Полный текст (348 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والخامسُ: أنَّه لا يكون منها مُستقبلٌ ولا أَمرٌ فخالَفت بذلك بَقِيّةَ أَخواتها.
والسادسُ: أنَّ ضميرَ المُخاطبِ والمُتكلِّم إذا اتّصلَ بها لا يُكسر أَولها ولَيس كذلك باعَ، لأنَّك تقول فيه بِعْتُ، ولا تقول هنا لِست.
وكلّ هذه الوُجوه تدلُّ على انحطاط رُتْبتها عن رُتْبَةِ ((كان)) وشبهها ب ((ما)) فتكونُ فرعاً عليها، والفروعُ عن الأُصولِ ولا يَبين أثرُ النُّقصان إلا بمنعِ التَّقديمِ.
والجوابُ: قولُهم: إنّه لفظٌ ينفي ما في الحالِ. قُلنا: كونها لفظاً، اللّفظ العامُّ الذي هو الجِنْسُ، وذلك يَدْخُلُ الاسم والفعل والحرف والعملُ لا يَنْتَسْبُ إليها بكونِها لَفظاً، بل بكونِها فعلاً، وهو وَضعها الخَاصُّ، وبذلك تَنْفَصِلُ عن ((ما)) فَيَنقَطِعُ إلحاقُها بها، بل هي أصلٌ ل ((ما)) والأَصلُ لا ينعَكِسُ ويَصِيْرُ فرعاً لِفَرْعِهِ. قولُهم: القياسُ في ((لَيس)) ألاَّ تَعمَلَ لا نُسلم بل القِياسُ أن تعملَ؛ لأنَّ ((ليسَ)) فعلٌ تَتّصِلُ به الضَّمائِرُ المَرفُوعَةُ والمَنْصُوبَةُ فهي في ذلك ك ((كانَ))، ويلزمُ من ذلِكَ جوازُ التَّقدِيْم. قَولهم: إِنَّها قُصُرَتْ عن ((كانَ)) قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قُصُورها عنها في العملِ؛ لأنَّ عَمَلَهَا منسوبٌ إلى كَونها فِعلاً فهي في ذلك ك ((كان))، وإنّما لم تَتَصَرّف لما أرادوا بها نَفْي ما في الحالِ فَجُمودها كَجُمودِ ((نِعْم)) و ((بِئْس)) وفِعْلِ التَّعجُّب، و ((عَسى)) وأما كونُها حرفًا فقد أبطَلناه فيما سَلَف، وأما إلغاؤُها فلا يصحّ والحكايةُ محمولةٌ على أنَّه جَعل فيها ضميرَ الشأنِ، فلذلك رفع الجملةَ بعدها، وكذلك قولهم: ((ليسَ الطيبُ إلا المِسْكُ)) وقد سبق ذكره، وقولهم في الحكاية ((ليسي)) فمن الشُّذوذِ الذي لا يُعَوَّلُ عليه، كما أنّه جَعَلَ الإِغراءَ للغائبِ في قوله: ((علَيه)) وبابُ ذلك أن تقولَ: عليَّ كذا أو عَلَيْكَ.
стр. 212
وأمّا عدمُ تصرُّفها في الزّمان فلأنَّهم وَضَعُوها على مَعنى واحدٍ وهو نَفْيُ ما في الحالِ كما أن نِعم وعَسى وفِعل التَّعجب كذلك، وأما قَولهم: لست _ بفتح اللام_ على خِلافِ بِعْتُ فالوجه فيه أن أَصلها ((لَيسَ)) _ بكسر الياء _ كما قالوا: صَيدَ البَعير: إذا أَصابُه الصَّيدُ وهو داءُ وتقولُ بعدَ التَّسكين صَيْد البَعير بفتح الصّاد وسكون الياءِ تَنْبِيْهاً على الأَصلِ فكذلك ((لَيس)) في أن أَصلها ((لَيِسَ)) ثم سكنت ولما اتّصل بها السَّاكِنُ حُذفَ الساكن الأَوَّلُ وبَقِيَ الأَوَّلُ على فَتْحِهِ تَنْبِيْهاً على الأَصْلِ .... والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 213
٣٨ - مسألة [خبر (ما) الحجازية منصوب بها]
خبر ((ما)) في اللغة الحجازية يَنْتَصِبُ بها.
وقال الكوفيون: بحذف حرفِ الجرِّ.
وحجة الأولين من وجهين:
الأول: أن ((ما)) مشبهة ب ((ليس)) لمشاركتها إيَّاها في أربعةِ أشياء وهي: النَّفيُ، ونفيُ ما في الحال، ودخولُها على المبتدأ والخبرِ، ودخول الباءِ في خبرها. والشَّبه من وَجهين يَكفي في إلحاقِ المُشَبَّهِ بالمُشَبَّهِ به،
стр. 214
فكيفَ إذا زَادَ عَلَيْهما؟ ودليلُ ذلك إعرابُ الفِعْلٍ لِشَبَهِهِ بالاسمِ، ومنعِ التَّنوين والجَرّ مما لا يَنْصَرِف. وباعتبارِ هذا الشَّبه رَفَعَتْ ((ما)) المُبتدأ وعملتْ فيه، وكلُّ ما اقتضى اسمين وعَمِلَ في أَحَدِهِما عَمِلَ في الآخَرِ.
والوَجه [الثاني]: أنَّ خبرَ ((ما)) وجدناه منصوباً، ولا بدَّ له من ناصبٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ النَّاصِبُ حذفَ حرفِ الجَرِّ لِوَجْهين:
أحدُهما: أن حرفَ الجَرِّ هُنا ليس بأصلٍ، بل هو زائدٌ دَخَلَ فَضْلَةً مؤكِّدَةً، وما هذا سَبِيلُهُ لا يُجْعَلُ مقدّماً في الرُّتبةِ حتى يُقال لما حُذِفَ انتَصَب، بل النَّصْبُ هُنا قبلَ الجَرِّ.
والثاني: أن الحذفَ عَدمٌ، والعَدمُ غيرُ صالحٍ للعملِ، ويدلُّ على ذلِكَ أنا وَجَدْنا حَرْفَ الجَرِّ يُحْذَفُ في كثيرٍ من المَواضعِ، ولا ينتصبُ ما يُحذَفُ عنه كقولك: بِحَسْبِكَ قول السّوءِ. فلو حَذَفْت لقُلْتَ: حَسْبُكَ بالرَّفعِ، وكذلك ﴿كَفى باللهِ شَهِيْداً﴾ وما جاءني من أَحَدٍ، وله نَظائرُ كثيرةٌ. واحتجَّ الآخرون بأن ((ما)) حرفٌ يدخلُ في الأسماءِ فلا اختِصاص له وما هذا شأنه لا يَنبغي أن يَعملَ، فأحسنُ أحوالِهِ أن يعمل في الاسمِ الواحدِ، ويكونُ العملُ في الاسمِ الآخرِ لحرفِ الجرِّ في قولِكَ: ما زيدٌ بقائمٍ، إلاّ أنه حُذِفَ تَخْفِيْفاً فانتصبَ الاسمُ بعده؛ لأنَّ شأنَ حرفِ الجرِّ شأنُ الظُّروفِ، والظُّروفُ مَنصوبةٌ، فيكونُ الجارُّ والمَجرورُ كالظرفِ، فإذا
стр. 215
حُذِفَ الحَرْفُ خَلَفَهُ الاسْمُ في الاِنْتِصَابِ يدلُّ عَلَيْهِ أنَّها إذا نُقِضَ نَفيها بألاّ أو لكن أو تقدم الخَبَرِ على الاسم بَطَلَ عَمَلُها، ولو كانَت عامِلَةً في الخبرِ لم يَبْطُلْ في التَّقديمِ كما في كانَ وأَخواتِها.
