← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الصناعة في العذر عن الكلمات المذكورة، أنها مصروفة على الحقيقة، ولكن يكون القرآن جاء على لغة عربية. فإن من العرب من يصرف كل اسم، ولا يلتفت إلى العلل المانعة إلا [(أفعل)]، إذا كان صفة، فيكون القرآن قد جاء في هذه الكلمات عن هذه اللغة. وقيل: إنما صرفه من صرفه، لأنه [صودف] في المصحف مكتوبًا بالألف. قال أبو عبيد: (رأيت في المصحف الذي كتبه [عثمان]﵁[(قواريرا)] الأولى بالألف ثابتة، والثانية [حكت ألفها، وأثر الحك] باقـ فلما [رأوها] كتبت بالألف، صرفوها). [وقد] قيل: إن الجمع في [منع] الصرف ضعيف، ولذلك أن مطلق [الجمع] لا يمنع، حتى قال النحويون: الجمع الذي يمنع هو الجمع

стр. 1227

الذي لا نظير له في الآحاد، فرآه [هؤلاء] [جمعا]. ويدلك على ذلك صحة جمعه، قوله ﷺ : (إنكن لأنتن صواحبات يوسف). فجمع صواحب وقدره واحدا، وإن كان على بناء [فواعل]. قال الفرزدق: وإذا الرجال رأوا [يزيد] رأيتهم .... خضع الرقاب نواكس [الأذقان] روي (١١٨/ أ) بنصب السين وكسرها. فمن روى بكسرها، جعله جمع (نواكسين)، [بـ (الياء)] و (النون)، فقد جمعه على نواكيس، لما سقطت النون للإضافة، [والياء] لالتقاء الساكنين، فبقي (نواكس)، ودلت الكسرة على المحذوف. فهذا هو الكلام على هذه الألفاظ. قال الإمام: (مسألة: مما غلط فيه الشافعي القول على [المتأولين])

стр. 1228

إلى قوله (فهذا منتهى المراد في [هذه المسألة]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن تأويل أبي حنيفة [باطل] قطعا، من الجهة التي قدرها، من أن الإضافة باللام للاستحقاق، [فالعطف] بـ (الواو) يقتضي التشريك. أما كون (الواو) للتشريك فمقطوع به، إذا كانت للعطف، وإن كان قد [تأتي] غير ذلك على ما مر في معاني الحروف. و (الواو) [ههنا] للعطف، فلابد من التشريك. وكون اللام للاستحقاق، يقبل التأويل؛ [فإن] القائل يقول:

стр. 1229

سرج الدابة، وإن لم يتحتم أن يكون لها، [لكونها] تأهلت لذلك. [فهل] المراد بقوله: (الصدقات للفقراء)، أي ملكا، [أو يصح] الصرف إليهم وهم أهل ذلك؟ فإن كان المراد الملك، لزم ما قاله الشافعي. وإن كان المراد التأهل وصحة الصرف، وجب الاشتراك في صحة الصرف والتأهل، وهذا [هو] الذي نختاره نحن. فخرج الكلام بهذا التقدير عن مراتب النصوص. [فأما] أن نقول: إنه مشترك بين الجهتين، فيفتقر إلى البيان في الجانبين، فيكون كل واحد [مفتقرا] إلى الدليل. وقد سلم ظهور ما قالوا، فتخرج المسألة عن تعطيل النصوص، وتقع في أقسام التأويلات [المقبولة] التي يفتقر من صار إليها إلى دليل يعضد به التأويل. وهذا عندنا راجع إلى ما

стр. 1230

سبق من قوله: ﴿ومنهم من [يلمزك] فى الصدقات﴾ إلى قوله﴾ راغبون﴾. ذمهم على تعرضهم لها، مع [خلوهم] عن شرط استحقاقها، ثم بين الله تعالى من يستحق الصرف، ومن هو لها أهل فقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾. الآية. [وإذا] تقرر هذا، فإذا قيل لنا: إذا كان هذا احتمالا [مساويا] على وجه، أو بعيدا على وجه، (١٣٤/ أ) فما الذي دلكم على تعيينه؟ ولم لم تقضوا بوجوب التعميم؟ [إذ التوقف] على ما يقتضيه كل واحد من الطريقين؟ [قلنا]: دلنا على ذلك أمر كلي، وهو علمنا بأن الشارع قصد بأخذ هذه الأموال من هذه الجهات، سد خلة ذوي الحاجات، والنظر في مصالح البشر، وهذا أمر معلوم من قواعد الشريعة بلا ريب.

