Полный текст (348 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والثاني: أن أصلَ ((لكن)) ((إنَّ)) زيدت عليها الكافُ وحذف الهمزة، والكاف عوض عن المحذوف، و ((لا)) للنَّفي، والمعنى ((ما قامَ زيدٌ لا إنَّ جَعفراً منطلقٌ)) وصارَ لها في التَّركيبِ حكمٌ آخر كما أنَّ أصل ((لَنْ)) ((لا)) ((أَن)) ثم حُذف وغُير وصار لها حكمٌ آخر.
فاللام إذاً دخلت في خبرِ ((لكن)) من حيثُ إنَّ أصلها ((إنَّ)).
وقد احتجوا أيضاً بأنها تُساوي ((إنّ)) في العَطف بعدَ الخبرِ كقولك: ((إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً وعمروُ)) وكذلك ((لكِنَّ)) وليس كبقية أخواتها.
والجوابُ: أما البَيْتُ فقد سَبق جَوابه، وأما دَعوى التّركيب فبَعِيْدٌ جدًّا؛ وذلك أنَّ لكن لا تَوْكِيدَ فيها، و ((أن)) للتَّوكيد، والمركّب وإن تغيّر حُكمه فلا بدَّ من بقاءِ المَعنى فيه كما ذَكرنا في ((لَولا زيدٌ لأتيتك))، وأما ((لن)) فغيرُ مركّبةٍ ولو قدّر أنها مركبة، ولكن معنى النَّفي باقٍ والتَّوكيد هنا غيرُ باقٍ.
والوجهُ الثَّاني: في فَسادِ دعوى التَّركيب: أنَّ الكافَ زائدَةٌ على
стр. 247
قولِهِمْ، والهَمزةُ مَحذوفةٌ، و ((لا)) باقيةٌ على النَّفي، وكلُّ ذلك لا يهتدي لما زيادته القياس، وكونُ الكلمةِ موضوعة على هذا اللَّفظ ممكنٌ فلا يُعدل عنه لما لا يُعلم إِلاّ بوحي أو تَوقيف.
وأما العَطفُ فإنما شاركت فيه ((إنّ))؛ لأنَّ الابتداءَ لم يَبطُلْ وإنما بَطَلَ التَّوكيدُ فاستواؤُهما في العَطْفِ كان لاستوائِهِما في الابتداءِ ومخالَفَتُها لها في التَّوكيدِ يَنفي جوازَ دخولِ اللاَّمِ على ما بَيّنا والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 248
٥٥ - مسألة [زيادة اللام الأولى في (لعل)]
اللاَّمُ الأولى في ((لَعلَّ)) زائدةٌ في ظاهرِ قولِ البَصريين.
وقالَ الكُوفيُّون: هي أصلٌ.
ووجهُ قولِ الأَوليين من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّها قد استُعملت بغيرِ لامٍ في الشّعر كثيراً، والأصلُ عَدَمُ حذفِ الأَصلِ، والزّيادةُ أقربُ، لا سيَّما إذا أُريدَ تَقْوِيَةَ الحَرفِ أو قُوَّة معناه.
والثاني: أنَّ ((علَّ)) ثلاثةُ أَحرفٍ وأصلُ البابِ ((إنَّ)) و ((أنَّ)) وهما على ثلاثةِ أحرفٍ وهذا بكون ((علّ)) ثُلاثيّة فأمَّا ((كأن)) فأصلها ((إنّ)) زيدت عليها كافُ التَّشبيهِ، حرصاً على سبقِ المَعنى، وذاك أنَّ الأَصلَ في قولِكَ:
стр. 249
كأنَّ زيداً الأَسَدُ إنَّ زيداً كالأَسدِ ثم اهتموا بتقديمِ مَعنى التَّشبيه فأدخلوا الكاف على ((إنَّ)) وفتحوا الهَمزة، كما تُفتح بعد حروفِ الجَر. وأمَّا ((لكنَّ)) فعدتُها أكثرُ عندَ البَصريين لمَّا دخلها معنى الاستِدراك، وعندهم هي مركبةٌ، وهذا يُؤنس بأنَّ الأصلَ ((علّ)) كسائِر أَخواتها.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ هذه الحروف مشبهةٌ بالفعلِ في العملِ والفعلُ تلحقه الزوائد، فجاز أن تكونَ اللاَّمَ زائدةٌ، كما تُزاد في الفِعلِ كقولك:
إنّ زيداً لَيَقوم، وكقولك: والله لقامَ زيدٌ.
وشبهة الآخرين: أنَّ الحذفَ تَصَرُّفٌ، والحُرُوف لا تَتَصَرَّفُ، ولهذا حكمنا على الألفِ في ((ما)) و ((لا)) بأنَّها أصلٌ، وليست في الأسماءِ والأفعالِ أصلٌ بحالٍ، بل إمَّا زائدةٌ أو منقلبةٌ، ويقوي ذلك أنَّ نونَ الوقايةِ لا تَكَادُ تَجِيْءُ مع ((لَعَلَّ)) بل تقولُ: ((لَعلّي)) و ((لَعلّني))، قَليلٌ جدّاً، [و] ما كانَ ذلك إلاّ لأنَّ اللامَ الأولى أصلٌ وبعدَ العين لامان، والنون تُشبه اللام فكانت على هذا تَجتمع في التقدير أربعُ لاماتٍ فَتُحُومِيَ ذلك فِراراً من اجتماع الأَمثال.
والجوابُ عما ذَكَرُوه أنَّ الحروفَ قد وقعَ فيها حذفٌ، والحذفُ تَصَرُّفٌ، كما أن الزّيادةَ تَصرُّفٌ، بل التَّصرفُ بالحذفِ أَقوى وبالزّيادة أَضعفُ، فإذا جَوَّزوا الحذفَ مع قُوَّته فالزّيادةُ أَولى.
وأمَّا نونُ الوِقاية فدُخولها لما ذَكَرُوا ولكنْ لا يلزمُ منه الحُكمَ بأَصالتها وبيانُه من وَجهين:
стр. 250
أحدُهُما: أن اجتماعَ ثلاث لاماتٍ مستثقلٌ لتماثلها. ألا تَرى أنَّ النون لما تكررت في فعلِ الأمرِ كقولِكَ في جَماعة المؤَنَّث: اضرِبْنَانِ فصلتَ فيه بالألفِ لئلا تَتولى ثَلاثةُ أمثالٍ، وإذا قُلنا: اللاّمُ زائدةٌ فقد اجتَمَعَ ثلاثةُ أَمْثالٍ، وذلك في التَّحرُّزِ منها ويَكفي في التَّحرُّزِ منها ويَزدادُ ثُقلاً بزيادَةِ اللاَّمِ الأُولى.
والصَّحيحُ عِندي أنَّ ((لَعلَّ)) و ((عَلَّ)) لُغتان لا يُحكم في إحداهما بالزيادة ولا في الأُخرى بالحَذف كما أنَّ قولَهم: نَصحتُ لَكَ وشَكرتُ لَكَ وبابه، اللاَّم فيه مُعدية للفعلِ في لُغة وهي مَحذوفة في اللُّغةِ الأُخرى، ولا يقالُ هي في أَحدِهما زائدةٌ، بل كلُّ مِنهما أَصلٌ في لُغةٍ، وهذا المَذهب أَسلمُ، وله يَشهدُ بصحَّته، ويدلُّ على ذلك تَعَدُّدُ اللُّغاتِ في ((لَعل)) فقد قَالوا: ((لَعلّ)) و ((عَلّ))، و ((عَنَّ))،و ((غَنَّ))،و ((لَعَنَّ))، و ((لَغَنَّ)) وكلُّ منها لغةٌ غيرَ الأُخرى، ولا يُقال أن الغَين بدلٌ من العَين كذلِكَ هاهُنا والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 251
٥٦ - مسألة: [بناء اسم (لا) النافية للجنس]
((لا)) إذا دخلت على المُفرد لنفي الجنس كان الاسمُ بعدها مبنياً في ظاهرِ قولِ البَصريين.
