Полный текст (2 928 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة) إلى قوله (فهذا هو الكلام في طرف الجواز). قال الشيخ ﵁: ما ذكره الإمام في هذا الموضع، كلام فيه لبس، وهو قوله: والذي أراه أنه يستحيل أن يخاطب الكافر في حال كفره بإنشاء فرع على الصحة. وهذا الكلام يصح على وجه، وهو أن يقال له: أوقعه صحيحا مع كونك كافرا، ويجعل كفره شرطا في كونه مطلوبا بالعمل، فإن ذلك لا يعقل. فأما أن يصادفه التكليف بالصلاة الصحيحة مع كونه كافرا، فإن ذلك غير مستحيل، بدليل ما قررناه قبل من المعقولات والأمثلة المعتادات.
стр. 142
ولكن هذه المقالة بناها الإمام على قاعدة له سيأتي بيانها، وهو أن الأمر بالشرط لا يتحقق (١٩/ب) أنه أمر في الحال. وإذا كان الشرط عنده مفقودا، علم نفي الأمر. وبنى على ذلك مسائل كثيرة في الأوامر ومسائل النسخ. وأنه إذا ورد المانع من الفعل، تبين أنه لم يكن مأمورا على حال. وهذا غلط عند أهل التحقيق، كما قررناه فيما مضى. وعلى ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
ثم أفضى به الأمر إلى إثبات العقاب على ترك المشروطات من غير تكليف بها على حال. والأمة مجمعة على أن لا عقاب إلا على العاصي،
стр. 143
وإن كان الله تعالى يتفضل بإثابة من لم يطعه، كالمظلوم يؤخذ ماله وعرضه. إلا أنه تعالى قد تفضل بأنه لا يعاقب إلا من عصاه. وقد يتفضل بترك العقاب بعد المعصية. ولا يشذ عن هذا الأصل إلا مسألة واحدة، اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وهم أولاد المشركين. فأما ما سوى هذه المسألة، فمجمع عليها بين علماء الأمة.
قال الإمام: (فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب) إلى قوله (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار). قال الشيخ ﵁: ما ذكره القاضي ﵀ من كون المسألة مظنونة،
стр. 144
كلام صحيح، والأدلة القطعية مفقودة من الجانبين. والمسألة من مسائل الفروع، وليست من مسائل الأصول بحال. إذ ليس النظر فيها متعلقا بأدلة قطعية، [وإنما] فيما يصح أن يكون أمارة، فهي بمجال الفقه أجدر. ولكن الأغلب على الظن عندنا أنهم غير مكلفين بالفروع. ويدل عليه أمران: نقلي وفقهي.
أما النقلي: فلما روي في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ أرسل بعض رسله إلى قوم من المشركين وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أجابوا، فأعلمهم أن الله أوجب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). فجعل الإعلام بالفروع بعد الإجابة إلى الإسلام.
стр. 145
وأما من جهة المعنى: فطلب الفروع [يكون لإيقاعها]. والإيقاع مع الكفر متعذر، وإذا قدم الإسلام، فإن كانت أوقات الفروع قائمة، استقبل المكلف الفعل، لتوجه الخطاب عليه في الحال. فإن فاتت أوقاتها، فالإسلام يمنع من التدارك. فأي حاجة إلى تحقيق التكليف ثم الحكم بالسقوط؟ فهذه الفروع لا تفعل في حال الكفر، ولا تقضى بعد الإسلام. فكان الظاهر أنهم لم يخاطبوا بها، إذ لا يحصل منها مقصود التكليف. وهذا واضح، فإنا لم نقطع بذلك، لاحتمال أن يكون التكليف تظهر فائدته في الآخرة عند الموت على
стр. 146
الكفر في مضاعفة العذاب. وهذا بعيد، فإن المقصد الأصلي من التكليف الطاعة بالفعل. وقد بينا أن هذا ممتنع في [حق] الكفار في حال الكفر وبعد الإسلام. فكان الظاهر عندنا نفي التكليف بالفروع.
وقوله: (والذي أراه أن الكفار مأمورون بالتزام الشرع جملة، والقيام بمعالمه تفصيلا). [فيه] اقتصار على نفس المذهب، معرى عن الدليل. وأما وجوب التوصل، (٢٠/أ) فقد بينا صحة التكليف من جهة العقل، وحققنا أن مقتضى مذهبه، امتناع التكليف بالوسائل عند العلم بعدم وجوب المتسول إليه.
