Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
المسجد، وإلى دار أبي سفيان. (ودخل رسول الله ﷺ وعلى رأسه المغفر). وكذلك أصحابه مسلحون، وقال ﵇: ([إن] هذا البلد لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من [نهار]).
فهذه أحاديث تدل دلالة واضحة على [أنه] دخلها عنوة. وإنما وقعت الشبهة لبعض الناس من جهة أن النبي ﷺ ودى قوما [قتلهم خالد]. وهذه شبهة، [إلا] أن [تزال] بالنظر، [إذ يمكن] أن يكون ذلك لنهي خاص، وقضية معينة.
قال الإمام: (ومما [يذكر من] أقسام الكذب، أن يتنبأ متنبئ من غير
стр. 1332
معجزة) إلى قوله (فلينعم المنتهي إلى هذا الفصل نظره، وليتدبر غائلته). قال الشيخ: هذه المسألة عظيمة الموقع، شديدة الغموض. وقد اختلف الناس في خرق العادة كرامةً للأولياء، فذهبت المعتزلة إلى منع ذلك، مصيرا منهم إلى أنها لو انخرقت للأولياء، لم يتوصل إلى معرفة صدق [الرسل]، [إذ] يقع الخارق للنبي وغيره. والأستاذ أبو إسحاق يميل إلى قريب (١٤٣/أ) [من] مذاهبهم.
стр. 1333
وأهل (١٢٨/أ) السنة متفقون على جواز [خرق العادة للأولياء عقلا، وأن ذلك واقع سمعا، والآيات والأخبار الصحاح في ذلك] كثيرة. ففي كتاب الله : ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. وفيه: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك [رطبًا جنيًا]﴾. وفيه: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا﴾. وفيه قصة أصحاب الكهف. وفيه [قصة] صاحب يوسف. وفيه كلام عيسى ﵇ في المهد قبل أن يبعثه الله، وقد قيل: إنه تكلم [براءة لمريم]، ثم عاد إلى السكوت، إلى حين كلام الصبيان في الاعتياد. والأخبار عن رسول الله ﷺ صحيحة في
стр. 1334
حديث (جريج). وكلام الصغير، وكلام البقرة، وأصحاب الغار الذين دعوا فارتفعت الصخرة، وأصحاب الأخدود، وخرق العادات في زمان بني إسرائيل [كثيرة]. وما جرى لصالحي هذه الأمة أكثر من أن يحصى. وفي حديث أبي بكر أنه قال لعائشة في مرض موته بعد [قصة]: (إنما هما [أخواك] وأختاك. قالت: يا أبت إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ قال:
стр. 1335
ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية). [فكان] كذلك.
وقول عمر: (يا سارية الجبل). ومكاتبته للنيل من أعجب العجائب.
والنقل متواتر ضرورة عن صالحي هذه الأمة [لخوارق] العادات. فإن قيل: فهل تخصصون الخوارق بجنس دون جنس؟ قلنا: لا تخصيص بجنس،
стр. 1336
بل يصح أن تنخرق في الجميع، وما جاز أن يقع معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي، كإحياء الموتى وغيره.
فإن قيل: [فبماذا] يقع الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ قلنا: بالتحدي، ودعوى النبوة خاصة، وبهذا [تفارق] السحر. وقد ظن بعض الناس أن الفرق يرجع إلى تحدي [النبي] دون [الولي]، فإن [الكرامات] تجري على الولي، وهو غير [مريد] لها. وليس بصحيح، [وما] نقلناه من الأحاديث والحكايات المنقولة عن صالحي هذه الأمة يقضي على ذلك، فإنهم كانوا يطلبون، ويفعل الله لهم ذلك، مع أن العقل لا يحيله.