ومنهم من قالَ هو معربٌ، وبه قالَ الكُوفُّيون.
وجهُ القولِ الأولِ من أوجهٍ:
стр. 252
أحدُها: أنَّ ((لا)) مركبةٌ مع الاسم، والتَّركيبُ يُوجب البِناء كخمسةَ عشرَ؛ وبيانُ مركبةٌ مع الاسمِ، أنَّها إذا فُصِلَ بينهما أُعربَ كقولهِ تَعالى: ﴿لا فِيْها غَوْلٌ﴾ وإذا لَزِمَ الفَتحُ مع الوصل، وزالَ مع الفَصلِ دلَّ أنَّه حادِثٌ للتَّركيبِ، والتَّركيبُ يُوجِبُ البِناء؛ لأنَّه يُجعلُ فيه الشَّيئان كالشيء الواحدِ على وجهٍ يلزمُ فيه الاتّصال، ويَجري مَجرى الحَرفِ، إذ لا يَستغني عن الحرفِ.
والوجهُ الثاني: أنَّ الكلامَ تَضَمَّنَ معنى الحَرفِ فكانَ مبيناٌ ك ((أينَ)) و ((كيفَ))، وبيانُ ذلِكَ أن قولك: لا رجلَ في الدار تقديره: لا من رجلٍ، وإنما قُدّرَ ذلك؛ لأنَّ ((من)) موضوعة لبيان الجنس، والنفي هاهُنا للجنسِ كلِّه و ((لا)) بنفسها لا تَنفي الجنس، فقد ثَبَتَ في اللَّفظِ مَعنى لا يَثْبُتُ إلاّ بالحرفِ، وإذا تَضَمَّنَ الاسمُ معنى الحَرف بُني؛ لأنَّه أَدَّى ما يُؤَدّيه الحرفُ لفظاً، فتَعدّى إليه حكمُهُ وصارَ هذا كخمسةِ عشرَ، في أنَّ التّقدير: خمسة وعشرة، ويدلُّ على أن ((من)) هي التي تفيد نفي الجنسِ هُنا أنَّك لو قلتَ: لا من رجلٍ في الدارِ لم يَجزْ أن يكونَ فيها اثنان، ولا أكثرَ، ولو قلتَ: لا رجلُ في الدَّارِ جاز أن يكون فيها اثنان أو أكثر، فإذا قدرت ((من)) كان حكمُها هذا الحكم.
والوجهُ الثالثُ: أن ((رجُل)) هاهنا لو كان معرباً لكان منوّناً؛ لأن التَّنوينَ تابعٌ للإِعرابِ، وإِنّما يمتنع بالألفِ واللامِ وعدمِ الصَّرفِ والإِضافةِ، وكلُّ ذلك غيرُ موجودٍ، فَتَعيَّن أن يضافَ عدمُ التَّنوين إلى البناء.
والوجهُ الرابعُ: أنه لو كانَ مُعرباً لكانَ بفعلٍ محذوفٍ، وكان التَّقديرُ
стр. 253
لا أَجِدُ أو لا أَرى، ونحو ذلك، وهذا بعيدُ التقديرِ؛ لأنَّك تقولُ: ((لا إله إلا الله)) فلو كان معناه لا أَجدُ لكان النَّفي منسوباً إلى وِجْدانك، وليس المعنى عليه، وإنما المَعنى أنَّ عدمَ الآلهة غيرُ الله لمعنى في نَفْسِ المَنفي، وهو عدم تصوره لا عدم وجدانك.
والوجهُ الخامِسُ: أنّه لو كانَ مُعرباً لجازَ نصبه مع الفَصل؛ لأنّ كلَّ مُعْرَبٍ يجوزُ أن يفصلَ بينَه وبينَ العامِل فيه بالظرف خُصوصاً، كـ ((إنَّ)) فإنَّك تقول: ((إن في الدَّار زيداً)) فتُعمِلُها مع الفَصلِ بالظَّرفِ.
فإن قيل: ((لا)) فرعٌ على ((إنَّ)) و ((إنَّ)) فرع على ((كانَ)) والفروعُ تَنْقُصُ عن الأُصول.
قيلَ: لِمَ قلتم إن النُّقصان مَحصورٌ في اتصالِ ((لا)) بما بعده؟ مع أن [لها] أحكاماً تُخالف فيها ((لا)) باب ((إنَّ)) ويكفي ذلك فارِقاً بين الأصول والفُروع.
واحتجَّ الآخرون على أنَّ اسمها معربٌ بأشياء:
أحدُها: أنه يجوزُ فيما بعدها النَّصبُ والتَّنوين، والرَّفع والتَّنوين هذا إذا كان مفرداً، وإذا كان مضافاً كان معرباً بلا خلاف، وهذا يدلُّ على أن البناءَ لا علّة له هنا، إذ لو كانت له عِلّةٌ كانت لازمةٌ؛ لأن معناه لا يختلفُ، وإذا انتفت علةُ البِناء ثبتَ كونُه معرباً.
стр. 254
والوَجهُ الثَّاني: أن الكلامَ متضمنٌ معنى الفِعل، وكانَ هو العامِلُ وبيانُه أنَّ قولَكَ: لا رجلَ في الدَّارِ تقديرُهُ: لا أعلمُ ولا أَجِدُ والمَعنى على هذا مُستقيمٌ، وحذفُ الفعلِ وإبقاءُ عملِهِ جائزٌ بلا خلاف، فمن ذلك قوله: ﴿وإن أحدٌ من المُشْرِكين استَجَارَكَ﴾، و ﴿إذا السَّماءُ انشَقَّتْ﴾ والاسمُ معمولٌ لفعلٍ مَحذوفٍ، كذلك هو هاهُنا، والأصلُ في العَملِ للأفعالِ، فإذا صحَّ تقديرها نُسب العملُ إليها.
والوجهُ الثَّالث: أن ((لا)) بمعنى ((غَير)) وغيرُ هنا بمعنى ((لَيس))، ألا تَرى أنَّك تقولُ: ((زيدٌ لا عاقلٌ ولا جاهلٌ)) أي: غيرُ عاقلٍ، وتقولُ: ((قامَ القومُ ليسَ زيداً)) وهو في المعنى قامَ القوم غيرُ زيدٍ، فلمَّا اشتبهت الكلمات الثَّلاث ((لا)) و ((لَيس)) و ((غَير)) وكانت ((غيرُ)) تَجُر، و ((لَيس)) تنصبُ كان حملها على ((ليس)) أَولى؛ لأنَّها غير جارّة وهي مِثلها في النَّفي فَحُمِلَتْ عَلَيْها في النَّصبِ.
ونظيرُ ذلك حَمْلُ ((ما)) على ((لَيس)) في لغةِ أهلِ الحِجاز، و ((لا)) تُشاركها في أنَّ لها اسماً وخبراً كما لـ ((ليس)) كذلك، إلاّ أنهم لما قدموها ولزمت فيها النَّكرة بدأوا بالمنصوبِ كما يبدؤون بحرفِ الجَرّ إذا كان المُبتدأ نكرة.
والرَّابع: أنَّ ((لا)) محمولةٌ على ((إنَّ)) لأنَّها تُشبهها في دُخولها على
стр. 255
المبتدأ والخبرِ، وأنَّه لا يعمَلُ ما قَبلها فيما بعدَها، وأنَّها لتوكيدِ النَّفي كما أنَّ ((إنَّ)) لتوكيدِ الإِثباتِ، وكما أنّ ((إنّ)) تنصب كذلك ((لا)).