والإيمان وجب [لا] لاعتبار كونه وسيلة عندنا، بل لأنه مقصود في
стр. 147
نفسه. حتى لو علم الإنسان بوجه من الوجوه أنه لا يمكنه أن يفعل [شيئا] من الفروع، لكان الإيمان عليه واجبا.
وما ادعاه من القطع بأنهم معذبون في الدار الآخرة، دعوى القطع من غير برهنا، ولا أمارة ظنية.
وقوله: (والموصل إليه أنه قد ثبت [قطعا] وجوب التوصل). فمن العجب أن يجب التوصل إلى ما ليس بواجب. [وقوله: ] (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله تعالى لا يعفو عن الكفار فيما تعبدهم به).
стр. 148
[ولكن] النزاع، هل تعبدوا بالفروع أم لا؟ ولا أرى لما ادعاه من القطع وجها.
قال الإمام: (القول في العلوم ومداركها وأدلتها) . قال الشيخ ﵁: قوله: العلوم: هو جمع علم، لا يصح على مقتضى العربية، فإن العلم مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، لأنه يدل على القليل والكثير من جنسه، إلا أن تختلف أنواعه، نحو [الحلوم] والأشغال. والعلم لا يتصور أن تختلف أنواعه بوجه يرجع إلى انقسام العلم وتفاوت درجاته، وإن كانت تختلف متعلقاته، وليس اختلاف المتعلقات بالذي يوجب اختلاف العلم، من جهة كونه علما.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن العلم يختلف، وزعموا أنه يتصور أن يكون علم أوضح من علم. وهذا غلط بين. واعتذر هذا القائل بمثال محسوس تمسك به، وقال: إذا رأى الرائي جسما أبيض في غلس، فإنه يرى بياضه، وكلما اشتد الضياء، علم البياض على وجه أوضح مما علمه أولا بالإبصار. قال: فكذلك العلم الذي لا يرجع إلى حاسة البصر.
стр. 149
وربما تمسك بأن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره به. وهذا غلط عندنا. وخياله فيما تمسك به من رؤية الأبيض على جهة رؤيته على أوضح من ذلك، ليس بصحيح، وإنما يرجع ذلك إلى رؤية أجسام لطيفة مسودة، فإذا قوى البياض ذهب اسودادها.
وأما ما شنع به من أن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره، فليس الأمر في ذلك يرجع إلى تفاوت العلمين، وإنما يرجع ذلك إلى كثرة معلومات النبي وقلة معلومات غيره، أو لدوام علمه، وتوالي الغفلات على غيره.
وأما تفاوت العلم حقا وحظا، فمحال، إذ حقيقته الكشف. وكمال التقرير فيه أن العالم إذا اطلع على معلوم، فلا يخلو: إما أن يحيط به من كل وجه، أو من بعض الوجوه، فإن أحاط به علما من كل وجه، استحال أن يعلم ثانيا ما لم يعلم أولا، فلا يصادف العلم الثاني متعلقا. وإن أحاط ثانيا بما لم يحط به أولا،
стр. 150
فهذا علم آخر، متعلق بمعلوم آخر، ولا يرجع ذلك إلى إيضاح في الأول بحال. (٢٠/ب).
وإن قال قائل: يصح جمعه بالنظر إلى متعلقاته، فيقال له: فجوز جمع الضرب باعتبار تعدد متعلقاته، فقل: ضروب. وكذلك يلزم جمع النظر، لاختلاف المنظور فيه، حتى يقال: أنظار. بل منع أهل اللغة من جمع المصدر، وإن اختلف قلة وكثرة، وقوة وشدة. فكيف يجمع ما لا يقبل الاختلاف بوجه؟ وقد قال سيبويه ﵀: لا يجمع العلم ولا النظر. لما قررناه. والكلام في الدليل يأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل) إلى قوله (فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب). قال الشيخ ﵁: قد اختلف في إلحاق لفظ
стр. 151
العقل [بالعلم]، واختلفوا في ماهيته: فذهب الخوارج إلى أن العاقل: من عقل عن الله. وقال الشيخ أبو الحسن: العقل هو العلم. وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق.
стр. 152
وذهب الحارث بن أسد المحاسبي إلى أن العقل: غريزة يتوصل بها إلى المعرفة. وقد أوضح ذلك في كتاب: (الرعاية) وبسطه بسطا كثيرا، وأتى له بمثال فقال: (مثل العقل مثل البصر، ومثل العلم مثل السراج، فمن لا بصر له، لا ينتفع بالسراج، ومن له بصر بلا سراج، لا يرى ما يحتاج إليه). فقد صرح بمخالفة العقل العلم.
