← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13786

التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين

أبو البقاء العكبري

Полный текст (348 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وحجةُ الآخرين أنَّه لم يأتِ في القرآنِ الرّفع من هذا القبيلِ بل جاءَ بالنَّصب، كالآيةِ التي ذكرناها، وكقوله تَعالى: ﴿فكان عاقِبَتُهُمَا أنَّهما في النّارِ خَالِدَيْنِ فيها﴾ ولما لَم يكنْ في الكَلامِ ظرفٌ آخرُ جاء الرَّفع والنَّصب فالرفعُ قوله تعالى: ﴿إنّ المُجرمين في عذابِ جَهَنَّمَ خالِدُون﴾ والنَّصبُ قوله: ﴿إن المُتَّقِيْنَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون. آخِذِيْنَ﴾ قالُوا: والقِياس يَقْتَضي ما قُلنا، وذلك أنّا إذا رَفَعْنا الخَبَرَ تَعَلَّقَ الظَّرفُ الأَوَّلُ به، فلا يَبْقَى للظَّرفِ الثَّاني ما يَتَعَلَّقُ به، بَلْ يكونُ مُنْقَطِعاً. والجوابُ: أمَّا الآيةُ فلا حجةَ فيها؛ فإن النَّصبَ عندنا جائزٌ، وليسَ فيها منعٌ من الرّفعِ، بل هو مَسْكُوتٌ عنه، على أَنَّ الآيةَ الثانيةَ قد قُرِئَتْ بالرَّفع وهي قوله: ﴿فكانَ عاقبتهما أنَّهما في النارِ خالِدَان فيها﴾ قولَهم إذا رَفعتَ الخبر لم يبقَ للظَّرف الثاني ما يَتَعَلَّقُ به قلنا: بَلَى يتعلَّق الظرفان بقائمٍ، ويكونُ الثاني مُكرراً للتوكيد، كما تقولُ: جاءَني زيدٌ جاءني زيدٌ، ومررت بزيدٍ، بزيدٍ، ولا فرقَ في التّكريرِ للتوكيد من أن تتكرر الجُملة بأسرها وبين أن يَتَكَرّر الجُزءُ منها، وإِذا جازَ أن يُؤكَّد الكلامُ بما ليس مِنَ الجُملَةِ فبأنْ يتأكَّد بجُزءٍ منها أَولى كقوله تَعالى: ﴿فَبِها رَحْمَةٍ مِنَ الله﴾، ﴿فَبِما نَقْضِهِم مِيثاقَهُمْ﴾.

стр. 282

وبِقَولهم: فما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولَكِنْ والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 283

٦٥ - مسألة: [تقديمُ التَّمييز على العامِلِ فيه] لا يجوزُ تقديمُ المُمَيّز على العامِل فيه مُتَصَرّفاً كان أو غيرَ متصرفٍ، فالمُتَصَرِّفُ نَحو طابَ زيدٌ نفساً، وغيرُ المُتَصَرِّفِ نحو عِشرون دِرهماً. وقالَ الكوفيُّون: يَجوزُ تَقْدِيْمُهُ عليه إذا كانَ مُتصرّفاً، وإليه ذهبَ بعضُ البَصريين. وجهُ القولِ الأَولِ: من طَريقين: أحدُهما: أنَّه لفظُ مُميز فلم يجز تقديمه على العامِل فيه، كما لو

стр. 284

كان غيرَ متصرّفٍ، ألا تَرى أنّك لو قُلتَ: عندي درهماً عشرون لم يَجُزْ، فكذلك إذا قلتَ: نَفْساً طابَ زيدٌ. فإن قيلَ: الفرقُ بينهما أنَّ العاملَ في الأوّلِ غيرُ متصرفٍ، والتقديم تَصَرُّفٌ فلا يوجبُه غيرُ المتصرّف، بخلافِ قولكَ: طابَ زيدٌ فإِنّه مُتصرّفٌ فجازَ تقديمُه على العامِلِ فيه كالمفعولِ. قُلنا: هما ــ وإن افترقا فيما ذكرتم ــ فهما مُشتركان في كونِ كلِّ واحدٍ منهما مميّزٌ منسوبٌ إلى عاملٍ، وإذا اشترك الشَّيئان في وصفٍ خاصٍّ كَفَى ذلك للإحاق، ولم الفَرقُ قاطِعاً للإِلحاقِ. الطريقُ الثاني: أن المُمَيّز هاهُنا فاعلٌ في المَعنى، وتقديمُ الفاعِلِ على الفِعلِ غيرُ جائزٍ؛ بيانُهُ أن قولَك: طابَ زيدٌ نَفساً تقديره طابَتْ نفسُ زَيدٍ، ثم أُزيل الفاعل عن موضِعه ونُسب الفعلُ إلى زيدٍ وهو فعلُ الفاعلِ في الأصلِ، وتطرَّق إليه الاحتمالُ فجُعلت النفسُ مميزةً قاطعةً للاحتمالِ، وإذا كان كذلك امتنعَ التقديمُ لوجهين: أحدُهما: ما تقدّم من كونِ النَّفسِ فاعِلاً. والثاني: أن تقديمَ النفسِ يُخرجُ هذا الباب عن حقيقةِ التّمييز لأنّ قولكَ: نفساً طابَ زيدٌ يمنعُ من الاحتمالِ فلا يبقَى عليه اسم التّمييز، بخلاف ما إذا تأخَّر فإن الاحتمالَ يكونُ موجوداً فيحاوَلُ بالتَّمييز رَفعُهُ بعدَ وقوعِهِ. واحتجَّ الآخَرون بالسَّماعِ والقِيَاسِ:

стр. 285

أمَّا السّماعُ فمنه قولُ الشاعرِ: أَتَهْجُرُ سَلمى للفِراقِ حَبِيبَها ... وما كانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ فقدَّم نفساً على العاملِ فيه. وأمَّا القياسُ: فهو أنَّ العامِلَ هنا متصرّفٌ إذ كان فعلاً متصرفاً فهو كالمفعولِ يجوزُ تقديمُه على الفعلِ كقولك: زيداً ضربَ عمروُ، وباعتبار هذا قد جوزتُم تقديمَ الحالِ على العاملِ المتصرّفِ، وهو القياسُ، ونحن مَنعنا تقديمَ الحالِ لِوجودِ مانعٍ، وهو الإِضمارُ قبلَ الذّكرِ، لا لعدمِ المقتضى والجوابُ: أما البيتُ فعنه جوابان: أحدُهما: أن الصَّحيحَ في الرِّواية: وما كانَ نَفْسِيْ بالفِرَاقِ تَطِيْبُ فـ ((نَفْسِي)) اسمُ كانَ.

стр. 286

والثاني: نُسلم أنَّ الروايةَ كما ذَكروا ولكنْ مخرجةٌ من وجهين: أحدُهما: هو مَنصوبٌ بإضمارِ ((أعني)) فهو مفعولٌ لا تَمييزٌ. والثاني: هو تَمييزٌ، ولكنَّ هذا من ضَرورة الشّعر الشَّاذِّ عن القياسِ والاستعمالِ، مثلُ ذلكَ لا يُجعل أصلاً؛ ألا تَرى أنَّ قولَ الشَّاعر: قَدْ بَلَغَتْ سَوْءَاتُهُمْ هَجَرُ وقولَ الآخرِ: تُوَاهِقُ رِجلاها يَدَاهَا لا يقاسُ عليه، كذلِكَ هاهُنا.

стр. 287

أمَّا القياسُ على المفعولِ فلا يصحُّ، فإِنَّ معنى المفعولية لا يختلف بالتَّقديم والتَّأخير، والفعلُ هناكَ مُتَعَدٍّ، بخلافِ مسأَلتنا فإِنَّ الفعلَ غيرُ متعدٍّ، والفاعلية قد تَغَيَّرَ معناها، وانتقلَ إلى غَيْرِها، ويدلُّ عليه امتناعُ تقديمِ الحالِ على أَصلِهم فإِنَّهم مَنعوا من التَّقديمِ بسببِ الإِضمارِ قبلَ الذّكرِ، ومثلُ هذا مَوْجودٌ هُنا، فإِنَّ تقديمَ المنصوبِ هنا يمنَحُ من كونِ الفاعلِ مُحتاجاً إلى التَّمييزِ، والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 288

٦٦ - مسألة: [العامل في الاستثناء] المنصوبُ بعد ((إلاَّ)) في الاستثناء منصوبٌ بالفعلِ المتقدّم بواسطةِ ((إلاَّ)). وقالَ المبرٍّدُ والزَّجاجُ: هو منصوبٌ بمعنى استَثنى.

стр. 289

وقالَ الفَراءُ: ((إلاَّ)) مركبة من ((إِنْ)) و ((لا)) فإِذا نَصبتَ نصبتَ بـ ((إِنْ))، وإذا رفعتَ كانت ((لا)) للعطفِ. وقالَ الكسائيُّ: مَنصوبٌ على التَّشبيهِ بالمفعولِ كالتَّمييزِ. وجه القول الأول: أن النَّصب عملٌ، ولا بدَّ للعملِ من عاملٍ، والعاملُ هنا لا يخلو؛ إمَّا أن يكونَ لفظاً أو معنى، واللَّفظُ إمّا أن يكونَ مفرداً أو مركباً، ولا وجهَ لوكنِهِ مَعنوياً؛ لأنَّ الحروفَ لا تَعملُ بمعناها ألا تَرى أنَّ حرفَ النَّفي والاستفهامِ والتَّبعيضِ لا تَعمل بمعانِيها، فكذلك ((إِلاَّ))، لا تَعمل بمعناها، وهو ((أستَثنى ((ويدلُّ على فَسادِ ذلِكَ أربعةٌ أَشياء: أحدُها: أن غَيراً تُنصب، فلا يخلو؛ إما أن تنصبَ نفسَها، أو يَنصبُها استثنى، والأَوّلُ باطِلٌ؛ فإنَّ الشيءَ لا يَعملُ في نفسِه، والثاني باطلٌ أيضاً؛ لأنَّه يؤدّي إلى عَكْسِ المَعنى، ألا تَرى أنَّك إذا قلتَ: قامَ القومُ استثْنى

