Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
أصلها، كقوله: (فيما سقت السماء العشر). حتى ذهب بعض الناس في هذا إلى [نفي] التمسك بالعموم فيه.
فإذا تقررت هذه القاعدة، فالرسول ﵇ أفصح من نطق بالضاد، وقصده من [ألفاظه] كمال البيان، وإزالة الإشكال، والمخاطبون في زمانه، وهم العرب العاربة، وقواعد القياس عند كثير منهم لم تتقرر، [فإذا ذاك] إنما [يدريه المجتهدون، وليس أكثر من خاطبه الرسول [بالأحكام ذلك] الزمان كانوا مجتهدين، ولا يكون قياس البضع على المال، أو الإناث على الذكور، بالغا في القوة في تخصيص العمومات، كالقرائن الحالية والمقالية، فإنا بالضرورة لو سمعنا رجلا يقول: أيما امرأة دخلت الدار فلها كذا، لم (١٢٧/ أ) يتأت لنا تنزيله على المكاتبة بحال. وقد اشتملت الواقعة على قيود كثيرة من جهة اللغة، تقوى أمر العموم:
стр. 1157
منها- الإتيان بأدوات الشرط مؤكدة. ومنها- ترتيب الحكم على الفعل بصيغة (الفاء) المسببة مع الجواب في الشرط، فهو يفهم التعليل، حتى ذهب بعض [أهل] الأصول [إلى أنه] إذا ظهر فهم التعليل امتنع التخصيص. [ومنها-] أنه أكد، والتأكيد بالغ في شدة الاعتناء بالقضية، وامتناع التجوز فيها. ومنها-[أنه] قال: (فإن مسها، فلها المهر بما استحل [من فرجها]). وإنما يطلق هذا اللفظ عند كون العقد فاسدا.
فإذا تقررت الجهات التي يتعذر قصد الاستغراق، امتنع الحمل على النوادر على الإطلاق. وقرائن الأحوال لا تنكر، ولا عند منكري صيغ العموم، كما صور في المريض القائل: لا تدخل على أحدا، على حسب ما صور.
стр. 1158
فإن قيل: [فقد] تقدم أن صيغ العموم نصوص في [الأقل]، ظواهر فيما زاد عليه، وقد قال الإمام: (فأما الرد إلى ثلاثة، فلا يستدعي ذلك قرينة [حاقة] في جنس مخصوص). يشير إلى اللفظ فيما زاد على الثلاثة [ظاهر] مطلقا، [وإذا حمل على المكاتبة، فقد بقي دالا على أكثر من الثلاثة، فليس في القضية إلا إزالة ظاهر مطلقا]، فينبغي أن نصغي إليه، ثم يقابل الظاهر بالاحتمال ودليله، ويصار إلى القوي منهما. قلنا: [هذا] الكلام منزل على ما إذا لم تظهر القرائن الدالة على قصد الشمول والاستغراق، ولا يبقي سوى التمسك بظاهر اللفظ، فحينئذ يفرق بين ما اللفظ [ظاهر] فيه أو نص.
فأما ما ذكرنا من القرائن الحالية والمقالية، فلا سبيل إلى القصر على النادر. فإن قيل: فما معنى قول الشافعي: ([النادر] (١٠٩/ ب) ينتحي
стр. 1159
بالنص [عليه]، ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة)؟ قلنا: يتنزل الكلام على مثل هذه الحالة، وقد يجوز أن يكون المراد بالنادر هو الذي لا ينتبه [الذهن] له عند إطلاق لفظ العموم، [كالثعلب] مثلا عند إطلاق لفظ الحيوان، فقد لا يخطر بالبال، وعدم تنبه الذهن [له]. وليس كذلك التنبه للثلاثة، وهو أقل الجمع عن إطلاق العموم، فإنه لا يكاد [يشذ عن] ذهنه [الجميع] عند إطلاق لفظ العموم. فهذا هو الفرق بين القليل والشاذ، فيراد بالشاذ: ما لا يتذكر بذكر الجملة.