стр. 1337
فإن قيل: فكيف يصح مع هذا أن يعم القول بأن [ما] خالف العادة من الأخبار، يقطع بكذبه؟ قلنا: الصحيح عندنا منع هذا الإطلاق، وإنما يكون ذلك في خوارق يعلم أنها ليست من قبيل الكرامات، كدخول ملكٍ صعقا، أو مقتلة عظيمة، أو وقوع زلزلة في المسجد، وكذلك خفاء معارضة القرآن، وكتمان النص على إمام. فهذه أمور يعلم أنها ليست من قبيل الكرامات. فأما إذا أمكن أن يكون المخبر عنه من قبيل الكرامات، فلا سبيل إلى القطع بتكذيب المخبر على العموم، بل نقول فيه ما قلناه في المعجزة، حيث جوزنا صدورها على أيدي الكذابين. فقيل [لنا]: فتوقفوا عن الصدق [عند] ظهورها. قلنا: إذا وجدنا من أنفسنا العلم الضروري بصدق (١٢٨/ب) من ظهرت على يديه، علمنا أن العادة مطردة. ولو قلب الله سبحانه
стр. 1338
[العادات]، لسلب العقل مذاق العلم، ولا نسلت العلوم [من] الصدور. فكذلك إذا أخبرنا عن تقلع جبل، [لم نعمم القول] بأن المخبر (١٤٣/ب) كاذب، بل نراعي [أنفسنا]، فإن وجدنا العلم الضروري يكذبه، علمنا أن الله تعالى لم يخرق العادة، وإن لم نجد العلم الضروري، توقفنا عن التكذيب.
وأكثر ما ينقل من الكرامات لا [يجد] العاقل [من نفسه قطعا] بكذب المخبر. هذا هو القول في ذلك. والله المستعان، [وهو حسبنا ونعم الوكيل].
قال الإمام: (مسألة: ما ذهب إليه علماء الشريعة) إلى قوله (فهذا هو المعتمد في إثبات العمل [عند خبر] الواحد). قال الشيخ: المذاهب
стр. 1339
على حسب [ما ذكره] الإمام. [إلا أنه أغفل ذكر مذهب، وهو أن قوما أوجبوا العمل بخبر الواحد عقلا. واستدلوا عليه: بأن المجتهد إذا] لم
стр. 1340
يصادف دليلا قاطعا، وصادف خبر الواحد، فلو لم يعمل به، لتعطلت الوقائع عن أحكام الله [تعالى]. وأيضا فإن الرسول مأمور بتبليغ الأحكام إلى كافة الخلق، ولا يتصور ذلك إلا بأخبار الآحاد، فإنه لو [تكلف] أن يرسل إلى كل قطر عدد التواتر، لم يف أصحابه ببعض [الأقاليم]، [ولتعطلت] دار هجرته، ولخلت من أصحابه وأنصاره، ولتوصل إليه أعداؤه، فوجب لذلك الاكتفاء بخبر الواحد.
وقالوا أيضًا: الصدق ممكن، فيجب العمل، لإمكان مصادفة حكم الله
стр. 1341
تعالى. هذا كلام هؤلاء القوم، وإنما ذكرنا شبههم، لأن الإمام أسقط هذا المذهب.
وأما قولهم: إن المجتهد إذا لم يصادف دليلا قاطعا، [وصادف] خبر الواحد، فلو لم يقض به، [لتعطل] حكم الله تعالى. فهذا غير صحيح، فإن العقل لا يقضي بصدق [خبر] الواحد، حتى يكون المجتهد معطلا للحكم، [فقد يقابل] هذا بأنه [إذا لم] يعلم الصدق، فلو حكم به، [لخشي] أن يكون حاكما بغير حكم الله تعالى. وبهذا تمسك من أحال العمل بخبر
стр. 1342
الواحد. ويصلح أن يحرم علينا أن نعمل بظنون، فكيف توجب ذلك العقول؟
وأما قولهم: إنه [مكلف] بتبليغ الأحكام كافة الخلق. فالعقل لا يحتم ذلك. ولله تعالى أن يكلفه تبليغ من أمكنه مشافهته، [أو يرسل] [إلى] عدد التواتر. ولو سلمنا أنه كلف ذلك، فيصح أن لا [ينقله] عن [البراءة] الأصلية إلا بدليل قاطع، فإذا لم يصادف ذلك، بقي المكلف على الأصل.
وأما قولهم: إذا أمكن الصدق، وجب العمل، فهذا من [أفسد]
стр. 1343
شيء، [ويقابل] على [الفور] بقول من يقول: إذا أمكن الكذب، حرم العمل، ثم كان يلزم منه العمل [بخبر] الكافر والفاسق، فإن الصدق ممكن، وكذلك الحكم بقول المجرح، إذ الإمكان في الجميع [ثابت].
