Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
مظنون، والكلام مفروض في صبي مميز يدري ما يشهد به، مع ما عرف منه من صدق وصلاح.
[وهل] يلتفت إلى خصوصية الحال، [أو يلتفت] إلى غالب أحوال الصبيان؟ فالأكثرون على الإعراض عن الخصوصية، والالتفات إلى الأمر الكلي. وهذا لعمري هو الصواب عندنا، فإن الحكم يثبت بنص، أو قياس على منصوص، والنص والإجماع حاصلان في البالغ، والصبي بعيد التحاقه بالبالغ والتفصيل على حسب ما ذكره القاضي.
فلئن قيل: يقبل قياسًا على البالغ. قلنا: إذا أمكن الفرق، وظهر بين الفرع والأصل، (١٤٦/أ) امتنع الإلحاق، ولا يلزم من قبول الشرع قول من حرم عليه الكذب، ووعده عليه بالنار، أن يقبل قول من ليس الكذب عليه حراما.
فإن قيل: قد جرت من عادته أنه لا يكذب، والمقصود غلبة ظن الصدق. قلنا: لا التفات إلى الامتناع من الكذب من غير خوف المعصية، فإنا لو جربنا من فاسق أنه لا يكذب، تكرما وتمسكا بمكارم الأخلاق، لم تقبل روايته، إذا
стр. 1367
لم يكن الوازع عن الكذب خوف الله تعالى، والصبي بذلك أولى.
وأما ما ذكره الإمام في الرد، وادعى فيه القطع من أن المعتمد في القبول إرسال الرسل، ولم يرسل قط صبيا رسولا. فهذا الكلام ضعيف، فإنه كما لم يرسل الصبيان، فكذلك لم يرسل العامة من أصحابه، وإنما أرسل الخواص والعلماء، فعلى هذا الطريق ينبغي أن لا تقبل إلا رواية هذا الصنف من الناس، وليس الأمر كذلك.
وأما قوله: (إن أهل الإجماع ما راجعوا الصبيان). فهذا أيضًا لا يدل على الرد على القطع، وقد لا يحتاجون إلى مراجعتهم، وهذا هو الصحيح، وذلك أن أقوال رسول الله ﷺ كانت في العلانية تارة، وفي الخلوة أخرى، فأما
стр. 1368
العلانية، فمنكشفة للناس، وأما ما كان منها في الخلوة، فقد نقلها أزواجه رضوان الله عليهن.
وأنس [﵁] كان يخدم رسول الله ﷺ ، [وقد] روى عنه ما أدركه في الصغر والكبر جميعا. وكذلك محمود بن [الربيع]، روى أنه عقل مجة
стр. 1369
مجها رسول ﷺ في وجهه، وهو ابن سبع سنين. وليس يحصل من هذا دليل على الرد، لا قطيعا ولا ظنيا.
وأما قوله: (إذا لم يوجد [قطع] بالرد). فقد تكلمنا عليه، ونزيده تقريرا ههنا فنقول: إذا لم يوجد دليل قاطع على القبول، قطع بالرد، إنما يكون هذا بشرط إقامة برهان على أن المسألة يطلب فيها العلم، وليس يسلم أن تفاصيل أخبار الآحاد يشترط العلم فيها، بل نقول: لما استقرئت الواقعة، وعرفت القاعدة، وجرت تفاصيلها على غلبات الظنون، تبين العلماء من هذا أن المراد حصول غلبة الظن من قول الراوي، فإذا حصل ذلك، وكانت المسألة ليس مجمع على ردها، وجب القبول.
وهذا نطرده في رواية المستور والمبتدع المتأول، وغير ذلك من تفاصيل الأنواع. وسنقرر هذا في أبواب المراسيل، إن شاء الله. ورد الشرع أقاريره،
стр. 1370
يدل على ما قلناه من أنه لا تثق النفس بقوله. فأما لو ثبت أنه أتلف مال غيره، لوجب عليه غرمه، وقوله لا يحصل ذلك منه.