стр. 1231

وقوله ﵇: ([أمرت أن] [آخذها] من أغنيائكم وأردها في فقرائكم). يشير إلى هذا المعنى. وإذا كان كذلك، [فلو تحتمت] القسمة بين الأصناف على التساوي، أفضى الأمر إلى تعبد في الصرف؛ فإنه قد يتفق [أن يكثر الفقراء ويقل] الماء، ولا يوجد الغارمون، ولا الرقاب التي تشترى للعتق، فلو صرف إلى الفقراء من ذلك المال تقديرا، وأخر الثمن للغارمين إلى وقت طريان الغارمين، والفقراء هالكون بالجوع، فلا يليق بحكمة الشريعة أن تفعل هذا، فإنهم (١١٨/ ب) معرضون للموت، أو [للحمل] على [الأغنياء]، وفي ذلك إضرار بذوي الأموال [لا محالة]. فالذي تقتضيه حكمة الشريعة النظر في مصالح الخليقة [على] الجهة المقدرة. وإذا ثبت ذلك، خرج الأمر عن [تعطيل] النصوص، ووقع في

стр. 1232

[قسم] التأويل المقبول، أو التفسير المرضي. وأما مسألة الوصية، فلا سبيل إلى تخصيص بعضهم بالإعطاء، [لظهور] مقصد التمليك، وثبوت حقيقة التشريك. وقول الشافعي: (إذا تعين اعتبار قول [الموصي]، [واعتقاده] نصا، فقول الشارع بذلك أولى). [لعمري] إن النص بالوضع لا يختلف بالإضافة. أما [النص بالقرائن]، فيختلف باختلافها. وقد بينا أن [حرف] (اللام) لا يقتضي تمليكا قطعا، وإنما هو محتمل لذلك. فإذا دل دليل في اللفظ الدائر بين معنيين على

стр. 1233

انحسام أحدهما، تعين الثاني. وقد دل الدليل على مسألة الموصي، لانحسام معنى الاستحقاق، وتحقق قصد التمليك، وفقدان القرينة. وإنما صور في مسألة الصدقات، أن يطلب [من الإنسان] أن يصرف شيئا من ماله لأصناف [لا ترتضي] أحوالهم، [فيقول]: ليس مالي لهذه الأصناف، وإنما مصرف مالي لأهل الفضل والدين [والعلم، فهذا لا يقتضي تشريكا ولا تمليكا. هذا هو الحق، والقول الصدق، والله] الموفق. قال الإمام: ([مسألة]: مما عده الشافعي من القبيل [المتقدم] الكلام على قوله تعالى: ﴿[فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى]﴾) إلى

стр. 1234

قوله (فلا يبقى على هذا لمذهبهم وجه). قال الشيخ: الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، [وأن] الأمر راجع إلى انحصار الصرف في هذه الجهات المذكورة. ولكن يبقى في هذه المسألة زيادة، وهى [كون] أصحاب أبي حنيفة اعتبروا الحاجة مع القرابة، [ومطلق] الآية لا يقتضي ذلك، مع مصيرهم إلى أن اشتراط الإيمان [في الرقبة] زيادة تقتضي نسخا. وهذا الإلزام قد تقدم أيضًا الكلام عليه، [وأن] المعنى إذا كان [مساوقا] للفظ عند النطق، فهو المحكم في التعميم والتخصيص،

стр. 1235

والإطلاق والتقييد، كما ذكرناه في [مسألة]: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). فإن ذلك المعنى مما أجمع على أنه محكم في العموم والخصوص [والإلحاق]. وقد بينا السنة في ذلك. وأن المعنى إذا لم يتراخ عن سماع اللفظ، فلم يستقر في النفس استغراق العموم؟ والنسخ هو الرفع. فإذا ثبت أن اللفظ لا يدل على العموم عند سماعه لأجل اقتران المعنى به، لم يكن (١٣٤/ ب) [رفع]. وإذا كان [هذا محله ما سبق إلى الفهم، لم يكن تنزيل اللفظ عليه يقتضي نسخا بحال. نعم، إذا] سدت خلة ذوي الحاجات، وبقيت بقية من المال، نظر فيه الإمام بالمصالح، إن رأى أن يقسمه على الأغنياء بقدر اجتهاده فعل، وإن رأى أن يبقيه [لنائبه] [تنزل] فعل. ولقد سلك الشافعي هذا المسلك بعينه في قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾، فإنه ضم في قولٍ الحاجة إلى اليتم. وإن كان لفظ القرآن لا يشعر بذلك،