قال الإمام: (وأما الرد على من [زعم] أن تكليف العمل بخبر الواحد [مستحيل] في العقل) إلى قوله (استدلالا [وسؤالا وانفصالا]). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام (١٢٩/أ) هو [الصحيح] في المسألة. وقد
стр. 1344
سلك غيره من الأصوليين مسلكين [آخرين] بعد هذين المسلكين، [ونحن نذكرهما] ونبين وجه الاستدلال [بهما]، [ونعترض] على ما يتوجه عليه الاعتراض منهما.
الأول: أنهم قالوا: [العامي] بالإجماع مأمور باتباع قول المفتي، ويجب عليه ذلك، وهو ربما أفتى عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع المحقق أولى. والكذب والغلط [جائز] على المفتي [كالراوي]، بل الغلط على
стр. 1345
الراوي أبعد، فإن المجتهد إنما يكون مصيبًا-[عند] من صوبه- إذا [بذل] المجهود في طلب الحكم، ولم [يقصر]، ومواضع الظنون [هي] مواضع الغلط (١٤٤/أ) غالبًا، [بخلاف] ما يستند إليه الحواس.
ويقوى الإلزام [على] مذهب من يجوز [تقليد] الناقل للمذهب، فإنه ينقل قول غيره، ويلزم [العامي] المصير إليه، فلم [لا] يروي قول غيره؟ هذا طريق. ولكنه غير صحيح عندنا، فإن خبر الواحد أصل
стр. 1346
[يجب] العمل عنده قطعًا، [ومنكر] العمل به مخطيء آثم، فلا يصح أن يستند إلى القياس.
وقد أجابوا عن ذلك: بأن هذا قياس معلوم، [والقياس] المعلوم يحصل علمًا بالحكم، فكذلك هذا. وهذا غلط بين، والقياس الذي يترتب [العلم] عليه، إنما يجري في جزيئات النوع التي علم من [الشرع] أنها تجري في الحكم عنده على قضية واحدة، كتسوية العتق، والبول في الماء الدائم، وتشطير الحد على الذكر، اعتبارا بالأنثى، [للقطع] [بأن]
стр. 1347
الشرع سلك بهذه المسائل مسلكا واحدا، ولولا ذلك، لم يثبت حكم بالقياس. وقد قال القاضي وغيره: إنه لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، قياسا على [نقل] السنة، لأنا لم نتعبد بالقياس في أصول الشريعة. وإن كان نقل حجة في الموضعين، فأين فتوى [المفتي] من نقل الراوي؟ على أن [العامي] لا يتصور أن يكون له طريق إلى معرفة الحكم إلى [الاستفتاء]. هذا هو الصحيح [عندنا]، فإنا لم نؤمر بإثبات أصول الشريعة بالقياس.
ومما تمسكوا به أيضًا قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة ... ﴾.
стр. 1348
[الآية]. قالوا: والطائفة عدد قليل، لاسيما إذا كانوا بعض الفرقة، فلا يحصل العلم بقولهم. وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما- أنه ليس فيه إلا الإنذار، [والإنذار قد يكون بالإخبار، وقد يكون بالفتوى، فلعل المراد أراد الإنذار] بالفتوى والإرشاد دون الرواية والإخبار.
وأيضًا فإنه [لو قدرنا أنه] أوجب الإنذار، أو أنه [أوجب العمل بالفتوى]، [إلا أن] الكلام في وجوب القبول عند انفراد المخبر، هذا
стр. 1349
ليس في القرآن تصريح [به]، كيف ويجب على الشاهد الواحد أن يشهد، وإن لم يجز الحكم بشهادته، لكن [الاحتمال] أن يشهد غيره؟ هذا تمام الكلام على أصل الاستدلال.
وقد اعترض على الطريق الأول، وهو التواتر، بأنهم إنما كانوا يبعثون حكاما ومفتين، لا رواة ومخبرين، ونحن نسلم أن فتوى المفتي واجب المصير إليها. قلنا: ليس الأمر كذلك، وقد أمر رسول الله ﷺ معاذًا وغيره أن يخبروا الناس بما أوجب الله عليهم. وكان يكتب كتب [الصدقة والعقود]، وقال: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي). وقال في خطبة الوداع: (فليبلغ الشاهد
стр. 1350
الغائب). ولو ذهبنا ننقل الأخبار التي نقلها الصحابة للناس، لطال الكلام، وجاوز حد الاقتصاد.
وقد اعترض على هذا بالممانعة فيه، عن كل واحد على انفراده، على ما سيأتي.
