Полный текст (348 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فالجوابُ:
أمّا النَّقضُ فعنه جوابان:
أحدُهما: أنّ ((ظبياً))، و ((غزواً)) صحيح في حكم النّحوِ معتلُّ في حكمِ التَّصريف، وبينهما فرقٌ، ألا تَرى أنّ المُعتلّ في حكم التّصريف يكون فاءً وعيناً، ولاماً نحو: ((وعد)) و ((يُسر)) و ((ثَوب)) و ((بَيع)) و ((غَزو)) و ((رَمى)) وهو في النَّحو غيرُ ذلك.
والثّاني: أنَّ هذه الأسماء وإن لم تكن صَحيحة من جهة الحرف، ولكنّ حكمها حكم الصَّحيح في الإِعراب، والحدّ يجمع الحقيقةَ، وما كان حكمه حكمَ الحقيقة، وأمّا الذي لا ينصرف فالحدُّ موجودٌ فيه ألا تَرى أنّك إذا أدخلتَ عليه الألف واللاّم أو أضفته تعاقبت عليه حركات الإِعراب الثّلاث، فأمّا إذا تجرَّد عن الإِضافة، والألَف واللاَّم، فإنّ حركتين منها تَظهر لفظاً، و [في] الثالثة وجهان:
أحدُهما: أنّ الفتحةَ قد نابت عنها فهي من جهةِ المعنى كسرةٌ، ومن جهة اللّفظ فتحةٌ، وغير ممتنع أن يكون للشّيءِ جِهتان مُختلفتان في التَّقديرِ وإن اتّفقنا في اللَّفظِ، مثل الألف في العَصا، فإنّ اللّفظَ في الأَلف واحدٌ في كلِّ حالٍ، والتّقدير مختلفٌ.
والوجهُ الثَّاني: أنَّ الكسرة مستحقَّةً، ولكن منع ظهورها مانع، فهي في حكم الملفوظ به.
أمّا الحدُّ الذي ذكروه فهو نفيٌ محضٌ، والنّفيُ لا يدلّ على الحقيقة، وإنّما يحصل العلمُ به من طريقِ الملازمةِ، كقولك في الأَعمى ما ليس ببصيرٍ أو هو غيرُ البّصير وهذا ليس بحدٍّ إجماعاً. والله أعلم بالصّواب.
стр. 72
١٧ - مسألة [إعراب الاسم المنقوص]
الاسمُ المنقوصُ في حالِ الرّفعِ والجرِّ إعرابه مقدّرٌ.
وقال بعضُ النّحويين: ليس بمقدّرٍ، بل سكون اليّاء رفعٌ أو جرُّ.
ووجهُ القول الأوّل: أنّ الإِعرابَ والحركات الحادثة عن العامل والسُّكون في الأسماءِ غيرُ حادثٍ عن عامل، فلم يكن إعراباً وإنّما الإِعرابُ الحركةُ، ولكن منع من ظهورها مانع، وهو ثِقَلُ اللَّفظِ بها على الواو والياءِ بعد الكسرةِ، لما كان حذفُها لمانعٍ وَجَبَ أن تقدَّرَ كما في ألفِ المقصورِ.
فإن قيل: الفرقُ بينهما أنّ ضمّةَ الواوِ وكسرتهما بعدَ الضمّةِ والكسرةِ ممكنٌ، وحركةُ الألفِ في العَصا مُستحيلٌ، والممكنُ لا يقدَّرُ تقديرَ المستحيلِ، فعندَ ذلك يُجعَلُ سكونُه في الممكن كحقيقةِ الحركةِ، إذ كانت الحركةُ ممكنةٌ بخلافِ الألفِ، فإنَّ حركتَها في اللّفظِ مستحيلةٌ، فلا تُجعَلُ نفسُها قائمة مقامَ الحركةِ.
قيل: لا فرقَ بينَ الموضعين، لأنَّ ما يُستثقلُ عندهم في حكمِ المُستحيل، والله أعلم بالصَّواب.
стр. 73
١٨ - مسألة [الوقف على المنقوص]
اختلف العربُ في الوقفِ على المنقوصِ رفعاً وجرّاً، هل يوقفُ عليه بالياءِ أو بحذفِها؟ ولهم فيه مذهبان: أحدُهما الحذفُ والآخرُ: الإِثباتُ.
ووجهُ الحذفِ أنّ الياء قد وجبَ حذفها في الوصلِ من أجلِ التَّنوين، وإذا حذفت في الوصل، وجب أن تحذف في الوقف، لأنّ الوقف عارض، والعارض لا يغّير حكمَ الأصلِ، ألا تَرى أنَّ قولَك: ((قم)) و ((خف)) و (([بع])) ألفاتُها محذوفةٌ، لسكونِها، وسكونِ ما بعدها، ولو حرّكت السّاكن الثاني لم تَعدِ الألف، كقولك: ((قمِ اللّيلَ)) و ((خفِ الله)) و ((بع الثّوبَ))، لمّا كانت حركتُه عارضةً، كذلك ها هنا، على هذا تقول:
стр. 74
هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ كما تقول: هذا زيدٌ، ومررت يدلُّ عليه أنَّ الحذفَ في الوقفِ يُنبّه على الحذفِ في الوصلِ، والوصلُ أصلٌ يُحتاجُ إلى التنبيهِ عليه. واحتجَّ الآخرون بأنَّ الموجِبَ للحذفِ قد زالَ فيزولُ حكمه، وبيانهُ أنَّ الموجبَ للحذفِ التقاءُ الياء مع التَّنوين، وهما ساكنان فَحُذِفَ الأوّل لئلاَّ يجتمعَ ساكنان، وهذا قد أُمن في الوقف، فتعودُ الياءُ إلى حقِّها، كما أنَّ الجازمَ إذا دخلَ حذفَ الألفَ من ((يخَافُ، يقَومُ، ويَبيعُ)) فلو فقد الجازم ثبتت هذه الحروف، لزوالِ موجبِ حَذفها.
والجوابُ عن هذا ما تقدّم من أنَّ الوقفَ عارضٌ، والعارضُ لا يغيِّرُ حكمَ الأصلِ. والله أعلم بالصّواب.
стр. 75
١٩ - مسألة [الوقف على المقصور المنوّن]
إذا وقفتَ على المقصورِ وقفتَ بالألفِ إجماعاً كقولك هذه العصا، ورأيت عصا، ومررت بعصا، واختلفوا في أصلِ هذه الألف على ثلاثةِ مذاهبٍ:
فمذهبُ سيبويهِ: أنّ الألفَ في الرّفعِ والجرِّ لامُ الكلمة، لا بَدَلٌ، وفي النَّصبِ هي بَدَلٌ من التَّنوينِ.
والمذهب الثاني: أنّ الألفَ في الأحوالِ الثلاثِ لامُ الكلمةِ، لا بدلٌ، وهو قولُ السيّرافي وجماعة.
стр. 76
والمذهبُ الثالثُ: هي في الأحوالِ الثلاثةِ بدلٌ [من] التَّنوين وهو قولُ المازِنِيِّ، والمُختارُ مذهبُ سيبويهِ.
ووجهُهُ أنّ الألفَ لامُ الكلمةِ فكان الوقف عليها في الجرِّ والرّفعِ كالاسم الصّحيح، وهي في النّصب بَدَلٌ من التَّنوين كالاسم الصَّحيحِ أيضاً، وبيانهُ: أنّ المذهبَ المشهورَ في الاسم الصّحيحِ أن تقولَ في الرّفع والجرِّ هذا زيدٌ ومررتُ بزيدٍ، فتقف على الدَّالِ من غير إبدالٍ، فكذلك المُعتَلّ، وذلك أنّ الصحيحَ هو الأصلُ المعلومُ، والمقصورُ مجهولٌ من جهةِ اللّفظِ فيجبُ أن يحملَ على المعلومِ الظَّاهِرِ، إذ حكم المجهولات أن تردّ إلى المعلومات، والمقدّرُ محمولٌ على المُحقّق.