وقال الجبائي: العقل هو الصارف عن القبيح، الداعي إلى الحسن. وعباراتهم في ذلك كثيرة. وكلها ترجع إلى هذا. فلم نر الاشتغال بنقلها والإكثار منها.
وقال بعض المحصلين: إن العقل هو الذي يصح معه الاستدلال. قال القاضي: لست أنكر تفسير العقل بالعلم في وضع اللغة، فإن العرب تقول:
стр. 153
عقلت الشيء وعلمته وفهمته. فلا امتناع في تسمية العقل علما والعلم عقلا. ولكن غرضنا بالكلام أن نوضح العقل الذي هو شرط صحة التكليف.
وأما التطويل الذي ذكره الإمام في احتجاج القاضي، فلابد منه ليتبين مأخذه. فإن الرد على القائل قبل معرفة مأخذه فيه نظر. قال القاضي: العقل أمر وجودي، إذ لو كان عدما، لما اختص به بعض الجواهر دون بعض، إذ النفي لا اختصاص له.
فإذا ثبت وجوده، فلا يخلو: إما أن يكون قديما أو حادثا، ويستحيل الحكم بقدمه، لدلالة الأدلة على أن لا قديم إلا الله وصفاته، إذ لو كان قديما، لاستحال أن يتصف به المحدث، ولا معنى للإطناب في ذلك.
وأيضا فإن ذات القديم لا يختص بها بعض الجواهر دون بعض، فكان يجب أن يثبت العقل لجميع جواهر العالم. وقد صار كثير من الحشوية إلى أن العقل قديم. وهم أقل من أن يفردوا بكلام. وهذا كقولهم بقدم الروح.
стр. 154
وإذا بطل كون العقل قديما، وجب القطع بحدثه. ثم الحادث لا يخلو: إما أن يكون جوهرا أو عرضا، وباطل أن يكون العقل جوهرا، لأدلة: منها- تماثل الجواهر. ومنها- أنه لا يوجب جوهر حكما لجوهر، مع اختصاص كل واحد بحيزه. ومنها- تجدد حكم العقل على الجوهر مع استمرار وجوده. ويتحقق ذلك بوجوب قيام الموجب بمن له الحكم، فوجب أن يكون من قبيل الأعراض. ولا يصح وقوعه على جميعها، لأنها مضادة. وأيضا فإنه (٢١/أ) يتصف بالعقل مع فقدان جملة من الأعراض.
فإذا ثبت أنه بعض الأعراض، فلا يخلو: إما أن يكون غير المعلوم، وإما أن يكون من العلوم. باطل أن يكون غير العلوم، إذ لو كان كذلك، لصح أن يتصف بالعقل خال عن العلوم كلها. فدل أنه من ضروب العلم.
والذي يحقق ذلك، أنه ما من ضرب من ضروب الأعراض زائد على الحياة، إلا ويصح تقدير العقل مع عدمه إلا العلوم. وإذا كان كذلك، وصح أن العقل من العلوم، ومحال أن يكون جميعها، لصحة الاتصاف بالعقل مع فقدان جملة من العلوم. ولا يصح أن يكون من العلوم النظري، لأن النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقا بالعقل. ولا يصح أن يقال: إنه جملة من العلوم الضرورية، فإن العلم بالمحسوسات من الضروريات. وقد يعقل من لا يحس أصلا. فثبت أنه بعض العلوم الضرورية.
стр. 155
ثم سبيل التنصيص عليه أن [يقال]: كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر، ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل، فهو العقل. وتحصيل ذلك: أن العلم بالآلام واللذات والعلم بالنفس، لما اشترك فيه العاقل وغير العاقل، لم تكن هذه الضروب من العقل.
فأما العلم بأنه لا يخلو المعدوم عن النفي والإثبات، ولا يخلو الموجود عن قدم وحدوث، فلا يشارك العقل فيه غيره فهو العقل. وعد القاضي من
стр. 156
ذلك، العلم بأن الخبر لا يكون إلا صدقا أو كذبا. وعد منه العلم باستحالة اجتماع المتضادات. فهذا هو التطويل الذي ترك الإمام ذكره.