وأما ما قاله الإمام: (من أن (ما) [و (أي)] [من أدوات] الشرط، غ'ذا فرض الجمع بينهما كان بالغا في القوة). فغفلة عظيمة، وليست (ما)
стр. 1160
في قوله: ([أيما] امرأة]). شرطية بحال، وإنما هي زائدة دخلت مؤكدة، والتوكيد حاصل مع الزيادة. فأما المصير إلى أن (ما) في هذا المكان شرطية، فباطل، فكيف تكون (ما) الشرطية مضافة إلى اسم بعدها؟ وضرورة الشرط أن يدخل على الفعل، ومتى دخل الشرط على اسم، فالتأويل يرده إلى الفعل، فلا يصح ما قاله بحال.
قال الإمام: (الطريقة الثانية- أن التعلق بالظاهر يقتضي ظهوره) إلى قوله (بالوجه الذي قدمناه). قال الشيخ: قد تقدم الجواب عنه، وإنما
стр. 1161
غمض أمره، من جهة مصير الأصوليين إلى أن ألفاظ العموم ظواهر فيما زاد على أقل الجمع، وإزالة الظاهر ليست منكرة، لكن ينزل ذلك على لفظ لم يظهر منه قصد العموم. وأما إذا ظهر قصد التعميم بقرائن المقال والحال، فيمتنع (١٢٧/ ب) القصر على الأقل، إلا إذا ظهرت أيضا قرائن التنزيل على الأقل، فإنا نعقل ذلك.
وما ذكره أصحاب أبي حنيفة من القياس، لا ينزل منزلة القرائن المقترنة باللفظ المخصصة له. على أنا لا نسلم أن القياس في جانبهم خاصة، بل الذين تمسكوا به قياس عام، وتمسك أصحابنا بقياس يختص بالنكاح،
стр. 1162
وهو أنه قصد الشرع بمنعها من تولي عقد النكاح على نفسها، أبقى منصب لها، وحفظها للمروءة، وإبعادًا لها عن الشهوة والشبق إلى النكاح.
стр. 1163
ولقد كان أهل الجاهلية على ذلك قيل الإسلام: (تخطب إلى الرجل وليته فيزوجها). كذا قالت عائشة ﵂. وقال ﵇: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فإلحاق البضع بالمال، أو الإناث بالذكور، غفلة عن هذا المقصود، وانصراف عن مقتضى العادات الحميدة. ولقد يستقل هذا الكلام بمنع توليها النكاح لو لم يصادف الخبر. وهذا الكلام يليق بفن الفقه، وغنما أوردناه ههنا، ليتبين قوة العموم حالا ومقال، فقها ونقلا.
قال الإمام: (فإن قالوا: التخصيص حال في تغيير عموم اللفظ محل
стр. 1164
الاستثناء] إلى قوله [فقد لاح الغرض من هذه المسألة]. قال الشيخ: أما قياس التخصيص على الاستثناء، فباطل من أوجه:
أحدها- أنه قياس في اللغات، واللغات تثبت نقلا وتوقيفا، لا قياسا [وتشبيها].
والثاني- أنا قد [نقلنا] عن البصريين أنهم لا يجوزون استثناء النصف بحال. وهو الصواب عندنا. فقد منع حكم [الأصل]، فلا يصح الإلحاق.
الثالث- الفرق بين التخصيص والاستثناء فإن الاستثناء في معني الكلام الواحد، المسوق لما يبقي بعد [هذا] الاستثناء، ولهذا أنه [يمتنع]
стр. 1165
تأخيره، وقد تقدم الكلام على هذا. وأما التخصيص، فلا يعد [جزءا] بحال.
وتحقيق القول فيه أن إطلاق القول العام مع إرادة القصر على النادر، [يقع] [في] أبواب [الألغاز]، مطلق لفظ الاستثناء [لا إلغاز] في حقه، ولا [إيهام]. نعم، إن استخرج الأكثر [عد] ذلك من ركاكة القول، والعدول عن الفصاحة. فأما [الإلغاز] والإيهام، فلا يتطرق إليه. فإذا جوزناه- مع اعترافنا بركاكته- منعنا أن يصدر من الرسول [ ﷺ ]، [لكمال] الفصاحة [وعظيم] البلاغة.
قال الإمام: (مسألة: استدل الشافعي [﵀] في اشتراط تبييت
стр. 1166
النية) إلى قوله (في المسألة الأولى). قال الشيخ: هذه المسألة لا تشبه المسألة الأولى، [لا] بالإضافة إلينا، ولا بالإضافة [إلى] أصحاب أبي حنيفة.
