبُهُ بفعلٍ مُضمَرٍ فلا حاجةَ إليه مع صحَّة عمل مصروفٍ فيه؛ لأن الإضمار على خلاف القياس.
أمَّا كونُه ظرفاً فليس بعلّةٍ لجوازِ إعمال الخبرِ المتأخرِ فيه فإنَّ أحداً لم يفرق بين عمل خبرِ ((ليس)) فيما تقدم عليها بين الظرف وغيره.
والدليل الثاني: أنه فعلٌ جازَ تقديمُ منصوبِهِ على مرفوعِهِ فجازَ تقديمُه عليه ك ((كان)) وأخواتها مثالُ ذلك أن تقولَ: ليس قائماً زيدٌ فتنصب قائماً ب ((ليس)) وهو مقدّم على المرفوع فكذلك إذا تقدّم المنصوب عليها، والجامع بينهما أنَّ تقديمَ المنصوبِ على المرفوع تصرُّفٌ، والتَّصرُّفُ للأفعالِ بحقِّ الأَصلِ، ألا ترى أن ((ما)) الحجازِيَّة لما لم تَكن متصرّفَةً أو
стр. 207
لما كانت حرفاً لم يتقدَّم منصوبُها على مرفوعِها لعدمِ الفِعْلِيّة، بخلافِ ((ليس)).
فإن قيلَ الجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما: لا نُسلّم أنها فعلٌ، بل هي حرفٌ على ما ذُكر في المسألة قَبلها.
والثاني: نُسلّمُ أنَّها فعلٌ ولكن غيرُ متصرّفٍ ولا حَقيقي بل هو أشبَهُ بالحرفِ، وقد ذكرناه في المسألة السابقة، ثمَّ هو منقوض في المعنى ب ((نعم)) و ((بئس)) و ((عسى)) وفعل التعجب فإنَّ تقديمَ المَنصوبِ فيها غيرُ حائزٍ فلو قلتَ: رجلاً نعمَ زيدٌ لم يَجز، وما زيداً أحسنُ لم يَجز، وعسى أن يقومَ زيدٌ على أن تَجعلَ أن يقومَ في موضعِ نَصْبٍ لم يَجز، وخرج على ما ذكرناه ((كان)) فإنّها متصرفة تكون للماضي والحال والاستقبال بخلاف ((لَيْسَ)).
فالجوابُ: أما الأول فلا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مذهباً لهم.
والثاني: ما سَبق من الدّلالةِ على كونها فعلاً.
قولهم: هي غير متصرّفة عنه جوابان:
أحدُهما: لا نُسلم، فإن وجوهَ التَّصرُّفِ اختلافُ الضَّمائرِ المتصلة بالفعل و ((ليس)) قد اتَّصلتْ بها الضَّمائِر على ما ذكرناه من ضمائِرِ التَّثْنِيَةِ والجَمع والتاء ومن تاءِ التأنيث.
стр. 208
والثاني: نُسلّم أنها غير مُتصرّفة ولكن هي فعل لما ذكرناه في موضعه والفعل بحق الأصل عامل قوي وإن ضعف في بعض المواضع لم يَسلبه عمله الأَصلي، وعمل الفعل يَقتضي أن يكونَ معمولُهُ متأخراً ومتوسطاً ومتقدّماً، وقد ظهرَ أثرُ ذلك في ((ليس))، وهو تقدّم مَنصوبِها على مَرفوعِها ومخالَفَتِها في ذلك ((ما)) لمّا لم تكن متصرفةً، ولم تَكنْ فعلاً، فكذلك يجوزُ تقديمُ منصوبِها عَلَيْها إذ لا فرق في التقديم بين القَريب والبَعيد يدل عليه أن منصوبها إذا تقدم على مرفوعها كانت ليس إلى جنبه وإذا تقدم عليها كانت إلى جنبه أيضًا، ولا فرق بين أن تليَه أو يليَها.
أما النقض بالمسائِل التي ذكروها فلا يَردُ؛ لأن كلِّ واحدٍ منها اقترن به ما يمنع من التقديم، والمانع قد يرجّح على المُقتضى، و ((ليس)) مقتضية ولم يقترن بها مانع من التقديم بخلاف تلك المسائِل فإن المانِعَ مقترنٌ بها.
وبيانه: أمَّا نعَمَ رجلاً ((زيدٌ)) فالمانع فيه من التقديم شيئان:
أحدهما: أن رجلاً هاهنا فاعل في الأصل، إذ التقدير نعم الرّجل، ثم نُكّر وجعل تمييزاً للمبالغة، وهو مثل قولهم: ((طبتُ به نفساً)) أي طابت نفسي به وإذا كان واقعاً موقع الفاعل لم يجز تقديمه لأن الفاعل لا يتقدم على الفعل.