فإن قيلَ: الاسمُ الصّحيحُ يَبِيْنُ فيه الفرقُ بين الرّفعِ والجرِّ وبينَ النّصبِ، وفي المعتلّ لا يَبينُ، فينبغي أن لا يُحمل على الصَّحيحِ، وعلى هذا الدَّليلِ اعتراضاتٌ أُخر هي من قبيلِ المُعارضة وسنذكرها في شُبَهِ المُخالفين.
стр. 77
فالجوابُ عن الفرقِ من وجهين:
أحدُهما: أنَّ الفرقَ غيرُ محصورٍ في جهةِ اللّفظ بل هو مقصودٌ في أحكامٍ أُخر، وذلك موجود هنا.
وبيانه أنّا إذا جَعلنا الألفَ في الرّفَعِ والجَرِّ لام الكلمةِ كُتب ما أَصله الياء بالياء، وما أصله الواو بالألف، فالواو نحو ((عَصا)) و ((عَلا))، والياء نحو ((رحَى)) و ((هُدى))، والكنايةُ ضربٌ من أقسام الموجودات ويستدلُّ بها على الأصولِ فالفرق فيها نافعٌ، ومن الفروق إمالة اللاَّمِ في موضعٍ تجوزُ [فيه] الإِمالة نحو هذه رحىً وانتفعت بُهدَى، وهذا فرقُ لفظيُّ وكذلك وقوعها رويّاً على ما نذكره من بعده.
والوجه الثاني: أنّ الحكمَ إذا ثبت لعلّةٍ اطّرد حكمها في الموضعِ الذي امتنع فيه وجودُ العلّةِ، ألا تَرى أنّك ترفعُ الفاعلَ، وتنصِبُ المفعولَ في موضعٍ يُقطَعُ بالفرق بينهما من طَريقِ المعنى لو قلتَ: ((ضربَ الله مثلاً)) فإنّكَ ترفعُ وتَنصبُ مع أنَّ الفاعلَ والمفعولَ معقولٌ قَطعاً ونظيرُه من المَشروع أنَّ الرَّمل في الطَّواف شُرِعَ في الابتداء لإِظهارِ الجَلَدِ ثُمَّ زَالت العِلَّة وبقيَ الحكمُ، وهذا ينزعُ إلى معنى صَحيحٍ، وهو أنَّ الأصلَ أنّ الحكمَ لا يُعلَّلُ بعلّتين، فإذا ثَبَتَ الحكمُ في الابتداءِ بعلَّةٍ ثمّ زالت العلّة وزوال حكمها كان كالتعليلِ الحكمِ بعلّتينَ، ومثلُ ذلك العُدَّة عن النِّكاحِ تُعلّل ببراءَة الرَّحمِ، ثمّ يثَبت في موضعٍ يستحيلُ فيه شَغلُ الرّحمِ، وسببُ
стр. 78
ذلك أنّ النُّفوس تأنس بثبوتِ الحكمِ لِعلّةٍ فلا يَنبغي أن يَزول ذلك الأُنس، ونظيرهُ في التَّصريفِ أنّ الواوَ في مستقبلِ وَعَدَ ووَزَنَ حُذفت منه لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ نحو يَعِد، ثمّ حذفت مع بقيّة حروف المضارعة مع عدمِ العِلَّةِ ليكون البابُ على سَننٍ وله نَظائر أُخر.
واحتجَّ من قالَ: ((هي بدلٌ في الأحوالِ الثلاث)) أنّ العلَّة في إبدال التَّنوين ألفاً في النَّصب فتحةُ ما قبلها نحو رأيتُ زيداً وتنوين المقصورِ قبله فتحة فيجبُ أن تُقلب ألفاً، وهو في المقصور آكدُ؛ لأنَّ فتحةَ ما قبلَ التَّنوين لازمةٌ والفَتحةُ في الاسم الصَّحيحِ غيرُ لازمةٍ.
واحتجَّ من قالَ: ((هي لامُ الكلمةِ في كلِّ حالٍ)) أنّ أحكامَ الأصالةِ ثابتةٌ، وحكمُ الإبدالِ منتفٍ، فوجبَ أن يُحكمَ بالأصالةِ كبقيّةِ الأَحكام، وبيانهُ أنّ حكمَ اللاّمِ أَن تَقَعَ رويّاً في الشّعرِ، والأَلفُ في المَقصورِ المَنصوبِ قد وَقَعَتْ رويّاً كقول الشاعرِ:
إِنَّكَ يا بنَ جَعْفَرٍ خيرُ فَتى
ثمّ قال:
ورُبَّ ضَيْفٍ طَرَقَ الحَيَّ سُرى ... صادَفَ زَادًا وَحَدِيْثاً مَا اشْتَهى
إِنَّ الحَدِيْثَ طَرَفٌ مِنَ القِرى
стр. 79
فالألف في ((سُرى)) رويُّ وهي بأزاءِ الألفِ في ((فتَى)) و ((اشتَهى)) و ((القِرى)) وكما أنَّ تلك الألفات رويٌّ كذلك ألف ((سُرى))، يدلُّ عليه أنها لو كانت بدلاً من التنوين لم تكن رويّاً، ألا ترى أنَّ الألف في قولك: ((رأيتُ زيداً)) لا تكون آخر بيتٍ مع أنّ عمراً في بيتٍ آخرَ من القَصيدة، لأنّ ما قبل الأَلف مختلف والرَّويُّ لا يختلف، ومن أحَكامِ الأُصول أنَّك لا تُميل الأَلف المُبدلة من التَّنوين وها هُنا تُمال وقد قرأَ بعضُ القرّاءِ: ﴿أَوْ أَجِدُ على النَّار هُدى﴾.
وليس في الكلمةِ إمالةٌ تتبعها هذه الإِمالة، ومن الأحكام كتابة ((هذا)) بالياء وفي المصاحف ﴿أَو أَجِدُ عَلى النَّارِ هُدَىْ﴾ بالياء، فبانَ بما ذكرناه أنّ الألفَ في الأحوالِ الثَّلاثِ لامُ الكلمةِ. والجوابُ عن شُبه المَازِنِيِّ: أنَّ الفَتحة في الاسمِ الصَّحيح قبلَ حركةُ إعرابٍ غير لازمةٍ، فجاز أن يُبدلَ لها التَّنوين، والفتحةُ في ((العَصا)) و ((الهُدى)) لَيستْ فتحةَ إعرابٍ فبطلَ القياسُ، ولهذا يقدَّرُ في يقدَّرُ في المَنصوبِ المُنوّن أنّ لامَ الكلمةِ مَحذوفٌ نحو رأيتُ عَصاً.
стр. 80
وأمّا الجوابُ عن المذهب الأخير فيتحقّق ببيان فسادِ ما استدلَّ به فمن ذلك وقوعها رَوِيّاً، وعنه ثلاثة أجوبة:
أحدُها: أنَّه من غلظِ طَبع الشَّاعر، ألا تَرى أنّ باب الإِقواءِ جائزٌ في الشّعرِ مثل أن يجعل النون رويّاً في بيت بعده كقولِ الشَّاعر:
بُنيّ إِنَّ البِرَّ شيءُ هَيِّنٌ ... المَنْطِقُ الطَّيبُ والطُّعَيِّمُ
والجوابُ الثاني: أنّ ذلك جاء على لغة من لم يُبدل من التّنوين ألفاً في النَّصبِ كقول الأعشى:
وآخُذُ مِنْ كلِّ حيِّ عُصُمْ
والأصلُ عُصُماٌ.