стр. 290

غيرَ زيدٍ. كانَ زيدٌ داخلاً في القيامِ، وغيرُه غيرُ داخلٍ فيه، والمَعنى عكسُ ذلِكَ. والثَّاني: أن المُستثنى قد يكونُ مرفوعاً مع وجود هذا المعنى. والثَّالثُ: أنه ليسَ تقديرَ ((استثنى)) أَولى من تقديرِ ((تَخَلَّفَ)) فيرتفعُ المستثنى أبداً. والرَّابعُ: أنَّه إذا قُدِّر العامِلُ هنا ((استَثنى)) كان جُملتين، وقد أَمكن أن يُجعَلَ جُملةً فهو أولى. ولا يجوزُ أن يكونَ العامِلُ مُركباً من ((إن)) و ((لا)) لثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أن التَّركيبَ خلافُ الأصلِ، فلا يَثْبُتُ إلا بدَليلٍ ظاهرٍ. والثَّاني: أنه لم يبقَ من المركَّبِ حكمٌ؛ لأنَّ ((إنْ)) لا تنصبُ وبعدَها حرفُ نفيٍ، لو قلتَ: إنْ لا زيدٌ لم يَجُزْ. و ((لا)) لا تُعطَفُ على هذا المعنى؛ لأنَّها إذا دَخلت على مَعرفةِ لم تَعملْ فيها ولزمَ تكريرُ تلكِ المعرفةِ. وإن جُعلتْ حرفَ عطفٍ فَسَدَ المعنى؛ لأنّ حرفَ العطفِ يُشرِّك بين الشَّيئين في الإِعراب، و ((إلا)) لَيست كذلك. والثالثُ: أن التَّركيبَ يُغيِّرُ معنى المُفردَين، مثلُ ((كأنَّ)) في التشبيهِ و ((لولا)) التي يَمتنع بها الشَّيءُ لوجودِ غيره. وأمَّا قولُ الكِسائيّ فإِنّه يَرجعُ إلى معنى قولِ البَصريين. فإن قيلَ: قد أَبطلتُم هذه الأَقوالَ فما طريقُ صحّةِ قولكم؟. قُلنا: إنَّ قولَكَ: قامَ القومُ زيداً غيرُ صحيحٍ في المعنى، وقولكم: قامَ القومُ إلاّ زيداً صحيحٌ في المعنى، والصّحةُ حادثةٌ مع حدوثِ ((إِلاَّ))؛ فوجَب أن يُنسبَ ذلك إليها، وأنَّها هي التي عَلَّقت زيداً بقامَ فتَجري مَجرى

стр. 291

واو ((مَع))، وحروفُ الجرِّ، والفِعْلُ في هذه المواضعِ هو الذي يَعمل ولكنْ بواسطةِ الحَرف كذلك هاهُنا. فإن قيلَ: هذا المعنى لا يصحُّ في قولِكَ: القومُ إخوانُك إلاَّ زيداً فإنه لا فِعلَ هُنا فيقوّي بإلاّ. قلنا عنه جوابان: أحدُهما: أنَّ معنى الفعلِ موجودٌ وهو أن المَعنى القومُ يناسبونَك إِلاَّ زيداً. والثاني: أنَّ الحكمَ إذا ثَبَتَ بعلّةٍ ثبتَ في مواضع وإِن لم تَكُن العلةُ موجودةً، طرداً للباب في قولهم: أَعِدُ ونَعِدُ وتَعِدُ؛ حملاً على يَعِدُ، وكذلك نُكرمُ وتُكرمُ ويُكرم؛ حَملاً على أَكرام. والله أعلم بالصواب.

стр. 292

٦٧ - مسألة: [وقوع (إلا) بمعنى الواو] لا تكونُ ((إلا)) بمعنى الواو. وقالَ الكوفيُّون تكونُ بمعنى الواوِ. وجهُ القولِ الأَول من وَجهين: أحدُهما: أنَّ الأصلَ أن ينفردَ كلُّ حرفٍ بمعنى، ولا يقعُ حرفٌ بمعنيين؛ لِمَا في ذلك من الاشتراكِ المُلبِس، وما صَحَّ منه عن العربِ يُقتَصرُ عليه، ولا يُقاس. والوجهُ الثاني: أنَّ ((إلاّ)) بمعنى الواو من قَبيلِ الأَضدادِ؛ لأنَّ موضوعَ ((إلا)) مخالفةُ ما بعدها لما قَبلها، والواو تَشْركُ ما بعدَها بما قَبلها، هذا حقيقةُ التَّضادّ، والأصلُ عدمه. واحتجَّ الآخرون: بأنَّ ((إلا)) قد وَقَعَتْ بمعنى الواوِ، وبمعنى ((مع))

стр. 293

فمن ذلك قَوله تَعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَيكُم حُجَّةٌ إلاّ الّذينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ولا الّذين ظَلموا، وقولُه تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾. وقد جاءَ في هذا المَعنى ((إلاَّ)) بمعنى ((مَع)) وهو معنى الواو كقوله تَعالى: ﴿وأَيديَكُم إِلى المَرَافِقِ﴾ و ﴿مَنْ أَنْصَارِيْ إلى الله﴾ وهو كثيرٌ في الشعر. والجواب: أنَّه لا دلالة فيما ذكروا على أنَّ ((إلاَّ)) بمعنى الواو أمَّا قَولُهُ تَعالى: ﴿إلاَّ الّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فهو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى ((لكنْ)) والمعنى لكنْ الذين ظَلموا يَحْتَجُّون عليكم بِغَيرِ حُجّة، وهكذا في جميع ما

стр. 294

ذكروه وأمثالِه، وأمَّا وقوعُها بمعنى ((مَع)) فغيرُ مُسلّمٍ، وأمَّا قوله: ((إلى المَرافِقِ)) فهي حدٌّ يَنتهي الغَسْلُ إليه، والحدُّ هنا يَدخل في المَحدود؛ لأنَّ المِرفَقَ جزءٌ من اليَدِ، وإِذا وقعَ التّحديدُ بجزءٍ من الشّيءِ دخلَ في المَحدود، هكذا قال أهلُ اللُّغة. وقوله: ((مَنْ أَنصاري إلى الله)) فإِلاّ فيه على بابها، والتَّقدير مَنْ أنصاري مُضافين إلى الله، ويدلُّ على صِحَّةِ ذلكَ أنَّ ((إلى)) في الأصْلِ لا تكونُ بمعنى ((مع)) كقوله تَعالى: ﴿ثم أَتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ و ((مع)) هنا مُحال، وكذلك ((جئتُ إلى زيدٍ))، وكانَ الأصل فيه أن ((إلى)) لانتِهاء الغَاية، والواوُ، و ((مع)) يلزمُ منهما المُصاحَبَةُ والمُصاحبةُ تُنافي الانتهاء، فإنْ جاءَ شيءٌ من ذلِكَ فهو مَحْمُولٌ على ((لاَ)) في أنّه مُسْتَفَادٌ بالحَرْفِ الموضوعِ لَه. والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 295