فلئن قيل: ماله مصان عن قوله. قلنا: أما بعد ثبوت الإتلاف، فلا صيانة، فما بال الإتلاف لا يحصل بقوله؟ ولكن هذا منقوض بالسفيه، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه، وتقبل روايته وشهادته. قلنا: اختلف الناس في قبول شهادة السفيه. فمن ردها، فقد اطرد عنده الباب، ومن قبلها، فإنه يفرق بين قبول شهادته، وقبول شهادة الصبي، للخوف الذي عند أحدهما، وفقدانه في حق الآخر. وهذا إذا كان سفيها من غير فسق، فأما مع الفسق، فلا سبيل إلى القبول بحال.
فإن قيل: فإذا اخترتم رد رواية الصبي، فالشهادة بابها أضيق، (١٤٦/ب) وشروطها أكثر، وقد تقبل رواية من لا تقبل شهادته، لاشتمال الشهادات على جهات من التعبدات، وقد قبلتم شهادة الصبيان فيما بينهم، فما وجه ذلك؟ قلنا: قد نقل قبولها عن بعض الصحابة والتابعين، لكن فيما بينهم على الخصوص، فلا [تقبل لصغير] على كبير، ولا لكبير على صغير، ولا حيث يحضر كبير. وإنما ذلك للضرورة، ولكثرة الجراح فيما بينهم، ولتعذر حضور
стр. 1371
من تقبل شهادته، بشرط أيضًا أن لا يفترقوا ولا يخببوا، فلأجل الضرورة، قضى بها من قضى.
ولا ينبغي أن تجعل مظان الضرورات أصولا ترجع إليها الأحكام الكلية. وقد اختلف في قبول شهادتهم في القتل في شهادة الإناث. وتفاصيل هذه المسائل ليس من فن الأصول.
قال الإمام: (مسألة: في رواية المستور) إلى قوله (وانقلبت الإباحة [كراهة]). قال الشيخ: الناس متفقون على أن الفاسق مردود الشهادة والرواية، وقد قال الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾. وقال عمر ﵁: (لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول).
стр. 1372
والعدالة: عبارة عن حالة راسخة في القلب تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا. وهذا أمر باطن لا يتأتى الوقوف عليه يقينا، وإنما يستدل عليه بأحواله وأفعاله.
فقال أبو حنيفة: إذا لم يأت الاطلاع على ذلك يقينا، وإنما يستدل عليه بالأحوال الظاهرة، فالإسلام يدل على ذلك دلالة ظاهرة، مع عدم الاطلاع على فسق ظاهر، فإنه يدل على أصل الخوف، إذ لولاه لم يكن مسلما. ونهاية الخوف الحاجز عن كل المعاصي لا يشترط.
فإذا تقرر اعتبار العصمة، ولم [يمكن] اجتناب الكبائر، وتعذر الوقوف على الحالة الباطنة، وجب الضبط بأصل الإسلام، مع عدم الفسق الظاهر. قالوا: ويشهد [لهذا] أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا شهادة المسلمين مطلقا، إلا من عرفوه بفسق، كالخوارج وغيرهم.
(ولما شهد الأعرابي برؤية الهلال، أمر رسول الله ﷺ بالصيام). ولم يعلم منه سوى الإسلام. هذا تقرير كلامهم.
стр. 1373
وربما تمسكوا بصحة الاستفتاء عند ظهور العلم والإسلام، وإن لم تعلم العدالة. هذا تمام كلام القوم. ونحن نقول: إذا ثبت رد رواية الفاسق، والمستور متردد العدالة والفسق، فلا ينبغي أن تقبل روايته بالشك في حصول الشرط.
وأما ما ذكروه من كون الإسلام مظنة. فلسنا نسلم ذلك، وأن العدالة غالبة على المسلمين، بل إما أن نقول: في الأمر انقسام، وإما أن نقول: ليس أكثر المسلمين عدولًا. والشك يكفي في التردد، لاسيما إذا كانت الكثرة في الشق الآخر.