والوجه الثاني: أن فاعل نعم مضمر فيها على شريطة التفسير وهو ((رجلاً)) مفسر للضمير فلو قُدّم لقدم المفسَّر على المفسِّر، وهذا خلاف الأصل، والمميَّز على المميِّز ونظير ذلك قولك: عندي عشرون درهماً، ولو قلت عندي درهماً عشرون لم يجز.
أمَّا ((عسى)) فالجواب عنها من خمسةِ أوجهٍ:
стр. 209
أحدُها: أنّ وُضعت لتقريب الخَبر من الحالِ، وتضمَّنت معنى التَّقريب فجمُدت لذلك، فالمانعُ جمودها وإفادتها لمعنى مستقبل وهو وقوع الخبر.
والوجه الثاني: أن خبرَ ((عسى)) أن والفعل، و ((أن)) موصولة وما في حيز الصلة لا يتقدم على ما يعمل فيه.
الوجه الثالث: أن خبر ((عسى)) يجوز أن يقع بدلاً من اسمها كقولك: عسى زيدٌ أن يقوم أي عسى زيدٌ قيامه فعند ذلك هو في حكم الفاعل، والفاعل لا يتقدمُ على الفعلِ.
والرَّابع: أن في خَبر ((عسى)) ضميراً يرجعُ إلى اسمها والمُضمر لا يتقدَّم على المُظهر هذا هو الأَصل، وإنما يتقدم إذا كان في نيَّة التأخير ولو صحّ التقديم لما جازَ غيره؛ لأنه هو المقصود في حكم ((عسى)).
والخامس: أنَّ فيه إضماراً قبلَ العاملِ والمَعمول فيه، وليس كذلك باب ((ليس)).
وأمَّا فعلُ التَّعجب فالجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما: أنَّ المانعَ من جوازِ تقديمِ المنصوبِ أنَّ المنصوبَ هو فاعِلٌ في الأصلِ، ألا تَرى أن قولَك: ((ما أحسنَ زيداً)) في معنى حَسن زيدٌ جدّاً، وإنَّما أخّر ليسبق معنى التعجب على المتعجب منه، فهو كسبق أداة الاستفهام على المستفهم عنه.
والوجه الثاني: أن فعل التعجب مع ((ما)) بمنزلة الموصول والصلة وقد
стр. 210
ذهب الأخفش إلى أنه موصول حقيقة، وتقديم الصلة على الموصول لا يجوز.
أما حُجَّة الآخرين فقد تمسَّكوا بأشياءَ:
أحدُها: أنّها لَفظٌ يَنفي الخبرَ فلم يَجُزْ تقديمُ مَنصوبه عليه ك ((ما)) وبيانه: أن قولَك: ليسَ زيدٌ قائماً ينفي قيامه في الحال كما أن قولك: ما زيد قائماً كذلك، وإذا أشبهت ((ما)) في النَّفي وَجَبَ أن تُحمل عليها في منع التَّقديم، ألا تَرى أنَّها لما أشْبَهَت ((لَيس)) أعملها أهلُ الحجازِ عملَ ((ليسَ)) فكذلك إذا أشبهتها في النفي مُنعت من التّقديم وهذا أَولى وذلك أن ((لَيس)) القياسُ ألاَّ تعمل كما أن القِياس في ((ما)) كذلك فإذا مُنِعت من التقديم كانت حملاً على الأصلِ، وكان تَأخُّر المنصوبِ عنها جارياً على خلافِ القِيَاس.
والوجهُ الثاني: أن ((لَيس)) قد تَوَهَّنت ونَقَصَتْ عن الفعلِ الحَقِيْقِيّ من وجوه.
أحدُها: أنَّ بعضَ النَّحويين جَعَلَها حرفاً مَحْضاً، ولَيس كذلك كانَ وأَخواتها.
والثاني: ما حَكى سيبويه: عن بَعضهم أنّه أَلغاها عن العَمَلِ فقالَ: ليسَ زيدٌ قائمٌ.
والثالث: أن بعضَ العَرَبِ أَدخل عَليها ياءَ المُتَكَلّمِ من غيرِ نونِ الوقايةِ فقالَ: عليه رجل ليسي، ولو كانت فعلاً حقيقةً لقالَ: لَيْسَنِي.