والجَوابُ من وَجْهَيْنِ:
أحدُهما: أن هذا يَقْتَضِي تَقْدِيْمَ رُتْبَةِ الجارِ ولَيس كذلك بَل الرُّتبةُ الأُولى تَعَرّى الاسم من الحرف.
والثَّاني: أن حرفَ الجَرِّ إنما يكُون له مَوْضِعُ غيره، والنَّظر في ذلِكَ الغيرِ ولا غَيرهما إلاّ النَّصْبُ فدلَّ أن المَنصوبَ هو الأصلُ، وأن حرفَ الجَرِّ داخل عليه، أمَّا بُطْلانُ عملِها بالنَّقْضِ، والتّقديمِ فلأجلِ أنّها عَمِلَت لشبَهِهَا ب ((لَيس)) وبهذين السَّببين تنقطعُ عن ((ليس))، لأنَّ النّفي يزولُ بإلاّ، ودخول حرف الجَرِّ يبطلُ بالتَّقديم، فلم يبقَ الشَّبه المُلْحِقُ لها ب ((لَيس)).
والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 216
٤٩ - مسألة: [تقديم معمول خبر (ما) عليها]
تَقولُ: طعامك ما زيدٌ آكلاً إيّاه، أو آكِله نصبت الخَبر أو رَفعته فإن نصبت الطعام بآكل لم يجر. وقالَ الكوفيون: يَجوزُ.
وفرَّق ثَعْلَبٌ فقالَ: إنْ كان ذلِكَ في القَسَمِ لَم يَجُزْ، وإن كانَ في خَبَرٍ محضٍ جازَ.
وحُجَّةُ الأولين أن المانِعَ من النَّصب موجودٌ فيمتنعُ النَّصب، وبيانُ المانِع أنَّك لَو نَصَيْتَ الطَّعام لَنَصَبْتَه بآكلٍ، وآكلٌ في حيّز النفي ب ((ما))، والنَّفيُ له صَدْرُ الكلامِ، ألا تَرى أنَّك لَو قُلْتَ: زيداً ما ضربَ عَمْروُ لم يَجُزْ كما أنَّ الاستفهامَ لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَهُ كذلِكَ النَّفي والجامِعُ بَيْنَهما أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لَه صدرُ الكَلامِ، وتقديمُ معمولِ المُتأخّر على الاسمِ ممتنعٌ كذلِكَ هاهنا.
فإِنْ قِيلَ: لا نُسَلّمُ وجودَ المانِعِ، قولكم: إنّ النَّفيَ مانعٌ. لا نسلّمُ أنّ مُطلقَ النَّفي مانعٌ ألا تَرى أنَّه لو كانَ في موضعِ ((ما)) ((لَم)) أو ((لَن)) أو ((لاَ)) لم يَمتنع التَّقديمُ، و ((ما)) في هذا المَعنى كهذه الحُروف.
стр. 217
فالجوابُ أنَّ وجهَ المَنعِ ما ذكرنا وهو معنى مُتَّفَقٌ عليه في الاستفهام فيلزمُ مثله في النَّفي، وأما بقيةُ حروفِ النَّفيِ فسنُجيبُ عنها في جوابِ شُبهتِهِمْ.
واحتجَّ الآخرون بأن المُقتضى للنفي موجودٌ والمانع مفقودٌ فلم يبقَ من النَّصب مانعٌ، أما المُقتضى فقوله آكل كما تقولُ: يأكلُ وأما ((ما)) فغيرُ مانعةٍ لما ذكرنا من أن ((لَمْ)) و ((لَنْ)) و ((لا)) لا يَمتَنِعُ مع مشاركتها ((ما)) في النَّفي.
والجوابُ: أمَّا المقتضي فمسلّمٌ وجودُه، ولكن المانع موجودٌ وهو أرجحُ من المُقْتَضِي، ألا تَرى لو قلتَ: زيداً أَتضربُ؟ لم يَجزْ مع أنَّ ((تَضْرِب)) مُقْتَضٍ للنَّصب، ولكن حرفَ الاستفهامِ منعَ من ذلِكَ؛ لأنَّ له صدرَ الكَلامِ ولذلك لَو قُلت: أَزيداً تَضْرِبُ؟ جازَ النَّصبُ لما تَقَدّمَ الاستِفهامُ فبانَ أنّه هو المانِعُ، و ((ما)) في ذلِك كهمزة الاستفهامِ.
فأما ((لَم))، و ((لَن)) فالفرق بينهما، وبين ((ما)) أنَّهما مُختصَّانِ بالفعلِ والمُختَصُّ بالشّيء كالجزءِ منه، ولما جازَ تقديمُ معمولِ عليه جازَ تَقديمه على ما هُو كالجُزْءِ منه، وليسَ كذلك ((ما))؛ لأنَّها لا تختصُّ بالفعلِ بلْ تَدخُلُ على الأسماءِ والأفعالِ فكانت قائمةً بنفسِها، لا كالجزءِ مما بعدَها كالاستفهامِ.
وأمَّا ((لا)) فإنَّها وإن دَخلت على الأسماءِ والأفعالِ فهي مُختصَّةٌ بنفي ما في الحالِ، هذا هو الأَصلُ فيها، ودخولُها لغير ذلك مجازٌ وتَوَسُّعٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّ ((لا)) تَقَعُ على مَعَانٍ كالنَّهِي، والنَّفْيِ والعَطْفِ كقولِكَ:
стр. 218
قامَ زيدٌ لا عمرُّو، ولو قلتَ: قامَ زيدٌ ما عمرو لم يَجز، ومنها أنَّك تُلغِيْها في العَمَلِ وتُعدّى العامِلَ فتقولُ: ((جئتُ بلا شيءٍ))، ولو قلتَ جئت بما شيءِ لم يجز، وهذا يُجريها الجُزءِ مما دَخَلَتْ عليه فبانَ الفَرقُ بينهما.
وأمَّا تفريقُ ثَعْلبٍ بينَ القسمِ والخبرِ، ففرقٌ لا طائلَ تحته، بل المانعُ إذا ثَبَتَ في القَسَمِ كان في الخبرِ؛ لأنّ القَسَمَ خبرٌ أيضاً؛ ولأنَّ النفيَ فيهما لا يَخْتَلِفُ والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 219
٥٠ - مسألةُ [ما طعامَك أكلَ إلاّ زيدٌ]
تقول: ما طعامَك أكلَ إلاّ زيدٌ، فنتصب طعامك ب ((أكل)).
وقال الكوفيون: لا يجوزُ.