قال الإمام: (وقد [استدلوا] بظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك
стр. 1351
به علم﴾). إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ولا زائد على ما قاله الإمام في هذا المكان.
قال الإمام: (مسألة: ذهبت الحشوية من الحنابلة) إلى قوله (وقد
стр. 1352
تكلمنا عليه بما فيه مقنع).
قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام، والعادة بذلك شاهدة، والضرورة بعده حاصلة. وقد قال بعضهم: يورث العلم الظاهر. والعلم ليس فيه ظاهر ولا باطن، أو لعله يسمي الظن علما. وقد تردد الناس في هذا، هل يسمى الظن علمًا؟ وقد قال زهير:
стр. 1353
وأعلم علمًا ليس بالظن [إنه] ... .... ....
قالوا: فلو لم يكن الظن يسمى علمًا، لم يفتقر إلى أن يقول (ليس بالظن). وقيل: هذا على جهة التأكيد، لا لأجل الانقسام. أما العلم فيسمى ظنًا من غير خلاف. (١٤٤/ب) قال تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾. وقال تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾. والموت معلوم غير مظنون.
وربما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾. ولا يعلم إيمانهن إلا بقولهن. قالوا: فدل أن قول الواحد يحصل علمًا. وهذا ضعيف، لأنه يحتمل أمرين:
стр. 1354
إما أن يكون يسمى إيمان اللسان إيمانًا، فإنه يصح أن يسمى الشيء باسم ما هو دليل عليه. أو يكون المراد: فإن علمتم نطقهن بالشهادة. وهذا معلوم لا شك فيه، وهو الذي علق الشرع الأحكام عليه، ولهذا قال لأسامة في قتله ذلك الذي تلفظ بكلمة الشهادة، قال ﵇: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله (؟ ولا معنى للتعلق بالمجملات في مدافعة الضرورات.
قال الإمام: (مسألة: ذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد لا يقبل) إلى قوله (وآخر في كيفية الرواة). قال الشيخ: ينبغي أن يفهم مراد الأصوليين بخبر الواحد: وهو عندهم عبارة عما لم يحصل علمًا، وإن كثر رواته من خمسة وستة وغيرها، وخبر الرسول لما دلت المعجزة على صدقه، لا يسمى خبر الواحد.
стр. 1355
وهذا هو الذي دللنا على وجوب العمل عنده بالأدلة السابقة.
والمقصود أن العدد في الرواة غير مشترط، على حسب ما قررناه من المتواتر عن الرسول ﷺ ، والنقل عن أهل الإجماع.
وقد اعترض الجبائي على الأصلين جميعًا، فقال: أما الرسول ﷺ فلم يقبل خبر ذي اليدين حتى سأل أبا بكر وعمر فصدقاه. ولم يقبل أبو بكر خبر المغيرة حتى روى معه محمد بن مسلمة. ولم يقبل أبو بكر وعمر حديث
стр. 1356
عثمان في رد [الحكم بن أبي العاص]، وكان عثمان مشهور بالفضل والدين. ولم يقبل عمر حديث أبي موسى في الاستئذان، حتى روى معه أبو سعيد.
стр. 1357
ولم يقبل عمر حديث فاطمة بنت قيس في السكنى. ولم يقبل علي حديث أبي سنان الأشجعي في حديث بروع بنت واشق. ومن ذلك رد عائشة
стр. 1358
حديث ابن عمر الذي رواه: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). ونظائر ذلك مما يكثر. وطريق الجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها- أن من قبل خبر الواحد لا يعمم القبول، ومن رده عمم الرد. ونحن قد نقلنا الأدلة القاطعة في قبول خبر الواحد من غير شرط زائد على العدالة. فإذا وجهت هذه الأسئلة، لم يلزم الجواب عنها، فإنا لا نعمم القبول في كل موضع.
الثاني: أن هذه الأقاصيص جرت نادرة على جهات خاصة، فيحتمل أن يطلع المتوقفون أو الرادون على أسباب اقتضت ذلك، لأن هؤلاء القوم الذين
стр. 1359
توقفوا، هم بأعيانهم قبلوا قول الأحاد، ورتبوا عليها الأحكام. فلا تنزل أمورهم على انتقاض. هذا أمر يكتفى به في الجواب، ثم إلينا الخيرة إن أحببنا اقتصرنا على ذلك، وإن شئنا تعرضنا للتفصيل، وهو أحسن الأجوبة.