стр. 1236

[فلئن] قال: لفظ اليتم [ينبئ] [عن] الحاجة، فهو ملتقى من القرآن. قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن اليتيم عبارة [عمن] [لا أب] له، غنيا كان أو فقيرا، وقد قال الله تعالى في أمر اليتامى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح [فإن] ءانستم منهم رشدًا (١١٩/ أ) فادفعوا إليهم أموالهم﴾. فأطلق عليهم اسم اليتم، وإن كانت لهم أموال. ولما قال رسول الله ﷺ : ([واليتيمة تستأذن]). لم ينزله الشافعي على [الفقيرة]، بل [أبقاه] على ما يقتضيه وضع اللسان، من كونها التي لا أب لها.

стр. 1237

وأما قول الإمام: (لو حتموا صرف شئ إلى القرابة، [واشترطوا] الحاجة لقرب [ما ذكروه] بعض القرب). يشير إلى أنه كان يقع في أبواب التخصيص، فأما [المنع] على الإطلاق، فواقع في أبواب التعطيل. وقد كنا أجبنا عن هذا، وبينا أن الآية إنما سيقت لبيان صحة الصرف في هذه الأقسام، وليس الصرف إلى جهة محتما على حال. قال الإمام: (مسألة: من فاسد تصرفات أصحاب أبي حنيفة) إلى قوله

стр. 1238

(واكتفينا بإيرادها في مواضعها). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة من تقسيم الفعل المتعدي إلى مفعولين: أحدهما- ما ينتظم منهما مبتدأ وخبر. والآخر- ما لا ينتظم منهما مبتدأ وخبر. كلام صحيح، والمصير إلى أنه متى ذكر أحد المفعولين الذي [يلتئم] منهما مبتدأ وخبر، [تعين] ذكر الآخر، صحيح أيضًا، إلا أنه يفتقر إلى [تتمة] تتعلق بعلم العربية وهي مسألتان: إحداهما- أنه يصح أن يقول القائل: ظننته زيد قائم، فقد يخيل للناظر في هذه المسألة أنه ذكر أحد المفعولين دون الثاني، وليس الأمر كذلك، وإنما (الهاء) ههنا راجعة إلى المصدر، والتقدير: ظننت الظن زيد قائم، فلم يذكر في هذه (١١٩/ ب) المسألة [واحد] من المفعولين.

стр. 1239

والصورة الثانية: أن يقول القائل: ظننت أن زيدا قائم، وقد اختلف النحويون في هذه المسألة، مع اتفاقهم على أنه لم يذكر إلا أحد المفعولين، فإن التقدير: ظننت انطلاق زيد، والمعنى كذلك. فقال قائلون: - وهم الأكثرون - إن طول الكلام، قد سد مسد المفعول الثاني، والمفهوم منه بين واضح. وقال قائلون: المفعول الثاني محذوف، والتقدير: ظننت انطلاق زيد واقعا أو كائنا. وهذا ضعيف، وفيه حذف الخبر من غير دليل [يدل عليه]، وليس المراد أيضًا الإخبار عن الوقوع والكينونة. وقال قائلون: تكتفي ظننت في [هذا المكان] بمفعول واحد، وهذا غلط بين، ولا يتصور أن يفيد المبتدأ على انفراده بوجه. هذا على قوله: (فإذا ذكر الذاكر أحد المفعولين، [تعين] ذكر الثاني). [فأما] قوله في القسم الآخر: (إنه لا [يتحتم] على الناطق الاعتناء

стр. 1240

بالمفعولين، ولا بأحدهما]. فكلام صحيح، لأن الاعتماد [هنا] علي المفعول، ويصح حذف المفعول. (١٣٥/ أ) وإنما [لزم] الذكر في القسم الأول، لافتقار المبتدأ إلى الخبر [والخبر] إليه. فلذلك وجب إذا ذكر أحدهما، أن يذكر الثاني. فتقول: أعطيت زيدا درهما، وأعطيت درهما، وأعطيت زيدا، وأعطيت، مقتصرا. ولما كان الاعتماد في هذا الباب على الفعل، [فإنه متى] فرض حذفه، بطل الكلام، فهو إذًا [العمدة]، فلا يسوغ تعطيل عمله، وأن [يقدم] [لشدة] الاعتناء به، وإسقاط عمله، إعراض [عنه] مع استحالة الاعتماد على غيره. وليس كذلك [ظننت]. فإن [الكلام] جهتين: فعلية واسمية. فالاسمية باعتبار [المبتدأ] والخبر. والفعلية باعتبار (ظننت)،

