← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فنقول: هذه أوهام باطلة وخيالات فاسدة. وأما قولهم: إنه لما خلقها نافعة، كان ذلك دليل الإذن، ففاسد، فإن إعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا يكون إذنا، وكذلك يمكن أن يكون إعلام الباري إيانا أنها نافعة ليس إذنا، بل ليدرك ثواب الاجتناب. فإن قالوا: الباري لا يتضرر، والواحد منا يتضرر بالتصرف في مخلوقاته، فإنه يجري مجرى التصرف في السراج بالاستضاءة، وفي الجدار بالاستظلال، ومنع ذلك قبيح. قلنا: إن صح ذلك، فليقبح من الله تعالى منع عباده من لذاتهم وقضاء أوطارهم، فإن ذلك لا يضره بوجه. فإن قالوا: إنما منع الله سبحانه العباد مما يعلم أنه يضرهم، وإن كانوا لا يقفون على وجه ذلك. فلنا: فما من شيء إلا ويمكن أن تكون فيه مضرة خفية، لا جرم فتوقف الإذن على ورود الشرع. فإن قالوا: فالله سبحانه قادر على أن يخلقها عرية عن الطعوم، وكان

стр. 107

قادرا على أن لا يخلق فينا الذوق، فخلق الطعم فيها والذوق فينا، دليل على أ، هـ أراد انتفاعنا بها. قلنا: (١٥/أ) الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة عروها عن الطعوم. فمن سلم أن ذلك مقدور؟ وإن سلم، فلسنا نسلم أنه خلقها لذلك. فعله [خلقه] لا لعلة، أو لعلة خلقها لندرك ثواب اجتنابها. ومن سلم أن أفعال الله تعالى كلها معللة؟ بل خلق العالم كله لا لعلة. ثم نقول: بما تنكرون على أصحاب الحظر إذا تمسكوا بأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح؟ وبم تردون على أصحاب الوقف إذا توقفوا حتى يرد الشرع لا لالتباس الصفات؟ فلا يبقى مع القوم إلا محض التحكم. والكلام في هذه المسألة والتي قبلها فرع من فروع التحسين والتقبيح. وفي بناء المسألتين على الأصل السابق كفاية في إبطال مذاهب القوم.

стр. 108

وعلى الجملة، فالأوهام غالبة على القوم في اعتبارهم أفعال الله تعالى بأفعال عباده مع استيلاء الأغراض على البشر واستحالتها في حق الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾. نسأل الله العصمة من الخذلان. قال الإمام: (فصل- يجمع التكليف ومعناه، ومن يكلف، وما يجوز التكليف به) إلى قوله (وذلك يستدعي قولا مقنعا في تكليف ما لا يطاق). قال الشيخ ﵁: التكليف لا يعقل إلا باجتماع أربعة أمور: التكليف، وهو

стр. 109

المصدر، والمكلف، وهو من يقوم به التكليف، والمكلف هو الذي استدعي منه الفعل، والمكلف به، وهو المطلوب. وإنما تشتق أسماء الفاعلين والمفعولين من المصادر. فلابد من تقديم الكلام على التكليف، وهو اسم مشتق من الكلفة، وهذا هو المعنى الغالب في الأحكام. وإلا فقد يطلب الله تعالى من العباد فعل ما لا مشقة عليهم فيه، وينهاهم عما لا مشقة عليهم في تركه، كالأمر بتناول الطعام والشراب، والنهي عن تناول السموم والقاذورات. ولكن هذه صور نادرة، فأطلق الاسم باعتبار الأمر العام، والخيرة تناقض التكليف، والإلزام التكليف فيه ظاهر، لا جرم اتفق القاضي والإمام على صحة إطلاق اللفظ على الوجوب والحظر، وعلى منع الإطلاق على الإباحة، واختلفا في الإطلاق

стр. 110

على الندب والكراهة. والذي منع الإمام من الإطلاق، اعتقاده أن الندب والكراهة يقترنان بالتخيير بين الفعل والترك. فقال: التخيير مع التكليف متناقض. والصحيح

стр. 111

عندنا ما قاله القاضي. والتخيير يضاد الكراهة والندب، كما يضاد الوجوب والحظر، غذ التخيير: عبارة عن الإذن في الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية الشرع. وهذا مفقود في الترجيح. وليس المراد في نفي الخيرة الطبيعية، فإن ذلك يتطرق إلى الواجب والحظر، فإذا تحقق الترجيح بالطلب، امتنع التخيير على التحقيق. فالتكليف محقق، والطلب جزم. وأما قول الأستاذ، فلا يستقيم على مراعاة الاشتقاق بحال، إلا أن يقول: إن هذا الاسم صار لقبا على الأحكام بجملتها، فيكون هذا من باب التقليد المحض. وهذا يداني قول الإمام في أول الكتاب: (إن الفقه: هو العلم بأحكام التكليف). وأما الركن الثاني: وهو المكلف، وهو الذي يقوم به التكليف، وأصله كل طالب وملزم. لكن قد حققنا أنه لا يجب إلا طاعة الله (١٥/ب) ، وطاعة من أوجب الله طاعته. فإن وقع النظر في التكليف، فهو عام، وإن وقع النظر فيمن تجب طاعته، فهو مختص بالله تعالى.