وأما كون الصحابة لم يبحثوا عن أسباب العدالة، فإنما لم يفعلوا ذلك في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه، وكانت عدالتهم معروفة عندهم، وحيث جهلوا ردوا، كقول علي كرم الله وجهه: (كيف نقبل قول أعرابي بوال على عقبيه).
стр. 1374
وأما قبول رسول الله ﷺ قول الأعرابي في رؤية الهلال، وكونه أعرابيًا، لا يمنع أن تكون عدالته معروفة عنده، إما بوحي أو إخبار. وقد كنا قلنا: إن مدار الرواية على غلبة الظن. ولا تحصل غلبة الظن (١٤٧/أ) من قول المستور. بل حصول غلبة الظن [بقول فاسق] جرب باجتناب الكذب، أقرب من غلبة الظن بقول المستور.
وأما جواز الاستفتاء، بناء على مجرد الإسلام وظهور العلم، ففيه منع، فلا يجوز الاستفتاء إلا بعد ظهور العدالة أيضا. وإن سلمنا، فذلك لأن الغالب من أحوال العلماء- لاسيما بعد بلوغ درجة الاجتهاد- العدالة، فالعلماء عدول إلا القليل، ولا يقال المسلمون عدول إلا القليل. فهذا هو الفرق بين البابين.
وتمسكوا أيضا ببناء الشرع أحكاما على مجرد الإسلام والستر، كما يقبل قول البائع: إن الجارية ملكه، حتى يجوز الشراء والوطء. وكذلك يقبل قول بائع اللحم: إنه لحم ذكية، وأن الماء طاهر. وكذلك إمام الصلاة يصح أن يقتدى به، بناء على أنه متطهر، وإن لم يظهر منه سوى الإسلام.
قلنا: أما البائع فيصح الاعتماد على قوله في كونه مالكًا، مع ظهور
стр. 1375
الفسق، بل مع الكفر، وذلك للضرورة الداعية إلى ذلك. فلو كلف الخلق أن لا يشتروا إلا بعد البينة بأن الشيء ملك زيد، لتعذر ذلك، وغاية ما يقدر عليه إقامة البينة على الملك سابقًا، فأما في الحال، فلا يقدر على ذلك على حال، فلابد من الرجوع إلى قول صاحب اليد، فهذه ضرورة، لا معدل عنها.
وأما قول إمام الصلاة: إنه متطهر، فهذا لعمري يفتقر فيه إلى سكون النفس بقوله، وإذا لم تسكن النفس، فلا يقتدى به. وما بين العبد وبين الله تعالى يجوز أن يرد فيه إلى غالب ظنه. وأما الرواية والشهادة، فأمرهما أعظم، وخطرهما أشد، فلابد من تحقيق الأسباب في ذلك.
قالوا: لو أسلم كافر فروى في الحال أو شهد، إن لم تقبلوا، فهو بعيد، فإن هذا مطهر من كل الذنوب، (والإسلام يجب ما قبله)، فإن قبلتم، فليس عندكم ما تعتمدون عليه من أحواله سوى الإسلام. قلنا: قد اختلف الناس في ذلك، والصواب عندنا التوقف حتى تعرف حاله، فإنه قد يسلم الكافر الكذاب، ولا يبقى على كذبه، فلا بد من بحث زائد على حاله. مع حدوث إسلامه. وإن جوزنا القبول، فذلك لأجل بدايته، وشتان بين من هو في طراوة البداية، وبين من استمر زمانه، وكثرت أيامه. وهذا معروف بالتجارب والعوائد. هذا تمام الكلام. وأما قطع الإمام بالرد، ففيه ضعف.
стр. 1376
وقوله: (إنهم كانوا يردون رواية المجان والفسقة وأصحاب الخلاعة). هذه المسائل ليست محل نزاع، وإنما أدرجت ههنا لغرض التعقيد.