والاعتراض عندي على هذه الطريقة أن يقال: العقل معنى واحد مفرد، فكيف يتصور أن يكون مركبا من علوم متعددة، وكل علم مخالف للعلم الآخر؟ هذا عندي لا يصح. وقد قال بعض أصحاب القاضي: إن العقل يرجع إلى علم المرء بأنه عالم، فإن المعلوم ينقسم إلى النفي والإثبات، والإثبات ينقسم إلى القديم والحادث، فيرجع العقل إلى علم واحد، حتى لا يلزم التركيب في العقل. ولكن هذا أيضا غير سديد، فإنا نختار في الكلام: أن كل معلومين يتصور العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فغنما يعلمان بعلمين. والعلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه، فلا يكون علم واحد يتعلق بهذه المعلومات. فلا يصح أن تصير العلوم المتعددة عقلا.
قال الإمام: (وهذا الذي ذكره فيه نظر) إلى قوله (وهذا سبيل كل شرط ومشروط). قال الشيخ: قول الإمام: إنه لا يمتنع أن يكون العقل مشروطا
стр. 157
بعلوم. لا يصح، إذ لو كان كذلك، لأمكن وجود العلم دون العقل، إذ لا يمتنع وجود الشرط دون المشروط. ومن المحال أن يعلم العلوم الضرورية من لا عقل له.
ولكن يتوجه على القاضي فيما ذكره اعتراض، وهو أن يكون العاقل شرطا في العلوم الضرورية، فلا تحصل إلا لمن حصل له العقل. وهذا الذي قصده الإمام، وإن كانت العبارة غير محررة، ولكن يجاب عن هذا: بأنه لو كان العقل شرطا، لأمكن وجدانه دون العلوم.
وهذا الذي ادعاه الإمام من أن الذاهل عن الفكر في الجواز والاستحالة عاقل، فهذا الذي ذكره غير مسلم، فإنه إذا ذهل عن جميع العلوم، لم يكن عاقلا. فإن قال قائل: ما المانع من كون العقل شرطا في العلوم، والعلوم شرطا في العقل (٢١/ب)، فيكون الاشتراط من الجانبين، فيوجب ذلك الاقتران من الطرفين؟ وهذا السؤال غامض، وينقدح في دفعه طريقان:
أحدهما- أن التحكم بادعاء شرط لا يعلم ضرورة ولا نظرا باطل. فإن قيل: لسنا ندعيه، ولكن نقول: ما المانع منه؟ فعنه جوابان:
стр. 158
أحدهما- أن هذا التقدير يفضي إلى ما لا نهاية له، فإنه يمتنع تقدير شرط للشرط المقدر، ولا يقف الأمر على حد.
الثاني- أنه لو كان كذلك، لوجب أن يثبت ذلك في حق الله ، فإن الشرط العقلي يجب طرده شاهدا وغائبا، فيكون للباري تعالى عقل زائد على العلم، وذلك باطل بإجماع الأمة. وهذا هو الطريق الثاني في الجواب عن السؤال الأول.
فإن قيل: هذا تمسك بالإجماع في مسائل الكلام وقضايا العقول. فنقول: لا يمتنع أن يتلقى هذا الضرب من المعقولات من الإجماع. والضابط: أن كل ما يصح أن يتلقى من الرسول ﵇ من قضايا العقول، جاز أن يتلقى من الإجماع. ولو أخبر الرسول ﵇ أنه ليس لله تعالى صفة هي شرط في العلم إلا الحياة، لعلم ذلك منه. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى.
стр. 159
قال الإمام: (فإن قيل: فما العقل؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين. وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحارث بن أسد المحاسبي. فإنه قال: العقل: غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها). قال الشيخ وفقه الله: وقد أنكر الإمام [هذه المقالة] في (الشامل)، ومنه كون المحاسبي يقول ذلك: (ولعمري إنه لبعيد من نفس ذلك الرجل، وغير لائق بمذهب أهل الحق). ثم تأوله الإمام هنالك، وقال: (لعله أراد بذلك معرفة الله والتشمير للعمل، ولم يرد به مطلق العلم). وللتأويل مجال. ولكن قد ذكر المحاسبي هذه المسألة في (الرعاية)،
стр. 160
ونص على الفرق بين العلم والعقل. على ما قررناه. والله أعلم بصحة ذلك.
قال الإمام: ([والقدر] الذي يتحمله [هذا الموضع]) إلى قوله (والأدلة عليها). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام، لا خلاف بينه وبين ما حكاه عن (المحاسبي). إلا أن لفظ الغريزة ليست عبارة المتكلمين. فقد يوهم إطلاقها باختلاف في الجواهر على ما ذهب إليه الفلاسفة، وليس هذا اعتقاد أحد من أهل الإسلام. ولفظة (الصفة) مشهورة عندهم.