стр. 1241

والعامل اللفظي أقوى من العامل [المعنوي]. فإذا تقدم الفعل، فقد يقوى من جهة كونه عاملا لفظيا، ومن جهة تقدمه والاعتناء به-أعني (ظننت) -فلا يجوز تعطيل عمله بوجه، إلا في مسألة واحدة، وهي إن [تعلق]، ومعنى كونه تعلق: أنه يؤتى بحرف يمنعه العمل بتقوية جانب [المبتدأ] فيه. وحروف التعلق ثلاثة: (لام) الابتداء، [كقولك]: ظننت لزيد قائم. وحرف الاستفهام، كقولك: ظننت [أزيد] قائم؟ وحرف النفي، كقولك: ظننت ما زيد قائم. وإنما علقت الفعل، لاستدعاء صدر الكلام وتحقيق جانب الابتداء فيها، ولا يكون التعليق لغير هذه الحروف في غير هذه الأفعال.

стр. 1242

وأما قوله: (إذا تأخر الفعل في هذه الحروف، بطل عمله، فتقول: زيد عالم ظننت، لا يتجه غيره). فليس على ما قال، بل قول النحويين إنه يصح الإعمال والإلغاء جميعا، سواء توسط أو تأخر. وسببه أنه [إذا] توسط أو تأخر، صار للجملة جهتان: إحداهما-الابتداء، فإن [خبر] المبتدأ موجود في قولنا: زيد ظننت عالم، فإنا [قد] وضعناه في أول الكلام، لنحدث عنه. وفيه جهة الفعل، فإنه قوي، يصح أن يعمل في المفعول، تقدم عليه أو تأخر عنه، ونظير هذا عند النحويين: زيد ضربته، فإن شئت قلت: زيد ضربته، فجعلت الاعتماد (١٢٠/ أ) على الابتداء، وإن شئت قلت: زيدا ضربته، فتجعل الاعتماد على الفعل، وتجعل الفعل المذكور [مفسرا] [له]. وأحسن

стр. 1243

التفسير أن يكون الفعل المذكور [يفسره] مثله، [وهو] [كقولك]: [زيدا] ضربته. وإن افتقر إلى تأويل، فهو أضعف. وصورته أن تقول: [زيدا] ضربت أخاه، هذا أضعف من الأول، لأنه يفتقر [ههنا] إلى أن يقدر: أهنت زيدا ضربت أخاه. الثالث: أن يكون تفسيره من جهة معناه على خلاف لفظه، كقولك: زيدًا مررت به، [و] التقدير: جاوزت زيدا مررت به]. فهذه ثلاث رتب [متفاوتات]. وتمام الكلام عليه [يتعلق] بفن العربية. هذا تمام الكلام على ما يتعلق بالعربية.

стр. 1244

وأما ما يتعلق بالأصول، وهو المقصود، فقد بنى الإمام الأمر على أنه (وقع الاعتناء بذكر المساكين، ووقع الاكتفاء بذكرهم عن ذكر مقدار الطعام، اكتفاء بأن [طعام] المسكين يشعر بقدر سداده). وهذا كلام صحيح، ولكن، هل ذكر عدد المساكين لنفس القصد إلى عددهم، من جهة كونه عددا؟ أو ذكر [العدد] مرشدا إلى تقدير الطعام؟ هذا محل الكلام. فإذًا هو يقول لم يذكر عدد المساكين إلا [لغرض]، وهذا لاشك فيه، فإن كل شيء يصح [ألا] يذكر، فإذا ذكر، أشعر ذكره بشدة اعتنائه، لغرض يترتب للذاكر على ذكره. أما [انحصار] الغرض في تحتيم الصرف إلى العدد، فلا يلزم أن يكون

стр. 1245

ذلك مقطوعا به، بل يجوز أن يكون [للغرض] الذي ذكرناه. وهذا لو فسر رسول الله ﷺ (١٣٥/ ب) الآية بهذا، [لم] [تنفر] الأسماع من [قبوله]، ولم [يعد] ذلك [خارقا] للنص، ولا مزيلا للفحوى المقطوع بها، وإنما [تشمئز] منه قلوب من لم يأنس [بتجوز] العرب [ومعرفة] [تخاطبها]، أو من غلب من غلب عليه التعصب للمذاهب، والركون إلى التقليد. فإذًا لسنا نمنع أبا حنيفة من المصير إلى ما صار إليه، لاعتقادنا كون