وقوله: (ولو [باداهم] إنسان برواية، لم يبتدروا العمل بها، ما لم يبحثوا عن حاله). هذا أمر لم ينقل، وإنما قدره تقديرا. وكون المقدر يقع على حسب ما يقدره الخصم، فقد يقدر خصمه نقيضه. والعجب إسناد القطع إلى مثل هذا الوهم، والخيال الضعيف.
وقوله: (ومن ظن [بهم] أنهم [كانوا] يعملون برواية كل مجهول الحال، فقد ظن محالا). هذا هو نفس المذهب من غير عضد له بدليل.
стр. 1377
وأما قوله: (والذي [أراه] أنه [لا يطلق القول] برد رواية المستور، بل لابد من البحث عن حاله). هذا لا خلاف فيه، ولا ذاهب يذهب إلى أنا إذا كنا على حل شيء، فروى لنا مستور تحريمه، وذلك الشيء هو بين أيدينا، فلا يحل مد اليد إليه، لعدم انكشاف حال الراوي. وكذلك في شهادة المستور. وكذلك إذا صودف خبر لم يعرف (١٤٧/ب) كونه منسوخا أم لا. فلابد من التوقف حتى ينكشف الحال. وهذا مجمع عليه. فلا معنى لإضافته ذلك إلى نفسه رأيا.
стр. 1378
وأما قوله: (إنه إذا روى مجهول، ودخل في غمار الناس، فإنه تنقلب الإباحة كراهة). هذا أولًا كلام متجوز به، فلا تصير الإباحة كراهة أبدا، إذ هو قلب الحقائق. نعم، يجوز أن يصير المباح مكروها إذا زالت الإباحة.
ثم المصير إلى أنه يصير مكروهًا، تحكم من غير دليل، فإن العدالة إذا كانت شرطا، ولم تظهر، ولم تحقق، فلا حكم بالخبر على حال. وإن كان يقول: يمكن أن تكون حاصلة، فهذا يقتضي توقفا، وترددا في التحريم، والبقاء على الأصل.
стр. 1379
فأما المصير إلى الكراهة، فمخالف لمقتضى الرواية، وللدليل السابق. فلا شيء يتمسك به في هذه الصورة، وهذا من عجيب الأمور، فإنه خروج عن الدليل السابق، وعن الخبر اللاحق. ويظهر هذا عندي فيما إذا ظن المكلف الحل، وعورض بدليل يقتضي تحريما، ولم يقو المعارض على إسقاط ظنه بالكلية، فقد صار بعض الناس في مثل هذا النوع إلى الكراهة.
وهذا أصعب شيء في الفقه وأغمضه، ولا يكاد أن يكون لقائله مستند. بل كنا قد قررنا أنه لو اختلف الناس قبل هذا الناظر في الإباحة والحظر، وصار هو إلى الكراهة، لكان خارقا للإجماع. فهذه خيالات ضعيفة، لا مستند لها في الشريعة.
قال الإمام: (فإن قالوا: الأصل نقيض الفسق) إلى آخر المسألة. قال
стр. 1380
الشيخ: هذا الكلام صحيح، لا يحتمل زيادة بحال.
قال الإمام: (فصل- في التعديل [والتجريح]: إذا تقرر أن الفاسق
стр. 1381
مردود الرواية، [وصح] أن القبول متوقف على ظهور العدالة) إلى قوله (والكلام في التعديل والتجريح متفرع عليه). قال الشيخ: هذا الكلام كله واضح إلا قوله: ومن التعبدات في الشهادات اشتراط الحرية. هذا الكلام يوهم أن في الشرع نصا على رد شهادة العبد، وليس كذلك، فليس في القرآن ولا في السنة- فيما علمته- نص يتضمن رد شهادة العبد، وقد قبلها جماعة من
стр. 1382
الصحابة والتابعين. وإنما المسألة عند العلماء مجتهد فيها، محكوم فيها بالرأي المحض.