أما جهة المفارقة بالإضافة إلينا، فالعموم في تلك المسألة قوي من جهات:
منها- إسناد (١١٠/ أ) العموم إلى حرف الشرط، وهو في اقتضاء التعميم أبلغ من النكرة في النفي.
ومنها- التوكيد الحاصل بالحرف الزائد، ولا توكيد في هذا المكان.
ومنها- فهم التعليل من ترتيب الجزاء على الشرط بحرف (الفاء).
وقوله: ([لا] صيام). لم توجد فيه هذه [الزيادات]، فاللفظ ههنا دون ذلك اللفظ. والمقر تحته- على رأيهم- ليس في الندرة كندور
стр. 1167
المكاتبة، فإن [النذر] والقضاء [ليس] قليلا في الشرع، كقلة الكتابة في نساء العالم، فقد قوي في تلك المسألة العموم، [وقل] (١٢٨/ أ) المنفي].
وليست هذه المسألة كذلك في القسمين معا. فهذه جهة التفاوت على رأينا.
وأما التفاوت على رأي أبي حنيفة، فإن القياس الذي عضد به التأويل في تلك المسألة يرجع إلى المعاني المناسبة، واستعمال الأقيسة في جانب العبادات الجامدة بعيد، [واللفظ] ههنا، وإن لم يكن بالغا في القوة، إلا أن الذي يقع تخصيصه به ضعيف.
وما ذهبوا إليه من كونه [تعين] بنفسه]، [فيستغني] عن النية. لا
стр. 1168
يصح، [و] مقتضاه الاستغناء عن أصل النية. علي أن معني [قولنا]: تعيين، أي: لا يجوز أن يصام لغير هذا الشهر، فأما أن يستغني عن نية التقرب فلا.
وقد قالوا: لابد من نية في أثناء النهار. وهذا الذي ذهبوا إليه ضد القياس، فقد خالف القوم الحبر والقياس جميعا، فإن ما مضي، لا علي طريق التقرب، كيف يتصور انعطاف قصد التقرب عليه؟ والنية قصد، [ومتعلقة] الحال، أو عزم، ومتعلقة الاستقبال، ولا يتصور [ذلك] في ذاهب [منقض].
فإن قالوا: فقد جاء الشرع بذلك في التطوع: فإنه [لما سأل: هل [شيء يأكله]؟ قالوا: لا. قال: إني إذًا صائم]. فقد أحدث نية في أثناء النهار.
وعنه جوابان:
стр. 1169
أحدهما- لا نسلم أنه أحدث نية صوم. وهذا مذهب مالك ﵀، فإن التطوع أيضا لا يصح عنده إلا بالنية قبل الفجر أو معه. ثم لو سلمنا، فيصح أن يثبت الشرع للتطوع من [التراخيص] ما لا يثبته [للواجب]، كصحة صلاة النافلة في السفر علي الراحلة غير مستقبلي القبلة، ولا يجوز ذلك في الفريضة. وإذا كان القياس لا يقتضي ذلك، بل يقتضي نقيضه، فكيف [يصح] أن يترك العموم لقياس يقتضي ما يقتضيه العموم؟ فهذا يبطل مذهبهم، ويتعين التمسك بالعموم.
[الثاني-] [إنا لا] ندعي أنه نص في منع هذا التأويل، فامتنع التأويل، لفقدان الدليل [العاضد]، [لا لنبو] اللفظ عنه، بخلاف المسألة الأولي. فهكذا ينبغي أن يتنبه [للآحاد] في تتبع الألفاظ، وجهة تفاوتها.
[قال الإمام]: (وذكر أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر في التأويل).
стр. 1170
[إلى قوله] [في يوم قبله بسنة]. (١١٠/ ب) قال الشيخ: ما ذكره الإمام [من] الوجهين في الرد علي الطحاوي، لا يظهر شيء منهما عندي.
أما الوجه الأول: فلم يذكر فيه سوي ظهور اللفظ، والرجل لم ينازع في ذلك، وإنما هو ادعي أن الدليل قد صده عن التمسك بالظاهر، فاحتاج إلي أن يرجع إلي جهة التأويل، [ويعضده] بالدليل، فلا ينبغي أن يكون هذا واقعا في أقسام التأويلات الفاسدة، وإنما يرد النظر إلي أمر الفقه، وينظر في الدليل.