стр. 1246

اللفظ نصا، وإنما نمنعه من ذلك، لعدم الدليل الذي يعضد التأويل به، فإنه إنما جدد نظره إلى سد الخلة، وقال: قصد الشارع إلى إطعام ستين مسكينا في يوم، [كقصده] إلى سد خلة مسكين في ستين يوما، إذ هو في كل [يوم] محتاج إلى ما يصلحه. والشافعي ومالك يقولان: سد الخلة مقصود، [ولكن] لا [يصح] أنه كل المقصود، [إذا] يمكن أن يكون الشارع قصد إلى العدد، من حيث أنه لا يبعد أن يشتمل العدد الكثير على رجل صالح تستجاب دعوته، ويتبرك بسد خلته. وإذا أمكن ذلك، ففي مراعاة العدد تحصيل [المقصود] مع الخلاص من [عين] المخالفة.

стр. 1247

[وفي] الكفارات نوع من التعبد، بالنظر إلى العدد، فيكون التمسك بالظاهر المحصل للمقصود من كل وجه أولى. وهذا هو [الأغلب] على الظن عندنا، وإن كنا لا نقطع ببطلان مذهب أبي حنيفة. ومن هذا القبيل أيضًا قوله ﵇: [في أربعين شاة شاة]. ذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز إخراج (١٢٠/ ب) الشاة، [أو قيمتها] من أي مال كان. وقال أصحابنا: لا يجوز هذا بحال، فإنه تعطيل للنص، فإن النص يتضمن وجوب الشاة على التعيين، فمن جوز غير هذا، كان معطلا للنص. وهذا عندنا من جنس ما تقدم، [فيمكن] أن يكون تعيينها مقصودا، كما ذهب إليه مالك وغيره. ويمكن أن يكون المقصود بتعيينها أن يكون لتعريف المالية. ويذكر: أنها الأسهل على الملاك، والأقرب في [العادات]، وعليه

стр. 1248

نزل قوله ﵇: [فليستنج] بثلاثة أحجار]. إنما [ذكر] ذلك، لأنه [الأسهل] في تلك البلاد، فتذكر [لتعريف] عدد ما يستنجى به، لا للقصر على العين. ومالك ﵀ وغيره يقولون: يمكن أن يكون الأمر كذلك، ويمكن أن يكون الشرع قصد مشاركة الفقير الغني في جنس ما يملك، ففي القصر على الشاة، [تحصيل] مقصود الشرع، مع الخلاص عن [ضرر] المخالفة. وباب الزكاة [باب] تعبد، فالإعراض عن التأويل، لقصور الدليل العاضد للاحتمال، [لا] لكون اللفظ نصا. قال الإمام: [مسألة: إذا [ورد عن] رسول الله ﷺ لفظ يدل على

стр. 1249

تعليل حكم) إلى قوله (وسيأتي قول بالغ في التعارض، في كتاب (الأخبار). قال الشيخ: [هذه المسألة] [تقدمت] [لها] نظائر كثيرة في هذا الكتاب، وقد تبين اختيارنا فيها، وأن ظهور التعليل [بالإيماء] القابل للتأويل، [يتنزل] منزلة اللفظ في [التعميم]. وقد صح أنه من تخصيص العموم، وتقييد [المطلق بالقياس، إذا كان

стр. 1250

راجحا عليه، منضما إلى التأويل. وغاية ظهور التعليل] أن يحصل ظنا بذلك مع احتمال غيره، فإذا تأول المتأول ظاهر التعليل، وصرفه عن ظهوره، وذكر محملا متأتيا وعضده بدليله، وترجح التأويل بدليله على اللفظ في ظهوره، بحيث (١٣٦/ أ) أنه [لم] تبق جهة الظهور مظنونة، فكيف يصح التمسك بظاهر يظن خلافه؟ [هذا] باطل، لا خفاء ببطلانه. وقوله: [هذا تقديم [للقياس] على الخبر]. فقد تكلمنا عليه، وبينا اختلاله. ولعمري إن [التمسك] بالظاهر عندما يظن أن مطلقه لم يرد جهة ظهوره، مخالف للخبر على الحقيقة. وهذا قد أشبعنا القول فيه، فلا معنى لإعادته.