وقد يتمسك الرادون بأن العبد ناقص المنزلة، محطوط المرتبة، والشهادة منصب سني، وليس من المناسب إعطاء الخسيس المنصب النفيس. ونقصانه من جهة أن الرق من أثر الكفر، فسلب المنصب لذلك. وقد ينقض هذا بقبول فتواه وروايته، والمناسب قد ينقض إلا أن يعتذر عنه. وقد اعتذر عن ذلك بأن الفتوى مضطر إليها، إذ قد لا يوجد غيره. وأما الشهادة، فيمكن أن يشهد غير العبد. وهذا أيضًا قد لا يوجد غيره، إذ قد لا يسمع الخبر من الرسول غيره.
قال الإمام ﵀: (ونحن ننقل المذاهب فيهما ونؤثر المختار) إلى
стр. 1383
قوله (بالتعديل والجرح). قال الشيخ أيده الله: ما ذكره الإمام من كون التعديل والجرح على وجهين: صريح وضمن. هو كما ذكره، والمذاهب أيضًا كذلك. والخلاف في المسألة دائر على حرف واحد، وهو أن المعدل والمجرح، هل هو مخبر فيصدق، أو هو حاكم ومفت، فلا يقلد؟
ذهب ذاهبون إلى أنه مفت ومجتهد، فلا يقلده غيره. بل لابد أن يبدي مستنده، لينظر، هل يوافق (١٤٨/أ) أو يخالف؟ وهذا هو أصل مذهب
стр. 1384
الشافعي، إلا أنه لم يذكر أسباب التعديل، لعدم الضبط، فرجع إلى الإخبار فيه، وأبقى باب [التجريح] على الأصل، فيفتقر إلى ذلك السبب، ولا يقلد غيره فيه.
وطرد طاردون هذا في القسمين، ومنعوا التقليد، وقالوا: لابد من ذكر السبب فيهما جميعا. وقال قائلون: يستغنى عن ذكر السبب، وقد أخبر عن كونه عدلا أو مجرحا، وهو صادق، فيجب قبول قوله.
стр. 1385
وقال القاضي: إطلاق الجرح يخرج الثقة، وإطلاق التعديل لا يكفي. وهذا لعمري ضعيف، فإنه إن سلك [به] مسلك [المخبر]، فليكتف في الأمرين. وإن سلك به مسلك المفتي، فلا ينبغي أن يقلد في الأمرين.
وقوله: إن إطلاق الجرح يخرم الثقة، ليس كذلك في حق كل أحد وإن فرض في حق العارف بالتعديل والجرح، فغلبة الظن عند الإطلاق حاصلة فيهما جميعا.
وأما ما ذهب إليه الإمام من الفرق بين البصير وغيره. فلا خلاف في أن من ليس من أهل البصر بالتعديل والتجريح أنه لا يقبل منه واحد منهما، [وأن] حظه أن ينقل ما رآه، فيكون راويا محضا. وينظر الحاكم فيما ذكره، هل يقتضي تعديلا أو تجريحا، أم لا؟ فإضافته هذا إلى رأيه لا يختص هو بذلك.
ثم قوله: (وإن كان من أهل البصر، اكتفينا بإطلاقه هذا). والذي نراه
стр. 1386
في هذه القضية أن نسلك بالتعديل والتجريح مسلك الشهادات، لا مسلك الخبر والرواية، وعليه نرجح اعتبار الحرية والذكورية، ولا يكتفى بتعديل العبد ولا المرأة. وإنما قلنا ذلك، من جهة أنها قضي تتعلق بها منفعة المعدل والمجرح، فهي بالشهادة أليق، فلا يفتقر في حق الشاهد إلى أن يذكر السبب الذي لأجله يشهد، وكذلك إذا شهد بالملك لزيد، لم يفتقر إلى ذكر السبب، وإن كان العلماء يختلفون في الأسباب المملكة، صحة وفسادا، ولزومًا وجوازا، ولكن أعرض عن ذلك في أبواب الشهادات.