стр. 1171
العاضد الصاد عن الظاهر، هل يصح للتأويل أم لا؟ فيخرج الكلام عن غرض الأصول. ونحن [قد] بينا أن قياسهم الذي عضدوا به التأويل غير صحيح.
وأما الوجه الثاني: فلم يحقق الإمام فيه الوجه الذي قصد الرجل، ونحن نحققه، فنقول: قوله [ ﷺ ]: [لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل].
اشتمل الحديث علي ثلاثة أوجه من الظهور: أحدهما- نفي كل صوم، لكل من لم يبيت، بالإضافة إلي حكم الإجزاء، فهذه ثلاثة أوجه. [فمن] أصحاب أبي حنيفة من صرف التأويل إلي [عموم لفظ الصوم، فحمله علي البعض، ومنهم من صرف التأويل إلي] المنفي، فرده من الجواز إلي الكمال، ومنهم من قصد [الجمع] بين نفي الكمال والجواز، ولكن بالإضافة إلي صومين لا
стр. 1172
إلى صوم واحد، ومنهم من صرف التأويل إلي (١٢٨/ ب) عموم من لم [يبيت].
وتقريره: هو أن الذين [لا يبيتون] ثلاثة أقسام: قسم أضربوا عن النية بالكلية، وقسم قدموا النية علي الدليل، فنووا قبل غيبوبة الشمس، وقسم أخروها عن الليل، فأوقعوها في النهار. وظاهر العموم يقتضي بطلان صوم الجميع.
[فقال] الطحاوي: يستقر العموم في قسمين: وهو من لم [يبيت] أصلا، ومن قدم النية علي الليل، ويخرج منه من أخر النية عن الليل، وأوقعها في نهار الصوم، بناء علي القياس علي التطوع المنصوص عليه. هذا [تقرير] [ما أراده] الرجل، وهو كلام حسن، بالغ في الحسن.
стр. 1173
[وما ذكره] الإمام من التشنيع علي (١١١/ أ) الرجل وكونه [يحط من مرتبه- إن صح النقل عنه-]، [وأنه] [فهم ذلك من الفحوى التي لا ينكرها [كل محصل]]. كل هذا [دعاوي] صرفة، وأقوال من غير حجة.
وكونه يقول: المقصود [الأمر] بالتقديم، والنهي عن التأخير، يلزمه تجويز النية قبل الليل، علي حسب ما ذكر، وهو لا يجوز ذلك. فثبت أنه ليس مأخذ المسألة ما ذكره. وإنما المأخذ الصحيح أن الدليل الذي لا يصلح لإزالة الظاهر، وتخصيص العموم لم يوجد.
قال الإمام: [واعلم- هديت [لرشدك]- أن هذه الفنون] إلي قوله (نعوذ بالله منه). قال الشيخ: هذا الذي ذكره ههنا، غلط عظيم،
стр. 1174
وقول ممنوع، ونسبة العلماء [إلي] الجرأة علي الدين، وخرق حجاب الهيبة، [لا] يحل إطلاق هذا بحال. وقد قدمنا أن الذي قاله الرجل سائغ في اللغة، جائز عند أهل [البصر] بالعربية. وأما الاستجراء علي الدين، فلو فعلوا ذلك، لكان فسقًا عظيمًا، فكيف يجوز إضافة هذا لأهل العلم؟ ولو كانت لي قدرة علي إسقاط هذه اللفظة ونظائرها من الكتاب لأزلتها، فإنه قول قبيح، وأمر محذور، وتحقير لأهل العلم بالكلية. والله المستعان.
قال الإمام: ([ومما] وجه علي هذا الحديث من التأويل) إلي قوله (من غير [ذي] مذهب أولي). قال الشيخ: المصير إلي حمل الحديث علي نفي الكمال، تأويل لا نزاع في قبوله، [لكن] يبقي أنه غير [متأت] في القضاء والنذر، فإنهما لا يصحان بغير نية. [فإذا] قال
стр. 1175
أصحاب أبي حنيفة: يبقي في القضاء والنذر علي ظاهره، ويؤول بالإضافة إلي رمضان والتطوع.