стр. 1251

قال الإمام: (مسألة: إذا وردت مناه [عن] رسول الله ﷺ في عقود) إلى قوله (تفصيلا وتأصيلا). قال الشيخ: ما ذكره الشافعي في هذه المسألة من منع قبول التأويل الذي يقبله اللفظ، لو كان مفردا، من جهة أن أمثاله منع أهل الإجماع من تأويلها.

стр. 1252

وقوله: ([نحن نعلم] [بمسلك النقل عنهم]، أن هذا لو نقل [إليهم]، لجروا فيه على [ما] ألفوه في أمثال]. كلام ضعيف، وذلك أن اللفظ إذا كان في نفسه قابلا للاحتمال الذي أبداه المؤول، فإنه يمتنع من قبوله اقتران قرائن تمنع منه، [وتصير] اللفظ نصا، غير قابل لذلك الاحتمال. [وإذا] كان كذلك، (١٢١/ أ) فليس [اقتران] المناهي بمنهي معين بالذي يصيره نصا في التحريم، وإن ثبت أن [المقترن] به محمول على التحريم والفساد. والعرب قد تجمع بين المختلفات في العطف فتقول: أقم الصلاة وآت الزكاة، وصل الوتر [وصل القريب]، وتصدق على الضعيف، [وصد] الصيد، [ولا] يوجب ذلك استواء أحكامها.

стр. 1253

وقول الإمام في هذا المكان: (وهو لا يبلغ عندي في السقوط مبلغ [ما تقدم]). يشير إلى أنه ساقط سقوطا دون ذلك. والصحيح عندي أنه لا سقوط فيه بحال، وإنما يرجع في ذلك إلى طلب الدليل العاضد للتأويل، والاقتران

стр. 1254

وعدمه في ذلك [سواء]. والله تعالى هو [الموفق] وبه الحول والقوة. قال الإمام: (ونحن الآن نجدد العهد بترتيب [يشتمل على ما مضى من] [أبواب] الكتاب] إلى قوله [ونبتدئ] الآن [كتاب] الأخبار). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان، إنما هو [عد] جملة أبواب الكتاب من حيث الجملة. [وأما] ما يتعلق بالترتيب، وسبب

стр. 1255

التقديم والتأخير، فلم يتعرض له على حال. والكتاب أيضاً غير [مشتمل] على الترتيب على التحقيق، وإنما الترتيب الحسن في هذا، ما ذكره أبو حامد، ولا مزيد عليه في الحسن. ونحن نرى أن نذكره ههنا على غره، إذ هو مستقيم، [لا اختلال] فيه، ولا اعتراض عليه. وقد كنا قدمنا أن أصول الفقه تطلق لقبا على فن مجموع، وتطلق على الأدلة، ونحن [ههنا] نتكلم عليها باعتبار كونها أدلة الأحكام. [وإذا] كان كذلك، فالحاصل معنا ههنا أربعة أمور: دليل، ومدلول عليه، وجهة منها يدل الدليل، ومستدل، فاشتمل هذا العلم الذي هو أصول الفقه لقبا على أربعة أجزاء: دليل، ومدلول، ومستدل، وطريق يعرف كيفية الاستدلال.

стр. 1256

فالمقصود [كيفية] اقتباس الأحكام من الأدلة، فافتقر إلى معرفة الدليل والمدلول، وطريق الاستدلال، وصفات المستدل، فإن الأحكام ثمرات، وكل ثمرة فلها حقيقة في نفسها وانقسام، ولها تعلق بالمثمر [والمستثمر]، [وكيفية] الاستدلال، فافتقر إلى معرفة الثمرة في نفسها، وانقسامها وأركانها، [ثم] في الأدلة وانقسامها وأركانها، [ثم] في كيفية اقتباس الأحكام من أدلتها، [ثم] في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام. وإذا نظر في الثمرة عرفت حقيقة الحكم، وأنه يرجع إلى الخطاب، (١٣٦/ ب) وأنه يتعلق بالأفعال لا بالأعيان، وأنه ليس بصفة للأفعال على حال، ويندرج تحت ذلك إبطال التحسين والتقبيح، وامتناع وجوب شكر المنعم بالعقل، وأنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع. وفي النظر في أقسام الحكم يتبين الوجوب والحظر والإباحة والكراهة والندب، وحقيقة الواجب الموسع والمخبر، وأن التوسعة لا تناقض الوجوب،