٦٨ - مسألة: [تقديم المستثنى مع (إلا)] لا يجوز تقديم حرف الاستثناء على المُستثنى منه كقولك: إلاَّ زيداً قامَ القومُ. ولا إلا زيداً ما قامَ القومُ. وقالَ بعضُ الكوفيين يجوزُ ذلكَ. وجهُ القَولِ الأَوَّلِ: من ثلاثةِ أَوجهٍ: أحدُها: أنَّ حرفَ الاستثناءِ أُتي به وَصلةً للفعلِ، وتَقْوِيَةً له، فلا يَجُوزُ تقديمُه على ما يُوصله كواوِ ((مع)) فإِنَّك لو قلتَ: وَزَيْداً قُمْتُ لَم يَجُزْ. والوجهُ الثاني: أنَّ المُستثنى يكونُ بَدَلاً من المُستثنى منه، والبَدَلُ لا يتقدم على المبدل منه، كذلك هاهُنا.

стр. 296

والثالثُ: أنه يلزمُ من التَّقديمِ عَمَلُ ما بعد إِلاّ فيما قَبْلَها، وذلك غيرُ جائزٍ، كما أن عملَ ما في حَيّر ((ما)) النَّافية فيما قَبلها لا يَجُوزُ، يدلُّ على أن الاستثناءَ إخراجُ بعضِ الجُملةِ، كما أنَّ النَّفْيَ كذلك، وكما لا يجوزُ في النَّفي كذلك لا يَجوزُ فيما هو في مَعناه. واحتجَّ الآخرون بالسَّماعِ والقياسِ: أما السَّماعُ فمنه قولُ الشَّاعرِ: وبَلْدَةٍ لَيسَ بِهَا طُوِريُّ ... ولا خَلا الجِنَّ بِهَا إنْسِيُّ تقديرُه: ولا بها إنسيُّ خلا الجِنَّ، وقال أَبو زُبَيْدٍ: خَلا أَنَّ العِتَاقَ مِنَ المَطَايا ... حَسَيْنَ به فَهُنَّ إليه شُوْسُ

стр. 297

وأمَّا القياسُ: فهو أن تقديمَ المُستثنى على المُستثني مِنْه جائز، كقولك: ما لي إلا أباكَ صَدِيقٌ؛ أي مالِي صَدِيْقٌ إلا أبَاك، فكذلك يَجوزُ تَقديمه على العامل فيه، ألا تَرى أنَّ قولك: ما مَرَرْتُ إلا بزيدٍ جائز، وكذلك بزيد مررت، ولأنَّ العاملَ في الاستثناءِ فعلٌ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ على الفعلِ جائز. والجوابُ: أما البيت فمحمولٌ على اسمِ لَيس، تقديره: ليسَ بها إنسيٌّ إلا الجِنَّ، والاستثناء من غيرِ الجِنْسِ، وعلى هذا لا يَدخُلُ البيتُ فيما نحن فيه. أما البيت الثاني فمن جنس هذا، والدَّلِيْلُ عليه البيتُ الذي قبلَه، والبيتُ قولُهُ: إلى أنْ عَرّسُوا وأغبَّ منهم ... قَرِيباً ما يُحَسُّ له حَسِيسُ والتقديرُ: ما يحس له جنس حسيسٌ إلاَّ أصواتَ الخَيلِ. قولهم: ((الاستثناءُ يشبه البَدَلَ)) لا يصحُّ لوجهين:

стр. 298

أحدُهما: أنَّ تقديمَ المُستثنى على المُستثنى منه واقعٌ بعدَ العاملِ، أَلا ترى أنَّ قولَك: ما قامَ إلا زيداً أحدٌ ((إلا زيداً)) هو بعدَ العاملِ وهو قامَ، وليس كذلك هاهُنا، فإنه واقعٌ قبلَ العامِلِ، والفرقُ بينهما ظاهرٌ، أَلا تَرى أنَّ قولك: كانت زيداً الحُمَّى إذا لَم تقدّر في ((كان)) ضميرُ الشَّأنِ لا يَجُوز، لِوُقُوعِ الفَصل بَيْنَ العامِلِ والمعمولِ بالأَجنَبِيِّ، فإذا لَم يجزْ الفصلُ فالتَّقديمُ أَولى ألاَّ يجوزَ. والثاني: أنَّ ((إلا)) مع ما بعدَها لا تُجرى مُجرى المفعولِ؛ لأنه حَدثَ فيه معنى بـ ((إلا))، بخلافِ قولِكَ: قامَ القومُ إلاّ زيداً؛ فإنَّ: ((إلاَّ)) وزيداً يشتملُ على معنيين، يفترقان إلى ما يكونُ معناه سابقاً عليهما، وصارَ هذا كما في حَرفِ العَطفِ فإنَّه لما تَقَدَّمَ عليه ما يَتَعَلَّقُ به معناه لَم يجز تقديمُهُ، كقولِكَ: قامَ زيدٌ وعمرٌو ولو قلتَ: وعمروٌ قامَ زيدٌ لم يَجُز، يدلُّ عليه أن من مَذهبهم أنَّ ((إِلاَّ)) مركبة من ((أن))، و ((لا)) وتقديمُ هذا المَعنى على الاستثناء خطأٌ، والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 299