والجوابُ الثالث: أنّ الألفَ المُبدلة تُشبه الألف التي هي لامُ والشَّبه بينَ الشَّيئين قد يَجذِبُ أحدُهما إلى الآخر، كقولهم: مررتُ بزيدٍ الضَّاربِ الرجلِ بالجرِّ حَملاً على قولك: مررتُ بالرّجلِ الحَسن الوجه، وهذا اتّفاق
стр. 81
شَبَهِيٌّ مع أنّ الفرقَ بينهما ظاهرٌ، وذلك أنَّ الرجلَ هنا مفعول، وحكمه أن يَنتصب، وأنّ الرجلَ ليس للمضافِ إليه، بخلاف الحَسَنِ الوجه لأنّ الحُسْنَ للوجه ومع هذا قد حُمِلَ أحدُهما على الآخرِ، وأجازوا مررتُ بالرَّجل الحَسَنِ الوَجهِ، حملاً على قولهم: مررتُ بالضاربِ الرّجلِ، وكلُّ ذلك للشَّبه اللَّفِظِيِّ.
وأمّا الإِمالةُ فبعيدةٌ في ألفِ التَّنوين، ومن أبدلها شبَّهها بلامِ الكلمةِ لما ذكرناه من الشَّبه اللّفظيّ، وهذا هو الشّبهة فيمن كَتبها بالياءِ. واللهُ أَعلم بالصَّواب.
آخُرها والحَمدُ لله وَحْدَهُ.
стр. 82
٢٠ - مسألة [إعراب الأسماء الستّة]
اختلفوا في الأسماء الستّة وهي أَبوك وأَخوك وحَموك وفُوك وذُو مالٍ على سبعةِ مذاهبٍ:
الأوّلُ: قولُ سيبويهِ وهي أنّ حروفَ المدِّ فيها حروفُ إعرابٍ، والإِعرابُ مقدَّرٌ عليها.
والثَّاني: قولُ أبي الحَسن الأَخفش أنَّ حروفَ المدِّ دوالٌّ على الإِعرابِ فَقط.
стр. 83
والثَّالثُ: قولُ الجَرميّ أنَّ قبلها إِعرابٌ.
والمذهبُ الرابعُ قولُ قُطْربٍ وأبي إسحاق الزِّيادِيّ: أنّ هذه الحُروف إعرابٌ.
والخامس: قولُ المازِنِيِّ: أنّ هذه الحُروف ناشئةٌ عن إشباعِ الحركاتِ، والإعرابُ قبلها.
والسادسُ: قولُ أبي علي وأَصحابهِ: أنَّ هذه الحُروفَ هي حروفُ الإِعرابِ ودَوَالُّ على الإِعرابِ، وليسَ فيها إعراب مُقَدَّرٌ.
والسابعُ قولُ الفرّاء: وهي أنَّها مُعرَبَةٌ من مكانين، حُروف المَدّ وحَركات ما قَبلها.
стр. 84
فنبدأ بمذهبِ سيبويهِ وندلّ عليه بطرقٍ أربعة:
الأوّل: أنَّها أسماءٌ معربةٌ، فكان لها حرفُ إعرابٍ، كسائر الأسماءِ المُعربة، وإنّما قلنا ذلك لأنّ الإِعراب إِمَّا معنى، وإِمَّا حركةٌ، وكلاهُما يَفتقر إلى مَحَلٍّ به كسائرِ الأعراضِ المَعقولة، ومحلّه حرفه كالدّال من زيدٍ ونحوه، يدلّ عليه أنّ المُعتَلَّ مقيسٌ على الصَّحيح كما ذكرناه في مسألة الوقف علَى المقصور وكما أنَّ الاسمَ الصّحيحَ لا يَعْرَى عن حرفِ إعرابٍ كذلك المُعَتلَّ، ولذلك حكمنا على الياء في المَنقوص، والأَلف في المقصورِ، على أنَّهما حرفا إعرابٍ.
والطّريق الثاني: أنّ هذه الأسماء لها حروفُ إعراب قبل الإِضافة، فكان لها حروف إعراب بعد الإِضافة كسائر الأسماء، وبيانه أن، قولَك هذا أبٌ ورأيت أباً ومررتُ بأبٍ حرف إعرابه الباء، وكان يجبُ أن تكونَ حروف المدّ بعدَ الإِضافة، لأنَّها صارت آخرَ الكلمةِ، كما أنَّ الباءَ قبلَ الإضافةِ آخرَ الكلمةِ، والإضافةُ لا تَسلِبُ الكلمةَ حرفَ إعرابِها نحو غلامك وغلامه.
والتَّحرير أنّه لا فارقَ بين حالها مضافةً وغير مضافةٍ إلاّ الإِضافة، ولا أثرَ لها لهذا الفارِقِ في سلب حروفِ الإِعراب، بدليل الصَّحيح والمُعتلّ والمَنقوص والمَقصور.
الطّريقُ الثالثُ: أنّ هذه الأسماء لو خرجت على أصلها كان حرفُ المدِّ فيها حرفَ إِعرابٍ، كذلك لمّا حذفت ثمّ ردّت، وبيانه: أنّها لمّا ردّت
стр. 85
عادت إلى كمالها ولكن غُيّرت لمعنى لا يُؤَثِّر في إِزالةِ حرفِ الإِعرابِ.
الرّابع: أنّ هذه الحروفَ موجودةٌ في الإِضافة طرفاً، ولا تَخلو من أن تكون زائدةً أو إِعراباً أو حروفَ إعرابٍ، لا وجه إلى الأوّل، لأنَّ حكمَ الزائدِ أنّه إذا حُذِفَ لم يَخْتَلَّ به معنى، وثُبوت هذه الحروف على اللُّغة المشهورة إذا حُذِفَتْ لم يبقَ معناها ولا وجهَ إلى الثَّاني، لأنَّ الإِعرابَ إمّا حركةً وإمّا مَعنى تَدُلُّ عليه الحَرَكَةُ وكلاهُما إذا حُذِفَتْ لا يَبْطُلُ معنى الكَلِمَةِ، وإنَّما يَبْطُلُ المعنى الذي يدلّ عليه الإِعراب، وإذا بطلَ القسمان ثبتَ كونُها حروفَ إعرابٍ، والدَّلالة على أنّ الإِعرابَ مقدَّرٌ فيها أنّ حرفَ الإِعرابِ في الأسماءِ لا يَعرّى من الإِعرابِ لفظاً أو تقديراً، لأنّه دالٌ على معنى فوجبَ أن يثبتَ لِيَحصلَ مدلولُه، فإذا لم يَكُن في اللَّفظِ ظاهراً كان مُقدّراً كالأسماءِ المقصورةِ، والمانع من ظهورِه قائمٌ.
فإِن قيلَ: لا يستقيمُ هنا تقدير الإِعرابِ وذلك أنّ الواو في حالِ الرّفع ساكنةٌ ولم تُقلب حتّى يقدّر الإِعراب على ما تَنْقَلِبُ إليه، وفي النَّصبِ والجَرِّ تحرَّك الحرفُ بحركةِ الإِعرابِ، فانقلب ألفاً أو ياءً، فالموجبُ للانقلابِ حركةُ الإِعراب، فكيفَ تقدّر بعدَ وجودِ عَمَلِها؟.