стр. 112

وأما الركن الثالث: وهو ما يكلف به، قال الإمام في بيانه: (فقد نقل النقلة عن أبي الحسن أنه كان يجوز تكليف ما لا يطاق) إلى قوله (ولا ينجي من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب). قال الشيخ أيده الله: قول الإمام: وهذا سوء معرة بمذهب الرجل. إن ظاهر النقل يتضمن انقسام التكاليف إلى ما يطاق، وإلى ما لا يطاق، لاختلافهم في وقوع المجوز مع القطع بوقوع التكاليف. فإن كان كل تكليف تكليفا بما لا يطاق، لم يتصور الاختلاف في الوقوع.

стр. 113

وما ذكره الإمام من كون التكاليف- على مقتضى مذهبه- كلها على خلاف الاستطاعة، كلام يفتقر إلى بسط وشرح، وسنبينه في آخر هذا الفصل، إن شاء الله تعالى. [وقوله]: وما اعتذر به القوم من أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. فالرد عليهم ظاهر، كما ذكره الإمام. وقولهم: (إن المكلف وإن لم يكن قادرا على المأمور به، فهو قادر على ضد من أضداده، وهو المنهي عنه). كلام باطل، وغفلة من المورد. والجواب أيضا حائد، فإن الضد الذي هو قادر عليه، ملابس له، ليس منهيا عنه، وإنما هو منهي عن مثله، مما لم تتعلق قدرته به. وأما الذي تعلقت به

стр. 114

القدرة وقت توجه الأمر عليه، فليس منهيا عنه. فلا يتعلق التكليف أمرا ونهيا إلا بمعدوم يمكن حدوثه. وأما الوجه الثاني: وهو أن العبد مطالب بما هو فعل ربه، فكلام صحيح. وقوله: (ولا ينجي من ذلك تمويه المموه بذكر الكسب). فإن المراد بالكسب: تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير أن تكون فيه مؤثرة بحال. وهذا هو مذهب الشيخ أبي الحسن.

стр. 115

وقد اختلف الناس في هذا: فذهب أبو الحسن إلى ما حكيناه عنه من أن الله تعالى خلق القدرة الحادثة تؤثر كسبا، وهو الجهة الخاصة للحركة، ككونها حركة وكتابة، فيضاف إلى الله تعالى الخلق، ويضاف إلى العبد الكسب فيقال: العبد كاتب. وذهب المعتزلة إلى أن الأفعال الاختيارية تضاف إلى العبد إيجادا وإبداعا، وليس للقدرة الأزلية في الأفعال الاختيارية أثر على حال. وذهبت الجبرية إلى أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى، كما صرنا إليه، ولكنهم ينكرون القدرة التي قضينا نحن بكونها مقترنة بالأفعال الاختيارية. والدليل على بطلان ما ذهب إليه المعتزلة من استبداد العبد بأفعال عن ربه، ما يدل على استحالة [إلهين]، وثبوت القدرة لله تعالى على الأمثال، واستحالة تغير القديم على كل حال. والحركة الاختيارية مماثلة للحركة الضرورية على القطع. إذ حقيقة الحركة لا تختلف. فلو لم تصلح القدرة القديمة للاختيارية،

стр. 116

لم تصلح للضرورية، فإن صلحت، ولكنها منعت، كان ذلك باطلا. إذ الصفة القديمة يستحيل منعها. ولئن كان العبد مانعا ربه بقدرة اخترعها الله له، فليكن الرب مانعا عبده لقدم قدرته أولى. وهذا قاطع في الرد. وتمام بسطه في الكلام (١٦/أ). وهذا بعينه يرد على القاضي في إضافة الكسب إلى القدرة الحادثة. والرد على الجبرية بين، فإنا ندرك بالضرورة تفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة الضرورية، مع القطع بتماثلهما، فاستحال أن يرجع الفرق إلى ذواتهما. فلم يبق إلا رجوعه لأمر مقترن بإحداهما دون الأخرى. وهذا المقترن مدرك حالة التحرك، فبطل المعنى الذي وقع به الاقتران متقدما على الحركة، فالمعنى مدرك ضرورة، وهو المعبر عنه بالقدرة الحادثة. ونحن نقتصر في هذا المجموع على الرمز إلى الأدلة الكلامية، إذ ليس هذا موضع استقصائها. ثم قال الإمام: (فإن قيل: فما الصحيح عندكم في تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: إن أريد بالتكليف طلب الفعل) إلى قوله (فلا يحتمله هذا الموضع).