قال الإمام: (ثم قال المحققون: يكفي في التعديل والتجريح قول واحد) إلى قوله (أفاد جرحه ردًا أو توقفا). قال الشيخ: أما عدد مزكي الشاهد ومجرحه، فهو ثابت عند مالك، ولا أعرف له نصا في تعديل الراوي
стр. 1387
وتجريحه. والذي يقتضيه قياس مذهبه أن يشترط العدد فيهما جميعا. وإنما قلنا ذلك، لأن اشتراط العدد في تعديل الشاهد وتجريحه إنما سببه أنا سلكنا بالتعديل والتجريح مسلك الشهادة للشخص أو عليه، لثبوت الاختصاص، والعدد في الشهادة لازم. فلا يحسن أن يقال: إن التزكية في حق الشاهد شهادة، وفي حق المخبر خبر، لأن معقول الشهادة فيهما جميعا على حد واحد، وهو الإنباء عن أمر يختص به المشهود له أو عليه.
فالصواب عندي على هذا أن يشترط العدد فيهما جميعا، وأيضا فإنه إذا روى الحر المسلم الذكر، وطلبت تزكيته، فزكاة واحد، فقد ثبتت العدالة، وجميع شروط الشهادة، فإذا شهد هذا لعينه: إن ردت شهادته، فهو عدل حر ذكر، وإن قبلت شهادته، فقد قبلت شهادة من لم يزكه إلا واحد، فلا يصح عندي إلا تعميم القول باشتراط العدد.
стр. 1388
وقد قال بعض الناس إن التزكية شرط القبول في [الشهادة دون] الرواية، وإذا كان المشروط لا يعتبر العدد فيه، فالشرط بذلك أولى. وهذا هو الذي أشار إليه الإمام ههنا.
قالوا: (١٤٨/ب) وقد وجدنا في الشريعة الإحصان يثبت بقول شاهدين، وإن لم يثبت الزنا إلا بأربعة. وهذا ضعيف، فإن العدد في التزكية، لم يكن باعتبار كونها شرط القبول للرواية، وإنما كان من جهة أن التزكية شهادة للشخص، فيفتقر إلى العدد.
قال الإمام: (فأما التعديل والجرح الواقعان ضمنًا) إلى قوله (وهذا نجاز الكلام في هذا الفن). قال الشيخ: لا يختلف الناس فيما إذا انكشفت عادة الراوي، وتبينت حالته من كونه يقتصر على الرواية عن العدول، أو عرف منه
стр. 1389
الرواية عن كل أحد، أن رواية الأول تعديل، [ورواية] الآخر، ليست بتعديل.
وكلام الإمام يشير إلى أن هذا موضع خلاف. وذلك لا يتصور.
стр. 1390
وإنما محل الخلاف، إذا لم تعرف عادة الشخص في نفسه، هل يقال: الغالب على أهل الحديث أنهم لا يروون إلا عن العدول، فيكون هذا الراوي معدلا؟ أو يقال: قد صودف منهم من يروي عن العدل، وعن غير العدل، فلا يثبت التعديل بالتردد؟ هذا هو الموضع الذي يتصور فيه الخلاف.
والأظهر عندنا في هذا أنه تعديل عند التباس حال الراوي المخصوص، إذا الأغلب على المحدثين أنهم إذا رووا عن غير من هو من أهل الرواية، أن ينبهوا عن العلل.
هذا الترمذي وغيره كأبي داود والنسائي وغيرهم، إذا ذكروا
стр. 1391
الأحاديث الضعاف، ذكروا العلل. وقليل من المحدثين من يروي عن الضعفاء ولا يبين. وهذا [يكاد] أن يكون تلبيسا في الرواية. والصواب القضاء عند عدم معرفة عادة الراوي أنه معدل، حملًا على الأكثر.
стр. 1392
قال الإمام: (مسألة: قال القاضي ﵁: إذا لم نجد معتصما مقطوعا به) إلى قوله (أحلناها على هذا القانون). قال الشيخ: هذا الذي ذكره القاضي ضعيف، ومن أين يلزم إذا لم يقم دليل قاطع على القبول، قطع بالرد؟ وهذا إنما هو في أنواع الخبر. وأما الجنس، فقد دل الدليل عليه. ولم يقم القاضي على ذلك [برهانًا] أكثر من قوله: إن الأمة اجتمعت على العمل بخبر الواحد. وأين الدليل على أن كل نوع لابد من اشتراط العلم فيه؟ وقد قال القاضي في قياس الشبه، وهو نوع من أنواع القياس: (إن التمسك به باطل).