فالجوابُ أنّ الحركةَ على أصلِ هذه الحروف حركةٌ مطلقةٌ غيرُ معيّنةٍ، فكان الانقلابُ بكونها مُطلقةً، ولمّا انقلبت قدَّرنا عليه الحركات المُعيّنة، فالمقدَّرُ غير الذي أوجبَ الانقلابَ، وهذا يبيّن لك في المقصور نحو العَصا والرَّحى فإنَّ الانقلاب فيهما كانَ بالحركةِ من حيثُ هي مطلق الحركة لا بكونها ضمَّة وأُختيها، إِلاَّ أنَّها في الرَّفع يقدَّر على الواو السّاكنة ضمّة، كما يقدّر على الواو في ((يعَزو)) وكما يقدّر على الألف في ((العَصَا))؛ لأنَّ المانع من ظُهورِ الضَمَّة ثقلها على الواو، وهذا المعنى مَوجودٌ في
стр. 86
قولِكَ: ((هذا أَبوك)) والمانعُ من الألَفِ استحالةُ حركتِها، ومع الياء ثِقلها.
وأمَّا مَذهبُ الأخفش فيُحتجّ له بأنَّ هذه الحُروف يلزمُ منها الحُكُم بالرّفعِ والنَّصبِ والجَرِّ، فيلزم أن تكونَ قائمةً مقام الحَركات الإِعرابيّة، ولا يكون لهذه الكلمات حروفُ إعرابٍ كالأمثلة الخمسة.
والجوابُ عنه من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ دِلالةَ الشّيءِ على الإِعرابِ يَحتاج إلى مَحلٍّ فإذا لم يكن له حرفُ إعرابٍ بقي الإِعراب عرضاً قائماً بنفسه، والعَرض لا يقومُ بنفسه.
له حرفُ إعرابٍ بقي الإِعراب عرضاً قائماً بنفسه، والعَرض لا يقومُ بنفسه.
والثّاني: أنَّ الدّليلَ يَفتَقِرُ إلى مَدْلُولٍ عليه، فالمَدلول عليه هُنا الرَّفعُ والنَّصبُ والجَرُّ، فإن كانت هذه المعاني هي المدلول عليها، وهي نَفْسُ هذه الحروف، أفَضى إلى أن يكونَ الدَّليلُ هو المدلول عليه، وإن كان المدلول عليه غيرها احتاج إلى محلّ يقوم به ويعود الكلام الأوّل.
والثالثُ: أنّ ذلك يُفضي إلى مُحالٍ في بعضِ الأَسماء وذلِكَ، أنَّ فُوك وذُو مالٍ إذا كان حرفُ المَدِّ دليل الإِعراب يَبقى الاسمُ على حرفٍ واحدٍ وهو اسمٌ ظاهرٌ معربٌ، وهذا لا نَظيرَ لَهُ.
وأمَّا مذَهبُ الجَرميّ: فحُجّته أن الواوَ في الرّفع هي الأصل فتكون حرفَ الإِعراب والإِعراب مقدّر عليها ولم تظهر لثقلها مع الواو، فأمَّا في النّصبِ والجرِّ فالموجب لقلبها فيهما حركة الإِعراب، فالألف من جنسِ الفتحة، والياءُ من جنسِ الكسرةِ، فقد نابَ الحَرفان عن الحَرَكَتين والنائبُ عن الشيءِ يقوم مقامه.
стр. 87
والجوابُ عنه من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ الرّفعَ لا انقلاب فيه وهو مُعربٌ، وما ذكره يُفضي إلى أن تكونَ الكلمَةُ الواحدةُ ليس فيها علامةُ إعرابٍ في حالٍ، ولها علامةُ إعرابٍ في حالٍ آخر، وذا نظيرَ له، ولا نظيرَ له، ولا يَقتضيه قياسٌ.
والثاني: أنّ الانقلابَ لو كان إعراباً لكان واحداً، كما في منصوبِ التَّثنية والجَمع وجرّهما، وهنا انقلابان على حَسب الموجبِ للقلبِ وما كان كذلك لا يكونُ إعراباً.
والثالثُ: أنّ الانقلابَ في المقصورِ ليسَ بإعرابٍ، بل الإِعرابُ مقدَّر، والمنقلبُ حرفُ إعرابٍ.
وأمَّا مذهبُ قُطْرُبٍ فشُبهَتُه أنّ الإعرابَ ما يختَلفُ باختلافِ العاملِ، وهذه الحُروف بهذه الصِّيغةِ فكانت إعراباً.
والجَوابُ أنَّ هذه الحروف لم تَحدث عن عاملٍ وإنّما الحَركات المُوجبة لقلبِها هي الإِعراب الحادث عن عاملٍ، وقد دَللنا على ذلك.
وأمّا مذهبُ المَازِنيِّ فشبهتُهُ أنّ الضّمّةَ والفتحةَ والكسرةَ قبلَ حروفِ المدِّ ناشئةٌ عن عاملٍ؛ لأنّها تَخَتلِفُ بحسبِ اختلافه فكانت هي الإِعراب، ولكن لمّا أُريد تمكينها أُشبعت فنَشأت عنها هذه الحروف.
والجوابُ عنه من أربعةِ أوجهٍ:
стр. 88
أحدُها: أنّ حدوثَ الحرفِ عن الإِشباعِ خلافُ القياس وهو شاذٌّ وبابه الشّعر للضّرورة.
والثاني: أن، ما كان من أجل الإِشباع غير لازم، بل إن شاء أتى به وإن شاء لم يأتِ، وها هنا ذكر هذه الحروف لازمٌ، فلم يكن عن الإشباع.
والثالثُ: أنّ ذلك يُفضي في بعض الأَسماء أن يكون الاسمُ الظاهر على حرفٍ واحد وهو فوك وذو مال وهو من أبعد الأشياء.
والرابعُ: أنّها لو كانت للإِشباع لخالَفت بقيّةَ المحذوفات نحو: ((دَمٍ)) و ((يَدٍ)) فإنَّها لا تَختلفُ مع أنّ الحركات موجودةٌ فيها والأصلُ عدمِ الاختلاف.
وأمّا مذهبُ أبي عليّ فهو أقربُ المذاهبِ؛ وذاكَ أنّه وَجَدَ هذه الحروفَ لاماتِ الكلمةِ فمن هاهنا هي حروفُ إعراب، ووجدها دالّة على الإعراب فقضى بها حكماً للدّليل، وغير ممتنع أن يكون الشيء الواحد دالاً على أشياء، أَلا تَرى أنَّ التاءَ أنَّ التاءَ في قولك: ((هي تقومُ)) حرفُ المضارعة ودليلُ التأنيث وفي قولِكَ: ((أنتَ تقومُ)) هي حرفُ المضارعةِ ودَليلُ الخِطابِ.
ولأَصحابِ سِيبويهِ أن يَقولوا إنّه ليس كلُّ مقدّرٍ عليه دَلِيلٌ من اللّفَظِ بدليلِ المَقْصُورِ فإِنَّ الإعرابَ فيه مُقدَّرٌ وليس له لفظٌ يَدُلُّ عليه، كذلك هَاهُنا.
стр. 89
وأمّا مذهبُ الفَرّاء فحجّته أنّه وَجَدَ الحركات قبل هذه الحروف، وهذه الحروف تَختلفُ باختلافِ العاملِ، فكانا جميعاً إعراباً.
وهذا فاسدٌ لثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ الإِعرابَ حاصلٌ عن عاملٍ، والعاملُ الواحدُ لا يعملُ عملين في موضع واحدٍ.
والثاني: أن، الإِعرابَ يفرّق بينَ المعاني، والفَرق يحصل بعملٍ واحدٍ، فلا حاجةَ إلى آخر.