والجوابُ عن الوجهِ الأولِ من وَجهين:
أحدُهما: أن الكلامَ فيما إذا كانت النَّكرةُ بعدَها مفتوحةً غيرَ منوّنةٍ، وأنَّ تلك الفَتحة هل هي بناءٌ أو إعرابٌ؟ وهذا لا يُوجِبُ أن تكونَ معربةً في كلِّ موضعٍ، ألا تَرى أنَّها في هذا المَوضِع مفتوحةٌ غيرُ منوّنةٍ، وفي المواضع الأُخر تُفتح وتُنَوَّن، وتَضَمُّ وتنون، وفي مواضع تُنصب وتُنون لا غيرَ، وكلُّ ذلك على حسبِ التّقديرِ، فالفتحُ فيها بغيرِ تنوينٍ بناءٌ، إذ لو كانَ إعراباً لنُوِّنَ كما يُنوّن في بقيةِ المَواضع.
والوجهُ الثاني: أن النَّكرةَ هاهنا تُقدّر معها ((من)) وذلِكَ يُوجب البِناء، وإذاَ نُوّنت لم تُقَدَّر معها ((مِن)) فَتنتفي عِلَّة البِنَاءِ. قولهم: ((مُتَضَمِّنٌ معنى الفعلِ)) لا يَستقيم؛ لأنَّ الفعلَ لو كان مراداً لكانَ الاسم مفعولاً، ولم يَنسب إلى ((لاَ))، ولا يجوزُ أن يكونَ الفعلُ ما دلَّت عليه ((لا)) لِوَجهين:
أحدُهما: أنَّ ((لا)) لا يدلُّ على فعلٍ مُعيّنٍ، وقد ذكرنا ذلك.
والثاني: أنَّ الحروفَ لا تَعملُ بمعنى الفعلِ الذي تدلُّ عليه، ألا تَرى أن حُرُوفَ الاستفهام لا تَعملُ بما فيها من مَعنى الفعل، ويَدلُّ عليه أنّ الفِعل لو كانَ هو العامِلُ لكانَ الاسمُ منوّناً، إذ لا مُسقط للتَّنوين وقولهم
стр. 256
ثالثاً. لا بِمَعنى ((غيرُ)) و ((غيرُ)) بمعنى ((ليس)) فكلامٌ لا حاصِلَ له؛ لأنَّ ((لا)) لو كانت كذلك لم يَنْتَصِب الاسمُ بعدها ووقع ((ليس)) في الاستثناء بمعنى ((غيرِ)) له مَعنى، لأنَّ التَّقدير هناك: لَيس بعضُهُم زيداً، فهي باقيةٌ على بابها، وأما حملُ ((لا)) على ((إنَّ)) فهو صَحيحٌ ولكن لا في الإِعراب، إذ لو كانت كذلك لنُوّن اسمها كما نُوِّن اسم ((إن)) وإنَّما هي محمولةٌ في موضعِ إعرابِ الاسمِ على ((إن))، ولولا علّة الإِعرابِ لكانَ الاسمُ منصوباً منوّناً كما جاءَ في المُضاف والمُشابه لَه، والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 257
٥٧ - مسألة: [رافعُ خبرِ (لا) النافية للجنس]
خبرُ ((لا)) في قولِكَ: ((لا رجلَ أفضلُ منك)) مرفوعٌ على موضعِ ((لا رجل)).
وقالَ الأَخفشُ: هو معمولُ ((لا)) كخبرِ ((إنّ)).
وجهُ القول الأَول شيئان:
أحدُهما: أنّ ((لا)) واسمها رُكّبا فصارَا كاسم واحدٍ، ولذلك بُني فجرت مجرى خَمْسَةَ عَشَرَ، ومعلومٌ أنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ في موضعِ اسم واحدٍ، كذلك ((لا رَجُلَ)) فعندَ ذلِكَ يُحكم مَوْضِعِهما بالرَّفعِ على
стр. 258
الابتداء، والمُبتدأ يَحتاج إلى خبرٍ، وأفضلُ هو الخبرُ، و ((لا)) على هذا كجزءِ من الكلمةِ فلا تكونُ عاملةً في الخبرِ.
فإن قيلَ: إذا جازَ أن تعملَ لا في اسمها مع أنَّها في حكمِ الجزءِ جازَ أن تعملَ في الخبرِ. قيلَ في الاسمِ من حيثُ هي حرفٌ مشبّهٌ بغيرِهِ من الحروفِ، فأمَّا موضعها مع اسمها فرفعٌ؛ لوقُوعهما موقعَ الاسمِ المفردِ، والخَبرُ واقعٌ عنهما، وهذا مَعنًى غيرُ الإِعرابِ، ألا تَرى أن قولَكَ: ((ما جاءني من رجلٍ)) الإِعرابُ فيه على غيرِ المَوضِعِ فـ ((رَجُلٍ)) مجرورٌ و ((من رَجُلٍ)) في موضعِ الفاعلِ ولذلك جازَ في الصّفةِ الجرّ على اللّفظ والرَّفع على الموضعِ كقولهِ تَعالى: ﴿ما لَكُمْ من إلهٍ غَيْرِهِ﴾ و ((غيرُهُ)) بخلافِ ((إنّ)) لا موضعَ لها ولاسمها حتى يُحملَ الخَبَرُ عليه.
والوجهُ الثاني: أنَّ ((لا)) عاملٌ ضعيفٌ إذا كان فرعَ فرع فرع ولَيس عمله بلازمٍ، ولا هو أَصْلاً بنفسه، فعندَ ذلك لا يَقوى على العملِ في الخبر. ونظيرُ ذلك ((إنْ)) الشَّرطِيَّة فإنَّها لا تَعملُ في الجوابِ عندَ جُمهورِ النَّحويين، وكذلك قالَ بعضُ البَصريين في خبرِ المُبتدأ يعملُ فيه الابتداء والمُبتدأ لما كانَ الابتداءُ ضَعِيْفاً.
وشبهة أَبي الحَسَنِ: أن ((لا)) تَقتضي اسمين وقد عَمِلت في أحدِهما فتعمَلُ في الآخر كـ ((إنّ)).
والجوابُ عنه ما ذكرناه من الوَجهين المُتقدمين. والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 259
٥٨ - مسألة: [(لا) إذا دخلت على المثنّى هل يكون معربًا أم مبنيا]
إذا دَخَلَتْ ((لا)) على الاسمِ المُثَنّى كانَ مَبْنِيًّا.
وقال المُبرّدُ: هو مُعربٌ.
وجهُ القولِ الأَول: أن عِلَّةَ البِناءِ في المُفردِ مَوجودةٌ بعدَ التَّثنية فكانَ مَبْنِيّاً كالمُثَنَّى في النّداءِ، وبيانُه: وهو أنَّه بُني في الإِفرادِ لما رُكّب وتَضَمّن معنى ((مِنْ)) وهذا موجودٌ هُنا، أَلا تَرى أنَّ التقديرَ في قولِكَ: ((لا غلامين لَكَ)) أي لا من غُلامين إذا مُيّز الغُلمان اثنين اثنين، ثم حُذفت ((من)) وتَضمّن الكلامُ معناها أنَّ قولَهم: ((نعمَ الرَّجلان الزَّيدان)) أي إذا مُيّز الجِنس رَجلين رَجلين، وكذلك قُلت في النّداء: ((يا زَيدان أَقبلا)) كما قُلت: ((يا زيدُ أقبل)).
стр. 260
واحتجَّ الآخرون من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ اللَّفظ هنا مُركّب والاسمُ الثاني مما لا يُثنى ولا يُجمع كقولك: ((خَمْسَةَ عَشَرَ)) فإنّك لا تُثنّي عَشَرَ ولا تَجمعه.