والرابعُ: أن بعضَ العربِ لم يُحَمِّلْها ضَميراً فقالَ: ليس الطيبُ إلا المِسْكُ.
стр. 211
والخامسُ: أنَّه لا يكون منها مُستقبلٌ ولا أَمرٌ فخالَفت بذلك بَقِيّةَ أَخواتها.
والسادسُ: أنَّ ضميرَ المُخاطبِ والمُتكلِّم إذا اتّصلَ بها لا يُكسر أَولها ولَيس كذلك باعَ، لأنَّك تقول فيه بِعْتُ، ولا تقول هنا لِست.
وكلّ هذه الوُجوه تدلُّ على انحطاط رُتْبتها عن رُتْبَةِ ((كان)) وشبهها ب ((ما)) فتكونُ فرعاً عليها، والفروعُ عن الأُصولِ ولا يَبين أثرُ النُّقصان إلا بمنعِ التَّقديمِ.
والجوابُ: قولُهم: إنّه لفظٌ ينفي ما في الحالِ. قُلنا: كونها لفظاً، اللّفظ العامُّ الذي هو الجِنْسُ، وذلك يَدْخُلُ الاسم والفعل والحرف والعملُ لا يَنْتَسْبُ إليها بكونِها لَفظاً، بل بكونِها فعلاً، وهو وَضعها الخَاصُّ، وبذلك تَنْفَصِلُ عن ((ما)) فَيَنقَطِعُ إلحاقُها بها، بل هي أصلٌ ل ((ما)) والأَصلُ لا ينعَكِسُ ويَصِيْرُ فرعاً لِفَرْعِهِ. قولُهم: القياسُ في ((لَيس)) ألاَّ تَعمَلَ لا نُسلم بل القِياسُ أن تعملَ؛ لأنَّ ((ليسَ)) فعلٌ تَتّصِلُ به الضَّمائِرُ المَرفُوعَةُ والمَنْصُوبَةُ فهي في ذلك ك ((كانَ))، ويلزمُ من ذلِكَ جوازُ التَّقدِيْم. قَولهم: إِنَّها قُصُرَتْ عن ((كانَ)) قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قُصُورها عنها في العملِ؛ لأنَّ عَمَلَهَا منسوبٌ إلى كَونها فِعلاً فهي في ذلك ك ((كان))، وإنّما لم تَتَصَرّف لما أرادوا بها نَفْي ما في الحالِ فَجُمودها كَجُمودِ ((نِعْم)) و ((بِئْس)) وفِعْلِ التَّعجُّب، و ((عَسى)) وأما كونُها حرفًا فقد أبطَلناه فيما سَلَف، وأما إلغاؤُها فلا يصحّ والحكايةُ محمولةٌ على أنَّه جَعل فيها ضميرَ الشأنِ، فلذلك رفع الجملةَ بعدها، وكذلك قولهم: ((ليسَ الطيبُ إلا المِسْكُ)) وقد سبق ذكره، وقولهم في الحكاية ((ليسي)) فمن الشُّذوذِ الذي لا يُعَوَّلُ عليه، كما أنّه جَعَلَ الإِغراءَ للغائبِ في قوله: ((علَيه)) وبابُ ذلك أن تقولَ: عليَّ كذا أو عَلَيْكَ.
стр. 212
وأمّا عدمُ تصرُّفها في الزّمان فلأنَّهم وَضَعُوها على مَعنى واحدٍ وهو نَفْيُ ما في الحالِ كما أن نِعم وعَسى وفِعل التَّعجب كذلك، وأما قَولهم: لست _ بفتح اللام_ على خِلافِ بِعْتُ فالوجه فيه أن أَصلها ((لَيسَ)) _ بكسر الياء _ كما قالوا: صَيدَ البَعير: إذا أَصابُه الصَّيدُ وهو داءُ وتقولُ بعدَ التَّسكين صَيْد البَعير بفتح الصّاد وسكون الياءِ تَنْبِيْهاً على الأَصلِ فكذلك ((لَيس)) في أن أَصلها ((لَيِسَ)) ثم سكنت ولما اتّصل بها السَّاكِنُ حُذفَ الساكن الأَوَّلُ وبَقِيَ الأَوَّلُ على فَتْحِهِ تَنْبِيْهاً على الأَصْلِ .... والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 213
٣٨ - مسألة [خبر (ما) الحجازية منصوب بها]
خبر ((ما)) في اللغة الحجازية يَنْتَصِبُ بها.
وقال الكوفيون: بحذف حرفِ الجرِّ.