والثالثُ: أنّه يُفضي إلى أن تكون الكلمةُ كلُّها علامات الإِعرابِ وهو قولك: ((فُوك)) و ((ذُو مالٍ)) فإِنَّ ضَمَّة الفاء والذَّال والواو بعدهما هو كلّ الكلمة، فإذا كان ذلك إعراباً فأين المعرب؟ ولا يصح قياسه على قولهم هذا أمرؤٌ ورأيت امرأً ومررت بامريءٍ، فإنَّ الرّاء والهمزةَ تختلفُ حركتهما، لأنّا نقول حركة الراء تابعة لحركة الهمزة، وليست إعراباً، كما أنّ الحركةَ قبلَ حروفِ المدِّ تابعةُ لها وليست إعراباً، والله أعلمُ بالصَّوابِ.
стр. 90
مسائل التثنية
٢١ - مسألة [المثنىّ وجمع المذكّر السالم معربان]
الإِسمُ المثنّى والمَجموعُ جمع السَّلامةِ مُعربان.
وحُكِيَ عن الزجّاج أنَّهما مبنيّان.
وجهُ القولِ الأوّلِ: أنَّ المعرَبَ هو ما اختلفَ آخره لاختِلافِ العامِلِ، وهذان الضَّربان كذلك فكانا مُعربين.
стр. 91
وبيانه: أنَّهما في الرَّفع بحرفٍ، وفي الجرِّ والنَّصب بحرفٍ آخر، وهذا الاختلاف مَنسوبٌ إلى اختلاف العامل؛ لأنَّه يحدثُ عنه حدوثاً مُطَّرِداً، والاطِّرادُ دليلُ العلَّةِ، فإذا قلتَ: ((قامَ الزَّيدان، والزَّيدون)) و ((رأيتُ الزَّيدَين والزَّيدِين)) ورأيتُ الاختلافِ العامل. فإن قيل: فقد حَصَلَ هُنا اختلافان، حركةُ ما قبلَ حروفِ المَدِّ وحروف المّدِّ، واختلافُ الحركةِ فيما قَبل حَرْفِ المَدِّ ليس بِإعرابٍ، فكذلك حرفُ المَدِّ لا يكونُ اختلافُهُ إعراباً.
فالجوابُ أنَّ الذي اختلفَ بحكمِ الأصلِ هو حرفُ المَدِّ، وهو الأَلفُ في الرَّفع، والياء في النَّصبِ والجّرِّ، وهكذا في جمعِ السَّلامة وحركةُ ما قبلَ هذه الحروف تابعٌ لها، أو ثابتٌ للفرقِ بينها، وليس بحادثٍ للعامل فثبتَ أنَّ اختلافَ هذه الحُروف منسوبٌ إلى العاملِ قَصداً، فكان إعراباً. واحتجَّ للمُخالف أنَّ المثنَّى والمَجموع يتضمَّن معنى واو العطف فكان الاسمُ به مبنيّاً كخمسة عشر ونحوه.
والجوابُ: أنَّ هذين الاسمين غير مركبين، لأنَّ التركيبَ يبقى معه لفظُ كلِّ واحدٍ من الاسمين كخمسةَ عشرَ، والمثنّى صيغة أُخرى غير صيغة الإِسمين المفرَدين، ويطّرد لوضح القياس أن تقولَ: ((زيدٌ زيدٌ))، فأمَّا الزَّيدان والزَّيدِين فلم يَبْقَ فيه غير لفظ الواحد، ثمَّ زيد عليه الحروف للمعاني فبطلَ بذلك أن يكونَ متضمِّناً واو العطف، وإنَّما المثنَّى يُغني عن عَطفِ الاسمِ الثَّاني على الأوَّل، لا أنَّ لفظ المعطوفِ والمعطوفِ عليه باقٍ، يدلّ عليه اختلاف آخرهما بحسَبِ اختلافِ العامِلِ، وليس كذلك ما يَتَضَمَّن معنى الواو. واللَّهُ أعلمُ بالصَّواب.
стр. 92
٢٢ - مسألة [حقيقة حروف التَّثنية والجمع]
حروفُ المَدِّ في التَّثنيةِ والجَمْعِ حُرُوفُ إعرابٍ عندَ سيبويه.
واختلف أَصحابُه في الإِعرابِ. فقالَ بَعضُهم: هو مُقدَّرٌ عليها كما يُقدَّرُ على المقصورِ. وقالَ آخرون لا يقدَّرُ عليها إعرابٌ.
стр. 93
وقالَ الأخفشُ والمازنيُّ والمبرِّدُ: ليست حروفَ إعرابٍ على ما ذكرنا في الأَسماءِ السِّتَّةِ.
وقال الجرميُّ: انقلابُ الألفِ إلى الياءِ هو الإعراب، وقالَ قُطْرُبُ والفرَّاءُ أنفسُهما إعرابٌ. وحجَّة الأولين من ستة وجه:
الأول: أنَّه اسمٌ معربٌ، فكان له حرفُ إعرابٍ كسائر الأسماءِ، والوجهُ فيه أنَّ المعربَ هو الذي يقومُ به الإِعراب، مثل المكرم هو الذي قام به الإِكرام، فالإعراب غيرُ المُعرب، لأنَّ محلَّ الشيءِ غيرُ ذلك الشيءِ كمُغايرة الأسود للسَّوادِ.
стр. 94
والوجهُ الثَّاني: أنَّ هذه الحروفَ حادثةٌ لمعنى في الاسمِ، فكانت حروفَ إعرابٍ، كتاء التأنيث وأَلفه، وياء النَّسب، وإنَّما كانَ كذلك، لأنَّ الحَرف الحادِثَ لمعنى يَصيرُ من جُملة الكلمةِ وطرفًا لها والأطراف حروفُ الإِعراب.
والوجهُ الثَّالثُ: أنَّ حرفَ الإِعرابِ هو الحَرفُ الأخيرُ الذي إذا أُسقِطَ يختلّ به المعنى، وحروفُ المَدِّ هنا كذلِكَ، إنَّها إذا أُسقطت اختلَّ معنى التَّثْنِيَةِ والجَمع، فتصيرُ كالدَّالِ من زيدٍ.
والرابعُ: أنَّ هذه الأَسماء لها حرفُ إعرابٍ قبلَ التَّثنية فكان لها حرفُ إعرابٍ بعدها، كالاسمِ المؤنث، وذلك أنَّ المعنى الحادثَ لا يَسلِبُ الاسم معنى وإنَّما يزيده معنى، فلو حذف حرفُ الإِعراب لكانَ ذلك نقضاً لحكمِ الاسمِ.
والخامس: أنَّك إذا سميت رجلاً ((مسلمان)) أو ((زَيدون)) ثمَّ رَخَّمته حذفتَ الألفَ والنُّون، والنون ليست حرفُ إعرابٍ اتفاقاً، وجب أن تكونَ الألفُ حرفَ الإعرابِ، لأنَّ حكمَ التَّرخيمِ أن يَحذِفَ حرفَ الإِعرابِ كما تَحذف الثَّاء من ((حارث)).
والسادس: أنَّ العربَ قالوا: ((جَاءَ يَنْفُضُ مَذْرَوَيْه)) و ((عَقَدْتُهُ
стр. 95
بِثِنَايَيْنِ)) فأثبتوا الواو والياء كما يثبتونهما قبل تاء التأنيث نحو ((شقاوة)) و ((عباية))، وقد ثبتَ أنَّ الثّابتَ قبل تاءِ التأنيثِ من جملةِ، وأنَّه ليس بإعرابٍ، فثبت بذلك أنَّه حرفُ إعرابٍ.