стр. 1257

وكذلك التخيير، وأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، هل هو واجب؟ (١٢١/ ب) وما حقيقة فرض العين [وفرض] الكفاية؟ إلى غير ذلك من المسائل التي [سبق] النظر فيها، [و] من تضاد الأحكام وامتناع اجتماعها، وفيه [يتبين] تعدد الجهات، والالتفات إلى مقاصد الآمرين والناهين. وفي النظر في أركان الحكم يتبين أن لا حاكم على الحقيقة إلا الله [ ]، وأنه لا حكم للسيد على العبد، ولا للنبي على الأمة، ولا للزوج على المرأة، على حسب ما قررناه. وفي النظر في المحكوم عليه يتبين حكم خطاب الناسي والغافل، والسكران والمكره، ومخاطبة الكفار بفروع الشريعة. وفي النظر فيما يكلف به

стр. 1258

يتبين متعلق التكليف، [وهو] الأفعال دون [الأعيان]، وجواز تكليف ما لا يطاق واستحالته. والمقتضى [بالتكليف] [أهو] الإقدام والكف، [أو] الإقدام خاصة؟ وإذا نظر في متعلق الحكم، تبين حكم السبب، وصحة نصب الأعلام، [وجواز تعليلها، والعزيمة والرخصة، والقضاء والأداء، والصحة] والفساد والبطلان. هذا نهاية ما اشتمل عليه الركن الواحد، وهو ركن الحكم. وكل هذا النظر نظر عقلي يتعلق بتصور الأمور، والنظر في حقائق معقولة. [وأما] الركن الثاني، وهو ركن الأدلة، فإذا استوعبنا النظر فيه، [تبينا] حقيقة الكتاب وحده، وما يصح أن يكون كتابا، وما لا يصح، والنظر في القراءة الشاذة، والمحكم والمحمل والمتشابه واشتمال القرآن على [عجمية] أم لا.

стр. 1259

[وإذا] نظر في السنة تبين [حد] الخبر وحقيقته، وانقسامه إلى صدق وكذب، [ومتواتر] وآحاد، ومسند ومرسل، وصفة [الراوي] من عدالة وترجيح، وستر وسلامة، وبيان طرق التعديل، وما يتعلق بذلك من الكلام على الأخبار. [وإذا] نظر في الإجماع، وهو الدليل [الثالث]، تبين فيه حقيقة الإجماع وتصوره، وإمكان الإطلاع عليه، وكونه [حجة]، [وإجماع] الصحابة ومن بعدهم، [وصحة] [تصوره مستند القياس، وظن حكم إجماع الصحابة ومن بعدهم، إلى استتمام مسائل الإجماع].

стр. 1260

والنسخ لا يرد إلا على الكتاب والسنة، [ولا] ورود له على الإجماع بحال. فنذكر حقيقة النسخ وتصوره، وأنه يرجع إلى الرفع [أو البيان]، وجواز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن، [إلى] استتمام مسائل النسخ. وأما ما يتعلق بشرع من قبلنا، فهو يندرج عندنا تحت أقسام الأدلة، مستندا إلى الكتاب، على حسب ما بيناه. وأما الإمام فلا يعده أصلا بحال. [هذه تفاصيل] الأدلة والأحكام. وأما معرفة جهات الاستدلال، فإنه ينقسم إلى المنظوم والمفهوم، والمعنى المعقول، وهو القياس. أما المنظوم، فإنه يرجع أربعة أنواع: إلى الظاهر (١٣٧/ أ) والمؤول، والمجمل والمبين، والأمر والنهي، والعموم والخصوص. وكل هذه الجهات لغوية محضة، ليس للعقل فيها مجال؛ [فإن] أدلة الأحكام [وضعية، والوضعي] موقوف على الاختيار، [فهي] دلالة لغوية. وأما دلالة [المفهوم] فتشمل على جملة من الفحوى والمفهوم، وإشارة اللفظ، والضرورة والاقتضاء، وقد مرت مستقصاة. ويتصل بذلك