وحجة القول الأول: أن المقتضي للنَّصبِ موجودٌ، والمانع منتفٍ، فجازَ النَّصب، أما المقتضي فهو الفِعلُ الذي هو أَكَلَ، والفِعْلُ مُتَصَرِّفٌ يعملُ فيما قَبله، وفيما بَعده، وأمَّا المانِعُ فمنتفٍ فإنَّ المَنصوبَ هُنا لم يُقدّم على ما لَه صَدْرُ الكلامِن و ((ما)) النّافية قبلَ الطعام، فقد تَصَدّر ما له الصّدرُ.
واحتجَّ الآخرون بأنَّ المانِعَ موجودٌ فيمتنع النَّصبُ، وبيانه أن قولَكَ: ما طعامَك أكل إلاّ زيدٌ في معنى ما أكلَ أحدٌ طعامَك إلاّ زيدٌ، فلو قدّمته لقدّمتَ ما في حيّزِ النَّفي عليه، وللكلامِ تعلّقٌ بالاستثناء والاستثناءُ لا يتقدّم ما بعده علَيه، ويدلُّ على أنّ التَّقديرَ ما أكلَ أحدٌ أن الاستثناء إخراجُ ما
стр. 220
دخلَ في الكلامِ الأولِ، ولولا أن هناك فاعلاً مقدراً يُستَثنى منه لم يصح الكلام، ولذلك جازَ ألاّ يأتي بحرف التأنيث كقولك: ((ما خَرجَ إلاّ هِنْدٌ)) ولولا ذلك التّاء، وإذا تَحقق المانِع من النَّصب امتنعَ.
والجوابُ: أما المقتضي فموجودٌ لا محالةَ، وأما المانِعُ فغيرُ مُسَلّمٍ، قولهم: إنّ الفاعلَ مقدّرٌ قلنا جوابه من وَجهين:
أحدهما: ليس كذلك فإنّ المقدرَ في اللفظِ يبقَى حكمه عندَ الحَذْفِ وهنا لم يبقَ حكمُ أحدٍ، أَلا ترى أنَّك ترفعُ زيداً بأكلَ كما تَرفعه عند عدمِ ((إلاّ)) كقولك: ما قام إلاّ زيدٌ فزيدٌ فاعلٌ كما أنَّ قولَكَ: ما قامَ زيدٌ كذلك، وأمَّا المستثنى منه فذاك قُدِّرَ من طريقِ المَعنى، وما كان كذلك لا يَبقى له حكمُ من أحكامِ اللَّفظِ أَلا تَرى أنّ قولَك: تَصَبَّبَ زيدٌ عرقاً، وطبْتُ به نَفْساً تَمييزٌ وهو في المَعنى فاعِل، وقَد عامَلته في التَّمييزِ مُعاملةَ الفَضَلاَتِ، لا مُعاملةَ الفاعِلِ.
والوجه الثاني: نُسلّم أن التقدير: ما أكلَ أحدٌ ولكن مثلُ هذا لا يَمنع من التَّقديم فإِنّ قولك: ما طعامك أكل أحدٌ إلاّ زيدٌ جائزٌ للعلةِ التي ذكرنا.
أما قولهم: ما خَرَجَ إلاّ هندٌ فإثباتُ التاء فيه أحسنُ وحذفُ التاءِ محمولٌ على المَعنى، وذلِكَ لا يَمنع من كونِ هندٍ فاعلاً وإنّما هو شيءٌ يَتَعَلَّقُ بالمعنى لا بالإِعرابِ، ويدلُّ على ذلك أنَّك قد فَصَلْتَ بينَ الفِعْلِ والفاعِلِ، ب ((إلا)) والفَصْل بَينهما يَجوَّزُ حذفَ العلامةِ كما تقولُ: حضَر القاضيَ اليومَ امرأةٌ مع أنَّ التَّأنيثَ حقيقيُّ مع أنّ الفَصل جوّز ذلك ونظيرُ
стр. 221
هذا العَطفُ على الضمير المرفوع فإِذا فصَل بينهما ب ((لا)) لم يلزمْ تَوْكِيْدَهُ كقولِهِ تَعالى: ﴿ما أشركنا ولا آباؤُنا﴾ ف ((لا)) في هذا المعنى ك ((لا)) والله أعلُم بالصَّوابِ.
стр. 222
٥١ - مسألة [العامل في خبر (إن)]
خبرُ ((إنّ)) مرفوعٌ بها، كما أنّ اسمَها منصوبٌ بها.
وقالَ الكُوفِيُّون: لا تَعْمَلُ في الخبرِ.
وجهُ القولِ الأولِ، لنا فيه مَسْلَكانِ: أحدُهما نتَعرض فيه لوجودِ المُقتضى للعملِ ونفيِ المانعِ.
والمَسْلَكُ الثَّانِي: نتعرضُ فيه لإِبطالِ مَذهبهم. أمَّا المَسْلَكُ الأَوَّلُ: [فـ] أنَّ إنَّ وأَخواتها تقتضي اسمين مع اختِصاصها بالاسمِ، فوجَب أن تعملَ فيهما، كالفِعل نَفْسِهِ، وبَيانه أنَّ إنَّ تَدْخُلُ على مُبتدأ وخَبَرٍ، والمُبتدأ يَقتضي الخَبر، والخَبرُ يَقتضي المُبتدأ، وإنَّ تَقْتَضِيْهِما جَميعاً، فإذا عَمِلَتْ
стр. 223
في الاسمِ الأولِ لاقتضائِها إياهُ، عَملت في الثَّاني كذلِكَ، بل في آكدُ، وذاكَ أن تأثيرَ إنَّ وأَخواتها في الخَبرِ دونَ المُبتدأ، فإذا عَمِلَتْ فيمَا لا تأثيرَ لها فيهِ لِتَعَلُّقها بما لَها فيه تَاثِيرٌ فعَمَلُها فيما فِيه تأثيرٌ أولىَ وصارَ كما قُلنا المُتَعَدّي نحوَ ضربَ زيدٌ عمراً، وهذه عَمِلَتْ لِشَبَهِهَا بالفِعْلِ وشَبَهَهَا به من أوجهٍ:
أحدُهما: أنَّها اختصت بالاسم كما اختَص الفعلُ به، وأنَّها مبنيةٌ على الفتحِ كما أنَّ الفِعلَ الماضي كذلك، وأنَّ نونَ الوقايةِ تَدخُلُ عليها نحو إنني كما تَقُول: ضَرَبَنِي، وأنَّها تُخففُ بحذفِ إحدى النُّونين نحو ((إنْ)) كما يَجوز ذلك في لم يَكُ، وأنَّ معانِيها معاني الأَفعال، فـ ((إنّ)) بمعنى أُؤكِّدُ وكأنَّ أُشبه، وإذا ثَبَتَ شبَهها بالفعلِ من هذه الوجوهِ عَمِلَتْ عَمَلَهُ.
وأمَّا المانِعُ من عَمَلِها فلمْ يُوجد، فإنَّ أحداً لم يَذْهب إلى أن اسمَها منصوبٌ وخبرها مرفوعٌ، ولو كانَ هناك مانعٌ لمنعَ عَمَلَها في الاسمِ، كسائرِ المَوانِع.