وقوله: ليس الكلام في بالهين، يشير إلى اشتراك لفظه، وتعدد مدلولاته. والفلاسفة يقولون: العقل يرجع إلى العالم العلوي. في مذاهبهم في
стр. 161
العقول والنفوس. وهذا الأصل لا سبيل للخوض فيه في هذا الفن. وليس النزاع الحقيقي بين المتكلمين وراء الألفاظ، إلا في إثبات هذه الصفة ونفيها.
والذي يصح عندنا في العقل ما حكيناه عن أبي الحسن أنه يرجع إلى العلم من غير زيادة. وهو مطابق للغة، وإن كان لفظ العقل قد يطلق على زاد على العلم، ولكن إنما [نريد] نحن بعض مسمياته، وهو ما يرادف العلم منها، إذ يقال: علمت وعقلت وفهمت بمعنى واحد. وقد اعترض على هذا، بأن الله سبحانه عالم، ولا يقال له عاقل. والجواب عنه: (٢٢/أ) أن إطلاق الأسماء على الله موقوف على ورود السمع.
فأما وضع الاسم تلقيبا، فمجمع على منعه. وأما إطلاق الأسماء المشتقة من المعاني عند ثبوت اتصافها بالمعاني، فمختلف فيه. وللمسألة ثلاثة أحوال: إما أن يرد الإذن، كالعالم والقادر، وإما أن يثبت المنع، كالسخي، وإن أطلق عليه لفظ الكريم، وإما أن ينتفي الأمران. فهذا موضع خلاف، فمن مانع، ومن مجيز، ومن متوقف.
والظاهر عندي المنع، لحصول القصر، بالنظر إلى مفهوم العدد، حيث
стр. 162
قال ﵇: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا). فانظر كيف قال: (إلا واحدا). وكأن المنع من إطلاق العقل عليه لذلك.
وأظن- والعلم عند الله- أن سبب المنع ما يتطرق إلى اللفظ من اشتراك. إذ قد يطلق العاقل على من عنده سكون وهدوء، وملازمة الطريق الحميدة عند العقلاء، لداع يدعوه إليها، والانصراف عن الرذائل لصارف يصرفه عنها.
فلما كان ذلك قد يفهم من اللفظ، منع من إطلاقه على الله . وهذا الاعتراض أيضا يتوجه على من قال في حد العلم: إنه المعرفة. فإن الله لا يسمى عارفا، كما لا يمسى عاقلا. والكلام في المعقولات غير الكلام في جواز الإطلاق على الله [في السمعيات].
قال الإمام: (فصل- لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم) إلى
стр. 163
آخر الفصل. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر، لا مزيد عليه،
стр. 164
ولا يحتمل أكثر من هذا.
قال الإمام: (فصل- في حد العلم وحقيقته) إلى قوله (وهذا لا يرشد إليه
стр. 165
تغاير العبارات). قال الشيخ ﵁: ننبه في ابتداء هذا الكلام على أصل في الحدود، وهو أن اللفظ إذا كان نصا، فهو أحسن ما استعمل في الحدود. وكذلك إن كان ظاهرا واحتماله بعيد، فاستعماله أيضا حسن. وإن كان مشتركا وملتبسا، فلا يصح استعماله في الإفهام مجردا عن القرينة بحال.
واختلف أصحاب الحدود فيما إذا بينته القرينة المقالية، كقولنا: العلم:
стр. 166
الثقة بالمعلوم. فإن الثقة مشتركة بين الأمانة والعلم. ولكن ذكر المعلوم يقطع ذلك الاشتراك في المحل المخصوص، ويبين مقصود المتكلم منه. وكذلك إذا قلنا: العلم إدراك المعلوم. وقد حد به أيضا الشيخ أبو الحسن. من جهة أن الإيهام الذي فيه يزيله التقييد بالمعلوم والإضافة إليه.
وهل يكون اقتران القرينة الحالية فيما بين المتخاطبين تقوم مقام القرينة اللفظية؟ هذا أيضا متنازع فيه. وإذا رأينا أن ذلاك لا يبطل، فالمراد ههنا بالتبيين: مجرد الكشف. ويكون ذلك استعمال اللفظ في خصوص ما وضع له. نعم، إن كان لا يطلق لفظ التبيين أبدا لا حقيقة ولا مجازا، إلا على ما سبق فيه إيهام، امتنع التحديد، ولست أرى الأمر كذلك.