أما كون رسول الله ﷺ توقف في خبر ذي اليدين، فقد ذكر الأصوليون له ثلاثة أوجه:
أحدها- أنه جوز الغلط عليه، لكثرة الجمع، وانفراده بالإخبار عن الجماعة، وإذا ظهرت أمارات الوهم، لم يجز العمل.
الثاني- أنه قال قولا- لو صدق فيه- لاعتقد أنه لابد من تصديق الراوي عند كثرة الجمع، وسكوت الباقين من غير بحث ولا سؤال، فيصير التصديق مع (١٤٥/أ) السكوت سنة ماضية، فحسم سبيل ذلك.
الثالث: أنه قال قولا- لو صدق فيه- لاشتغلت ذمة القوم بالصلاة وهم يسمعون، فيصير ذلك من أبواب الشهادة، فيشترط فيه العدد. وهذه الأجوبة عندي ضعيفة.
стр. 1360
أما الأول: فلا يلزم من رواية عدل في جمع مع سكوتهم أن تحصل ريبة ولا توقف.
وأما الثاني: وهو أن خشي أن يصير التصديق مع السكوت سنة، فنقول: لا التفات إلى السكوت، وتصديق العدل لازم.
وأما التحاق المسألة بأبواب الشهادات، فهذا غير صحيح، بل الأخبار المنقولة عن الرسول ﷺ يكتفى بنقل الواحد فيها، وإن روى لنفسه. وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (لو جاء مال البحرين، لأعطيتك هكذا وهكذا). فلما توفى رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁ قال: (من كان له عند رسول الله ﷺ شيء فليأتني. فقام جابر فقال: (قال لي رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر: (خذ)، فأخذ بيديه، ثم قال له: عدها، فعدها فكانت خمسمائة، فقال له: (خذ مثليها).
لكن المعتمد الصحيح عندي أنه أسند القضية إليه، وأخبره [بأنه] لم يكمل صلاته، فكان النبي ﷺ على اعتقاد التكميل أو ظنه، فلم يحرك له قول ذي اليدين ظنا، وإنما يعمل بخبر الواحد عند ظن الصدق. ألا ترى أن النبي ﷺ قال له: (كل ذلك لم يكن). فهذا هو السبب الذي منعه من قبول قوله ابتداء.
стр. 1361
فإن قيل: فلم عمل به انتهاء؟ قلنا: لما رآه مصمما على الإخبار، أثار ذلك شكا للرسول ﷺ ، فلما سأل القوم فصدقوه، لم يسع إلا الإتمام بعد ذلك.
وأما رد حديث عثمان في حق [الحكم بن أبي العاص]، فقد ذكر بعض الأصوليين فيه أوجها ضعيفة عندنا:
منها- أنهم قالوا: إنه خبر عن إثبات حق لشخص، فهو كالشهادة لا يثبت إلا بقول شاهدين [أو توقف]، [لأن] عثمان كان قريبا للحكم، وقد كان معروفا بأنه كلف [بأقاربه]، تنزيها لعرضه ومنصبه من أن [يقال] متعنت. وإنما قال ذلك لقرابته، حتى يثبت ذلك بقول غيره. أو توقفا
стр. 1362
[ليبينا] للناس التوقف في حق القريب الملاطف، [ليتعلم] [منهما] التثبت في مثله. وهذه الأوجه ضعيفة عندنا.
أما انتظار العدد، لكون الحق يتعلق بمعين، فقد تكلمنا عليه قبل هذا. وقلنا: إنه في الأخبار غير مانع.
وأما التوقف، لأنه حق يتعلق بالقريب، فهذا باطل، فإن الشهادة مع ضيق بابها، وكثرة التعبد فيها، لا تمنع من قبول شهادته، فكيف إذا روى خبرا يتعلق بحقه؟
وأما الرد صيانة لعرضه، فهذا بالضد، فإنهما إذا رداه لذلك، كان ذلك أعظم تهمة وتسليط الناس على عرضه على الحقيقة، فهذا سعي في صيانة العرض بهتكه. ولكن الصحيح عندنا في ذلك أن نفي الحكم من المدينة كان مشهورًا معلومًا، علمه الخاص والعام، وما علم من الأحكام لم ينسخ بقول الآحاد، ورواية عثمان لا تثير لهما إلا ظنًا، فلم يرجعا عما [علماه] بأخبار الواحد. ولما ولي عثمان رده، لأن الحكم بالرد من الرسول ﵇ كان معلومًا
стр. 1363
عنده، فلم يرفع القاطع إلا بقاطع.