стр. 224
المَسلَكُ الثَّاني: هو أن خبرَ إنَّ مرفوعٌ، ولا رافعَ إلا أنَّ فكان الرَّفعُ منسوباً إليه، وبيانهُ أن الرَّفع لا يخلو، إما أن يكونَ بما كانَ مرفوعاً به قبلَ إن أو بـ ((إن)) والأول باطلٌ، أما عندنا فإنَّ الخبرَ مرفوعٌ إما بالابتداءِ، أو بالمُبتدأ، أو بهما وقد بَطل ذلك لدخولِ إن، فأمَّا عندهم فالخَبرُ مرفوعٌ بالمبتدأ والمبتدأ بالخبرِ وقد بيَّنا ذلك في مسألةِ العامِلِ في المُبتدأ والخبرِ، وإذا بَطَلَ ذلك تَعَيَّن العَمَلُ ل ((إنّ))؛ إذ العَمَلُ لابدَّ له من عاملٍ.
فإن قيل: أما المَسلَكُ الأَوَّلُ فاعتِمادكم فيه على الاقتِضَاءِ، والاقتِضَاءُ على حَسَبِ المُقْتَضِي، والمُقْتَضِي هُنا حُروفٌ، والأَصلُ في الحُرُوفِ ألاّ تَعْمَلَ وإنَّما أُعملت لضربٍ من الشَبهِ، والمُشابِهُ للشيءِ لا يَعمل عَمَلَهُ من كلِّ وَجْهٍ إذ كانَ فرعاً، والفروعُ عن الأُصولِ، فاقتِضَاؤُها ضَعِيْفٌ يُناسِبُهُ عَمَلٌ واحدٌ، فأما العَمَلانِ فلا يَثْبُتُ إلاّ بعاملٍ قَوِيٍّ.
وأمَّا المَسْلَكُ الثَّاني: فنقولُ: العاملُ في الخبرِ معنى الابتداءِ فإنَّه باقٍ بعدَ دُخُولِ هذه الحُرُوفِ، والمَعنى جازَ أن يَعْمَلَ ألا تَرى أنَّك إذا عَطَفْتَ على اسمِ كأنَّ ولَعل كان لَك أن تَنْصِبَ حملاً على الاسمِ ولا ترفع حملاً على نفسِ الابتداءِ، ولكن ترفعُ على عاملٍ آخر، كذلك هاهنا.
стр. 225
فالجوابُ عن السؤالِ الأول من وَجهين:
أحدُهما: لا نسلّمُ ضَعف الاقتضاءِ والمُقتضى بل هما في غايةِ القوّةِ وذلك أن الخبرَ في باب ((إنّ)) وأخواتها لا يسوغُ حَذفه إلاّ أنْ يكونَ في الكلامِ دليلٌ عليه، والمفعولُ الصحيحُ يَسوغُ حَذفه كقولِكَ: ((ضُربَ زيدٌ)) و ((ظُنَّ عمرو)) وذلك يدل في ((إنَّ)) على قوّةِ الاقتضاءِ كما أن الجازِمَ لا يَحذِفُ المَجزوم به.
والوجهُ الثاني: نُسلّم أن اقتضاءَ الفعلِ أَقوى من اقتضاءِ ((أنّ)) ولكن لا يَمنع من العملِ فيما يقتَضيه، ألا تَرى أن اسمَ الفاعلِ والمفعولِ وأسماءَ الفعل الفعل تعملُ لشبهها بالفعلِ، ومع ذلك تَعمل النَّصب والرّفع كقولك: ((زيدٌ ضاربٌ أَبوه عمراً))، ومُعطي غُلامه دِرْهَماً، وتراكِ زيداً فكذلك هذا. قولهم: يَرتفع الخَبرُ بمعنى الابتِداء قلنا: معنى الابتداء قد زالَ، وبيانهُ من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ المبتدأ ما يسندُ إليه الخبر، والخبرُ غيرُ مسندٍ إلى الاسمِ، ولا إلى الحرفِ والاسمِ.
والثَّاني: أنَّ معنى الابتداء قد زالَ في كأنَّ، وليتَ، ولعلَّ، وإذا زالَ المعنى لم يبقَ للرفعِ عاملٌ.
أما شُبهة القول الثاني: [فـ] أنَّ إنَّ فرعٌ في العمل فَوَجَبَ أن تَقْصِرَ عن العاملِ الأَصليّ وهو الفِعلُ؛ إذ من شأن الفُروعِ أن تَنْحَطَّ عن الأُصولِ، ويدُلُّ على ذلك مَسائلُ:
стр. 226
إحدَاها: أنّ خبرَ ((إن)) قد يكونُ فِعلاً يَنْتَصَبُ بغيرِها كقول الشاعر:
لا تَتْرُكَنّي فِيْهُمُ شَطِيْراً ... إِنّى إذاً أهلَكَ أو أُطِيْرَا
فنصَب ((أهلك)) بـ ((إذاً))، ولو كان الفِعل خبراً لم يعمل فيه ((إذاً)) كما لو قُلتَ: أنا إذاً أُكرمك.
والمسألةُ الثانيةُ: قولهم: ((إنَّ بكَ مأخوذُ)) فألغاها وأَدخلها على حرفِ الجرِّ ولم يَنْصِبْ بها زيداً وكذلك قَولهم: إن فيك راغب زيدٌ وإن بك يكفل عَمرو وإذا أُلغيت ولم يُلغَ الفِعْلُ بانَ ضَعْفُها في العملِ، ويَدُلُّ على ذلِكَ تقديمُ مَنصوبها على المَرفوع إيجاباً بخلافِ الفِعْلِ.
والجوابُ: أمّا كونُها فرعاً في العملِ فَمُسلّمٌ، ولكن لا نُسلم أنَّ أثرَ الفَرعِيّة أبطلَ عَمَلَها في الخَبَرِ، وذلك أن عملَها مَبْنِيّ على الاقتضاءِ وقد بَيَّنا أنَّ الاقتضاءَ تامٌ، فأمَّا الضَّعْفِ فيظهَرُ في أشياءَ منها تقديمُ المَنصوبِ على المرفوعِ إيجاباً وذلك أَثَرُ الضَّعفِ، وكذلك في أَحْكامٍ أُخَر، ألا تَرى أنَّ ضَعْفَها لم يَسْلِبْ عَمَلَها النَّصبَ ولا يُقال: يَنْبَغي ألاَّ تَعمل لَيَظْهَرَ أَثَرُ الضَّعف، بل يُقال: أثرُ الضَّعْفِ إذا ثبتَ في مواضعَ أُخر كفى، ألا تَرى أن المصدرَ يعملُ عملَ الفعلِ، ولا يجوزُ تقديمُ معمولِهِ عليه، وكانَ ذلك كافياً في ضَعْفِهِ ويدلُّ عليه أنَّ أسماءِ الفعلِ نحو ((نَزَالِ)) و ((تَرَاكِ)) أَضعفُ
стр. 227
من نفسِ الفِعْلِ، ومع ذلِكَ امتَنَعَ تقديمُ مَنْصُوبِها عَلَيْها عندنا، ولم يَمْتَنِعْ تقديمُهُ عليها عندَهم، بل سوَّوا بينَها وبينَ الفعلِ؛ لأنّ الضَّعفَ قَد ظَهَرَ في أشياءَ أُخر مِنها أنَّ الضَّمِيْرَ فيها لا يكونُ إلاّ مُسْتَتِراً مُفْرداً وأنَّها لا تَتَصَرَّفُ.