[وقول] الإمام: [إذا تعين حمل [اللفظ علي حقيقته] في بعض المسميات، تعين ذلك في سائرها]. قلنا: هذا الذي قاله لا يصح علي مذهب الشافعي، فإنه يري اللفظة إذا أطلقت، [ولها] حقيقة ومجاز، عمت بالإضافة إليها جميعا. فإذًا لا يمتنع أن يطلق اللفظ ويراد به الحقيقة والمجاز. وقد أجاز الإمام [هذا مع قرينة دالة عليه، فلا يناقض ذلك اللغة، ولا ينافي الفصاحة.
стр. 1176
وأما الوجه الآخر، وهو أن القضاء والنذر غير مقصودين. فهذا لعمري فيه عسر، ولكن حملهم علي ذلك أمران: أحدهما- أن اللفظ لا يراد به الحقيقة والمجاز جميعا.
والثاني- أن الدليل عندهم دل علي صحة بعض الصوم بلا نية. وإن حمل علي نفي الإجزاء، لزم أن ينزل العموم علي القليل النادر، وهو القضاء والنذر. فإن حمل علي الغالب، وهو الصوم الذي هو ركن الإسلام، اقتضي (٢٩/ أ) نفي كماله دون إجزائه، كدلالة الدليل عندهم علي صحة الصوم [المعين] بلا نية تبييت، فيجب حمل العموم علي الغالب دون النادر.
وقول الإمام: (إنه لو حمل علي نوع واحد من الصوم، ثم حمل فيه علي نفي الكمال، لما كان عاما أصلا). إن أراد أنه لا يبقي علي عمومه، فصحيح، إذ هذا تأويل مخصوص، وإن أراد أنه لا يبقي له عموم النية، فليس بصحيح، فإنه قد بقي متناولًا للصوم الأعم الأغلب، فرضا ونفلا].
стр. 1177
وقوله في الرد عليهم: إن الذي [ذكروه] (ليس مذهبا لأحد). وإن أراد أن القضاء والنذر ليس صوما في الشرع، فيفتقر إلي نية، فهو كذلك، ولكن القوم لم ينازعوا في هذا، وإنما كلامهم، هل [قصدا] بهذا الخبر، [وتلقي حكمهما] منه، [أو] [تلقي حكمهما] من وضع آخر؟ هذا محل الكلام، [وليس] فيه إجماع، وللكلام وجه في الصحة.
قال الإمام: (مسألة: استدل الشافعي في نكاح المشركات) إلى
стр. 1178
قوله (بلفظ المصطفي [ ﷺ ]. قال الشيخ: الكلام في هذه المسألة يقع في أبواب تأويل الظواهر، لا في أبواب تخصيص العموم، والمسألة يتعلق النظر فيها بجهات:
منها- النظر في إطلاق لفظ [أمسك]، هل يقتضي استمرارًا، أو يحمل علي [الإمساك] لتجديد العقود؟
الثاني- إن قوله: [أربع] مطلقٌ، ظاهره الاسترسال علي النسوة من غير تخصيص.
الثالث- إن (١١١/ ب) لفظة الأمر [ظاهرة] في الطلب، محتملة [للإباحة] والتخيير.
стр. 1179
الرابع- إن الحكم الثابت علي الصحابة، مطرد في حقنا، ولا يكون [للأزمان] تأثير في [التقييد] بحال. وقد تكلم أصحاب أبي حنيفة علي المسألة باعتبار هذه الجهات. والذي حملهم علي ذلك القياس، فإنهم قالوا: إذا وقع العقد [فاسدا]، لم يتأت أن يصح في استدامته، وإنما يستديم علي [حسب] ثبوته. قالوا: فأنكحة المشركين إذا وقعت فاسدة، كيف يصح أن
стр. 1180
تصح بالإسلام؟ فلما وردت هذه الأخبار، جنحوا إلي طرق التأويل.
[فأما] الوجه الذي أضرب الإمام عن تقريره، ورآه معاندة [للنص]، فإنه يرجع إلي تقييد المطلق، وهو قولهم: أراد الأوائل. ولقد صدق ﵀، فإن الرسول [ ﷺ ] قد قال لصاحب [الأختين]: (اختر أيتهما شئت، وفارق الأخرى). وفهم صاحب الواقعة التخيير. وكذلك صاحب الخمس حتى قال: [فعمدت إلي أقدمهن صحبة عندي ففارقتها]. ثم هذا بعيد من مذهب أبي حنيفة، فإنه يذهب إلي أن تقييد المطلق يقع [في] أبواب النسخ،
стр. 1181
فكيف يصح أن يورده في أقسام التأويل؟
وأما الثاني- وهو حمل الإمساك علي ابتداء [التجديد] [للعقود]، فلعمري إنه لتأويل يقبله اللفظ، ولكن قد تجتمع قرائن تدفعه، وأن كان كل واحد [منها] علي [انفرادها] [لا يسقطه]. وقد اشتمل [الحديث] علي قرائن:
منها- أنه قابل لفظ [الإمساك] بلفظ المفارقة، وهذا إذا قوبل بالمفارقة، ظهر منه التمادي على ما كان.