وأما رد [عمر] حديث أبي موسى، فيمكن أن يكون السبب في ذلك (١٤٥/ب) أنه لما رجع عن باب عمر كالمترفع عن الوقوف، وعز ذلك على عمر، وخشي أبو موسى من عقابه، فقد تنشأ تهمة من هذه الجهة، أو يكون توقف، لا لتردد، ولكن لطلب زيادة، ولهذا قال: (إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ ).
والظاهر عندي أن عمر شك في الصدق، ويصح التوقف إذا لم يحصل للسامع ظن الصدق عند رواية الخبر، ولهذا قال لما شهد له أبو سعيد الخدري: (سبحان الله، خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ، شغلني عنه الصفق بالأسواق).
стр. 1364
وأما رد علي حديث أبي سنان الأشجعي، فقد ذكر علته، وقال: (كيف [نقبل] قول أعرابي بوال على عقبه). يشير إلى أنه ليس من أهل الرواية.
وأما رد عمر حديث فاطمة بنت قيس، فإنما أراد رده لعارض، فقال: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت (؟
وأما رد عائشة حديث ابن عمر، فإنها قال: (السمع يخطئ، وإنما قال رسول الله ﷺ : (إنهم ليبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره، يعني يهوديا). وقالت: (اقرأوا إن شئتم: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾).
فهذا سبيل الكلام على ما ينقل من الأخبار، والأصل المرجوع إليه، إجماعهم على قبول الأخبار من حيث الجملة، والتعميم غير لازم، والرد في بعض الأحوال له أسباب. والتباس أحوال الوقائع ينزل منزلة الإجمال.
قال الإمام (فصل- في صفة الرواة: العقل والإسلام، والعدالة معتبرة، وأصحاب أبي حنيفة- وإن قبلوا شهادة الفاسق -) إلى قوله (والذي نراه القطع
стр. 1365
بالرد، كما تقدم [ذكره]). قال الشيخ: القاعدة التي بنيت الأخبار عليها: أنها ليس فيها تعبدات حكمية، كما في الشهادة، وإنما مدارها على غلبة الظن، فكل ما يخل بغلبة الظن، فإنه مانع، وما لا يخل بوجه، فإنه لا يمنع. وربما يختلف العلماء في أمور: هل تخل بغلبة الظن أم لا؟ فيرد كل مجتهد إلى ما غلب على ظنه. هذا فيما جاوز محل الإجماع.
والأمر المجمع عليه أنه لو حصلت غلبة الظن بقول الكافر، لم يعتمد على ذلك. وكذلك لا التفات إلى غلبة الظن التي تحصل عن قول الفاسق الذي يعلم فسق نفسه. فهذان الموضعان مما أجمع الناس عليهما.
فمما اختلف الناس فيه: الصبي، فذهب الأكثرون إلى أنه يمنع القبول، ثم ترددوا، هل ذلك مظنون، أو مقطوع به؟ فالذي عليه الأكثرون أن ذلك
стр. 1366
مظنون، والكلام مفروض في صبي مميز يدري ما يشهد به، مع ما عرف منه من صدق وصلاح.
[وهل] يلتفت إلى خصوصية الحال، [أو يلتفت] إلى غالب أحوال الصبيان؟ فالأكثرون على الإعراض عن الخصوصية، والالتفات إلى الأمر الكلي. وهذا لعمري هو الصواب عندنا، فإن الحكم يثبت بنص، أو قياس على منصوص، والنص والإجماع حاصلان في البالغ، والصبي بعيد التحاقه بالبالغ والتفصيل على حسب ما ذكره القاضي.
فلئن قيل: يقبل قياسًا على البالغ. قلنا: إذا أمكن الفرق، وظهر بين الفرع والأصل، (١٤٦/أ) امتنع الإلحاق، ولا يلزم من قبول الشرع قول من حرم عليه الكذب، ووعده عليه بالنار، أن يقبل قول من ليس الكذب عليه حراما.