واحتجَّ الآخرون من وجهين:
أحدُهما: أنَّ هذه الحروف تدلّ على الإِعرابِ، وحرفُ الإِعراب لا يَدُلُّ عليه، كالدال من زيدٍ، فثبت بذلك ليست حروف إعراب.
والثاني: أنَّها لو كانت حروفَ إعرابٍ لبانَ فيها إعرابٌ، ولا يَصِحُّ تقدير ذلك لِوَجْهَيْنِ:
أحدهُما: أنها تَدُلُّ على الإِعراب، فلو كان فيها إعرابٌ لكان عليه دَليلان.
والثاني: أنَّ حرفَ الإِعرابِ يلزمُ طريقةً واحدةً فلمَّا كان الرَّفع بحرفٍ. والجرّ والنصب بحرفٍ آخر، لم يكن حرفَ إعرابٍ، بل كانَ دليلَ الإِعرابِ.
واحتجَّ الجَرمي بهذه الشّبهة، وهو أنَّه لمَّا احتيج في الجَرِّ والنَّصبِ إلى حرف آخر غير ألف، علم أنَّ الانقلاب هو الإِعراب.
واحتجَّ الفرَّاء: بأنّ الإِعراب ما دلَّ على الفاعِل والمفعولِ، وكان حادثاً عن عامل، وهذه الحروف بهذه المنزلة، فكانت إعراباً كالحركة.
والجَوابُ عن شبهةِ المازني ما ذكرناه في الأَسماء السِّتَّة، من أنَّها لو
стр. 96
كانت دليلَ الإِعرابِ لكان الإِعرابُ إمَّا فيها أو في غيرِها وكلاهما باطلٌ على ما تقدَّم.
فأمَّا معرفة الإِعراب من هذه الحروف ففيه وجهان:
أحدُهما: أنَّ الإِعرابَ مقدَّرٌ عليها، ولا دليلَ عليه كما في المقصورِ، وإنَّما اكتَفوا بوضعِ الألِف في الرَّفعِ، والياءِ في الجرِّ والنَّصبِ، عن دليلِ الإِعرابِ، ألا تَرى أنَّ ((نحن وأَنت)) بوضعِهِ يدلُّ على الرفعِ، و ((إيَّاك وبابه)) يدلُّ على النَّصبِ، كذلك الحُروف هُنا هي حروفُ إعراب، ووضعها يُغني عن ظهور الإِعرابِ، وإذا كانت الكلمةُ بأسرها تُغني عن الإِعراب فبأنْ يَدُلُّ آخر الكلمة أولى.
والجوابُ عن شبهة الجرمي أنَّ الانقلاب لو كان إعراباً لم يكن في المثنّى والمجموع رفعٌ؛ لأنَّ الألفَ والواوَ غيرُ منقلبتين عن شيءٍ.
وجواب آخر: وهو أنَّ الياءَ في التَّثنية والجَمعِ ليستْ منقلبةً عن
стр. 97
حرفِ، بل هو حرفٌ موضوع ابتداء، فلا انقلاب، بخلاف الأسماء الستَّة، فإنْ أراد بالانقلاب تَنَقُّل الحرفِ من حالٍ إلى حالٍ، لا الانقلاب التَّصريفي، قيلَ هذا لا يمنعُ من جَعلِ هذه الحُروفِ حُروفَ إعرابٍ، لقيامِ الدَّليلِ عليه، ويكون الانتقالُ مبنيّاً على الإِعرابِ المقدَّرِ.
وأمَّا مَذهبُ الفرَّاء: فالجوابُ عنه أنَّها لو كانت إعراباً لم تَدُلّ على معنى غير الإِعراب، ولَيست كذلك، بل هي دَالَّةٌ على معانٍ غير ما يدلّ عليه الإِعراب، فهي كتاءِ التأنيث، وياءِ النسب، وقد احتجَّ بعضُهم لغيرِ مذهبِ سيبويه بِأنَّ تاء التَّأنيث ثبتَتْ قبلَ هذه الحروف، نحو ((مُسلمتان)) و ((جارِيتان)) وحرفُ التأنيثِ لا يكونُ حَشواً.
والجوابُ: أن الدَّليلَ على كونِها حروفَ إعرابٍ ما تقدَّم. وأمَّا ثبوتُ التَّاءِ قبلَها، فوجهه أنَّ هذه الحروفَ حروفُ إعرابٍ، وتَدُلُّ على الإِعرابِ، فمن حيثُ هي دالَّةٌ على الإِعرابِ وقعتْ تاء التأنيث قَبلها، ولم تَكُنْ حشواً في هذا الحكمِ، وأمَّا من الجهةِ الأُخرى فلا تَنفي كونها حرفَ إعرابٍ، وكان السَّبَبُ في ذلك أنَّ التأنيث معنى يُفتَقَرُ إلى الدِّلالة عليه، فلو حذف في التَّثنية والجمع لبطل ذلك، فوجب أن يُحافَظَ على المَعنيين جميعاً.
واللَّه أعلمُ بالصَّواب.
стр. 98
٢٣ - مسألة: [تقدير الإِعراب على حروفِ التَّثنية والجمع]
إذا ثبتَ أنَّها حروفُ إعرابٍ فالإِعرابُ مقدَّرٌ عليها، خُرِّجَ ذلك على مذهبِ سيبويهِ في الأَسْماءِ السِّتَّة، وقد ذَكرنا الحُجَّة في ذلِكَ وما يرد عليها من الشَّبه، وأجبنا عنه، ومثله ها هنا، ومن أصحابِ سيبويهِ من قالَ لا يقدَّرُ عليها، إعرابٌ، وفرَّق بينها وبينَ الأسماءِ السِّتَّةِ، ووجه الفرق أنَّ هذه الحُروف أَفادت مَعنى غير الإِعرابِ، وهو التَّثنية والجَمع، فأفادَت الإِعراب بخلافِ حُروف المَدَّ من الأسماءِ السِّتَّةِ، فإنَّها لَم تَعُدْ زيادةً على كونِها
стр. 99
حرفَ إعرابٍ فاحتيجَ إلى تقدير الإِعرابِ وفيه فرقٌ آخر، وذلك أنَّ حرفَ الإِعراب في الأسماءِ الستَّة لامُ الكلمةِ، ولامُ الكلمةِ تُحرّك بحركة الإِعرابِ، فإذا تَعَذَّرت لَفظاً قُدِّرت، والحروف في التَّثنيةِ والجَمعِ لا تَستحقّ حركةً فعند ذلك لم تَتَعذَّر لفظاً حتَّى تُقَدَّر، بل زيدت حروف إعرابٍ ودالَّة على الإِعراب، ومع قيام الدَّليلِ على الشَّيءِ لا يُقدّرُ واللَّهُ أعلمُ بالصَّواب.
стр. 100
٢٤ - مسألة [النون في التَّثنية والجَمع عوض من الحركة]
النون في التَّثنية والجمع عوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في والواحد. وقال بعض البصريين: هي عوض من الحركة في موضع، وهو مع الألف واللاّم، وفيما لا ينصرف، ومن التّنوين وحدَه نحو فَتىً وَرَحىً.
وقال آخرون: هي بدلٌ من الحركة وحدها.
وقال آخرون: من التَّنوين وحده.
وقال الفَّراءُ فرَّق بها بينَ ألفِ التّثنية وبين أَلفِ النَّصب في الواحِدِ.