أما الشِّعْرُ فجوابُه من ثلاثةِ أَوجهٍ:
أحدُها: لا نُسَلّمُ أنَّه خَبَرُ ((إن)) بل خَبَرُ ((إن)) محذوفٌ تقديره: إني أُذلّ إذاً أَهْلَكُ. وحُذِفَ لِدلالةِ ما بَعده وهذاَ كقولِ الشَّاعِرِ:
نَحنُ بما عِندَنا وأنتَ بِما ... عِنْدَكَ راضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي نحنُ راضون فحذفَ الخبرَ الأَوّلَ لدلالةِ ما بَعده عليه، وكذلك إذا تقدّم معنى الشَّرط عليه كقولك: ((أنا آتيك إن أَتيتني)).
والثاني: نقدّرُ أنه الخبرُ ولكن وَقَعَتْ ((إذا)) موقعَ الخبرِ وأشبَهت ((لَنْ))
كما تقولُ: إنَّ زيداً لن يَضْرِبْ كذلك قُلتَ هاهُنا.
والثالث: إنّ ذلك شاذٌّ لا تُناقض به الأُصول، ولا يَثْبُتُ به أَصلٌ. وأمّا بقية المَسائِل فكلّها لم تُلغَ فيها إنّ، بل اسمُها مَحذوف وما بَعدها
стр. 228
جُملة في موضعِ الخَبَرِ، والتَّقديرِ: إنه بك زيدٌ مأخوذٌ وذلك كثيرٌ في الشّعر والكلامِ فمنه قَولُ عَدِيٍّ:
فليتَ دَفَعْتَ الهَمَّ عَنّيَ ساعةً ... فبِتْنا على ما خَيّلَتْ ناعِمَي بالِ
وكذلك قول الآخر:
أَليْتَ كَفافاً كانَ خَيْرُكَ كلّه
وكقول الأعشى:
إنّ من لامَ في بَنِي بنتِ حَسّانَ
стр. 229
وكقول الفرزدق:
ولكنَّ زنجيٍّ عظيمُ المَشافِرِ
والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 230
٥٢ - مسألة [العطف على اسم إنَّ قبل الخبر]
إذا عَطَفْتَ على اسمِ ((إنَّ)) قبلَ الخبرِ لم يجزْ فيه إلاّ النَّصبُ.
وقال الكسائِيُّ: يجوزُ ذلك مُطلقاً ظهرَ في المَعطوف الإِعرابُ أو لَمْ يَظْهَرْ.
وقالَ الفراءُ: إذا لم يَظهرْ فيه الإِعرابُ كقولِكَ: إنَّ زيداً ونحنُ قائمون.
стр. 231
لَنَا فيه الرَّفْعِ في المَعْطُوف لابدّ لَه من رافعٍ ولا رافِعَ فلا رَفْعَ، والدَّليلُ على الأَوَّلِ: أنَّ الرفعَ عَمَلٌ أو حكمُ وأيُّهما كانَ فلا بدَّ له من علَّةٍ أو عاملٍ.
وبيانُ الثاني أن الرفعَ لو كانَ لكان إما المعطوف على ((إنَّ)) واسمها، أو على أنَّ مبتدأ وما بعده خبر والأول باطلٌ؛ لأنَّ ((إنَّ)) واسمها لا موضعَ لهما ولا يجوزُ أن يكون مبتدأ لأن المبتدأ يقتضي خبراً وقولك ((ذاهبان)) لا يجوز أن يكونَ خبراً عن عمرٍو لوجهين:
أحدُهما: أن عمراً مفردٌ، وذاهبان مُثنى، والخبر يجبُ أن يكونَ عدّتُه على عدّةِ المبتدأ؛ لأنه هو في المعنى.
والثاني: أنَّ ذلك يُبْطِلُ عمل إنّ في الخَبر ويَنفي تَرتيب مقتضاها
стр. 232
عليها؛ لأنّ ((إنَّ)) تقتضي اسماً وخبراً فإذا كان الخبرُ عن غيرها مَنعتها مُقتضاها مع أنَّها قد عَمِلَتْ في أَحدِ مُقتضيها، وإذا بطلَ ذلك ثَبَتَ أن الوجهَ هو النَّصبُ عطفاً على اسم إنّ، فعلى هذا يَصِحُّ أن يكونَ الخبرُ عن المعطوفِ والمَعطوفِ عَلَيْهِ.
فإن قيل: العامِلُ في المُبتدأ هو الخَبرُ والخَبرُ هنا موجودٌ، قيلَ عنه جَوابان:
أحدُهما: لَيس كذلك بل الخبرُ معمولُ ((إنّ)) والمعطوفُ نَيّف عليه وقد سَبَق ذلك.
والثاني: أن هذا المعنى فاسدٌ هنا، وهو ما ذكرنا من أنَّ الخبرَ هو المبتدأ في المعنى وأن عدته كعدته، وأن ذاهبان إذا ثبت في المعنى أنَّه للمعطوف والمعطوف عليه بطلَ أن يكونَ المعطوفُ مُسْتأنفاً. واحتجَّ الآخرون بالسَّماعِ والقِياسِ.
أما السَّماع فقوله تعالى: ﴿إنَّ الذينَ آمَنُوا والّذينَ هادُوا
стр. 233
والصَّابِئُونَ﴾ ثم قال: ﴿فلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فجعل الأَخيرَ خَبَراً عن الجَمِيْعِ والصَّابِئُون مرفوعٌ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيّ﴾ قُرِئَ برفعِ الملائكةِ ولا وجهَ له إلاّ ما ذَكرنا.
أما القِياسُ فمن وَجهين أحدُهما: أنَّ المعطوفَ لو تأخَّر لجازَ رَفْعُهُ فكذلِكَ إذَا تقدَّمَ، إذْ المعنى فيهما واحِدٌ.
والثاني: أنَّ المعطوفَ على اسمِ ((لا)) يَجوز فيه الرَّفعُ كذلك اسم ((إنّ)) كقوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فيه ولا خُلّةٌ﴾ و ﴿لا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾، والجامعُ بينهما أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لها اسمٌ وخبرٌ.
والجوابُ عن الآيةِ من أَوجهٍ:
أحدها: أنَّ ((الصابئون)) معطوفٌ على الضَّمير في ((آمنوا)) و ((هادوا)) والجيّدُ أن يكونَ عطفاً على الضَّميرِ في آمنوا ويكونُ ((الّذين هادوا)) قائماً مقامَ التَّوكيدِ.
стр. 234
والتقديرُ إنَّ الذين آمنوا هُم والصَّابِئُون، والّذين هَادُوا هُم والصَّابِئون وسدَّ العَطْفُ مسدَّ التوكيدِ.