стр. 117

قال الشيخ ﵁: اقتصر الإمام في هذا المكان على مجرد الدعوى ونقض المذهب. فإنه لم يدل على ما قال. وإنما قال: إن أريد بالتكليف طلب الفعل، فهو محال. فكأنه قال: إن أريد بالتكليف التكليف، فهو محال. فاقتصر على الدعوى وأتى بها في صورة التقسيم. ثم هو أيضا تقسيم باطل؛ فإنه إنما صح القسمة بعد الاشتراك في جهة الافتراق في غيرها. ومجرد الصيغة لم تشارك التكليف في شيء، فما معنى الاستفسار في غير موضع الاحتمال وعدم الإجمال؟ وليس السؤال عن مجرد ورود صيغة (افعل) نحو قول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ..... .... ...

стр. 118

أو ما يضارعه. نعم، إذا وقع النظر في محامل الصيغ، فإذ ذاك يحسن إيراد هذه الأقسام. وقد احتج في منع تكليف المحال بخيال، وفي إبطاله إزالة إشكال. وذلك أنهم قالوا: التكليف على وفق العلم، إذ هو من جملة كلام النفس. وما لا يعقل، لا يقوم بالنفس خبر عنه، وإذا استحال قيام الخبر، كيف يعقل قيام الطلب؟ وما لا يطاق، لا يعقل، فلا يقوم بالنفس خبر عنه. فلا يتصور طلبه. وهذا كلام قوي، وهذا الكلام يورده المعتزلة وبعض أصحابنا. أما من أورده من الأشعرية، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها- ما صودف في الشرائع من تكليف العاصي الطاعة، والكافر الإسلام، مع القضاء بأن القدرة الحادثة مقارنة للمقدور، غير مؤثرة فيه، والمطلوب منه فعل اختياري. وفعل اختياري من غير قدرة عليه، غير معقول. فإن ذهب ذاهب إلى أن العاصي مأمور بالطاعة، فقد خرج عن الدين، وجحد متواترات الشريعة. وإذا وقع الاعتراف بالتكليف، مع فوات القدرة، فقد تحقق تكليف ما لا يطاق. فإن تمسك بذلك المعتزلة، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما- أن ما لا يطاق لو كان بمثابة المذهول عنه، لاستحال التعبير عنه قصدا، ويصح للواحد منا أن يقول لعبده: اجمع بين الحركة والسكون، متكلما على الحقيقة، لا يعد ذلك من أبواب الذهول. نعم. يعلم أن الطالب لم يرد

стр. 119

الجمع، لعلمه بالاستحالة، والطلب عندنا لا يتوقف على الإرادة. الثاني- أن الجمع معقول، والضدان معقولان، وقد أمر أن يضيف الجمع المعقول للضدين المعقولين، فنبا المحل (١٦/ب) عن قبول ذلك، فقيل: إن ذلك غير معقول. وكذلك نعلم استحالة الجمع بينهما. ولو كان ذلك لا يقوم بالنفس من حيث الجملة، لم يتصور القضاء عليه بالاستحالة، كما لا يتصور ذلك في المذهول عنه بالكلية، فإن ذلك لا يمكن التعبير عنه قصدا. وهذان الوجهان أيضا اللذان ذكرناهما في الرد على المعتزلة، نرد بهما مع الوجه السابق على أصحابنا. فإن قيل: فما تقولون في تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: نذكر أولا صوره، وما يدل عليه لفظه. فإنه يدل عند الأصوليين والمتكلمين على أربعة أوجه: أحدها- ما لا يعقل على حال، كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود، إلى ما يضاهي ذلك مما لا يعقل. الثاني- إطلاقه على ما لا يدخل تحت مقدور البشر، وإن كان ممكنا في نفسه، كخلق الجواهر والأعراض، فغن ذلك لا يدخل تحت القدرة الحادثة. وبرهانه: أنه لو كان مقدورا لهم، لأدركوا من أنفسهم عجزا عنه، إذ المحل القابل للشيء وضده. ألا ترى أن الحركة لما كانت من