стр. 167
وأما قول أبي الحسن: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما. فهو ضعيف من أوجه: منها- أن إيجاب الأحكام إنما يكون على القول بإثبات الأحوال. وأما نفاة الأحوال، فلا معنى عندهم للإيجاب. ولا يرجع ذلك إلا إلى مجرد التسمية، فكأنه قال: العلم إذا قام بذات سميت عالمة. لا فائدة فيه بوجه من الوجوه. ومعرفة (٢٢/ب) المصادر عليها تترتب أسماء الفاعلين والمفعولين، إذ لا يتصور أن يفهم الضارب من لا يفهم الضرب. وأما على القول بإثبات الأحوال، فالمعنى الموجب للحكم، قد يكون أخفى من الحكم،
стр. 168
فيصح بيانه به. وهذا بمثابة قولنا: الحركة ما يوجب لمن قامت به كونه متحركا. ولعل أبا الحسن إنما أتى بذلك ردا على المعتزلة، فإنهم يثبتون للقديم أحكام الصفات وينفون الصفات. فيمكن أن يكون هذا الكلام جرى منه في مكالمتهم.
وأما القسم الثاني: وهو إذا كانت الصفات واضحة جلية وأحكامها ملتبسة خفية، فلا يكون ذكر الحكم مبنيا للمعنى بحال. وهذا بمثابة كون الألوان إذا قامت بمحال، هل تحب لها أحكاما؟ وفيه نظر. فإذا قيل لنا: ما البياض؟ تعذر علينا أن نقول لمن التبس عليه البياض: هو الذي يوجب لمن قام به كونه أبيض.
стр. 169
وأما حد الأستاذ، فقد قصد أوجها من التقريب، ووقع في أكثر مما منه فر. وذلك أن الحدود التي ذكرناها كلها ترجع إلى الألفاظ دون الحقائق واللوازم. وقد بينا أن التبيين على التكميل في التحديد، بذكر أوصاف النفوس، ويليه في التعيين، التعريف باللوازم.
وأما تبديل العبارات المترادفةـ، فبمعزل عن البيان. ورأى صحة الإتقان والإحكام من لوازم العلم، فبينه [وبينها] ملازمة، غير أنه لم يجمع ولم يمنع.
стр. 170
أما كونه غير جامع، فإن العلم المتعلق بالواجب والمستحيل، والباقي والموجود، لا يتأتى به الإحكام والإتقان. وإنما يندرج تحت ما قاله ضرب واحد من العلوم، وهو العلم المتعلق بالممكن على الخصوص.
وأما كونه غير مانع، فلأنه لا يصح الإحكام والإتقان دون القدرة، فليجب أن تكون القدرة علما؟ هذا إذا سلم أن للإحكام والإتقان أثرا محققا. وفيه نزاع عند المتكلمين. فقال طائفة: ليس إلا الإيجاد، والتخصيص يدل على الإرادة، والإرادة تدل على العلم. وسيأتي تقريره بعد هذا.
وحد المعتزلة أيضا غير جامع وغير مانع. وأما كونه غير جامع، فلتقييدهم العلم بالشيء. فإن الشيء عند القوم: هو الموجود، أو المعدوم الذي يمكن وجوده، وأما ما لا يمكن وجوده من المنفيات، فليس شيئا، فهذه علوم وليست علوما بأشياء. وأيضا فإن أبا هاشم أثبت علوما ليست متعلقة بمعلومات،
стр. 171
وهذا كالعلم بأن لا شريك لله، فقد خرج هذا الضرب عن الحد.
وأما كونه غير مانع، فالعقود المصممة إذا كانت صحيحة، فإنها ليست علوما. وقد زاد بعض المتأخرين منهم زيادة أخرجت هذين الضربين، فقالوا: اعتقاد المعتقد على ما هو به، إذا وقع ضرورة أو نظرا. فقالوا: المعتقد، ليتناول الحد جميع أنواع العلم. وقالوا: إذا وقع ضرورة أو نظرا، ليخرج عقود المقلدة عن الحد. لكن يبقى مع هذا كله أمران:
أحدهما- إثبات أبي هاشم علما (٢٣/أ) لا معلوم له، إذا توجه ذلك عليه، بطل الاعتماد على ذكر المعتقد، فيجب طرحه. وإذا أسقطت هذه اللفظة بقي: (العلم: [اعتقاد])، فإذا اقتصر على ذلك، بطل بالجهل. وعن هذه الدقيقة كان مذهبه أن العلم بالشيء والجهل به مثلان. على ما سيأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
والأمر الثاني: أن الاعتقاد لفظ مشترك، والعلم لا اشتراك فيه، فكأنه بين الواضح بالخفي.