والوجهُ الثاني: أن ﴿الصَّابِئُون﴾ في نِيَّةِ التَّأخيرِ ((ولا يَحْزَنُونَ)) خبرٌ لما قَبله، أي لا يَحزنون وكذلِكَ الصَّابِئُون، وهذا قولُ سيبويهِ، ومثلُهُ قولُ الشَّاعِر:
وإلاّ فاعلموا أنّا وأَنْتُمْ ... بُغاةُ ما بَقِيْنا في شِقَاقِ
أي اعلَموا أنَّا بُغاةٌ وأَنتم كذلك وإن شئتَ جَعَلْتَ ﴿لا خَوْفَ عَلَيْهِمْ﴾ خبراً للصَّابئين. وخبرُ ما قبله محذوفٌ ويَشْهَدُ لذلِكَ قولُ الشَّاعِرِ:
نحنُ بما عِندنا وأنتَ بما ... عِنْدَكَ راضٍ والرَّايُ مُخْتَلِفُ
والتقدير: نَحنُ راضُون، ولو وَقَعَ في النَّثْرِ مثلُ ذلِكَ جَازَ، حتّى لو قُلْتَ إنَّ زيداً وعَمرٌو قائمٌ جازَ ويكون ((قائم)) خبرُ إنَّ، وخبرُ عَمرٍو ومحذوفٌ لدلالةِ خَبَرِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ، وإن شئت عَكَسْتَ، وأمَّا العَطْفُ في بابِ ((لا)) فجوابه من وَجْهَينِ:
стр. 235
أحدُهما: أنَّ ((لا)) تَعمَلُ في الاسمِ دونَ الخَبَرِ فيكونَ المَعْطُوف كالمُسْتَانَفِ بخلافِ ((إنَّ)).
والثاني: أنَّ ((لا)) واسمها رُكّبا فجُعلا كالشيءِ الواحدِ فهما في موضعِ رفعٍ فيُحمل المَعطوف على موضِعهما كما تُحمل الصِّفَةُ على ذلك وشاهدُهُ قول الشَّاعِرِ:
ولا كريمَ من الوِلْدَانِ مصبوح
آخِرُها والله أعلَمُ بالصَّواب.
стр. 236
٥٣ - مسألة [عمل (إنَّ) المخففة]:
إذا خُفّفت ((إنَّ)) الثَّقيلة جازَ أن تَعملَ في الاسمِ النَّصبَ.
وقالَ الكوفيون: لا تَعملُ.
وحُجّةُ الأولين السَّماعُ والقياسُ، أما السَّماعُ فمنه قولُه تَعالى:
стр. 237
﴿وإنْ كلاً لَما ليُوَفِينَهُمْ﴾ قرأ جماعةٌ بتخفيفِ النّونِ ونَصبِ ((كلّ))، وذلك مسموعٌ منقولٌ.
فإن قيلَ: النَّصبُ هنا بغيرِ ((إنّ))، وذلك العامل قوله: ليوفِيَنَّهم، أي لَيُوَفِيَنَّ كُلاً، ويُمكن أن يكونَ العامِلُ ((لمَّ)) على قراءَةِ من نوَّن وشدَّد أي ويَجمَعُ ((كلاً)).
قُلنا: كلاهما خطأٌ أما ((يوفي)) فهو جوابُ القَسمِ، وجوابُ القَسمِ لا يَعمَلُ فيما قبلَه، وإن جعلته مُفسراً للعاملِ؛ لأنَّ التقديرَ على هذا: وإنْ كلاً لما ليوفينَّ بغير هاء، و ﴿ليوفينّهم﴾ تفسيرّ له، ومَوضعُ هذا الفعلِ على كلِّ تقديرٍ بعدَ الاسمِ، وهو جوابُ القَسمِ، وهو لا يَعملُ فيما قَبله، وأمَّا إعمالُ ((لَمّا)) فلا سبيلَ إليه على أيِّ تَفْسِيْرٍ فُسرت، وقد فُسّرت على معنى ((إلا))، و ((إلاَّ)) لا يَعمل ما بَعدها فيما قَبلها، وإن فُسّرت بلامِ التَّوكيدِ فهي أَبعدُ من العملِ، وإن فُسرت بـ ((لَمّا)) التي للجَمْعِ فهو بعيد؛ لأن
стр. 238
موضِعَها بعدَ ((إن))، والفِعل لا يقعُ بعدَ هذه إلاّ ومعه عوضٌ، ولا عوضّ هنا، ومن المَسموعِ قولُ الشاعرِ:
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كأَنْ ثَديَيْهِ حُقَّانِ
فَنَصَبَ بكأنْ مُخَفَّفةً، وقالَ آخر:
كأن وَرِيْدَيْه رِشَادٌ خُلْبِ
وقالَ آخر:
وَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلْتِنِيْ ... فِرَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَدِيْقُ
وقال آخر:
وقد عَلِمَ الصِّبْيَةُ المُرْمِلُوْنَ ... إذا اغْبَرَّ أفقٌ وَهَبَّتْ شَمَالاَ
стр. 239
بأنْكَ الرَّبِيْعُ وغيثٌ مُرِيْعٌ ... وقِدْماً هُناك يَكُونُ الثِّمَالاَ
فَنَصَبَ بها الضَّمِيْرَ.
وأمَّا القِياسُ: فهو أنَّ ((إنَّ)) مشبهة بالفِعل في لَفْظِها. واختِصاصها بالأسماءِ والمُخففة من الثّقيلة مُخْتَصَّةٌ بالاسمِ، ولم يَبْقَ إلاّ التَّخفيف في الحذفِ ومثلُ ذلك لا يَمْنَعُ من العَمَلِ للفِعْلِ كقولِكَ: لم يَكُ ولم أُبلَ ولا أدرِ فالحرفُ المُشبَّهُ بها كذلك. يدلُّ عليه أنّ ((لعلَّ)) تَعْمَلُ وإذا حُذِفَ منه أو أُبدلتِ اللاّم فيها نوناً بَقِيَ عملها مثل علّك وعنّك، هذا مع أنَّ أصلَ التَّصرفِ للأفعالِ، وقد دَخَلَ الحَرفُ هُنا للتَّصرف ولم يَمْنَعِ العَمَلَ.
فإن قيلَ: إذا خُفّفت ضَعُفت ولذلك يلزمُ فيها التَّعويض نحو:
стр. 240
﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونَ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾. قيلَ: إنّما احتاجَتْ إلى التَّعويض؛ لأنَّ الاسمَ مَحذوفٌ، وحكمها أنْ تَلِيَها الأسماءُ، فإذا حُذفت وخُففت وَلِيَها الفِعْلُ عوضٌ من الاسمِ المَحذوفِ السِّين وسَوف و ((لا)) في النّفي، وهاهُنا قد وليها الاسم فَعَمِلَتْ من غيرِ تَعْوِيضٍ.
وشُبهة الكوفيين من وجهين:
أحدُهما: أن الأَصلَ في الحُروف ألاَّ تَعمل، وإنّما أُعمل منها ما أُعمل لشبههِ الفعل وإِنْ المخففة لا تشبه الفعل؛ لأن أقلّ أبنية الفعل الثُّلاثية، و ((إنْ)) الخَفيفة على حرفين فلم تُشبه الفِعل خرج على هذا ((إِنَّ)) المشددة؛ لأنّها ثلاثةُ أحرفٍ كما أنَّ الفعلَ كذلك، وبناؤها كبناءِ الفعلِ.