٦٩ - مسألة: [(حاشا) بين الفعلية والحرفية] حاشا في الاستثناء حرفُ جرٍ. ومن البَصريين من قالَ: تكونُ حرفاً، وتكونُ فعلاً. وقالَ الكوفيُّون: هي فِعْلٌ. وَجْهُ القولِ الأوّلِ السَّماعُ، والقِياسُ. أمَّا السَّماعُ فقولُ الشاعرِ: حاشَى أَبي ثَوبان إنَّ أبا ... ثَوبانَ لَيسَ بِبُكْمَةٍ فَدْمِ

стр. 300

عَمرُو بنُ عبدِ الله إنَّ بِه ... ضَنّاً على المِلْحَاةِ والشَّتمِ فجرَّبها، وليسَ ((أَبي)) مضافاً إلى ياء المُتكلم؛ لأنَّ اسمَه: أَبو ثَوبان بدليل قوله: ((إن أبا ثوبان)) وقالَ آخر: فَلا أَهلَ إلاَّ دُونَ أَهلِكَ عِندَنا ... ومالَكِ حاشاَ بَيتِ مَكّةَ من عَدْلِ أمَّا القياسُ فمن أوجهٍ: أحدُها: أنَّك تقولُ: حاشايَ. ولا تقولُ: ((حاشانِي))، ولو كانَ فِعْلاً لقتُهُ كما تقولُ: رامانِي وعاطانِي. والثاني: أنه لا يجوزُ أن يكونَ صِلَةَ ((ما)) المَصْدَرِيَّة فلا تقولُ: قامَ القومُ حاشاَ زيداً، كما تقولُ: قاموا ما خَلاَ زَيْداً، وهذا يَدُلُّ على أنه حَرْفٌ، إذ لم يَجُز أن يُجْعَلَ صِلَةَ ((ما)). والثالثُ: أنَّه لو كان فعلاً لكانَ له فاعِلٌ، وليس له فاعِلٌ. بيانُه أنَّك تقول: حاشاكَ من كذا فتَصِلُ به الكافَ، وحاشايَ ويَدخل على اليَاء، وليس هناك فاعِلٌ.

стр. 301

فإن قيلَ: لو كان حرفَ جرٍ لكانَ معدّياً للفعل؟ قيل: هو معدّياً كما أن ((إلا)) كذلك، ألا تَراكَ تقولُ: قامَ القومُ حاشَى زَيْدٍ فتُعَدَّى قامَ بـ ((حَاشَا)). واحتجَّ الآخَرُونَ: بِأَشْيَاءَ: أحدُها: أنَّه قد صُرّفَ فيقال: حاشَيتُهُ، وأُحاشيه ومنه قولُ النَّابغة:

стр. 302

ولا أُحاشِي من الأَقوامِ مِنْ أَحَدِ وهذا حكمُ الفِعْلِ. والثاني: أنّه يُعدى باللاَّمِ، كقولهِ تَعالى: ﴿حاشَى لِلَّهِ﴾ ولو كان حرفَ جرٍ، لدخلَ على حرفِ جَرٍ، وليسَ كذلك حُكمُ الحروفِ. والثَّالثُ: أنَّه دخله التَّخفيفُ بالحذفِ يقالُ: حاشى الله، وحَشَا الله. والجوابُ: أمَّا التَّصرفُ فغيرُ دَليلٍ على الفِعليّة، فإن الحرفَ تصرَّف منه فعل كقولك: سأَلته حاجة فلَولا: أي قال: لو كان كذا، ويُقال: بسمل، إذا قال: بسم الله، وهَلَّلَ إذا قال: لا إلَه إلاَّ الله، وهو كثير. قولهم: يُوصلُ بحرفِ الجَرّ، ليس كذلك، والدَّليلُ عليه حاشى زيدٍ، وحاشايَ، ولو كان حرفُ الجَرّ فَصلاً لما جازَ حذَفُهُ فعُلِمَ أنَّ اللاّمَ زائدةٌ وزيادةُ الحروفِ كثيرٌ، منها قولُه تعالى: ﴿عَسى أَن يَكُوْنَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي رَدِفَكُم، وأَلْقَى بِيَدِه، وقالَ الشاعر: نضربُ بالسَّيف ونَرجو بالفَرَجْ

стр. 303

وقالوا: رُبَ، في ((رُبَّ))، وكل هذه حذوفٌ وزيادةٌ في الحُرُوفِ قولَهم: ((قد حذفت منه الألف)) جوابُه من وَجهين: أحدُهما: لَيس كذلك فإنَّ أبا عمروٍ إمامُ القراءِ أَنْكرَ هذه القراءة. والثاني: أن الحروفَ قد دَخلها الحذفُ كما في ((رُبَّ)) وغيرها. فإن قيلَ: استعمالُها في الاستثناءِ خاصةً يدلُّ على كونِها فعلاً. قيلَ: تكونُ استثناءً في مواضعَ، وغيرَ استثناءٍ في مواضعَ؛ ألا تراكَ

стр. 304

تقولُ مبتدأ حاشى زيداً أَنْ يَسْرِقَ، ولَيس هنا ما يُستثنى منه، بل هو بمعنى قولِكَ: زيدٌ بعيدٌ من السَّرْقِ، ثم لو لَزِمَت الاستثناءَ لم يدُلَّ ذلك على كونِهِ فعلاً، ألا تَرى أن ((إلا)) يلزمها الاستثناء، وهي حَرفٌ بلا خلافٍ. والله أعلمُ بالصواب.