والوَجه الثّاني: أن المُثنى في تقديرِ المعطوفِ ألا تَرى أنّ قولَكَ:
((قامَ الزّيدان)) تقديرُهُ قام زيدٌ وزيدٌ، ولو ظهرَ العطفُ لم يكن البناءُ كذلك إذا كانَ مُقَدّراً.
والجوابُ عن الأولِ: أنه باطلٌ بما إذا سَمَّيتَ رجلاً بـ ((حضرموت)) فإنَّك تقولُ في ثَنّيت حضرموتان وحضرموتون فأمّا خمسةَ عشرَ فإن التَّثنية في الاسم الثّاني امتنع تثنيته لعلَّةٍ أُخرى، وذلك أنَّ خمسةَ عشرَ عبارةٌ عن خمسةٍ وعشرةٍ فإذا تَثنّيت عشراً بقيت الخَمسةُ على حالِها فلم تَصِحّ تثنية، لأنّه بعضُ الكميّة، بخلافِ مسألتنا فإنَّ الكميةَ في اسمٍ دونَ ((لا)).
وأمّا تقديرُ العطفِ، فذلك أمرٌ يتعلقُ بالمعنى، واللَّفظ على خلافهِ، وذلك أنَّ الاسمَ المَعطوفَ حُذِفَ هو وحرفُ العَطْفِ، ووضعَتْ مكانَهُما صيغةٌ أُخرى، فكان حكمُها حكمَ المُفردِ غيرِ المَعطوفِ كما كان ذلك في النِّداءِ أَلا تَرى أنّك إذا نادَيْتَ اسماً فيه حرف العطفِ نَصَبْتَ البتَّةَ كقولك: يا زيداً وعمراً أقبل، ولو ثَنَّيت لقلتَ: يا زيدان فَبَنَيْتَ.
стр. 261
فإنْ قيلَ: فالياءُ في ((لا غلامين)) حرفُ الإِعرابِ، وعلامةُ النَّصبِ، وذلك دليلٌ على أنَّ الاسمَ منصوبٌ.
قيلَ: الياءُ هنا حرفُ الإِعرابِ، وتدلُّ على الحركةِ التي هي الفَتْح لا على فَتْحَةِ الإِعرابِ، كما أنَّ قولَكَ: ((يا زيدان)) الأَلفُ فيه حرفُ الإِعرابِ وعلامةُ الضَّمِ، كذلك هاهُنا، والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 262
٥٩ - مسألة: [تقديم معمول ألفاظ الإغراء عليها]
لا يجوزُ تقديمُ معمولِ أَلفاظِ الإِغراءِ عليها نَحو ((دُونك)) و ((عَلَيْكَ)) وقالَ الكُوفُّيون يجوزُ.
لنا أنّها أسماء جامدةٌ أُعملت بالمعنى، فلم يَجُزْ تقديمُ مَعمولِه عَليها كالمَصدَرِ.
وبيانهُ أن ((عليكَ)) و ((دُونك)) حروفٌ في الأصلِ وظُروفٌ، وإنّما
стр. 263
استُعيرتْ هاهنا فعَمِلَت عملَ الفِعلِ تَوَسُّعاً، وما كانَ كذلك اقتُصِرَ به في العَمَلِ على وُقُوعِهِ في موضِعهُ، ولا يجوزُ فيه التَّقديمُ؛ لأنَّ ذلك تصرُّف وهذه الأسماء لا تَصَرُّفَ لها، فتُجرى في ذلك مُجرى الحُروف نحوَ ((ما)) النافية، و ((لاتَ)) مع الحين، وكالمصدر فإنَّه لا يتقدم معموله عليه، مع أن حروفَ الفعلِ فيه مَوجودةٌ فمَنعُ التَّقديمِ هُنا أَولى.
واحتجَّ الآخَرُون بالسّماعِ والقياسِ.
أمّا السَّماعُ فقولُه تَعالى: ﴿كتابَ الله عليكم﴾ أي عَلَيكم كتابَ الله وقالَ الشَّاعِرُ:
يا أيُّها الماتِحُ دَلوي دُونَكا ... إنّي رأيتُ القومَ يَحْمَدُونَكَا
وأراد: دونك دلوي فاملأه.
وأمَّا القياسُ فمن وَجهين:
أحدُهما: أنَّها نائبةٌ عن الفعلِ، والفعلُ يجوزُ تقديمُ مَعمولِهِ عَلَيْهِ،
стр. 264
وكذلك ما نابَ عنه، ألاَ ترى أنَّ اسمَ الفاعلِ والمَفعولِ لما ناباَ عن الفعلِ جازَ تقديمُ معمولَيهما عَلَيهما.
والثَّاني: أنَّها واقعةٌ موقعَ الأمرِ، ومعمولُ الأمرِ لا يَتَقَدّمُ عليه كذلك هاهُنا فقولك عليكَ زيداً في معنى الزمْ زيداً، ولو قلتَ زيداً الزم جازَ كذلك عليك.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فمنصوبةٌ على المَصْدَرِ، والعاملُ فيها ما تَقَدَّمَ من قَولِهِ:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتُكُم﴾ أي كُتِبَ ذلك عليكم كِتاباً، ثم أَضافه إلى اسمِ الله، وهو إضافةُ المصدرِ إلى الفاعِل، و ﴿عَلَيْكُم﴾ يَتَعَلَّق بذلك الفعلِ كما قالَ: ﴿كُتب عَلَيْكُم الصِيَامُ﴾.
أمَّا الشّعرُ فمعناه الخَبَر لا الأَمر، وذلك أنه نبّهه على أنَّ دَلوَهُ قريبٌ منه ليَعتَنِيَ بملئِهِ، قولهم: إنّ هذه الألفاظ تنوبُ عن الفعلِ قلنا: نِيَابتها عنه لا تُستفادُ من التَّصرف، ألا تَرى أن ((ما))، و ((لاتَ))، و ((هذا)) والظرف تنوبُ عن الأَفعالِ في مواضِعَ مَخصوصةٍ، ولم يلزمْ من ذلك جوازُ تقديمِ المَنصوبِ بها عَلَيها على ما سَبَق والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 265
٦٠ - [مسألة: ناصب الظرف الواقع خبراً]
إذا وَقَع الظَّرفُ خبراً عن المبتدأ كان لَفظهُ منصوباً، وموضِعُه رفعٌ لوقُوعه موقعَ الخبرِ.
واختلفوا في التَّقديرِ.
فقالَ معظمُ البَصريين هو منصوبٌ ب ((استقر))، وهو فعلٌ.
ومنهم من قالَ: المُقَدَّرُ ((مُسْتَقِرٌ)) وهو اسمُ الفاعِلِ.
وقالَ الكُوفِيُّون هو منصوبٌ على الخلافِ، ومعناهُ إنَّ قولَكَ: ((زيدٌ خَلْفَكَ)) فـ ((خَلْفَكَ)) ظرفٌ في الأصل يقدر بفي عُدِلّ عن ذلِكَ ونُصِبَ، فكانَ نَصْبُهُ لِمُخالَفَتِهِ الأَصلَ، وأنَّه ليس بالمبتدأ في المعنى.
стр. 266
وقالَ ثَعلبٌ: النّاصبُ له فعلُ أي زيدٌ حلَّ خَلْفَكَ.
وجهُ القولِ الأَولِ: أنَّ الأصلَ عملُ الفعلِ في الظَّرفِ وغيره، ولفظ النّصب باقٍ وهو عمل، ولابدَّ للعملِ من عاملٍ، والعامِلُ في الأَصلِ هو الفَصل، وقد صحَّ معناه هاهُنا فوجَبَ أن يكونَ هو العامِلُ.