فإنَّ كقيل، وأنَّ كشَدَّ، وإذا انقطع شَبهها بالفعلِ عادَت [إلى] الأَصلِ.
والوجه الثاني: أنَّ لفظَ المُخففة كلفظِ الخَفِيفة العاملة في الفِعل، فتُشبهها، وعوامِلُ الأَفعالِ لا تَعمَلُ في الأسماءِ، فما يُشبهها كذلك، يَدُلّ عليه أنَّ ((أنْ)) عملت بالشَّبهِ وشَبَهُهَا بالفعلِ المَحذُوفِ كشَبَهِهَا بالعامِلَةِ في
стр. 241
الفعلِ، وليس أحدُ الشَّبهين أَولى بها من الآخَرِ، فعندَ ذلِكَ يَتَعارَضُ الشَّبهان فيَتَساقطان، وتَرجعُ إلى الأصل وهو إلغاؤها عن العَمَلِ.
والجوابُ: عن الأولِ من وَجهين:
أحدُهما: أن شبهَها بالفعل باقٍ، وذلك أنَّها مُختصّةٌ بالفعلِ مؤكِّدةٌ للمَعنى، وما دخلها من الحذفِ مثله في الفعلِ على ما ذكرناه في حُجَّتِنَا.
والثاني: أنَّ ما ذَكَرُوه باطلٌ بـ ((أنْ)) النَّاصبة للفعلِ فإنَّها مُشبهة بأنْ النَّاصبة في كونِها مَصْدَرِيّة مع مُخالفتها إيَّاها في عدّةِ الحُروف ولكنْ كَفى في عَمَلِها كَونُها مَصدرية مُختصة كذلك هاهُنا.
أمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانية فبعيدةٌ وذلك أنَّ ((أنْ)) المُخففة تُشبِهُ أنْ النَّاصِبة للفِعل في صورةِ الحروفِ وهي مُخالفة لَها في أنَّ المُخففةَ مُختَصَّةٌ بالأسماءِ، مؤكدةٌ للمعنى وهذا كافٍ في إعمالِهَا في الاسمِ، بخلافِ ((إنْ)) النَّاصبة للفعلِ، وبهذا يَتَبَيَّنُ أن شَبَههَا بعواملِ الأَسماءِ أَقوى والحُكْمُ لأَقوى الشَّبَهَيْنِ آخرها والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 242
٥٤ - مسألة [دخول لامِ التَّوكيد في خَبَرِ لكنَّ]
لا يجوزُ دخولُ لامِ التَّوكيد على خبرِ لكنَّ.
وقالَ الكُوفيُّون: هو جائزٌ.
ودليلُ المَذهَبِ الأَوَّلِ من وَجْهَينِ:
أحدُهُما: أنَّ ذلك لَو كان جائزاً لكثُرَ ذلكَ في القرآنِ، والشّعرِ،
стр. 243
والكلامِ، ومعلومُ أنّ ذلك لَم يَشْتَهِرْ عَنهم.
والوجهُ الثاني: أنَّ اللامَ في هذا البابِ للتَّوكيدِ غيرُ مرادٍ هُنا.
وبَيَانُه: أن ((لكنَّ)) للاستدراك ولا تعرُّضَ فيها للتَّوكيد فلا يَجوز أن تَدخل، وذلك؛ لأنّ الحرفَ زائدٌ، والأصلُ ألاّ يُزادَ شيءٌ إلاّ لمعنىً، والمعنَى في لامِ ((إنَّ)) توكيدُ الخَبَرِ، وإذا تَجَرَّدَ الحَرْفُ عن مَعْنًى لم يَجُز ذِكْرُهُ ومثالُ ذلك قولُك: ((ما قامَ زيدٌ لكن جَعْفَراً قائمٌ)) فالغَرَضُ الكُلّي إثباتُ القِيامِ لجعفرٍ ونَفْيِهِ عن زَيْدٍ، فإن قِيْلَ: أمّا الوَجه الأَوَّلُ فغيرُ مُسَلّمٍ فقد جاءَ في الشِّعْرِ قالَ الشَّاعِرُ:
ولكنّني من حُبِّها لَكَمِيْدُ
وعلى أن الشَّيءَ قد يكونُ جائزاً ولا يكثر، ألا تَرى أنَّهم أَبدلوا الهاءَ
стр. 244
في إن وزادوا عليها اللاَّم في قولِ الشَّاعر:
لهنَّكِ من عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيْمَةٌ ... على هَنَوَاتٍ كاذِبٌ مَنْ يَقُولُها
وهذا جائز وإن لم يكثر.
وأمَّا الوجهُ الثاني فيَنبني على أصلِ ((لكن)) وأَصلُها ((إنَّ)) زيدت عليها الكافُ واللامُ، على ما نُبينه، فاللاَّم إذاً تدخلُ على خبرِ إنّ في الأَصلِ.
والجوابُ: أمَّا البيتُ فعنه جوابان:
أحدُهما: أنه ليس مما نحن فيه وإنَّما أَصله: ولكن إنَّني، ثم حذفت الهَمزة والتَقَت النونان نون لكن إنني فأُدغمت النُّون في النُّون، فاللامُ إذاً داخلةٌ على خبرِ إنَّني، والحذفُ من الحرفِ قد جاءَ وقد أُبدل منه أيضاً فمن الحَذْفِ قوله:
ولكِ اسقِنِي إنْ كانَ ماؤُكَ ذا فَضْلِ
стр. 245
ومنه أيضاً ((إنْ)) في المخففة من الثَّقيلة، واللاَّم في ((عَلّ)) والإِبدال مثلُ ((لِهَنَّك)) في ((إنك)) وهو كثيرٌ.
والوَجْهُ الثاني: نُقدّر إنَّ الأمر كما ذَكروه في البيتِ ولكن زيدت اللاَّم فيه لضَرورةِ الشّعر كما يزيدُ الشّاعر لإِقامة الوزنِ، ويَنقضُ لذلك أيضاً، وكما جاء في قولِه تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أَن يكونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي رَدِفُكم، وأمَّا الكلامُ على الوجهِ الثَّاني فسياتِي جَوَابُهُ.
وأما شُبهةُ الكوفيين فمن وَجهين:
أحدُهما: ما تقدَّم من الشّعر.
стр. 246
والثاني: أن أصلَ ((لكن)) ((إنَّ)) زيدت عليها الكافُ وحذف الهمزة، والكاف عوض عن المحذوف، و ((لا)) للنَّفي، والمعنى ((ما قامَ زيدٌ لا إنَّ جَعفراً منطلقٌ)) وصارَ لها في التَّركيبِ حكمٌ آخر كما أنَّ أصل ((لَنْ)) ((لا)) ((أَن)) ثم حُذف وغُير وصار لها حكمٌ آخر.
فاللام إذاً دخلت في خبرِ ((لكن)) من حيثُ إنَّ أصلها ((إنَّ)).