стр. 305

٧٠ - مسألة: (غير) بين الإِعراب والبناء إذا أضيفت ((غيرُ)) إلى مُتمكنٍ لم يجز بناؤُها، وإن أُضيفت إلى غيرِ مُتَمَكّنٍ جازَ بناؤُها وإعرابُها. وقالَ الكوفيُّون يَجوزُ بناؤُها مُطلقاً. لَنا أنّها اسمٌ معربٌ قبلَ الإِضافةِ، فبقيتْ على إعرابِها بعدَ الإِضافةِ كسائر الأسماءِ المُعربةِ، بيانُه أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني غيرُ زيدٍ، ومررتُ بغيرِ زيدٍ فـ ((غيرُ)) هُنا مُعربةٌ بلا خلافٍ، فلو جازَ البناء لكانَ لعلةِ الإِضافةِ، والإِضافةُ هُنا موجودةٌ، ولم يجزِ البناءُ فدَلَّ على إبطالِ التَّعليلِ بالإِضافةِ ويتأيد هذا من ثلاثةِ أوجهٍ:

стр. 306

أحدهما: أنَّ غيراً لا تتعرفُ بالإِضافةِ، بل نكرةً، والنَّكراتُ معرَباتٌ. والثاني: أن غيراً لا معنى لها إلا بالإِضافة، فلو كانت الإِضافةُ علّةَ البناءِ لوجبَ ألاّ تعربَ في موضع. والثالثُ: أنا وجدنا من المبنيات ما يُعرب إذا أُضيف وهذا يدلُّ على أن الإِضافةَ علّةٌ لازمةٌ للبِنَاءِ، تكون علةَ البناء؟. ولا يلزمُ على ما ذكرناهُ إذا أَضيفتَ إلى غيرِ متمكنٍ؛ لأنَّ المضافَ يَكتَسي كَثيراً من أَحكامِ المُضافِ إليه، والمُبهم هُنا مبنيٌّ، والمُضاف إليه كالشَّيءِ الواحدِ، فجازَ أن يَتَعَدَّى البناءُ إليه، ومن ذلِكَ قوله تَعالى: ﴿وهم من فَزَعِ يَومَئذ﴾ بفتح الميم، وقوله تَعالى: ﴿من خِزْي يَومَئذٍ﴾، وقوله: ﴿إنّه لحقٌّ مثلَ ما أنَّكم تَنطِقُون﴾ وكلُّ ذلك يَجوز فيه الإِعراب، والبِنَاءُ فيه جَائِزٌ. وأمَّا إضافتُهُ إلى المُتمكن فليس فيه ما يَحسن البناء. أمَّا الكوفيُّون فاحتَجُّوا بأن ((غَيراً)) هنا وَقعت موقع ((إلاّ)) و ((إلاّ)) حَرفٌ،

стр. 307

والحَرفُ مبنيٌّ، فإذا وقع الاسمُ موقعَ المبنيّ وجبَ أن يُبنى فكيفَ إذا وقعَ موقعَ الحرفِ؟ ألا تَرى أنَّ المنادى المُفرد مبنيُّ لوقوعِهِ موقعَ المضمرِ أو الخطابِ، وقد شَهِدَ لصحَّةِ ذلكَ قولُ الشاعر: لم يَمنع الشُّربَ منها غَيْرَ أَن نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوقالِ ففتحَ الرَّاء، ولا سَبَبَ له إِلاّ ما ذكرنا. والجوابُ عنه من وَجهين: أحدُهما: أنَّ المضافَ إلى غَيرِ المُتمكن يَجوزُ بناؤُه وليسَ معناه ((إلا)) كقولِهِ: ﴿وهُم من فزع يومئذٍ﴾، وكذلك الآي الأُخَر، فَبَطَلَ التَّعليلُ بوقوعه موقعَ ((إلا)). والثاني: أن وقوعَ الاسمِ موضعَ الحرفِ لا يُوجبُ البناء، أَلا تَرى أن قولَك أخذتُ بعضَ المالِ. معربٌ، ولو قلتَ: أخذتُ من المالِ صحَّ المعنى وقد وبعدَت بَعضُ موضع من، وتقول: زيدٌ مثلُ عمروٍ فترفعُ مع جوازِ أن تكونَ في موضعِ الكاف. أمَّا قولُه: ((غيرَ أنْ نَطَقَتْ)) فلمْ يَكُنْ بناؤُها لِمَا ذَكَرُوا، بل لإِضافَتِها إلى غيرِ متمكنٍ على ما ذكرنا، والله أعلمُ بالصّواب.

стр. 308

٧١ - مسألة: (سوى) لا تقع إلا ظرفاً الأصلُ ألا تقع ((سَواء)) و ((سِوى)) إلا ظرفاً. وقالَ الكوفيون: تقع ظرفاً وغيرَ ظرفٍ. وجهُ القولِ الأوَّلِ من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: الاستِقراءُ، فإنَّ كلَّ مَوضعٍ استُعملت فيه ((سِوي)) كانت ظَرفاً، وفي المَوضع الذي وَقَعَتْ غيرَ ظرفٍ فهي فيه مُتَأَوَّلةٌ. والثاني: أَنَّها وَقَعَتْ ظَرْفاً بلا خِلافٍ، فأمَّا أن يكونَ ذلك وضَعُها،