стр. 120

جنس المقدور، أدرك العاقل عجزه عنها، واقتداره عليها؟ ونحن لا ندرك من أنفسنا عجزا عن خلق الأجسام والألوان، ثبت بذلك أنها ليست من جنس مقدورنا. الثالث- إطلاق ما لا يطاق على ما يقدر العباد عليه في الاعتياد، وإن كان من جنس مقدورهم، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، وجميع ما لم تجر العادة به، مع كونه من جنس مقدور العباد. الرابع- إطلاق اللفظ على جنس المقدور في الاعتياد، ولكن لم يخلق الله تعالى للعبد قدرة عليه. ومن هذا القبيل جميع الطاعات التي لم تقع، والمعاصي الواقعة. فإن الله تعالى لم يقدر العاصي على ترك المعصية، ولا الممتنع من الطاعة على فعلها. والذي نختاره أن التكليف بجميع ذلك جائز من جهة العقل، وقد دللنا على صحة ذلك فيما سبق. وأما الوقوع السمعي فلم يقع عندنا من هذه الأقسام إلا القسم [الأخير]. فأما ما سواه، فلم يقع. ودل على ذلك استقراء الشرائع ونصوص الكتاب. وقد قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. وقال حكاية

стр. 121

عن عبادة الصالحين: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. وقال في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى قال: قد فعلت). وذلك لسر فهم من الشرائع أنها جاءت على حسب ما ألفه الناس في مطالبهم، واستقر في أنفسهم من عوائدهم. وليس يجري في الاعتياد أن يطلب السيد من العبد الأعمى حسن انتقاد الدراهم والدنانير. فالشرع من أوله إلى آخره جرى على هذا المذاق. وقد قال الله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. وقال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. وقال: ﴿[من] يعمل سوءا يجز به﴾. و ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾. ونظائرها مما لا يمكن حصرها، مصرح بتعلق التكاليف بما ألف البعاد أنه مقدورهم. وبذلك يحسن الوصف بالطاعة والمعصية. (١٧/أ) وبالله التوفيق. قال الإمام: (فإن قيل: [فقد] كلف الله أبا جهل أن يصدقه فيما

стр. 122

يخبر به) إلى قوله (فأما تكليفه الجمع بين النقيضين في التصديق فلا). قال الشيخ ﵁: تقدير السؤال أن الله تعالى أمر أبا جهل أن يصدق رسول الله ﷺ في كل ما أخبر به، وكان أخبر بأنه لا يصدقه، ووجب عليه تصديقه في هذا الخبر، وهو أنه يكذبه. فحاصل التكليف على هذا التقدير أن يكون مكلفا بالتصديق على الإطلاق، وفي ضمنه التكذيب. وهذا تخيل السائل. فأنكر الإمام هذا. وقال: يستحيل التكليف بالتصديق على هذا الوجه، بل كلفه أن يصدقه في أنه رسول الله، وذلك ممكن، فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن مجنونا، غير أن الله تعالى علم أنه سيترك ما كلف به حسدا وعنادا. والعناد لا يصير الممكن مستحيلا، وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره. ولو كان

стр. 123

العلم يؤثر في المعلوم، لما تعلق العلم بالقديم . وقد اختلف المتكلمون في هذه المسألة، وهو أن خلاف المعلوم، هل هو مستحيل أو ممكن؟ فقال قائلون: هو مستحيل، إذ حد المستحيل: ما لو قدر وجوده، للزم منه محال. والجائز: ما لو قدر وجوده، لم يلزم منه محال. وخلاف المعلوم لو قدر وجوده، لزم منه محال، وهو انقلاب العلم جهلا. وقال قائلون: إنه جائز، وهو الصحيح، لصحة وقوع مثله. وما جاز على أحد المثلين، جاز على مثله. والعلم يستحيل أن يؤثر في المعلوم، لصحة تعلقه

стр. 124

بالواجب والمستحيل، وهما لا يقبلا التأثير. وليس من شرط الممكن وقوعه، بل قبلوه للوقوع لو رجح. ويستحيل أن يقع بنفسه، إذ لو كان كذلك، لخرج عن كونه ممكنا، فلم يكن امتناع وقوعه لنفسه، لكن لأن المرجح لم يرجحه، فاستحال لذلك. وهذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشيء، فلا تؤثر فيه. والمستحيل: ما لو قدر وجوده لنبا العقل عن قبوله، وليس خلاف المعلوم من هذا القبيل. قال الإمام: (فهذا منتهى [الكلام] في [منع] تكليف ما لا يطاق. [ونعود] بعده إلى المقصود بالفصل في ذكر من يكلف، وما يقع التكليف به. [والقول] الوجيز [فيه] أنه يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن، ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه). قال الشيخ ﵁: قوله: يكلف المتمكن، هذا إنما بناه على أصله في تقدم القدرة على المقدور. فإن مذهبه في هذا الكتاب صحة ذلك. وهو خلاف ما يراه في الكلام. فأما على [ما اخترناه] نحن