стр. 1182
الثاني- أنه رد الخيرة إليه فقال: [[أيتهما] شئت]. وهو إذا أرجع الأمر إلي ابتداء النكاح، لا يختص بالخيرة، [بل] تثبت [لهن أيضًا] خيرة.
الثالث- أنه [كيف] كان ينتظم [دخولهن] تحت [ربقة الرضا] لو كان) ١٢٩/ ب (لهن القول؟
الرابع- أنه لعله ألا ينكحهن بعد أن قضي منهن وطرا، بل يكن كسائر نساء العالم.
стр. 1183
[الخامس]-[لأن] في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، فما [أحوج] جديد [عهد] بالإسلام [إلي البيان].
السادس- أنا لا نشك في أنه لا يسبق إلي فهمه من هذا الحديث إلا التمادي علي الأنكحة السابقة، والقياس الذي يزعم أبو حنيفة أنه يرشد إلي ذلك، لا يفهمه من هو جديد عهد بالإسلام، مع [تنجيز] الحاجة إلي البيان.
هذا لعمري واضح جلي. وقد قررنا أن التأويل إنما هو مصير إلي ما يقصد المتكلم في غير جهة الظهور، فإذا ظهر أن المتكلم [لم] يقصد تلك
стр. 1184
الجهة، امتنع المصير إليها تأويلا، هذا هو الحق.
وأما ما ذهب إليه الإمام: [من أن المخالف إن عاند في كونه الخبر نصا، فإنه لا ينكر ظهوره، وغلبة الظن كافية في هذا الباب، وهي مقدمة علي ما يظن من جهة القياس] إلي آخره. فكلام في غاية الضعف، وهو أيضًا قد [نقضه] علي نفسه.
أما بيان ضعفه: فمن جهة أن المتأول لا يسلم بعد عضد التأويل بالقياس، ظهور مقصد المتكلم في جهة الظهور، بل [يظن] نقيض ذلك، [وينسب] المتمسك بجهة الظهور إلي مخالفة قصد الرسول. ولا يجري هذا مجري تقديم الخبر علي القياس علي ما تخيله، فإن المتمسك بالقياس في تلك الصورة، [معترف] بأنه مخالف للفظ [بالكلية]، وليس كذلك ما إذا تأول (١١٢/ أ) وعضد بالدليل، فإنه يقول: إنما [تمسكت] بلفظ الشارع خاصة، فأين هذا من تقديم الخبر على القياس؟
стр. 1185
[وأما] النقض الذي نقض به على نفسه، فهو أنه يقول: (إذا ورد القياس مخصصا للعموم، أو مزيلًا للظاهر إلى جهة الاحتمال، ليس الأمر في ذلك متروكًا سدى، بل على الناظر أن يزن [كفه] ظنه من الظاهر [بالباطن] [الملتقى] من القياس، [وأيهما] كان أغلب أتبعه، إذ ليس كون هذا ظاهرًا، [أو كون] هذا قياسًا بالذي يقتضي تقديم احدهما على صاحبه). ولعمري إن [هذا] القول منه لحق، وهو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه.
وأما الجهات التي [قررنا أنها] [تقوي] الظاهر، وتمنع من المصير إلى التأويل، فليست قطعية، وإن كانت جلية. وقد يختلف الأمر باختلاف أحوال المجتهدين. [وإنما] في الأصول، [لتذليل] الطرقن وكيفية التصرف في ألفاظ الشارع، [وتبيين] القواعد.
стр. 1186
[قال الإمام: ] [فإن قيل: كأنكم تبنون هذا علي تقديم الخبر علي القياس] إلي قوله [[فلم] يكن ذلك لغفلتهم عن أمثالها]. قال الشيخ: قد قدمت أن المتأول إذا عضد [التأويل] بقياس، لم يخالف لفظ الرسول بحال، وإنما هو [متمسك] باللفظ [في] جهة [يحتملها]. ولو كان اللفظ الظاهر يتقدم علي القياس مطلقا، لما صح تأويل ظاهر [معضد] بدليل.