فإن قيلَ: لو كانَ الفِعلُ هو العامِلُ لوجَبَ أن يكونَ هناكَ ضميرٌ فاعِلٌ وكانَ يوجِبُ ألا يتعَيَّنَ، بل أيُّ فعلٍ كانَ وَجَبَ أن يقدَّرَ، وعلى هذا كان يجبُ ألاّ يكونَ موضعُ الظّرفِ رفعاً، لأنَّ الفاعلَ مضمرٌ.
والجوابُ: أمَّا لفظُ الظّرف فمَنصوبٌ بـ ((استَقَرَّ))، وهو أَولى من تقديرِ فعلٍ آخرَ لوجهين:
أحدُهما: أنّ الاستقرارَ هو الحُصُوْلُ المُطلق، وغيرُه فعلٌ مُعَيَّنٌ، ولا دلالة في اللَّفظِ على نوعٍ مخصوصٍ من الأفعالِ، بخلافِ الحُصُولِ المُطْلَقِ، فإنَّه مُحتملٌ لجميعِ أنواعِ الفعلِ، وكونُهُ ظَرْفاً يدلُّ على الحُصولِ المُطْلَقِ، أمَّا كونُه مرفوعُ الموضعِ فلوقوعِهِ موقعَ الخبرِ، وهذا من بابِ الجِهَتَيْنِ، وذلك أنَّ انتصابَه لفظاً خلافُ ارتفاعهِ مَوْضِعاً، وكلُّ واحدٍ منهما يقدَّرُ تَقديراً غير تقديرِ الآخرِ، فارتفاعُه لوقوعِهِ موقعَ الخبرِ المرفوعِ، وانتصابُ لفظِهِ بالفعلِ المُقَدَّرِ، فالفعلُ مقدَّرٌ من وجهٍ، وغيرُ مقدَّرٍ من وجهٍ.
قولهم: لو كان المُقَدَّرُ هنا فعلاً لكان هُنا فاعِلٌ.
قلنا: وكذلِكَ نقول فإنّ في الظَّرفِ ضميراً هو فاعلُ استقرَّ انتقل إلى
стр. 267
الظرفِ ولهذا يرتَفِعُ الظَّاهرُ به كقولِكَ: زيدٌ خَلْفَكَ أَبوه، إلاَّ أن عامِلَ الظَّرفِ هُنا لا يَظْهَرُ البَتّةَ؛ لأنَّه نابَ عن الخبرِ المرفوعِ، والخبرُ لا يظهرُ معهُ الفِعْلُ، كذلك هاهُنا.
ومن قالَ: إنَّ التقديرَ مستقرٌ فحُجَّته أن الاسمَ هو الأصلُ وقد قَوِيَ هاهُنا بأنَّ الظرفَ في تقديرِ المُفردِ، ولو كانَ المُقدَّرُ فِعلاً لكانَ جُملةً.
والجوابُ: أن تقديرَ أَولى لِوَجهين:
أحدهما: أنّه الأصل في العمل.
والثاني: أنه مقدَّرٌ في الصّلَةِ بالفعلِ كقولِكَ: الذي خَلْفَكَ زيدٌ، ولو كانَ الاسمُ هو المقدَّر لكانَ مُفرداً، لا تَتِمُّ به الصّلة، أَلا تَرى أنَّك لو قلتَ: زيدٌ الذي مُستَقِرٌّ خلفَكَ لم يَجُزْ؛ لأنَّ الصِّلَةَ مفردةٌ والضَّرورةُ تَدعو إلى أن الصِّلةَ جُمْلةٌ، وذلِكَ يَتَحَقَّقُ بالفِعْلِ لا بالاسمِ.
أمَّا الكوفيّون فشبهتهم أن كلَّ شيئين مُختلفين فالثّاني منهما مَنْصُوبٌ وأَصلُهُ مخالَفَةُ المَفْعُولِ للفاعِلِ، وقد ذَكرنا نحو ذلِكَ في خَبَرِ ((ما)).
ويدلُّ على فسادِ ما ذَهَبُوا إليه أنَّ الخلافَ لو أَوجب النَّصب لجازَ نصبُ المبتدأ؛ لأنَّه مخالفٌ للخبرِ، وهذا لا سبيلَ إليه والله أَعلم بالصَّوابِ.
стр. 268
٦١ - مسألةُ: [عامِل النَّصب في المَفعول مَعَهُ]
المُنتصب في المفعولِ معه ينتصبُ بالفعلِ الذي قَبله بواسطةِ الواوِ.
وقالَ الأخفشُ: ينتصبُ انتصاب الظَّرفِ. كما يَنْتَصِبُ ((مع)).
وقالَ الزَّجاجُ ينتَصِبُ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: استَوى الماءَ، ولابَسَ الخَشَبَةَ.
وقالَ الكوفِيُّون: ينتَصِبُ على الخِلافِ.
стр. 269
وحجَّةُ القولِ الأوّل: أنّ الواو صَحّحَتْ وصولَ الفعلِ إلى ما بعدَها، فكان الفعل هو العامل، كـ ((إلا)) في باب الاستثناء، وبيانُه أنَّ قولَكَ: ((استَوى الماءُ والخَشَبَة)) لا يصحّ معناه إلا بالواوِ، ولو قلتَ استوى الماءُ الخَشَبَةَ لم يصحّ، فإذا فسدَ عندَ عدمِ الواوِ، وصحّ عندَ وجودِها، وجبَ أن يُنسبَ العملُ إلى الفعلِ [و] إذا كانت الواو لا تَعملُ بنفسِها لم يَبْقَ إِلاّ أنَّ الفعلَ عَمِلَ بتوسُّط الواو، ونَظير ذلك ((إلاّ)) في الاستثناء،
стр. 270
ألا تَرى أنَّك لو قلتَ: قامَ القومُ زيداً لم يَستَقِمْ، ولو قلتَ: قامَ القوم إلا زيداً صحَّ المعنَى، وصارَ المُستثنى والمستثنى منه عُلقةً، فكانَ الفعلُ هو العاملُ، وكذلك البَاءُ في مررتُ بزيدٍ، والهَمزةُ وتَضْعِيْف العَيْنِ كقولِكَ: فرَّحت زَيْداً، أَفْرَحْتُ زَيْداً.
ووجهُ قولِ الأخفش أنَّ الواوَ قامت مقامَ ((مع)) ولم يكنْ إثباتُ الإعراب فيها كانَ إعرابُ ((مع)) فيما بعدَ الواوِ كما كانَ ذلِكَ في ((غَير)) في الاستثناء.
واحتجَّ الزَّجاجُ بأنّ الفعلَ لازمٌ والواوُ معدّيةٍ، بل مَعنى العَطفِ باقٍ فيها، بدليلِ قولِكَ: وزيداً قُمتُ على تَقديمِ الواوِ على الفعلِ فإنّه لا يَجوزُ كما لا يجوزُ المَعطوفِ على المعطوفِ عليه، فعندَ ذَلكَ يكون النَّصبُ بفعلٍ مَحذوفٍ كما في قَولهم: ((ما شانُك وزيداً)) أي وتُلابِسُ.
وأمَّا الكُوفيون فقالوا: إنَّ الثاني مخالفٌ للأولِ، وذلك أنَّ الاستواءَ مَنسوبٌ إلى الماءِ غيرُ منسوبٍ إلى الخَشَبَةِ فصارَ معناه: ساوَى الماءُ الخَشَبَةَ، والخلافُ يَنْصِبُ كما ذكرناه في مسأَلة الظَّرفِ وخبرِ ((ما)).