стр. 125

من اقتران القدرة بالمقدور، فلا يشترط ذلك، على معنى أنه لا يكلف إلا قادر. وإن أطلقنا أنه لا يكلف إلا متمكن، [فإنا نريد] به أنه لا يكلف في الواقع إلا من لا يتحقق عجزه عن إيقاع المطلوب. فأما اشتراط تحقيق الإمكان الذي هو الاقتدار، فغير معتبر، بل لا سبيل إلا علمه أبدا في جريان العادة إلا بعد العمل. ومن المتعذر أن يشترط في توجيه التكليف علم ما لا يعلم إلا بعد الامتثال. وقوله: يقع التكليف بالممكن. ليس يعني به الممكن على الإطلاق، فإن خلق الجواهر ممكن من حيث (١٧/ب) الجملة، وإن كان يمتنع به التكليف عقلا عنده، وشرعا عندنا. وإنما مراده: ويقع التكليف بالممكن لمن كلف به. [وقوله]: ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه. أراد بذلك مخالفة المعتزلة في بنائهم الأحكام على الاستصلاح والاستفساد.

стр. 126

قال الإمام: (مسألة: السكران يمتنع تكليفه، خلافا لطوائف من الفقهاء) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: هذا [الذي] ذكره الإمام في هذا الموضع، تعرض فيه لإثبات شرط زائد على تمكن الفاعل، وإمكان الفعل. فإن السكران قد يتمكن من الفعل، [ولكنه] غير متمكن من إيقاعه طاعة. وقد بينا أنه لا يشترط في التكليف التمكن من علم وجوب الفعل به. كما تقدم في وجوب النظر.

стр. 127

ولكن مسألة السكران تخالف تلك، من جهة تصور القصد إلى النظر بحصول الفعل، والسكران لا يصح منه القصد إلى فعل. فبهذا تفترق المسألتان. والصحيح عندنا جواز ذلك. وقد بينا أن عدم فهم الخطاب لا يمنع التكليف، وقد استحال فهم الطلب في مسألة وجوب النظر قبل إكماله. والإمام ﵀ إنما جعل الاعتماد في منع التكليف على استحالة فهم الخطاب. وقد بينا أن المكلف لا يتصور أن يفهم خطاب الوجوب في النظر الأول على حال، ولا يعلمه إلا بعد تقضيه. وأيضا فإن الجاهل بالأحكام جملته قد توجه عليه التكليف، وإن كان لا يفهم. وقد قررنا أن التمكن يقارن بالفعل، فهو على الحقيقة لا يفهم، ولا يتمكن من الحال، والتكليف متوجه من غير إشكال. فثبت بذلك أن الفهم غير

стр. 128

مشترط في توجه التكليف من جهة العقل. وهذا يحقق صحة تكليف السكران من جهة العقل. وأما وقوع تكليف السكران، فغير مقطوع به نفيا ولا إثباتا، والظاهر عندنا تكليفه. وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وهذا خطاب مع السكران, وقد تؤولت الآية على وجهين: أحدهما- أنه قيل: هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب، فإنه قد يستحسن فيه من الانبساط ما لا يتم معه مقصود الخشوع، فهو تسمية ما يؤول إليه، وهو منساغ. [الثاني-] وقيل: لم يرد بذلك النهي عن الصلاة مع السكر، وإنما أريد به الإفراط في الشرب عند وقت الصلاة، وكأنه قيل: لا تشرب فتمتنع عليك الصلاة، وأضيف النهي إلى الصلاة تجوزا. وهذا كما يقال: لا تقرب

стр. 129

التهجد وأنت شبعان، أي لا تشبع فيثقل عليك التهجد. وهذا الذي ذكره هؤلاء ممكن، ولكن لا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة. [ولكن] حملهم على هذا التأويل اعتقادهم الاستحالة، وقد بينا أنه لا استحالة في ذلك. وحققنا توجه الخطاب على من لا يفهم التكليف. وهذا مقطوع به في الشرائع، فإن من لا يعلم أنه مكلف، فهو لا يفهم الخطاب قطعا. وقوله: إن الناسي كالسكران في سقوط التكليف عنه. والكلام أيضا عليهما سواء بالنظر إلى (١٨/أ) مقتضى العقول. وأما الواقع من التكليف في حق الناسي والغافل، ففي الشرع انقسام في أحوالهما: فرب موضع يسقط عنهما [فيه] التكليف والمؤاخذات. وهذا بمثابة [ما] إذا أفطر في رمضان ناسيا، أو تكلم في الصلاة ساهيا، أو كان نذر صلاة أو صوما فنسيه، فإنه لا مؤاخذة [عليهما] في هذه الجهات بإجماع من العلماء.