стр. 309

واستِعْمالُها في غيرِه مَجازاً، أو بالعَكْسِ، أو هي في كلِّ ذلك حَقيقةً، لا وجهَ إلى الثَّاني؛ إذْ لا قائِلَ به. ولا وَجْهَ إلى الثَّالث؛ لأنَّه يُؤَدّي إلى الاشتِراكِ، والأَصلُ عَدَمُهُ، فتعيَّن الأولُ. والثالثُ: أن ((سِوى)) معناها: وَسَطُ الشَّيءِ، وهو ظرف، فكانت هي كذلك، ووقوعها في غيرِه بمعنى ((غير))، ووجهُ التَّأويل فيها ظاهرٌ كما أن ((خلفَكَ))، و ((قدّامَكَ)) ظروفٌ لا محالةَ، وقد وقعت في موضعٍ غيرَ ظرفٍ. واحتجَّ الآخرون بما جاء في الشّعرِ من وقوعها غير ظرفٍ كقولِ الأعشى: تَجانَفُ عن أَهلِ اليَمامةِ ناقَتي ... وما قَصَدَتْ من أَهلِها لِسِوَائِكَا

стр. 310

وكذلك قولُ الآخرِ: ولا يَنطِقُ الفَحشاءَ مَنْ كانَ مِنهُمُ ... إِذا جَلَسُوا مِنّا ولا من سِوَائِنَا ومنه قوله تعالى: ﴿فقد ضَلَّ سواءَ السَّبيل﴾، وقوله تعالى: [﴿فاطّلع فرآه في سَواءِ الجَحيمِ﴾،] وكثرةُ استعمالها غير ظرفٍ يدلُّ على أن موضوعَها على ذلك، ولأن ((سواء)) بمعنى مكان، وكما أن مكاناً يكونُ ظرفاً وغيرَ ظرفٍ، كذلك ((سواء)) يدلُّ عليه أنَّها قد وقعت فاعلاً في قولِ الشَّاعر: ولم يبقَ سِوى العُدوان ... دِنّاهُم كما دَانُوا

стр. 311

والجوابُ: أمَّا المواضعُ التي جاءَت فيها غير ظرفٍ فلا يدلُّ على أن أصلَها غيرُ الظَّرفيّةِ، ألا تَرى أن عنداً ظرفٌ، وقد خَرجت عن الظَّرفية بـ ((من)) في مثلِ قولِه تَعالى: ﴿حتى إذا خَرجوا من عندِك﴾ وكذا: ((لسوائِكا)) أي لمكانٍ غير مكانك وقد استُعملت بمعنى ((غير))، وليس ذلك أَصلُها، كما أنّ ((إلاَّ)) حرفٌ وقد وقعت بمعنى ((غير)) قال تعالى: ﴿لو كانَ فيهما آلهةٌ إلاّ الله﴾ أي غيرُ الله، ومع هذا لم تخرج عن كونها حرفَ استثناءٍ. وقولهم: (قامَ القومُ سِوى زيد) أي مكانَ زيدٍ، والمعنى بدلَ زيدٍ، وهذا كله لا ينفي أن يكون أصلها الظَّرف كما أن الأصل في غيرٍ أن تكون صفةً وقد استعملت في الاستثناء والأصلُ في ((إلا)) الاستثناء وقد استعملت وَصْفاً. والله أعلم.

стр. 312

٧٢ - [مسألة: كم مفردة أو مركبة] كم في العَدَدِ مفردةٌ. وقالَ الكُوفيُّون: هي مركبةٌ من الكاف، و ((ما))، ثم حذفت منها الألف. وجهُ القولِ الأولِ: تحقيقُ مذهَبِها، وفيه مسلكٌ آخر: إبطالُ مذهبِ المخالفِ. أما الأولُ: فهو أن الأصل عدمُ التركيبِ، لا سيما في كلمةٍ لا يصحُّ أن تُجعل كلمتين، و ((كم)) هاهنا كذلك، فإن كم حرفان، ولا يمكن أن يكون كلُّ واحدٍ منهما، ولا أحدهما كلمةٌ تامةٌ فعلى هذا يَمتنع التَّركيبُ؛ لأنّه إنّما يكونُ بينَ كلمتين.

стр. 313

أمَّا إبطالُ مذهبِ المُخالف فهو: أنَّهم زعموا أنّ ((ما)) هي الألف وهي استفهامٌ عن العَدَدِ، ثم أُدخلت عليها الكاف، وحُذفت الأَلف كما حُذفت من لَم في الاستفهام، وفيمَ، وعلامَ. ومعنى قولنا: كم مالك؟ أي ما عَدَدُهُ، وزيادة الكاف كثيرٌ، من ذلك ((كأيّن))، ﴿ليس كمثله شيء﴾ وغيرُ ذلك، وهذه الدّعوى باطلةٌ، أمَّا قوله: ما مالك؟ فليس معناه كم مالك؛ لأنَّ ((ما)) سؤال عن الحَقيقة فما مالك معناه أيُّ جنسٍ هو؟ وليس هذا معنى العَدد، فإذاً لا معنى لـ ((ما)) هاهُنا، ثم إنَّ الحذفَ على خلافِ الأصلِ فما الدّاعي إلى دَعواه؟. ويدلُّ عليه أنَّك إذا أَثبتَّ الألف لم يكن معناه السؤال عن العَدد، بل يصيرُ إلى معنى آخر، يدلُّ عليه أن ((كم)) تكونُ خبراً للتَّكثير كقولك: كم عَبْدٍ ملكتُ؟ ولو قلتَ: ما عَبدٍ ملكتُ؟ أو كم ما عبدٍ ملكت لم يجز، ولم يكن معناه كم عبدٍ ملكت. ويدل عليه أن ((مِنْ)) تدخلُ عليها ((كم)) كقولك: كم من عَبْدٍ، ولو قلت: ما من عبدٍ كان نفياً. واحتج الآخرون: بأنَّ المعنى على ((ما)) والكاف كاللام كما قالوا: لمَ فعلتَ قالوا: كَم فعلت وقالوا أيضاً كأيٍّ في معنى كم، وكما أن كأيٍّ مركبة كذلك ((كم)) وكذلك قولهم: له على كذا، وهما في معنى العدد. والجوابُ عنه من وجهين:

стр. 314

أحدهما: ما تقدّم من فسادِ دَعوى التَّركيبِ. والثاني: أنَّ أكثرَ ما فيه أنَّهم أَرونا كلمات فيها تَركيب، وهذا لا يُوجب أن يُجعل كلُّ شيءٍ هكذا. والله أعلمُ بالصَّواب.