والجوابُ عن قولِ الأَخفش: أن ((مع)) تَنْصب على الظَّرف، ومعنى الظَّرفية فيها مَوجودٌ، ولا معنى للظَّرفِيّة في الواو ولا فيما بعدَها
стр. 271
فيمتنع وأكثرُ ما في هذا القَولِ أنَّ الواوَ بمعنى ((مع))، والحروفُ لا تَعمل بالمَعاني كما في حروفِ الاستفهام والنّفيِ، ولم يبقَ في الواوِ معنى العَطف، ألا تَرى أنك إذا قلت: ((قُم أنتَ وزيدٌ)) كان المَعنى أنّك آمرٌ لهما، وإذا قلتَ: قم أَنت وزيداً كنتَ آمراً للمُخاطَب دونَ زيدٍ، وإنّما أَمرته بِمُتَابَعَةِ زيدٍ حتى لو لَم يَقُمْ زيدٌ لم يَلْزَم المُخاطَبُ القِيَامَ.
وأما التّقديمُ فممتنعٌ لعدمِ التَّصرف؛ لأنَّ الفِعْلَ صارَ مع الواوِ كفعلٍ آخر ــ فكأنَّهما أَحد جُزأي الفِعل فهو كقولك: إلاَّ زيداً قامَ القَوْمُ، فإنَّه امتنع لِمَا ذكرنا.
وأمَّا الكُوفِيُّون فجوابُ كلامِهم إبطالُ النَّصب بالخلاف، وقد أبطَلْناه في مواضِعَ ويدلُّ عليه هاهُنا أن الخلافَ لا يوجبُ النَّصبَ كقولِكَ: ما قامَ زيدٌ لكنَّ عمرُو، وما مررتُ بأحدٍ لكن عمرُو فالخِلافُ هنا مَوجودٌ ولا نَصب، وكذا قولِكَ: قامَ زيدٌ لا عمروُ فإن الخِلافَ موجودٌ والنَّصْبَ غيرُ جائزٍ، ويدلُّ عليه أنَّ الخلافَ معنى والمَعاني لا تعملُ في المَفعولاتِ.
واللهُ أعلمُ بالصّواب.
стр. 272
٦٢ - مسألة: [تقديم الحال على العامل فيها]
يجوزُ تقديمُ الحالِ على العامل فيها إذا كان فِعلاً، أو ما قامَ مقدامَه وقالَ الكوفيون: لا يجوزُ إذا كان صاحبُ الحال اسماً ظاهراً، وإن كان مضمراً كقولك: راكباً جئتُ.
وجهُ القَولِ الأَوَّلِ: السّماعُ والقياسُ: أمَّا السّماعُ فقولُ العربِ:
((شتّى تؤوبُ الحَلَبَة))، أي تؤوب الحَلَبَةُ مُخْتَلِفَةٌ.
وأمَّا القياسُ: (فإن العامِلَ متصرفٌ جازَ تقديمُ الحالِ عليه، كما
стр. 273
لو كان صاحبُها مُضمراً، وبيانه: أنَّ تصرُّفَ العامل بالتَّنقل في الأزمنةِ يدلُّ على قوتِه في نفسِهن والمعمولُ حكم العامل، وهو مُسبَّبٌ عنه، والحكمُ يَقوى بقوّةِ سَبَبِهِ، وتَقديْمُها تَصَرُّفٌ، والتَّصرفُ حكمُ العامِلِ المتصرّف، ومن هاهُنا جازَ تقديمُ المفعولِ على الفعلِ، ولا يلزمُ عليه تقديمُ الحالِ على هذا، ولا على الظَّرفِ، ولا تقديمُ المُمَيَّز على التَمييز؛ لأنَّ هذه العَوامل ضعيفةٌ بِجُمُودِها.
فإن قيلَ: ما ذكرتمُوه مقتضٍ للتَّقديمِ، ولكن يعارضُهُ مانعٌ، وهو ما يَلْزَمُ من تَقْدِيمِ المُضمَرِ على المُظْهَرِ على ما نُبَيِّنُهُ، وليسَ كذلكَ تقديمُ المَفعولِ على الفعلِ، إذ لا يَلزَمُ فيه ذلك. وأمّا تقديمُ الحالِ على العاملِ إذا كانَ صاحبُها مضمراً، فالجوابُ عنه من وَجهين:
أحدهما: أنّ المضمَرة يعودُ عليه ضميرٌ فلا يكونُ تقديمُ مضمرٍ على مظهرٍ.
والثاني: أنّ الضميرَ في راكبٍ هو الضَّميرُ في جِئْتُ بخلافِ الظاهر فإنّهما غَيرانِ في اللَّفظِ.
فالجوابُ:
أما تقديمُ المُضمرِ على المُظهَرِ فسيأتي جَوابه، قولُهم: المانِعُ موجودٌ. لا نُسلّمُ أن هناكَ مانعاً وسنُبَيّنُ ذلك، قولُهم في المُضمر: جازَ لما
стр. 274
ذُكر فليس بشيءٍ، وذلك أن الحالَ لا تخلو، إما أن يلزمها الضمير، أو لا يلزمها، فإن لزمها وجبَ أن يعودَ على مذكورٍ، والمذكورُ يكونُ مظهراً ومضمراً، وأيُّهما كانَ فليسَ بمانعٍ، وإنْ لم يكنْ لازِماً فقولوا ليس في ((راكباً)) إذا تقدَّم ضَمِيرٌ.
واحتجَّ الآخرون: بأنَّ الحالَ صفةُ في الأصلِ، فيلزمُها الضَّمير، فَتَقْدِيْمُها يُفضي إلى تَقْدِيْمِ المُضْمَرِ على المُظْهَرِ، وتقدِيْمِ الصّفةِ على المَوْصُوفِ وكلاهما يَمتنع، كما يَمْتَنِعُ ضَرَبَ غُلامُهُ زَيْداً.
والجَوابُ: أمَّا تقديمُ المُضمرِ على المُظهرِ فجائزٌ إذا كانَت النِيّة به التَّأخير كما قالَ تَعالى: ﴿فأَوجسَ في نفسِهِ خيفةً مُوسى﴾ وكما قالَ زهيرُ:
مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلاَّتِهِ هَرِماً ... يَلْقَ السَّماحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقَا
وكما قالوا: ((في أكفانه لُفَّ المَيّتُ))، و ((في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ)) وأمَّا تقديمُ الصّفةِ على الموصوفِ فإنَّما يَمْتَنْعُ في الصّفةِ التَّابِعَةِ للمَوْصُوفِ في الإِعرابِ مِثلُ: جاءَني زيدٌ الظَّريفُ، ولو قلت جاءني الظريفُ زيدٌ على الوَصف لم يَجُزْ، والحالُ صفةٌ في المعنى، لا في اللَّفظِ، ولذلك يَجوزُ تقديمُ صفةِ النَّكرةِ عَلَيها فتَصِيرُ حالاً. والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 275
٦٣ - مسألة: [وقوع الفعل الماضي حالاً]
لا يجوزُ أن يقعَ الفِعلُ الماضِي حالاً إلاَّ أن تكونَ معه ((قَدْ)) ظاهرةً أو مقدرةً.
وقالَ الكوفيُّون: يجوزُ ذَلِكَ من غيرِ تقدير.
وحُجَّة الأولين: أنَّ الحالَ من الأسماءِ والأفعالِ ما كانَ موجوداً وقتَ الأخبارِ، أو مَحْكِيَّةً كقولك: هَذا زيدٌ قائماً، أي في هذه الحال، والحكاية كقولك: جاء زيد راكباً، فالمجيءُ ماضٍ و ((راكباً)) حكايةُ حالِه وقتَ المَجيء، والماضي هنا قد انقَضَى وما كانَ قد انقَضَى وانْقَطَعَ لا يكونُ هَيئةً للاسمِ وقتَ وقوعِ الاسمِ منه أو بِه، وذاكَ أنَّ الحالَ: وصفُ هَيْئَةِ الفاعِلِ أو المفعولِ به وما كانَ غيرُ موجودٍ يَصِحُّ أن يكونَ هَيْئَةً؟.