стр. 130

وأما [المواضع التي] تثبت فيها المؤاخذات، فهي المواضع التي لا يكون [فيها] امتلاء القلب بحب المعصية، فيمنعه من فهم حكمها، كمن رأى امرأة جميلة، وهو يعلم تحريم النظر، فنظر إليها غافلا عن تحريم النظر، فإن ذلك لا يسقط التكليف عنه، ولا يوجب العفو عن هذه الجريمة. وكذلك في الغيبة والنميمة والكبر والعجب والحسد والرياء والكذب، وغيره من محرمات الشريعة. فإن نسيان الأحكام بسبب قوة الشهوات، لا يسقط التكليف. وقد حكم العلماء أجمعون بصحة صوم النائم، وإن كان لا يفهم ذلك الوقت، فإنما يكون صموه طاعة على شرط كونه مأمورا به. وكذلك صلاة الغافل مقطوع بكونها قربة. وقد اعترف الإمام بهذا بعد هذا. على ما

стр. 131

سنذكره في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة. والعمدة في الباب على جواز التكليف بالنظر إلى مقتضى العقول، من غير اعتبار هذه الشروط، واستقراء الواقع في الشرع. فقد ثبت ذلك بوجه مقطوع به، كما في صوم النائم وصلاة الغافل في أثنائهما، وتوجه التكاليف على من استفزه الهوى وأغفلته شهوة المعصية. وقد ثبت ذلك بوجه مظنون، كما في السكران وصوم المغمى عليه، فإن هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، فيقضي كل مجتهد بما غلب على ظنه. والله الموفق للصواب. قال الإمام: (مسألة: المكره لا يمتنع تكليفه، لإمكان الفهم والامتثال) إلى آخر المسألة. قال الشيخ ﵁: المكره يطلق على وجهين: يطلق على

стр. 132

المضطر الذي لا قدرة له، ولا تمكن في حقه. وهذا غير مكلف بفعل مأمور، ولا بترك منهي، إما عقلا عند قوم، وإما شرعا عندنا. ويطلق على من لم يخل ودواعيه، بل حركت دواعيه من خارج. وهذا القسم هو الذي فيه الكلام. ومذهب أهل الحق صحة تكليفه بفعل المأمورات وترك المنهيات. ومنعت المعتزلة التكليف على وفق الإكراه، وجوزوا التكليف على خلاف

стр. 133

الإكراه، فإذا أكره على قتل مسلم، كلف ترك القتل. وإلزام القاضي صحيح على مقتضى الأصول. فإن المعتزلة والقاضي متفقون على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. وأراد القاضي أن يبين أن الإكراه لا يصير الفعل واجبا من جهة العقل، بدليل عقلي، وآخر شرعي: أما العقلي: فهو أنه يمكنه الانكفاف، ولو كان الإكراه يصير الفعل حتما، لكان الانكفاف مستحيلا. الثاني: وهو الشرعي، أنه لو تحتم الإيقاع بسبب الإكراه، لاستحال التحريم في توجه التحريم بالاتفاق، [مما] يدل على بقاء الإمكان. وإذا تحقق الإمكان، صح التكليف. والمعتزلة ثبتت على أصولها في اشتراط انضمام شرط آخر إلى الإمكان، وهو استحقاق الثواب [مع] [امتناع] التكليف. (١٨/ب) وهذا من

стр. 134

تحكماتهم الباردة؛ ولا يمتنع التكليف من غير إثابة، ولا يمتنع أن يثيب لله المكره إذا فعل. وقد وجه أبو احمد أشكالا على من يقول: يصح التكليف مع الإكراه. وتلخيص سؤاله أن قال: المكره لا يخلو: إما أن يقدم بباعث السيف، فلا يكون فعله طاعة، أو يقدم بباعث الأمر خاصة، بل كان يفعله لو أكره على تركه، فلا يكون مكرها. ثم قال: فلينتبه لهذه الدقيقة. ومقصوده أنه لا يصح أن يكون مكرها مطيعا، فيخرج منه أن لا يكون مكلفا مطيعا. وهذا زلل. وإذا تحقق الإمكان، تصور التكليف. فإن كانت النية شرطا، وجب الإتيان بها. وإن فقدت، بكل العمل، لا لاستحالة التكليف، بل للإخلال بشرطه. وإن لم تكن النية شرطا، حصل المطلوب، وإن لم يكن الفاعل مكرها. كما لو أكره على رد الغصب والودائع، وقضاء الديون بأنواع العذاب. فلا حاصل لما ذكره هذا الإنسان.