стр. 172
وأما قول القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو به. فهو عندي ضعيف، لأنه إن حاول بذلك بيان العلم- إن تصور افتقاره إلى بيان- فلا يصح هذا اللفظ لذلك، وإن بدل لفظا بلفظ، فيغتفر في هذا، إلا أن تكون الأسامي مترادفة، ويكون الثاني عند السائل أوضح من الأول. وليس لفظ المعرفة مرادفا للفظ العلم عند أهل اللسان. بل خص اسم العلم بما يتعلق بالجملة، واسم المعرفة بما يتعلق بالمفرد.
فإن قيل: هما مشتركان في حقيقة الكشف، وإن كثرت متعلقات أحدهما وانفرد متعلق الآخر. قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا لا يجري على ذوق الحد اللفظي. وأيضا فإن علم الباري لا يطلق عليه اسم المعرفة.
وقد تنازع أصحابه في قوله: المعلوم، هل هو محتاج إليه في الحد؟ فقال قائلون: لا حاجة إليه، فإنه لو قال: العلم: المعرفة، واقتصر، لكان الكلام
стр. 173
كافيا. وقال قائلون: لابد من ذكر المعلوم، حذارا من أن يظن بالقاضي أنه يقول بقول أبي هاشم في تصور علم لا معلوم له. وهذا ضعيف، فإن الحاد لا يلتزم في حده أن يحترز عن أن يضاف حده إلى حدود باطلة.
ولم يتكلم أصحاب القاضي في الزيادة الأخرى، وهي قوله: على ما هو به. وهذه الزيادة أبعد من الأولى. ويمكن أن يعتذر عنها بما اعتر به عن ذكر المعلوم. فإنه أيضا لو قال: العلم معرفة المعلوم، [لأمكن] أن يقال: لفظ العلم والمعرفة والاعتقاد عند المعتزلة يجري على جنس واحد. فعلى هذا يصير كأنه قال: العلم اعتقاد المعتقد. ومتى رد الكلام إلى هذا، وجب أن يصون بقول: على ما هو به. احترازا عن الاعتقاد الفاسد.
وذكر الإمام لفظة: (وبها تميزه الذاتي عما عداه). وهذه اللفظة لا تجوز في العربية، وذلك أن النسبة ترد الكلمات إلى أصولها، وأصل (ذات)
стр. 174
(ذوية). وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يوجد اسم متمكن على أقل من ثلاثة
стр. 175
أحرف. و (الهاء) ليست أصلية، وإنما هي علامة التأنيث، فتبقى الكلمة على حرفين، وهي لا تكون كذلك. فحذف منها (لامها)، وهي (ياء). [وإنما] قلنا: إن (اللام) (ياء)، لأنه لا تكون كلمة (عينها) و (لامها) (واوين) إلا قليلا جدا، كباب (فوه). فقضينا بكون (اللام) (ياء). وإنما قلنا: إن (العين) (واو) في الأصل، لظهورها في التثنية والجمع، فيقال: ذواتا، وذوات، فهي إذا (ذوي). وإنما تحركت (الواو) وانفتح ما قبلها (ألفا)، ثم خففت، فحذفت (اللام) وصارت (هاء) التأنيث كالعوض. فإذا جاء النسب، حذفت (الهاء)، لأنها زيادة متصلة بآخر الاسم، فلم (٢٣/ب) يجمع بينهما وبين (ياء) النسب.
وأيضا فغنها قد تنسب بـ (هاء) مثل [مماليه] وصياقله وصيارفه، فلما حذفت (الهاء) التي كانت كالعوض من (اللام)، رجعت (لاما)، وكان حقها أن ترجع (ياء)، إذ هو أصلها.
стр. 176
ولكن يلزم منه أن يقال: [ذويي]. فتكثر الياءات والكسرات، فأبدل من (الياء) (واوا)، كما في رحوي، وهو من رحيت الرحى. وهذا الموضع من العربية غلبت فيه (الواو) على (الياء)، وإن كانت (الياء) غالبة على (الواو) في غيره، لأنها أخف منها. وكذلك إذا اجتمعت هي و (الواو) وسبقت إحداهما بالسكون، فلبت (الواو) (ياء)، فيقال: [كي] من كويت، كما يقال [حي] من حييت، وإنما نسب إلى ذات ذووي، على ما تقتضيه اللغة العربية.