وكذلك قال في الطرد والعكس. قيل له: كيف تقول إنه باطل، وقد صوبتم
стр. 1393
المجتهدين؟ قال: هذا باطل عندنا إذا لم يغلب على ظننا، وهو صحيح عند من غلب على ظنه.
فهذا تصريح منه بأن الأنواع لا يشترط فيها العلم. ويتأتى أن يسلك طريقه في قياس الشبه، ويقال: إنما أجزنا العمل بالقياس من إجماع الصحابة، ولولا إجماعهم، لم نعمل به. فإذا لم نجد إجماعهم في قياس الشبه، قطعنا برده. هذا يلزم على طريقه.
وقد قال الإمام عنه فيما سبق: (إنه شبب بإلحاق قبول رواية الصبي بالمظنونات). وهي أيضًا نوع من الأنواع. دل ذلك على أنه وافق الناس على أنه لا يشترط العلم في الأنواع. هذا هو الصحيح.
وأما ما ذكره الإمام من (أن أصحاب رسول الله ﷺ [كانت] تروى لهم أخبار، فيقبلها بعضهم ويردها آخرون، ولا ينكر هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء
стр. 1394
على هؤلاء). فهذا كلام ضعيف عندي من وجهين:
أحدهما- أن هذا الذي نقله- إن صح- فلعله عن بعض أهل الإجماع، (١٤٩/أ) فلا تكون المسألة مجمعا عليها، إنها اجتهادية. وإضراب بعض أهل الإجماع عن الإنكار، لا يكون دليلًا قاطعا على أنها [إجماعية]. على أن ما ذكره لم نره منقولا عن جميعهم، ولا عن بعضهم.
стр. 1395
الثاني- أنه يمكن أن يكون القائل علم عدالة الشخص واستجماعه لشرائط القبول، ولا يلزم أن يكون الراوي معروفا عند كل من روى له، فيكون ذلك اختلافا في عين، باعتبار تحقيق مناط الشرط فيها، وليس اختلافا في جنس ولا في نوع. فهذا هو الذي يضعف قوله: إن الأنواع يتطرق إليها الاجتهاد.
قال الإمام: (مسألة: جرى رسم الأصوليين [بعقد] مسألة في التعديل والتجريح) إلى قوله (ولما استرسلت على سائر الأعصار). قال الشيخ: الافتقار إلى معرفة عدالة أصحاب رسول الله ﷺ تشتد الحاجة إليها في الأصول.
стр. 1396
وقول الإمام: إنما تمس الحاجة إليها في أصول الدين، نظرا إلى الإمامة وشرائطها، ومن يصح أن يكون إماما. هذا لعمري وجه دخولها تحت علم الكلام. فأما الحاجة إليها في الأصول، فعظيمة، لأنهم نقلة الشريعة وحملتها. فلو لم تثبت عدالتهم، لم تنته الشريعة إلينا بحال، فكانت الحاجة إليها ماسة في الأصول.
ولننقل الآن المذاهب في تعديل الصحابة، فإن الإمام لم يستوعب النقل
стр. 1397
ولا الاحتجاج. وقد قال الله تعالى: ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾ إلى قوله: ﴿وعد الله الحسنى﴾. وقال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾. وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها﴾.
وذكر الله تعالى المهاجرين والأنصار في عدة مواضع من كتابه. وقال ﷺ : (إن الله تعالى اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا). كيف ومعرفة
стр. 1398
أحوالهم في الجهاد وبذل المهج والأموال، ومقاطعة الآباء والإخوان، وهجرة المساكن والأوطان في طاعة الله وطاعة رسوله من أوضح الأدلة على العدالة واستقامة الحالة. هذا مذهب السلف وجماهير الخلف. فهو معتقدنا فيهم حتى يثبت لنا خلاف ذلك، فلا حاجة بهم إلى التعديل، لثبوته واشتهاره.