فإن قيلَ: يلزمُ على ما ذَكَرْتُمُوه شَيْئانِ:
стр. 276
أحدُهما: أنَّكم جَوَّزتُمْ وقوعَ الماضِي مع ((قَدْ)) حالاً وبـ ((قَدْ)) لا يَصيرُ هَيْئَةً في الحالِ.
والثَّاني: أنَّكم أَجزتُمْ وقوعَ المُسْتَقْبَلِ حالاً، والمُسْتَقْبَلُ معدومٌ في الحالِ، كما أنَّ الماضي كذلِكَ.
فالجواب: أمَّا ((قد)) فإِنَّها تقربُ الماضي من الحالِ، والقَريبُ من الشَّيءِ مجاورٌ له، والمجاوَرُ يُعطي حكم المجاوِرُ، وهذا مشهورٌ كثيرٌ في أبوابِ النَّحو، فإذا تجرَّد عن ((قد)) لفظاً أو تقديراً تمحَّض بعيداً منقطعاً فيبعد أن يُجري مُجرى الحالِ، ويدلُّ عليه ما ذكر في الفَرق بين ((لَم))، و ((لَمّا)) وذلك أنَّك إذا قلت: كنتُ عندَ زيدٍ ولم يَركب، لم يَجز أن تقتصرَ على ((لَم)) ولو قُلت و ((لمَّا)) لجازَ أن تَقْتَصِرَ عليها، ولا سَبَبَ لذلك إلاَّ القُربَ الذي ذَكرنا وذلِكَ أن قولَكَ: خَرَجْتُ من عندِ زيدٍ ولم يَرْكب، أي لم يَتَهَيَّأ للرُّكوبِ، وإذا قلتَ: ((ولمَّا)) أيْ: وَقَدْ تَهَيَّأ للرُّكوبِ ولم يَرْكَبْ، والتَّهَيُّؤُ للشَّيءِ تَقَرُّبٌ من فعله.
وأمَّا وقوعُ المُستقبلِ حالاً وإن كان معدوماً في الحالِ ولكن المستقبل مارٌّ إلى الوجودِ منتظرٌ الوقوع، فكان لقربِ وقوعِهِ كالواقعِ في الحالِ، يدلُّ على ذلِكَ أنَّك توقِعُ اسمَ الفاعلِ مَوقَع الفعلِ المُضارعِ حتَّى تَعْطِفَ عليه المضارعَ كقولِهم: الطَّائِرُ الذُّباب فَيَغْضَبُ زيدٌ. فعطف ((يغضبُ)) على ((الطائرِ)) لما كان أَصله ((يَطيرُ))، وليس كذلِك الماضي؛ إذ لا يُنتظر عودُ عَينه.
وأمَّا الكوفيون فاحتجُّوا بالسَّماع والقِياس.
стр. 277
أما السَّماعُ فمنه قوله تعالى: ﴿أوَ جاؤُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ((فحصرت)) فعلٌ ماضٍ، وقد وقعَ حالاً، وقد وَقَعَ مَوْقَعَ ((حَصِرَةً)) كما قَرَأَ يَعقوبُ.
وأمَّا القياسُ فمن وَجهين:
أحدُهما: أن الماضي يقعُ صفةً للنكرةِ، فجازَ أن يقعَ حالاً من المعرفةِ كالفعلِ المضارعِ ومثالُه قولُكَ: مررتُ برجلٍ كَتب أي كاتبٌ كما تَقول مررت برجلٍ يكتبُ، وتقديرُهُ أنَّ الحالَ صفةٌ في الأَصْلِ وإذا كان الماضي يَصلُحُ أن يكونَ صفةً فقد صَلح لأَصلِ الحالِ.
стр. 278
والوجهُ الثّاني: أنّ الماضيَ يقعُ موضعَ المستقبلِ كقوله تعالى: ﴿ويوم يُنفَخُ في الصُّور ففزعَ من في السَّمواتِ﴾ ويقعُ المُستقبل بمَعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فيها رَجُلين يَقْتَتِلان﴾ وإذا وَقَع كلُّ منهما موقعَ الآخرِ وجازَت الحالُ من أحدِهما كانَ الآخرُ كذلكَ.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فالجوابُ عنها من أوجه:
أحدُها: أنَّ الآية يرادُ بها الدُّعاء كما تقولُ: جاءَ زيدٌ ــ قبحه الله ــ وعلى هذا لا حُجَّةَ فيها.
والثَّاني: نُقَدِّرُ أنَّه وَصفٌ، ولكنّ الموصوفَ محذوفٌ تقديرهُ أو جاؤُوكم قومًا حَصِرَتْ، فـ ((قوماً)) هو الحالُ، و ((حَصِرَتْ)) نعتٌ لها.
والثالثُ: أن ((قَد)) معه مقدّرة أي قد حَصِرَتْ، ونحنُ نجوِّزُ ذلك.
والرَّابعُ: أن حَصَرَ صُدُورِهِمْ كانَ مَوجوداً وقتَ مَجِيْئِهِم، فالفِعْلُ هُنا لم يَنْقَطِعْ بخلافِ مسألتنا فإنَّ قولَك: مررتُ برجلٍ ضَرَبَ أمسِ قَد انْقَطَعَ الضَّربُ منه في الحالِ، وبَينَ المَسألتينِ بَونٌ بَعيدٌ.
وأمَّا وقوعُ الماضي صفةً فلا يلزمُ منه وقوعُهُ حالاً؛ لأنَّ الماضي يوصفُ به على وجهٍ تَزول الصّفة في الحالِ، ويكونُ الوصفُ بها ماضياً بخلافِ الحالِ فإن بابَها أن تكونَ مقارنةً للفِعل، ويُقوِّي ذلكَ أمران:
أحدُهما: أنَّ الحالَ تقدّر بالظرفِ كقولك: جاء زيدٌ راكبًا، أي في حال ركوبه، والعامِلُ في الظَّرف جاءَ، والظَّرف مقارنٌ للمظروفِ، كذلك الحالُ.
стр. 279
والثَّاني: أنَّ الحالَ تُشبِهُ التَّمييزَ، والتَّمييزُ لا يَسبِقُ المُمَيَّز.
وأمَّا وقوعُ الماضِي بمعنى المُستقبل فأمرٌ خارجٌ عما نحنُ فيه، وذلِكَ: أن وضعَ اللَّفظِ موضعَ غيرِه من قَبيلِ المَجازِ المُخالف للأَصلِ، فلا يُعدَّى إلى غَيره ثم إنَّ هذا إثبات اللُّغة بالقياسِ، والدَّليلُ يَنفي ذلك، إذْ كانَ فيه تَحْويلٌ لمدولولِ اللّفظِ إلى خِلافه، وذلك: أنَّ ((ضَرَبَ)) مثلاً إذا كان مَوضوعاً عن الزَّمان الماضِي كانَ وقوعُه بمعنى المُستَقبلِ نقضاً للدِلاَلَةِ، ويمكن أن يحملَ على أنّه حكى الماضِي حتّى كأنه مشاهدٌ، كما يُحكى بفعلِ المُضارع المُضِيّ، وعلى أن إلحاق الماضي بالمُستقبلِ جائزٌ، لاشتراكِهِما في الفِعليَّةِ، وباب الحالِ أن يكونَ اسماً، وإيقاعُ الفعلِ موقعَ الاسمِ أبعدُ من وقوعِ الفعلِ موقعَ الفعلِ، والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 280
٦٤ - مسألة: [إعراب الظرف الواقع خبراً إذا تكرر بعد اسم الفاعل]
إذا كانَ الظَّرفُ خبراً لمبتدأ وكررتَه بعدَ اسمِ الفاعلِ جازَ فيه النَّصبُ والرَّفعُ كقولك: زيدٌ في الدَّارِ قائماً فيها، يجوزُ في قائمٍ الرَّفع والنَّصب.