وحجة الأولين من وجهين:
الأول: أن ((ما)) مشبهة ب ((ليس)) لمشاركتها إيَّاها في أربعةِ أشياء وهي: النَّفيُ، ونفيُ ما في الحال، ودخولُها على المبتدأ والخبرِ، ودخول الباءِ في خبرها. والشَّبه من وَجهين يَكفي في إلحاقِ المُشَبَّهِ بالمُشَبَّهِ به،
стр. 214
فكيفَ إذا زَادَ عَلَيْهما؟ ودليلُ ذلك إعرابُ الفِعْلٍ لِشَبَهِهِ بالاسمِ، ومنعِ التَّنوين والجَرّ مما لا يَنْصَرِف. وباعتبارِ هذا الشَّبه رَفَعَتْ ((ما)) المُبتدأ وعملتْ فيه، وكلُّ ما اقتضى اسمين وعَمِلَ في أَحَدِهِما عَمِلَ في الآخَرِ.
والوَجه [الثاني]: أنَّ خبرَ ((ما)) وجدناه منصوباً، ولا بدَّ له من ناصبٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ النَّاصِبُ حذفَ حرفِ الجَرِّ لِوَجْهين:
أحدُهما: أن حرفَ الجَرِّ هُنا ليس بأصلٍ، بل هو زائدٌ دَخَلَ فَضْلَةً مؤكِّدَةً، وما هذا سَبِيلُهُ لا يُجْعَلُ مقدّماً في الرُّتبةِ حتى يُقال لما حُذِفَ انتَصَب، بل النَّصْبُ هُنا قبلَ الجَرِّ.
والثاني: أن الحذفَ عَدمٌ، والعَدمُ غيرُ صالحٍ للعملِ، ويدلُّ على ذلِكَ أنا وَجَدْنا حَرْفَ الجَرِّ يُحْذَفُ في كثيرٍ من المَواضعِ، ولا ينتصبُ ما يُحذَفُ عنه كقولك: بِحَسْبِكَ قول السّوءِ. فلو حَذَفْت لقُلْتَ: حَسْبُكَ بالرَّفعِ، وكذلك ﴿كَفى باللهِ شَهِيْداً﴾ وما جاءني من أَحَدٍ، وله نَظائرُ كثيرةٌ. واحتجَّ الآخرون بأن ((ما)) حرفٌ يدخلُ في الأسماءِ فلا اختِصاص له وما هذا شأنه لا يَنبغي أن يَعملَ، فأحسنُ أحوالِهِ أن يعمل في الاسمِ الواحدِ، ويكونُ العملُ في الاسمِ الآخرِ لحرفِ الجرِّ في قولِكَ: ما زيدٌ بقائمٍ، إلاّ أنه حُذِفَ تَخْفِيْفاً فانتصبَ الاسمُ بعده؛ لأنَّ شأنَ حرفِ الجرِّ شأنُ الظُّروفِ، والظُّروفُ مَنصوبةٌ، فيكونُ الجارُّ والمَجرورُ كالظرفِ، فإذا
стр. 215
حُذِفَ الحَرْفُ خَلَفَهُ الاسْمُ في الاِنْتِصَابِ يدلُّ عَلَيْهِ أنَّها إذا نُقِضَ نَفيها بألاّ أو لكن أو تقدم الخَبَرِ على الاسم بَطَلَ عَمَلُها، ولو كانَت عامِلَةً في الخبرِ لم يَبْطُلْ في التَّقديمِ كما في كانَ وأَخواتِها.
والجَوابُ من وَجْهَيْنِ:
أحدُهما: أن هذا يَقْتَضِي تَقْدِيْمَ رُتْبَةِ الجارِ ولَيس كذلك بَل الرُّتبةُ الأُولى تَعَرّى الاسم من الحرف.
والثَّاني: أن حرفَ الجَرِّ إنما يكُون له مَوْضِعُ غيره، والنَّظر في ذلِكَ الغيرِ ولا غَيرهما إلاّ النَّصْبُ فدلَّ أن المَنصوبَ هو الأصلُ، وأن حرفَ الجَرِّ داخل عليه، أمَّا بُطْلانُ عملِها بالنَّقْضِ، والتّقديمِ فلأجلِ أنّها عَمِلَت لشبَهِهَا ب ((لَيس)) وبهذين السَّببين تنقطعُ عن ((ليس))، لأنَّ النّفي يزولُ بإلاّ، ودخول حرف الجَرِّ يبطلُ بالتَّقديم، فلم يبقَ الشَّبه المُلْحِقُ لها ب ((لَيس)).
والله أعلمُ بالصَّوابِ.
следующие страницы →