فإن قيل: قد جرت من عادته أنه لا يكذب، والمقصود غلبة ظن الصدق. قلنا: لا التفات إلى الامتناع من الكذب من غير خوف المعصية، فإنا لو جربنا من فاسق أنه لا يكذب، تكرما وتمسكا بمكارم الأخلاق، لم تقبل روايته، إذا
стр. 1367
لم يكن الوازع عن الكذب خوف الله تعالى، والصبي بذلك أولى.
وأما ما ذكره الإمام في الرد، وادعى فيه القطع من أن المعتمد في القبول إرسال الرسل، ولم يرسل قط صبيا رسولا. فهذا الكلام ضعيف، فإنه كما لم يرسل الصبيان، فكذلك لم يرسل العامة من أصحابه، وإنما أرسل الخواص والعلماء، فعلى هذا الطريق ينبغي أن لا تقبل إلا رواية هذا الصنف من الناس، وليس الأمر كذلك.
وأما قوله: (إن أهل الإجماع ما راجعوا الصبيان). فهذا أيضًا لا يدل على الرد على القطع، وقد لا يحتاجون إلى مراجعتهم، وهذا هو الصحيح، وذلك أن أقوال رسول الله ﷺ كانت في العلانية تارة، وفي الخلوة أخرى، فأما
стр. 1368
العلانية، فمنكشفة للناس، وأما ما كان منها في الخلوة، فقد نقلها أزواجه رضوان الله عليهن.
وأنس [﵁] كان يخدم رسول الله ﷺ ، [وقد] روى عنه ما أدركه في الصغر والكبر جميعا. وكذلك محمود بن [الربيع]، روى أنه عقل مجة
стр. 1369
مجها رسول ﷺ في وجهه، وهو ابن سبع سنين. وليس يحصل من هذا دليل على الرد، لا قطيعا ولا ظنيا.
وأما قوله: (إذا لم يوجد [قطع] بالرد). فقد تكلمنا عليه، ونزيده تقريرا ههنا فنقول: إذا لم يوجد دليل قاطع على القبول، قطع بالرد، إنما يكون هذا بشرط إقامة برهان على أن المسألة يطلب فيها العلم، وليس يسلم أن تفاصيل أخبار الآحاد يشترط العلم فيها، بل نقول: لما استقرئت الواقعة، وعرفت القاعدة، وجرت تفاصيلها على غلبات الظنون، تبين العلماء من هذا أن المراد حصول غلبة الظن من قول الراوي، فإذا حصل ذلك، وكانت المسألة ليس مجمع على ردها، وجب القبول.
وهذا نطرده في رواية المستور والمبتدع المتأول، وغير ذلك من تفاصيل الأنواع. وسنقرر هذا في أبواب المراسيل، إن شاء الله. ورد الشرع أقاريره،
стр. 1370
يدل على ما قلناه من أنه لا تثق النفس بقوله. فأما لو ثبت أنه أتلف مال غيره، لوجب عليه غرمه، وقوله لا يحصل ذلك منه.
فلئن قيل: ماله مصان عن قوله. قلنا: أما بعد ثبوت الإتلاف، فلا صيانة، فما بال الإتلاف لا يحصل بقوله؟ ولكن هذا منقوض بالسفيه، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه، وتقبل روايته وشهادته. قلنا: اختلف الناس في قبول شهادة السفيه. فمن ردها، فقد اطرد عنده الباب، ومن قبلها، فإنه يفرق بين قبول شهادته، وقبول شهادة الصبي، للخوف الذي عند أحدهما، وفقدانه في حق الآخر. وهذا إذا كان سفيها من غير فسق، فأما مع الفسق، فلا سبيل إلى القبول بحال.
فإن قيل: فإذا اخترتم رد رواية الصبي، فالشهادة بابها أضيق، (١٤٦/ب) وشروطها أكثر، وقد تقبل رواية من لا تقبل شهادته، لاشتمال الشهادات على جهات من التعبدات، وقد قبلتم شهادة الصبيان فيما بينهم، فما وجه ذلك؟ قلنا: قد نقل قبولها عن بعض الصحابة والتابعين، لكن فيما بينهم على الخصوص، فلا [تقبل لصغير] على كبير، ولا لكبير على صغير، ولا حيث يحضر كبير. وإنما ذلك للضرورة، ولكثرة الجراح فيما بينهم، ولتعذر حضور
следующие страницы →