стр. 101
وحُجَّة الأولين من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ الاسمَ مُستَحِقُّ للحركةِ والتَّنوين وقد تَعَذَّرا في التَّثنيةِ والجَمعِ والنُّونُ صالحةُ أن تكونَ عوضاً منهما، ووجدنا العربَ قد زادُوها فيها فيغلبُ على الظَنّ أنَّها زيدت لذلك.
ودليلُ ذلك زيادتُها في الأمثلةِ الخَمسة عوضاً من الضَّمَّةِ، و٤٤٤٤٤٤٤٤٤٤٤٤٤٤ على صحَّةِ تعويضها من الحركةِ، ودليلُ صحَّةِ تعويضها من التَّنوين، أنَّ النَّونَ والتَّنوين لفظُهما سواءٌ.
الوجهُ الثاني: لمَّا وَجدنا النُّون في موضع يستَحِقُّ الحركة والتَّنوين، وحذفت في موضع يحذف فيه التَّنوين وهو الإِضافة، فدَلّ ذلك على ما قلنا، لكن ثبوتُ الشيءِ في موضعٍ وحذفُه في موضعٍ آخر ليس بِعَبَثٍ، بل لِعِلَّةٍ اقتضت الفَرقَ، ولَيس إلاَّ ما ذكرنا.
فإن قيلَ يَفْسُدُ ما ذكرتُمُوه من أوجهٍ:
أحدُها: أنَّ حروفَ المدِّ هُنا غير مُستحقَّةٍ للحركةِ لقيامها مقامَ الحركةِ في الدِّلالِة على وجوهِ الإِعراب، فلم يبق ما يعوّض منه.
والثَّاني: أنّ النُّون تثبتُ في موضعٍ لا يَستحق الحركة مثل ((العَصا)) و ((الرَّحى)).
والثالثُ: أنَّها تثبت مع الألف واللام وهذا لا ينوَّن.
والرابعُ: أنَّها تثبت في ((ما لا ينصرف)) نحو: أحمد،
والخامسُ: أنَّ النُّونَ ثابتةٌ في ((هذان)) و ((اللَّذان)) ولا يَستحق ذلك حركةً ولا تنويناً. فالجوابُ عن الأولِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
стр. 102
أحدُها: أنَّ الحركة مقدَّرة على هذه الحروف ولكنْ حركةٌ لا تظهر بخلاف ألف المقصور فجعل النون عوضاً من ظُهورِ الحركةِ المقدَّرةِ إذ كانت لا تظهرُ في موضعٍ مَّا ولكن الدَّليلَ يَقْتَضِي تَقديرَها، إذ كانت هذه حروفَ إعرابٍ، وحروفُ الإِعرابِ لا تعرى عن الإِعراب لفظاً أو تقديراً.
والوجهُ الثاني: أنَّ هذه الحروف مستحقّة للحركة وإن لم تقدَّر، فالنون عوضٌ من استحقاق لفظ الحركة، وبين استحقاق الحركة ولفظها فرقٌ ظاهرٌ، ألا تَرى أنَّ قولَك: ((دارٌ)) و ((مالً)) الألف مستحقّة للفتحة لأنَّ وزنَ الكلمةِ ((فعل)) تعذَّرت حركتها ولمّا صارت إلى السكون ثبت لها حكم. الساكن ولم يُنظر إلى استِحقاقها الحركة حتَّى لو سَمَّيتَ امرأةً ب ((دار)) جوَّزت صَرفَهُ كما يجوزُ صرفُ ((هند)) ولو كان استحقاقُ الحركةِ بمنزلةِ لفظِ الحركةِ لَم تَصْرِفْهُ.
والثَّالثُ: أنَّ الأَلف تَدُلُّ على التَّثنية وعلى الإِعرابِ، وهي حرفه فقد ضَعُفت دِلالتها على كلِّ واحدٍ من هذين، فَجُعلت النون مقوِّيةً لها.
أمَّا المقصورُ فتظهرُ حركته في التَّثنية فيعودُ إلى الأصل كالصَّحيحِ.
وأمَّا ثبوتُها مع الألفِ واللاَّمِ فجوابُه من وَجهين:
أحدهما: أنَّها إذا كانت عوضاً منهما وتعذَّر دلالتها على أَحدِهما لزواله، بَقِيَتْ دالَّةً على الآخرِ، ألا تَرَى أنَّ الواو في ((الزَّيدون)) تدلُّ على الجَمع وعلى العَلَمِ والعَلَمِيَّة ثمَّ ثَبتت في ((سُنون)) و ((قُلون)) و ((ثُبون)) فالواو هُنا تدلُّ على الجمع ولا تدلُّ على المعاني الأُخر، وهذا ك ((كان)) وأخواتها فإنَّها في الأصلِ دالَّةٌ على الحَدثِ والزَّمانِ، ثمَّ خُلعت دلالتها على الحَدث وبَقيت دِلالتها على الزَّمان.
стр. 103
والثاني: أنَّها عوضٌ من الحركةِ وحدَها، وأمَّا ما لا يَنصرف فالوجهان المَذكوران جوابٌ عنه، وجوابٌ آخرُ: وهو أنَّ ما لا يَنصرف نَحو أَحمد إذا ثُنّي تَنَكَّر فاستَحَقَّ الصَّرفَ، وأمَّا الصِّفةُ مثل ((أَحمر)) فإذا ثُنّي خَرج عن شبهِ الفعلِ فجازَ أن يُنوّن، وأمَّا ثُبوتُها في ((هذان)) فلأنَّ هذا اللَّفظ ليس تثنية صناعيَّة بل تَثْبُتُ فيه لوجهين:
أحدُهما: أنَّها صِيغةٌ وُضعت على هذا اللَّفظِ، لا أنَّ الكلمةَ معربةٌ والدَّليلُ على ذلك أنَّ التَّثنية الصِّناعيَّة تُوجب التَّنكير مثل ((الزيدان)) و ((هذان)) ليس بنكرة بل هو في ابتداء وضع الصِّيغة للتَّثنية مثل ((أنتما)).
والوجهُ الثَّاني: أنَّ النُّون عوضٌ من الألفِ المَحذوفة، لأنَّ ((ذا)) في الواحِدِ ألفٌ والتَّثنية تَحتاجُ إلى ألفٍ، وقد حُذفت إحداهما فكانت النُّون عوضاً من المَحذوف، وهذا هو الجوابُ عن ((اللَّذان)).
وأمَّا مذهبُ الفرَّاء: فمذهبُ طَريفُ وذلك أنَّ النُّون تَثبتُ بعد الياءِ وبعدَ الألِف ولا لبس مع الياء ثمَّ أنَّ النون تثبت مع الألف واللاَّم ولا تثبت الألف في المنصوبِ مع الألفِ واللاَّمِ ثمَّ أنَّ الفرقَ قد حصل بأمور أُخَر فلا حاجةَ إلى الفرقِ بالنون [واللَّه أعلم بالصَّواب].
стр. 104
مسائل الجمع
٢٥ - مسألة [تنوينُ المقابلة]
التَّنوينُ في ((مسلمات)) وبابه ليس بتنوينِ الصَّرف، بل هو تنوينُ المقابلةِ، ومعنى ذلك أنَّ التنوين هنا نظير النُّون في مسلمون.
وقالَ الرَّبعيُّ: هو تنوينُ الصَّرف.