стр. 1261

القياس، وفيه يتبين حقيقته، [وشروط] دلالته، وكيفية تلقي الأحكام منه. (١٢٢/ أ) والركن الرابع: المجتهد، [وفي] مقابلته المقلد، وفيه يتبين صفات المجتهدين، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد، والموضع الذي لا يجري، وما على المجتهد، والقول في تصويب المجتهدين، وجملة أحكام الاجتهاد. هذا جملة ما ذكر في هذا الفن. فهذا هو الترتيب على مقتضى التحقيق، والله المستعان، [وهو ولي التوفيق]. قال الإمام [﵀]: [كتاب] الأخبار-الخبر: [قسم من أقسام] الكلام [القائم بالنفس] عند [معتقدي] كلام النفس] إلى

стр. 1262

قوله [والقول في ذلك قريب]. قال الشيخ: ما ذكره الأصوليون في حد الخبر بأنه: ما يدخله الصدق والكذب، أو الصدق [أو الكذب] على مقتضى العبارتين السابقتين، عندي لا يصح، وبيانه: هو أن الصدق خبر خاص، والكذب كذلك، [فالصدق] والكذب نوعا الخبر، ومن التبس عليه حقيقة الجنس، كيف يعرف نوعيه؟ وكيف يتصور أن يكون النوع [مبينا] للجنس؟ ولا يتصور فهم النوع إلا بعد معرفة الجنس. وهذا بمثابة من يسأل عن حد الحيوان، فيقال له: هو المنقسم إلى الإنسان والفرس، فإن هذا لا يصلح للبيان أصلا. والمقصود فهم الخبر، لا باعتبار كونه صدقا ولا كذبا، [فإن] الصدق والكذب اشتركا في حقيقة الخبرية، كما أن الإنسان والفرس اشتركا في قضية

стр. 1263

الحيوانية، فإن من فهم الحيوان، فهمه لا باعتبار كونه إنسانا أو فرسا. كذلك من فهم الخبر فهم حقيقته، لا باعتبار كونه صدقا وكذبا. [ولذلك] [ينتفي] الصدق، ولا [ينتفي] الخبر، [وينتفي] الكذب أيضًا، ولا ينتفي الخبر فثبت بما قررناه أن الخبر جنس، والصدق والكذب أنواع. وقد اعترض بعض الناس على [الحد] بوجه آخر، أعني على قولهم: ما يدخله الصدق والكذب، زائد على [إيهام] [اجتماعهما] في خبر

стр. 1264

واحد. [والذي] اعترض به صاحب الكتاب، وقال: [مقتضى هذا أن يكون كل خبر يدخله الصدق والكذب]. ورب خبر لا يقبل الكذب بحال، كخبر الله سبحانه، ورب خبر لا يصح أن يكون صدقا، كالخبر عن حصول المستحيلات. وهذا الاعتراض ساقط، ومراد [الحاد] أن [يبين] محض الخبر، من جهة كونه خبرا، لا يتعين له أحد الجانبين، وإنما يتعين الصدق [أو الكذب] فيه من أمر زائد على الإخبار. ولكن الاعتراض هو الذي قدمناه. فإن قيل: فما الصحيح عندكم في حد الخبر؟ فنقول: الخبر [ما] يقوم بالنفس على وفق [العلم]. فهما متلازمان على حسب ما قدمناه.

стр. 1265

[وإذا] كان كذلك، فضرورة من قام بنفسه الخبر أن يكون [عالما به، ولا يتصور خلو العقل عن (١٣٧/ ب) العلوم الضرورية، باستحالة المستحيلات، وامتناع] اجتماع المتضادات. فإذا علم ذلك، [فلابد أن] يقوم بنفسه خبر عنه، معلوم له، [ولا] يتصور أن يطلب حد الخبر ليعلمه [عاقل]، لحصول العلم به له. نعم، قد يطلب العبارات (١٢٢/ ب) المحررة، وأما طلب الحد المرشد إلى تصور الحقيقة فمحال، على ما قررناه في العلم. والعبارة عن الخبر على هذا الغرض أن يقول: هو إسناد معلوم إلى معلوم على جهة سلب أو إثبات. [فقولنا: إسناد معلوم إلى معلوم، قضية معقولة من غير نظر في صدق أو كذب، ولكن قد يأتي الإسناد فيما ليس بخبر، كقولنا: أقام زيد؟ وقم، ولا تفعل، فإنا قد أسندنا الفعل إلى ضمير الفاعل في الأمر والنهي، فافتقرنا إلى أن نقول: على جهة سلب أو إثبات]. وقد عبر سيبويه عن ذلك بأن قال في المبتدأ والخبر: [باب المسند والمسند إليه]. ولم [يزد] الزيادة التي ذكرناها، ولكنه أشار إلى الأصل،
следующие страницы →