стр. 1187
بقي أنه زاد ههنا زيادة: و [هي] إذ ظهر قصد الشارع. قلنا: قد يظهر قصد الشارع من مجرد لفظه، فهذا (١١٣/ ب) قد ساعد الإمام علي صحة تأويله بالقياس. وإن أراد أن يظهر قصده من أمر زائد علي عموم لفظه، فإن أراد ذلك، وقال: هذا هو الظاهر الذي [يمتنع] تأويله، وإن عضد التأويل بقياس، فنقول له: أردت أنه ظهر مقصود (١٣٠/ أ) الشارع علي وجه مقطوع به [أو مظنون؟ فإن كان علي وجه مقطوع به]، فصحيح، لاستحالة تصور التأويل في هذه الصورة، ولا يبقي إلا المناقضة والإسقاط.
وإن أراد أنه ظهر علي وجه مظنون، فهو كما لو ظهر اقتصارا على محض
стр. 1188
الظاهر. نعم، [تتظافر] الجهات اللفظية المغلبة علي الظن، فيفتقر إلي قوة الدليل العاضد للتأويل، وينظر في [تقابلهما]، ويجع الحكم تابعا للجهة القوية. هذا هو التحقيق.
[وأما] قوله: [إنه لا يعتضد القياس إلا بإجماعهم]. فهو كذلك.
وقوله: [[وإن] أنصف الخصم، علم أنهم ما كانوا يقيسون في مثل هذه [الحالة]]. ليس الأمر علي ما قال، فإنه قد يتفق أن يكون القياس العاضد للتأويل في معني الأصل، بحيث يصلح [للنسخ]، فكيف لا يصلح لإزالة ظاهر قوي عاضد لتأويل ضعيف؟ .
وقوله بعد ذلك: [[وإن] ركب رأسه، وطرد شماسه]. ألفاظ مستنكرة، مستهجنة عند أهل العلم، لا يليق ذكرها بالعلماء، وإنما تذكر هذه الألفاظ بالإضافة إلي البهائم، والغوغاء من الناس [يأخذ] المسألة من
стр. 1189
إطلاق الألفاظ المستهجنة الركيكة.
وقوله: [لم يمكنه أن [ينقل] قياسهم في هذه الصورة]. يتوجه مثله عليه، فإنه ليس معتمده [في] العمل بالظاهر إلا إجماعهم. ولهم أن يقولوا: من أنصف [علم] أنهم ما كانوا يتعلقون بالظاهر في المواضع التي تعارضها الأقيسة الجلية، وإن ركب الخصم رأسه، وطرد شماسه، لم يمكنه أن يعلم علمهم بالظواهر في مثل هذه الصورة. وكيف يتصور أن ينتفع المتكلم بكلام يتوجه عليه بعينه في القضية التي ينكرها علي خصمه؟ هذا [والله] محال، وغفلة عظيمة، نعوذ بالله من الحيرة.
وقوله: [ولا شك أنهم ما كانوا يقيسون في كل موضع]. كذلك يقول [له] الخصم: ولا شك أنهم [ما كانوا] يقضون بالظواهر في كل موضع.
стр. 1190
وقوله: [[ولو] تتبع [المتتبع الأخبار] التي رويت لهم، فعملوا بها، لوجدها ظواهر]. هذا الكلام بعيد، مع [إنكار] العمل بالظواهر.
[فأما] من اعترف بها، فما الذي يحوج إلي هذا الكلام؟ إلا أن يزيد فيه: أنه لو تتبعها لوجدها ظواهر مخالفة للأقيسة، ومع [هذا] أعملوها وأضربوا عن القياس. فهذا [أيضًا] [إذا] نقل علي هذا الوجه [الذي] نقل، إجماع علي تقديم الظواهر علي جميع الأقيسة. وليس الأمر كذلك، وهو أيضًا لا يدعيه، ولا يصير إليه، ولا يرتضيه.