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم؟ ) إلى قوله (وحذار مخالفة الماضين). قال الشيخ: قوله: الرأي عندنا أن
стр. 177
نتوصل إلى درك حقيقة العلم بمباحثة نبتغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه. قد تقدم في أول الكتاب الإرشاد إلى بيان امتناع إدراك حقيقة ملتبسة بسلب أمر عنها. وحققنا أن المطلوب إنما يعرف بدرك جميع أوصافه النفسية، وحققنا ذلك أبلغ تحقيق.
والذي نريده الآن أن الذي جعله الإمام في [هذا المكان] يوصله إلى معرفة أضداد العلم، هو أيضا تبديل الألفاظ. فلئن كان تبديل لفظ العلم بالمعرفة لا يرشد إلى حقيقة العلم، فقوله: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو عليه، لا يكون مرشدا إلى حقيقة الجهل، إذ ليس إلا تبديل الألفاظ.
стр. 178
وقوله: والظن والشك ترددان بين معتقدين. أما الظن فإنه يرجع إلى ميل النفس إلى أحد الأمرين أو الأمور، فليس هو على ذوق الشك، ولا على حقيقته. وأما الشك، فقد اختلف الناس فيه، هل هو معنى أو لا؟ والصحيح أنه معنى، ويدل عليه ما يدل على جملة المعاني المستدل عليها، لتجدد أحكامها.
وقد ذهب الجبائي في أحد قوليه إلى أن الجهل عبارة عن نفس العلم. وهذا خطأ بين، وهو يفضي إلى نفي الأعراض. فيصح أن يقال- على هذا
стр. 179
الرأي- إن العلم يرجع إلى نفي الجهل. وقال في [موضع] آخر: إن الشك يرجع إلى توالي اعتقادين متناقضين على العاقل، فيكون في زمن معتقدا نفيا، وفي الثاني معتقدا إثباتا، فلا ينفك في زمن من الأزمان عن الاعتقاد. وهذا القول باطل، فإن العاقل يدرك من نفسه تردده وعدم تصميمه على جهة. [ولو] صح أن يكون الشرك يرجع إلى تعاقب معنيين متناقضين على القلب، لكان الإنسان إذا اعتقد قدم العالم دهرا، ثم اعتقد حدثه أن يكون شاكا، وهو في جميع أزمنته مصمم.
وأما قوله الإمام: إنه تردد بين معتقدين. فهو لفظ متجوز به، وهو يفهم منه ما حكيناه عن أبي هاشم. والأحوط أن يجتنب في الحدود الألفاظ الموهمة، فيقال: هو تردد بني أمرين من غير ترجيح في أحدهما. (٢٤/أ)
стр. 180
وهذا الموضع غامض. [فإن قيل]: هل المتعلق بالأمرين معنى واحد أو معنيان؟ فنقول: المتعلق بالأمرين معنى [واحد]، إذ لا يتصور الشك مع اتحاد المتعلق، فلابد أن يكون متعلق الشك أمرين. والذي خالفوا في تعلق العلم الحادث بمعلومين، سلموا تعلق الواحد بأمرين.
فإن قيل: إذا شك الإنسان في ثلاثة أمور، فقد تعلق شك واحد بأمرين، ولا يبقى للشك الثاني إلا متعلق واحد. قلنا: قد استحال تطرق الشك إلى أمر واحد. فنقول: على هذا يصح أن يتعلق الشك الواحد بأكثر من اثنين، فهو متردد بين الجهات الكثيرة ترددا واحدا.
وما انحصر إليه الكلام من طلب الفرق بين الاعتقاد الصحيح وبين العلم، فهو لعمري مكان غامض، [ومتاهة] مظلمة. ومنها نشأ اختلاف الأولين والآخرين في المذاهب والمعتقدات، فإن كل معتقد مصمم على أنه عالم. ومن المستحيل أن يعرف المعتقد كونه معتقدا، سواء كان اعتقاده موافقا للمعتقد أو مخالفا، فإنه إنما يدري أن الحاصل ليس يعلم بتجويزه النقيض. وعند تجويزه النقيض يبطل الاعتقاد.
следующие страницы →