стр. 135

قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة) إلى قوله (ما لم يقدم رفع الحدث عليها). قال الشيخ وفقه الله: ظاهر مذهب مالك ﵀ كما حكي عن أصحاب أبي حنيفة، وعندنا قول ليس بمشهور: أنهم مخاطبون.

стр. 136

وأما الذين فصلوا من العلماء، فالسبب عندهم في الفرق، أن المنهيات يكتفى فيها بمجرد الكف دون النية، وذلك متأت من الكفار. وأما المأمورات، فمفتقرة إلى نية التقرب، وذلك لا يتصور من الكافر. وهذا خيال ضعيف. فإنه وإن تصور منهم مجرد الانكفاف، تصور منهم أيضا صورة الطاعة. وكما استحال منهم القصد مع الكفر، استحال منهم فهم التحريم مع جحود المحرم، فلا وجه لهذه التفرقة. وما ذكره الإمام من تقسيم الكلام إلى الجواز والوقوع، حق لا مزيد عليه. وتلخيص القول: أنه لو فرض الخطاب بإقامة الفروع، لكان خطابا بتصحيح

стр. 137

الفروع، وذلك ممكن ممن لا يعتقد الصانع المختار. معناه: أن الفاسد غير مأمور به، وإنما يؤمر بالفعل الصحيح. والفعل الصحيح مع الكفر مستحيل، فلا يمكن إلا الفاسد، وهو غير مأمور به. فالممكن ليس مأمورا به. وما يقدر مأمورا به لا يمكن. فلا يتصور الأمر على هذا إلا بتقديم الإيمان. وإذا حصل، صح الأمر بالفروع. هذا تقرير الشبهة. والجواب بالنقض لازم. ونحن نذكر حقيقة النقض، وما ينفع منه في الدين والجدل، وما يفيد في القواطع والمظنونات، وما لا ينفع في واحد منهما، وما ينفع منه في المظنون دون المقطوع به.

стр. 138

فالنقض في وضع اللغة: مأخوذ من تفريق الأجزاء، وإفساد البنية، ومنه قوله تعالى: ﴿كالتي نقضت غزلها﴾. ويقال: نقضت البناء. وهو عند الأصوليين يرجع إلى وجهين: انتقاض الأدلة، وانتقاض العلل، وكلاهما يرجع إلى بيان حال الربط الذي ادعاه المستدل أو المعلل ببيان الافتراق بينهما في الوجود. وهذا قد يكون قادحا، وقد لا يكون قادحا. والذي ينتفع به في القطعيات قسم واحد، (١٩/أ) وهو أن تكون المسألة الناقضة مقطوعا بحكمها. ويقطع [القاطع] بمساواة المنقوضة لها مع امتناع الاستثناء عليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط، قطع بمساواة حكم المنقوضة لحكم الناقضة. وهذه المسألة من هذا القبيل، فإن الأمة مجمعة على ثبوت التكليف بالإيمان بالله وبرسول، وإن كان ذلك لا يمكن إلا بتقديم النظر. وكذلك المحدث مأمور بالصلاة، وإن كان لا يتأتى منه إقامتها دون تقديم رفع الحدث عليها. فعلم بذلك، وهو قاطع، أن تقديم الشرط غير مشروط في تحقيق التكليف بالمشروط قبل وجود شرطه. وأما بقية أقسام النقض، فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها في باب النقض. وإنما ذكرنا [ههنا] ما تمس الحاجة إليه الآن.

стр. 139

وجواب آخر: وهو أنا بينا أن الإمكان لا يتشرط عقلا في تصور التكليف، بدليل ما أسلفناه. ولو سلم ذلك، فليس المراد بالإمكان اقتران القدرة بالمقدور، وإنما المراد بذلك أن يكون الفعل من قبيل الممكنات لمن كلف به في الاعتياد، بحيث تتأتى منه داعية الإقدام والإحجام، والمكلف يتأتى منه القصد إلى إقامة الفروع بتقديم شروطها. فإن امتنع من تقديم الشرط عد مخالفا. وهذا أمر بين عند العقلاء. والعبد المأمور بشراء حاجة من مكان بعيد، يعلم أن سيده أمره بالشراء، وإن كان لا يتأتى منه ذلك دون الوصول إلى مكانها. ولا يقال: إنه لا يكون مأمورا بالشراء إلا بعد الوصول، وهذا إنما اتخذ السير وسيلة إلى تحصيل الواجب، فإذا لم يجب شراء البتة. ولو استحال التكليف بالمشروط قبل حصول الشرط، لم يجب أيضا الإيمان بالله، ولا النظر في الأدلة، إذ شرط ذلك القصد، فلا يكون الخلق مطالبين إلا بالقصد خاصة. فأما الإيمان بالله ورسوله، فلا يتوجه على الكفار أمر به. وهذا خلاف دين الأمة قطعا. وكذلك القول في الصلاة باعتبار الطهارة، ولا يكون الإنسان أيضا مأمورا