وقد احتجوا أيضاً بأنها تُساوي ((إنّ)) في العَطف بعدَ الخبرِ كقولك: ((إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً وعمروُ)) وكذلك ((لكِنَّ)) وليس كبقية أخواتها.
والجوابُ: أما البَيْتُ فقد سَبق جَوابه، وأما دَعوى التّركيب فبَعِيْدٌ جدًّا؛ وذلك أنَّ لكن لا تَوْكِيدَ فيها، و ((أن)) للتَّوكيد، والمركّب وإن تغيّر حُكمه فلا بدَّ من بقاءِ المَعنى فيه كما ذَكرنا في ((لَولا زيدٌ لأتيتك))، وأما ((لن)) فغيرُ مركّبةٍ ولو قدّر أنها مركبة، ولكن معنى النَّفي باقٍ والتَّوكيد هنا غيرُ باقٍ.
والوجهُ الثَّاني: في فَسادِ دعوى التَّركيب: أنَّ الكافَ زائدَةٌ على
стр. 247
قولِهِمْ، والهَمزةُ مَحذوفةٌ، و ((لا)) باقيةٌ على النَّفي، وكلُّ ذلك لا يهتدي لما زيادته القياس، وكونُ الكلمةِ موضوعة على هذا اللَّفظ ممكنٌ فلا يُعدل عنه لما لا يُعلم إِلاّ بوحي أو تَوقيف.
وأما العَطفُ فإنما شاركت فيه ((إنّ))؛ لأنَّ الابتداءَ لم يَبطُلْ وإنما بَطَلَ التَّوكيدُ فاستواؤُهما في العَطْفِ كان لاستوائِهِما في الابتداءِ ومخالَفَتُها لها في التَّوكيدِ يَنفي جوازَ دخولِ اللاَّمِ على ما بَيّنا والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 248
٥٥ - مسألة [زيادة اللام الأولى في (لعل)]
اللاَّمُ الأولى في ((لَعلَّ)) زائدةٌ في ظاهرِ قولِ البَصريين.
وقالَ الكُوفيُّون: هي أصلٌ.
ووجهُ قولِ الأَوليين من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّها قد استُعملت بغيرِ لامٍ في الشّعر كثيراً، والأصلُ عَدَمُ حذفِ الأَصلِ، والزّيادةُ أقربُ، لا سيَّما إذا أُريدَ تَقْوِيَةَ الحَرفِ أو قُوَّة معناه.
والثاني: أنَّ ((علَّ)) ثلاثةُ أَحرفٍ وأصلُ البابِ ((إنَّ)) و ((أنَّ)) وهما على ثلاثةِ أحرفٍ وهذا بكون ((علّ)) ثُلاثيّة فأمَّا ((كأن)) فأصلها ((إنّ)) زيدت عليها كافُ التَّشبيهِ، حرصاً على سبقِ المَعنى، وذاك أنَّ الأَصلَ في قولِكَ:
стр. 249
كأنَّ زيداً الأَسَدُ إنَّ زيداً كالأَسدِ ثم اهتموا بتقديمِ مَعنى التَّشبيه فأدخلوا الكاف على ((إنَّ)) وفتحوا الهَمزة، كما تُفتح بعد حروفِ الجَر. وأمَّا ((لكنَّ)) فعدتُها أكثرُ عندَ البَصريين لمَّا دخلها معنى الاستِدراك، وعندهم هي مركبةٌ، وهذا يُؤنس بأنَّ الأصلَ ((علّ)) كسائِر أَخواتها.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ هذه الحروف مشبهةٌ بالفعلِ في العملِ والفعلُ تلحقه الزوائد، فجاز أن تكونَ اللاَّمَ زائدةٌ، كما تُزاد في الفِعلِ كقولك:
إنّ زيداً لَيَقوم، وكقولك: والله لقامَ زيدٌ.
وشبهة الآخرين: أنَّ الحذفَ تَصَرُّفٌ، والحُرُوف لا تَتَصَرَّفُ، ولهذا حكمنا على الألفِ في ((ما)) و ((لا)) بأنَّها أصلٌ، وليست في الأسماءِ والأفعالِ أصلٌ بحالٍ، بل إمَّا زائدةٌ أو منقلبةٌ، ويقوي ذلك أنَّ نونَ الوقايةِ لا تَكَادُ تَجِيْءُ مع ((لَعَلَّ)) بل تقولُ: ((لَعلّي)) و ((لَعلّني))، قَليلٌ جدّاً، [و] ما كانَ ذلك إلاّ لأنَّ اللامَ الأولى أصلٌ وبعدَ العين لامان، والنون تُشبه اللام فكانت على هذا تَجتمع في التقدير أربعُ لاماتٍ فَتُحُومِيَ ذلك فِراراً من اجتماع الأَمثال.
والجوابُ عما ذَكَرُوه أنَّ الحروفَ قد وقعَ فيها حذفٌ، والحذفُ تَصَرُّفٌ، كما أن الزّيادةَ تَصرُّفٌ، بل التَّصرفُ بالحذفِ أَقوى وبالزّيادة أَضعفُ، فإذا جَوَّزوا الحذفَ مع قُوَّته فالزّيادةُ أَولى.
وأمَّا نونُ الوِقاية فدُخولها لما ذَكَرُوا ولكنْ لا يلزمُ منه الحُكمَ بأَصالتها وبيانُه من وَجهين:
стр. 250
أحدُهُما: أن اجتماعَ ثلاث لاماتٍ مستثقلٌ لتماثلها. ألا تَرى أنَّ النون لما تكررت في فعلِ الأمرِ كقولِكَ في جَماعة المؤَنَّث: اضرِبْنَانِ فصلتَ فيه بالألفِ لئلا تَتولى ثَلاثةُ أمثالٍ، وإذا قُلنا: اللاّمُ زائدةٌ فقد اجتَمَعَ ثلاثةُ أَمْثالٍ، وذلك في التَّحرُّزِ منها ويَكفي في التَّحرُّزِ منها ويَزدادُ ثُقلاً بزيادَةِ اللاَّمِ الأُولى.
والصَّحيحُ عِندي أنَّ ((لَعلَّ)) و ((عَلَّ)) لُغتان لا يُحكم في إحداهما بالزيادة ولا في الأُخرى بالحَذف كما أنَّ قولَهم: نَصحتُ لَكَ وشَكرتُ لَكَ وبابه، اللاَّم فيه مُعدية للفعلِ في لُغة وهي مَحذوفة في اللُّغةِ الأُخرى، ولا يقالُ هي في أَحدِهما زائدةٌ، بل كلُّ مِنهما أَصلٌ في لُغةٍ، وهذا المَذهب أَسلمُ، وله يَشهدُ بصحَّته، ويدلُّ على ذلك تَعَدُّدُ اللُّغاتِ في ((لَعل)) فقد قَالوا: ((لَعلّ)) و ((عَلّ))، و ((عَنَّ))،و ((غَنَّ))،و ((لَعَنَّ))، و ((لَغَنَّ)) وكلُّ منها لغةٌ غيرَ الأُخرى، ولا يُقال أن الغَين بدلٌ من العَين كذلِكَ هاهُنا والله أعلمُ بالصَّواب.
следующие страницы →