وحُجَّةُ القولِ الأَوَّلِ: أنَّ هذا التَّنوين يَثبُتُ في المعرفةِ المؤنَّثة، فلم يكن تَنوين الصرف، كالنون في ((خِلَفْنَةَ)) و ((عِرَفْنَةَ))،والدَّليلُ على أنَّها
стр. 105
تَثبت في المعرفةِ المؤنَّثة قوله تعالى: ﴿فإذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فأثبت التَّنوين مع التَّعريف والتأنيث، وكذلك قولهم: ((هذه عرفاتٌ مُباركاً فيها))، فنَصبوا عنها الحال، وهي لا تَنتصبُ عن النكرةِ، وتأنيثها ظاهرٌ، وأمَّا تعريفها فظاهرٌ أيضاً، فإنّ الألفَ واللاَّمَ لا يدخلان عليها، فلا يُقال: ((العرفاتُ))، وإذا ثَبَتَ هذان الوَصفان لم يكن التَّنوينُ دلالة الصّرف، لأنَّه إنَّما يكون كذلك في النَّكرة. فإن قيل: لا يصحُّ القياس على ((خِلَفْنَةٍ)) لأنَّ النُّون هنا في حَشو الكلمةِ، وأنَّها تَثبتُ في كلِّ حالٍ، والتَّنوينُ في ((مسلمات)) لَيستْ كذلك، وأمَّا ثُبوتها في ((عرفاتٍ)) ونَحوها، فهي زائدةٌ لا للصَّرف، ولا للمُقابلة، كما زيدت في قول الشاعر:
سَلاَمُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ اَلْسَّلاَمُ
стр. 106
فالتنوين هنا زائدٌ، والكلمةُ مبنيَّةٌ على الضمِّ، وعلى هذا يُخَرَّجُ نَصبُ الحالِ عنها، لأنَّها معرفةُ، والتَّنوين زائدٌ.
فالجوابُ: أنَّ قياسَ التنوين هنا على نون ((خِلَفْنَةٍ)) صحيحٌ، وذلك أنَّ التنوين نون، وقد ثبت ها هنا لا للصرف، فكذلك التَّنوين في ((مُسلمات))، وقولهم: ((هي زائدةٌ لا للصرف هاهنا)) فلا يستقيم؛ لأنَّ التنوينَ مطّردٌ في هذا الجمعِ، وزيادةُ التَّنوين في ((يا مَطَرٌ)) غير مطّرد، لأنَّ ((مَطَرٌ)) مبنيّ على الضمُ، والمبني لا يُنوّن وإنَّما اضطرّ الشاعر إلى الزِّيادة، وهذا من مواضعِ الشِّعر، على أنَّ يونسَ نَصَبَ ((يا مَطَراً))، على الأصلِ وجعله تَنوين الصَّرفِ.
واحتجَّ الآخرون: بأنَّه تنوين يسقط بالألف واللاَّم وبالوقف، فكان ثبوته علامة للصّرف، كالاسم المفرد، وبهذا يبطل كونُه مقابلاً للنّون في ((مسلمون))، فإنّ تِلك النَّون لا تسقطُ في الألفِ واللاَّم، ولا في الوَقْفِ.
والجوابُ: أنَّ التَّنوين هنا رَسيلُ النُّون في ((مسلمون))، لما ذكرنا من الدَّلِيلِ عليه، من ثبوتِها في المَعرفة المؤنَّثة، والمقابل لشيء مُشَبّه به ولا يلزمُ في المُشَبّه بالشيءِ أن تَجري أحكامُ المشبّه به على المشبّه بل
стр. 107
قد يفارقه في أَحكامٍ أُخَر ألا ترى أنَّ ما لا ينصرف مشبّه بالفعل [ب] وصف يجمع بينهما، ولا يلزم من ذلك ثُبوت أحكام الفعل كلّها في ما لا يَنصرف، بل هو مخصوصٌ بحكمٍ يقومُ الدَّليلُ عليه، فمن ها هُنا [حُذِفَ] التَّنوين بالألف واللاَّم والوَقف هُنا، ولم يُحذف بِهما [في] ((مسلمون))، وكانَ الوجهُ في ذلك أنَّ المؤنَّثَ فرعٌ على المُذَكَّر، وقد ثَبَتَتْ فيه المُساواة في أَنَّ لَفظ الجَرِّ والنَّصبِ، واحدٌ، كما في قولِكَ: ((رأيتُ المسلمين)) و ((مررتُ بالمسلمين)) فلمَّا كان محمولاً عليه في التَّسوية بين النَّصب والجرِّ كان محمولاً عليه في النُّون.
وقد قيلَ: إنَّ التَّنوين في ((مسلماتٍ)) عوضٌ من الفَتحةِ فإنَّ هذا الاسمَ كان يستحقُّ الحركة بالفتحِ في النَّصبِ، فلمَّا تَعَذَّر ذلك لما ذكرنا من إلحاقه بمُسلمين، عُوِّضَ من الحركة التنوين، والتَّنوينُ يجوزُ أن يكونَ عِوَضاً من الحركةِ، كما في التَّثنية والجَمع، ومن ها هُنَا حُذِفَ بالألف واللاَّم والوَقف؛ لأنَّ تعويضَه من حركةٍ واحدةٍ خفيفة لا يَقتضي له ثُبوته بكلِّ [حالٍ] والله أعلمُ بالصَّواب.
стр. 108
٢٦ - مسألة [جمع المذكّر الذي فيه تاء التأنيث]
إذا جَمَعتَ الاسمَ المؤنَّث بالتاء الموضوع للمذكَّر نحو رجل سُمّي طلحةَ جمعته بالألف والتاء، كحالة قبل التَّسمية، ولا يجوز أن يجمع بالواو والنون.
وقالَ الكوفيُّون: يجوزُ ذلك، وزادَ ابنُ كَيْسان فقال تُفتحُ عَينُه أيضاً
стр. 109
نحو طَلَحون، وحجّة الأولين من ثلاثة أوجه:
أحدُها: أنَّه لم يُسمع من العَرب ذلك، ولو كانَ جائزاً لسُمِعَ ولو على الشُّذوذِ والنُّدرَةِ.
والثَّاني: أنَّ تاءَ التَّأنيثِ من حكم الألفاظِ، والواو والنُّون من علاماتِ [الألفاظ] أيضًا، فلو جُمع بالواو والنُّون لتَناقض، لأنَّ تذكيرَ اللَّفظ ضِدُّ تأنيثه.
والثَّالِثُ: أنَّهم أَجازوا جَمعَه بالألف والتَّاءِ وقالوا:
............ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ
ولو جازَ بالواو والنُّون لوجبَ ولم يجزْ غيرُه اعتباراً بالمعنى وهو
стр. 110
التَّذكير، واحتجَّ الآخرون بأنّه لفظٌ فيه علامةُ تأنيثٍ سُمِّي به مذكَّراً يَعقلُ فجمعَ بالواوِ والنُّون، كالَّذي آخره أَلف التَّأنيث نحو مُوسى وعِيسى فإنَّك تقولُ في جَمعه مُوْسَونَ وعِيْسَونَ فكانَتْ العِلَّةٌ في ذلك أنَّ العِبرَةَ فيه بالمَعْنى، والمَعنى على التَّذكير، فَوَجَبَ أن يذكّر بعلامة التذكير وهو الواو والنُّون كما في الألف ويتأيّد بشيئين:
أحدُهما: أنَّ الألفَ أدلُّ على التأنيثِ وألزمُ من [التاء]، أَلا ترى أنَّ التاء تدخل لا لتأنيث المعنى بل للمبالغة نحو رواية ونسّابة والأَلفُ لا تدخل إلاَّ للتأنيث، فإذا جَازَ إبطال [دلالتها] على التأنيث في الجمع كانت التاء أولى بذلك.
والثاني: أنَّ تاء التأنيث قد يُقَدَّرُ إسقاطها ويكسَّر الاسم على حكم المذكَّر كقولهم:
وعُقبَةُ الأَعقابِ في الشَّهْرِ الأَصَمّ
следующие страницы →