стр. 315

٧٣ - مسألة: [كم الخبرية تجر ما بعدها] ((كم)) الخبرية تجرُّ ما بعدها بإضافتها إليه. وقالَ بعضُهم ينجرُّ بـ ((مِنْ)) مقدرة. وجهُ القولِ الأول: أن ((كَم)) اسمٌ لعددٍ كثيرٍ، فكان كنفسِ ذلك العَدد؛ بيانه: أن ((كم)) هاهُنا في تقديرِ مائةٍ أو ألفٍ، وكما ينجرُّ المَعدود بالعددِ هنا، كذلك ((كم)).

стр. 316

طريقةٌ أُخرى: وهو أن المَعدودَ هنا مجرورٌ، والجرُّ عملٌ، ولابدّ له من عاملٍ، وعامله لا يخلو إما أن يكون لفظاً، أو مقدراً، لا وجه إلى الثاني لأنَّ الذي يقدَّرُ حرفُ الجرِّ، وحروفُ الجرِّ لا يَبقى عملها بعدَ حذفِها؛ لأنَّها وصلةٌ لغيرِها، فتعيّن أن يكونَ اللَّفظُ الظَّاهرُ هو العامِلُ. فإن قيل عليه إشكالان: أحدُهما: جوازُ ظُهور ((من)) كقولك: كم من عبدٍ ملكت ولو قُلتَ عندي مائة من عبدٍ لم يَجُز. والثاني: أنَّ الجرَّ لو كان بالإِضافةِ لكانت ((كم)) معربةً كما تُعرب ((قبلُ)) و ((بَعدُ)) إذا أُضيفت. والجوابُ: أمَّا ظهورُ ((مِن)) فلا يَمنع عمل الاسم، كما لو قلتَ: عندي ثَوبٌ من خزٍّ، فإن الجر هنا بـ ((من)) ولو قلت: عندي ثوب خز كان العمل للثوب، وأما الإِعراب بعد الإِضافة فغير لازم ألا ترى أن ((لَدُن)) تضافُ كقولِهِ تَعالى: ﴿من لَدُن حَكيمٍ﴾ فإنّها مبينة بعدَ الإِضافَةِ؛ لأنَّ علةَ البناءِ موجودةٌ في الحالين، فكذلك كم. واحتجَّ الآخرون بأن ((من)) تَظهرُ بعد ((كَم))، ولَيس ((من)) زائدة بل هو استعمالٌ على الأَصل، وإذا كان كذلك كان العملُ لـ ((من)).

стр. 317

والجوابُ: أن ظهورَ ((من)) لا يَمنع من الجَرّ بالإِضافةِ كما ذكرنا. [والله أعلم بالصواب].

стр. 318

٧٤ - مسألة: [الفصل بين (كم) وتمييزها] إذا فصلت بين ((كم)) الخَبرية وبين ما يبيَّنُ به نَصبته كقولِكَ: كم عِندي دِرهَماً ولا يجوزُ الجَرُّ في الاختيار. وأجازَه الكوفيون. وجهُ القَولِ الأولِ: مبنيٌّ على الجار هل هو كم أو من مقدّرةٌ. والصحيح هو الأولُ، وبالفَصل تَبطُلُ الإِضافة، فيجبُ أن يخرج المُمَيَّزُ على الأَصلِ وهو النَّصبُ كما إذا نُون العَدَد نحو قول الشاعر: إذا عاشَ الفتَى مائَتينِ عاماً ... فَقَدْ ذَهَبَ اللّذَاذَةُ والفَتَاءُ

стр. 319

ومنه قولُ الشَّاعرِ: كَم نالَنِي مِنهُمْ فَضْلاً على عَدَمٍ ... إذا لا أَكادُ من الأَقتارِ أحتَمِلُ فنصبَ لمّا فَصَلَ. واحتجَّ الآخرون بقول الشّاعرِ: كم بجودٍ مُقرفٌ نالَ العُلى ... وكريمٍ بخُله قد وَضَعَهْ فجرَّ مع الفصلِ.

стр. 320

والجوابُ عن البيت من الوجهين: أحدُهما: أنَّ الروايةَ الصَّحيحةَ الرّفعُ، أو النّصبُ، وكلاهما قد روي، فالرفعُ على أنه خبرٌ عن ((كم)) والنَّصبُ على التَّمييز، وروايةُ الجرِّ شاذةٌ فلا تُجعل أصلاً. والثاني: هو من ضَرورة الشّعر والعلةُ فيه من وجهين: أحدُهما: أن الجَرَّ بـ ((كم)) ولا يَبقى مع الفصل. والثاني: أن الجَرَّ بـ ((من)) وتقدير ((من)) هنا غيرُ سائغٍ؛ لأنها حذفت بعد ((كم)) لما نابت عنها، فإذا فُصل بينهما بَطلت النّيابة آخرها. والله أعلمُ بالصوابِ.
следующие страницы →