قال الإمام: (مسألة: مما يجريه أبناء الزمان في [أدراج]
стр. 1191
[الاعتراضات]] إلى قوله [[يتنزل] منزلة [الإجمال] في صيغ الأقوال]. قال الشيخ: هذا الكلام من أصحاب أبي حنيفة بعد العجز عن التقييد [للمطلق]، والتأويل [بظاهر] لفظ [الإمساك]، (١١٤/ أ) مع كون القياس يقتضي أن العقد إذا وقع فاسدا، لم ينقلب صحيحا، فمنعوا أن تثبت أنكحة الكفار في زماننا، وسلموا أن الخيرة ثبتت لأولئك الناكحين في ذلك الزمان بعد الإسلام. فإذا قيل لهم: الأحكام لا تختص بالأشخاص، [ولا] بالأزمنة، فليطرد علي الكفار اليوم ذلك الحكم؟ قالوا: إنما [يلزم] طرد الحكم، إذا استوت الأحوال، [وأما]) ١٣٠/ ب (مع الاختلاف فلا
стр. 1192
وهذا [الكلام] صحيح.
وجهة الاختلاف: أن الأنكحة لم تكن محصورة في عددٍ في ابتداء الإسلام، [فكانت أنكحة] أولئك القوم الذين أسلموا وقت وقوعها صحيحة، [لعدم] الحصر، ووافق إسلامهم الحصر فخيروا، ولم تبطل أنكحتهم بجملتها لسبق الصحة، ولم [يقروا] عليها بالكلية، لوقوع [الحصر].
قالوا: فلا يحق بهذه الأنكحة أنكحة وقعت بعد الحصر، لتحقق الفساد فيها، واستقرار الصحة في تلك
وقد اختلف الأصوليون في الجواب عن هذا، فذهب ذاهبون إلي أن الاستدلال قد [استقل]، وما ادعاه القوم محض إمكان، والإمكان لا يدرأ
стр. 1193
الاستدلال. وقال المحققون: هذا مضر قادح، وفرق بين إمكان [يعارض] ظاهرا، [وبين إمكان لا يعارضه]، [فالإمكان] الذي يعارض الظاهر، لا يضر في التمسك بالظاهر في محل الأعمال، كما تقدم، وليس عندنا [ظاهر] يتمسك به في أن هذه الأنكحة وقعت بعد الحصر، فعلي تقدير [أن تكون بعد الحصر، يكون فيها متمسك. وعلي تقدير] أن تكون قبل الحصر، فلا يتمسك بها فتسقط، [ولا] يكون ذلك ترك دليل بإمكان، بل تمسك في الاستدلال بمجرد إمكان. وهذه [صورة].
[والصورة] الأخرى: أن ينقل أن هذه الأنكحة بأعيانها وقعت بعد
стр. 1194
الحصر، فهذا أعلي شيء في الاستدلال، ولا يبقي [للخصم] كلام علي حال.
الصورة الثالثة: أن ينقل أصحاب أبي حنيفة عدم الحصر في ابتداء الإسلام، وأن تلك الأنكحة وقعت في حال عدم الحصر، فلا يتصور استدلال علي هذا الوجه بتلك الأقاصيص.
الصورة الرابعة: أن لا ينقل ذلك ولا نقيضه، ولكن يقال: لعله لم يكن في ابتداء الإسلام حصر، [وقد] يمكن أن تكون تلك الأنكحة وقعت في ذلك الوقت. وهذا الاحتمال غير قادح، فإن الالتفات إلي [أصل] [هذا، يمنع] التمسك بكثير من الأدلة، وهو احتمال معرض [عنه] بالإجماع.
قال الإمام [﵀]: [ولكن لو صح ما ذكروه، انقدح وراءه
стр. 1195
[وجهان] [من الكلام]] إلي قوله [فهذا وجه]. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام من أنه إن صح النقل، فهو في الحصر في العدد وهيهات. كلام صحيح، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا خلقا كثيرا، وكان منهم الموسر والمعسر، مع شهوة العرب في النكاح ورغبتهم فيه، ولو اتفق أن تكون الزيادة علي الأربع مشروعة، لفعل بعضهم ذلك، وفارقوا بعد نزول الحصر، ولم ينقل ذلك بحال.
أما قوله في الجمع بين الأختين: [فلم يعهد (١١٤/ ب) مسوغا في ابتداء الشرع]. فكذلك أيضا. وقوله: (﴿ما قد سلف﴾ من الاستثناء من
следующие страницы →