وقالَ الكُوفِيُّون: لا يجوزُ في قائمٍ إلا النَّصبَ.
وجهُ القولِ الأَولِ: أنَّ قائماً صالحٌ أن يكونَ خَبَرَ المُبتدأ، والظَّرف فيَجوز أن يَتَكرّر تَوكيداً كما لَو قُلتَ: زيدٌ في الدَّارِ في الدَّارِ أو زيدٌ في الدَّارِ زيدٌ في الدَّارِ. ويَدلُّ أنّك إذا نَصبت قائماً كانت ((في)) توكيداً أيضاً، إذا لو اقتصرتَ فقلتَ: زيدٌ في الدَّارِ قائماً جازَ وكانَ الحالُ من الظّرف، فتكونُ ((في)) توكيداً، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وأما الّذين سُعِدوا ففي الجَنّة خالِدِينَ فِيْهَا﴾.
стр. 281
وحجةُ الآخرين أنَّه لم يأتِ في القرآنِ الرّفع من هذا القبيلِ بل جاءَ بالنَّصب، كالآيةِ التي ذكرناها، وكقوله تَعالى: ﴿فكان عاقِبَتُهُمَا أنَّهما في النّارِ خَالِدَيْنِ فيها﴾ ولما لَم يكنْ في الكَلامِ ظرفٌ آخرُ جاء الرَّفع والنَّصب فالرفعُ قوله تعالى: ﴿إنّ المُجرمين في عذابِ جَهَنَّمَ خالِدُون﴾ والنَّصبُ قوله: ﴿إن المُتَّقِيْنَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون. آخِذِيْنَ﴾ قالُوا: والقِياس يَقْتَضي ما قُلنا، وذلك أنّا إذا رَفَعْنا الخَبَرَ تَعَلَّقَ الظَّرفُ الأَوَّلُ به، فلا يَبْقَى للظَّرفِ الثَّاني ما يَتَعَلَّقُ به، بَلْ يكونُ مُنْقَطِعاً.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فلا حجةَ فيها؛ فإن النَّصبَ عندنا جائزٌ، وليسَ فيها منعٌ من الرّفعِ، بل هو مَسْكُوتٌ عنه، على أَنَّ الآيةَ الثانيةَ قد قُرِئَتْ بالرَّفع وهي قوله: ﴿فكانَ عاقبتهما أنَّهما في النارِ خالِدَان فيها﴾ قولَهم إذا رَفعتَ الخبر لم يبقَ للظَّرف الثاني ما يَتَعَلَّقُ به قلنا: بَلَى يتعلَّق الظرفان بقائمٍ، ويكونُ الثاني مُكرراً للتوكيد، كما تقولُ: جاءَني زيدٌ جاءني زيدٌ، ومررت بزيدٍ، بزيدٍ، ولا فرقَ في التّكريرِ للتوكيد من أن تتكرر الجُملة بأسرها وبين أن يَتَكَرّر الجُزءُ منها، وإِذا جازَ أن يُؤكَّد الكلامُ بما ليس مِنَ الجُملَةِ فبأنْ يتأكَّد بجُزءٍ منها أَولى كقوله تَعالى: ﴿فَبِها رَحْمَةٍ مِنَ الله﴾، ﴿فَبِما نَقْضِهِم مِيثاقَهُمْ﴾.
стр. 282
وبِقَولهم:
فما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولَكِنْ
والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 283
٦٥ - مسألة: [تقديمُ التَّمييز على العامِلِ فيه]
لا يجوزُ تقديمُ المُمَيّز على العامِل فيه مُتَصَرّفاً كان أو غيرَ متصرفٍ، فالمُتَصَرِّفُ نَحو طابَ زيدٌ نفساً، وغيرُ المُتَصَرِّفِ نحو عِشرون دِرهماً.
وقالَ الكوفيُّون: يَجوزُ تَقْدِيْمُهُ عليه إذا كانَ مُتصرّفاً، وإليه ذهبَ بعضُ البَصريين.
وجهُ القولِ الأَولِ: من طَريقين:
أحدُهما: أنَّه لفظُ مُميز فلم يجز تقديمه على العامِل فيه، كما لو
стр. 284
كان غيرَ متصرّفٍ، ألا تَرى أنّك لو قُلتَ: عندي درهماً عشرون لم يَجُزْ، فكذلك إذا قلتَ: نَفْساً طابَ زيدٌ.
فإن قيلَ: الفرقُ بينهما أنَّ العاملَ في الأوّلِ غيرُ متصرفٍ، والتقديم تَصَرُّفٌ فلا يوجبُه غيرُ المتصرّف، بخلافِ قولكَ: طابَ زيدٌ فإِنّه مُتصرّفٌ فجازَ تقديمُه على العامِلِ فيه كالمفعولِ.
قُلنا: هما ــ وإن افترقا فيما ذكرتم ــ فهما مُشتركان في كونِ كلِّ واحدٍ منهما مميّزٌ منسوبٌ إلى عاملٍ، وإذا اشترك الشَّيئان في وصفٍ خاصٍّ كَفَى ذلك للإحاق، ولم الفَرقُ قاطِعاً للإِلحاقِ.
الطريقُ الثاني: أن المُمَيّز هاهُنا فاعلٌ في المَعنى، وتقديمُ الفاعِلِ على الفِعلِ غيرُ جائزٍ؛ بيانُهُ أن قولَك: طابَ زيدٌ نَفساً تقديره طابَتْ نفسُ زَيدٍ، ثم أُزيل الفاعل عن موضِعه ونُسب الفعلُ إلى زيدٍ وهو فعلُ الفاعلِ في الأصلِ، وتطرَّق إليه الاحتمالُ فجُعلت النفسُ مميزةً قاطعةً للاحتمالِ، وإذا كان كذلك امتنعَ التقديمُ لوجهين:
أحدُهما: ما تقدّم من كونِ النَّفسِ فاعِلاً.
والثاني: أن تقديمَ النفسِ يُخرجُ هذا الباب عن حقيقةِ التّمييز لأنّ قولكَ: نفساً طابَ زيدٌ يمنعُ من الاحتمالِ فلا يبقَى عليه اسم التّمييز، بخلاف ما إذا تأخَّر فإن الاحتمالَ يكونُ موجوداً فيحاوَلُ بالتَّمييز رَفعُهُ بعدَ وقوعِهِ.
واحتجَّ الآخَرون بالسَّماعِ والقِيَاسِ:
стр. 285
أمَّا السّماعُ فمنه قولُ الشاعرِ:
أَتَهْجُرُ سَلمى للفِراقِ حَبِيبَها ... وما كانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ
فقدَّم نفساً على العاملِ فيه.
وأمَّا القياسُ: فهو أنَّ العامِلَ هنا متصرّفٌ إذ كان فعلاً متصرفاً فهو كالمفعولِ يجوزُ تقديمُه على الفعلِ كقولك: زيداً ضربَ عمروُ، وباعتبار هذا قد جوزتُم تقديمَ الحالِ على العاملِ المتصرّفِ، وهو القياسُ، ونحن مَنعنا تقديمَ الحالِ لِوجودِ مانعٍ، وهو الإِضمارُ قبلَ الذّكرِ، لا لعدمِ المقتضى والجوابُ: أما البيتُ فعنه جوابان:
أحدُهما: أن الصَّحيحَ في الرِّواية:
وما كانَ نَفْسِيْ بالفِرَاقِ تَطِيْبُ
فـ ((نَفْسِي)) اسمُ كانَ.
следующие страницы →