стр. 140

بالطهارة عند من يشترط النية، بل بالنية على الخصوص. ثم لا يصح أن يقصد الإنسان إلى إيقاع علم على وجه الطاعة يعلم أنه لم يؤمر به. والنية قصد يتبع العلم. فإذا علم، انتفى التكليف بالطهارة. كيف يتصور أن يقصد إلى الامتثال من يعلم أنه لم يتوجه عليه أمر؟ هذا محال لا شك فيه. قال الإمام ﵀: (التحقيق في ذلك كله عندي أن الكافر

стр. 141

يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة) إلى قوله (فهذا هو الكلام في طرف الجواز). قال الشيخ ﵁: ما ذكره الإمام في هذا الموضع، كلام فيه لبس، وهو قوله: والذي أراه أنه يستحيل أن يخاطب الكافر في حال كفره بإنشاء فرع على الصحة. وهذا الكلام يصح على وجه، وهو أن يقال له: أوقعه صحيحا مع كونك كافرا، ويجعل كفره شرطا في كونه مطلوبا بالعمل، فإن ذلك لا يعقل. فأما أن يصادفه التكليف بالصلاة الصحيحة مع كونه كافرا، فإن ذلك غير مستحيل، بدليل ما قررناه قبل من المعقولات والأمثلة المعتادات.

стр. 142

ولكن هذه المقالة بناها الإمام على قاعدة له سيأتي بيانها، وهو أن الأمر بالشرط لا يتحقق (١٩/ب) أنه أمر في الحال. وإذا كان الشرط عنده مفقودا، علم نفي الأمر. وبنى على ذلك مسائل كثيرة في الأوامر ومسائل النسخ. وأنه إذا ورد المانع من الفعل، تبين أنه لم يكن مأمورا على حال. وهذا غلط عند أهل التحقيق، كما قررناه فيما مضى. وعلى ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. ثم أفضى به الأمر إلى إثبات العقاب على ترك المشروطات من غير تكليف بها على حال. والأمة مجمعة على أن لا عقاب إلا على العاصي،

стр. 143

وإن كان الله تعالى يتفضل بإثابة من لم يطعه، كالمظلوم يؤخذ ماله وعرضه. إلا أنه تعالى قد تفضل بأنه لا يعاقب إلا من عصاه. وقد يتفضل بترك العقاب بعد المعصية. ولا يشذ عن هذا الأصل إلا مسألة واحدة، اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وهم أولاد المشركين. فأما ما سوى هذه المسألة، فمجمع عليها بين علماء الأمة. قال الإمام: (فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب) إلى قوله (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار). قال الشيخ ﵁: ما ذكره القاضي ﵀ من كون المسألة مظنونة،

стр. 144

كلام صحيح، والأدلة القطعية مفقودة من الجانبين. والمسألة من مسائل الفروع، وليست من مسائل الأصول بحال. إذ ليس النظر فيها متعلقا بأدلة قطعية، [وإنما] فيما يصح أن يكون أمارة، فهي بمجال الفقه أجدر. ولكن الأغلب على الظن عندنا أنهم غير مكلفين بالفروع. ويدل عليه أمران: نقلي وفقهي. أما النقلي: فلما روي في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ أرسل بعض رسله إلى قوم من المشركين وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أجابوا، فأعلمهم أن الله أوجب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). فجعل الإعلام بالفروع بعد الإجابة إلى الإسلام.

стр. 145

وأما من جهة المعنى: فطلب الفروع [يكون لإيقاعها]. والإيقاع مع الكفر متعذر، وإذا قدم الإسلام، فإن كانت أوقات الفروع قائمة، استقبل المكلف الفعل، لتوجه الخطاب عليه في الحال. فإن فاتت أوقاتها، فالإسلام يمنع من التدارك. فأي حاجة إلى تحقيق التكليف ثم الحكم بالسقوط؟ فهذه الفروع لا تفعل في حال الكفر، ولا تقضى بعد الإسلام. فكان الظاهر أنهم لم يخاطبوا بها، إذ لا يحصل منها مقصود التكليف. وهذا واضح، فإنا لم نقطع بذلك، لاحتمال أن يكون التكليف تظهر فائدته في الآخرة عند الموت على
следующие страницы →