стр. 1399
وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث. وقال قوم: حالتهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحروب والخصومات، ثم تغيرت الحال، فسفكت الدماء، فلابد من البحث.
وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق
стр. 1400
والشام فساق بقتال الإمام الحق، تعالى الله عن قولهم.
وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي وطلحة والزبير ﵁ مجتمعين ومفترقين، لأن فيهم فاسقًا لا يعرف بعينه.
стр. 1401
[وقال] قوم: نقبل شهادة كل واحد إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه فترد، إذ [نعلم] أن أحدهما فاسق. وشك بعضهم في فسق عثمان وقتلته. وكل ذلك على خلاف السنة. بل لأهل السنة فيما جرى بينهم مذهبان. منهم من يقول: ما جرى بينهم مبني على الاجتهاد، وكل
стр. 1402
مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، ولا ترد شهادته.
وقال قوم: ليس ذلك مجتهدًا فيه، لكن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعًا، لكن جهلوا خطأهم، فكانوا متأولين، والفاسق المتأول فيه [كلام] نذكره بعد ذلك. هذا هو مذهب أهل الحق.
فأما المصير إلى القدح في مصابيح الأمة، وأصحاب رسول الله ﷺ ، ورد أقوالهم وإبطال رواياتهم، فخروج عن الدين، ومراغمة لإجماع المسلمين.
اعلم أن الناس اختلفوا في الكفر والفسق القادحين في الرواية والشهادة، هل قدحا بالنظر إلى كونهما يسلبان المنصب، أو قدحا بالنظر إلى تطرق التهمة؟ فقال الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم
стр. 1403
يرون الشهادة بالزور لموافقة المذهب. وهذا يدل على أنه إنما رأى التردد للتهمة.
وقبل أبو حنيفة شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض. وهذا يدل على أنه رأى الكفر لا يسلب المنصب. وقد صرح بعض أهل الأصول بأن من قال ببدعة اقتضت تكفيره، [وهو] معظم للدين، مصل إلى القبلة، فإن روايته وشهادته تقبل. وهذا قياس قول أبي حنيفة.
стр. 1404
وقال القاضي: الكفر والفسق يسلبان المنصب، وجهله بفسق نفسه كجهله بكفر نفسه ورق نفسه، فلا يعذر بذلك، بل يتضاعف فسقه بجهله نفسه. وهذا هو الظاهر عندنا.
والمعتمد في العمل بخبر الواحد ما تقدم من إرسال رسول الله ﷺ رسله، وإجماع الصحابة على قبول [خبر] الواحد. أما الرسول فلم يقرب أهل الفسق ولا أهل الأهواء، وقد قال في المارقة: (لا تجاوز صلاتهم حناجرهم). ثم قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).
وأما أصحاب رسول الله ﷺ فقد نابذوهم وهجروهم، حتى قال عبد الله
стр. 1405
ابن عمر لأهل القدر: (إذا لقيتهم فأعلمهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني). وكذلك قتال أصحاب رسول الله ﷺ للخوارج، وإباحة دمائهم. كيف يليق مع هذا تفويض أمر الدين إليهم، وحمله عنهم، وقد قال ﵇ فيهم: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، أو أولى الطائفتين بالحق)؟ فهذه أدلة بينة تدل على المقاطعة والمهاجرة والتباعد بالكلية. وفقدان الأدلة على قبول الرواية، كافٍ في الامتناع من القبول.
واعلم أنا لسنا نعني بعدالة كل واحد من الصحابة أن العصمة له ثابتة، والمعصية مستحيلة، وإنما نريد أن الرواية منه مقبولة من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب ما يقدح في العدالة، ولم يثبت ذلك، والحمد لله.
فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ ، حتى يثبت بطريق صحيح ما يقدح فيه. ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير من الأخبار، فإن أكثرها ضعيفة. بل يتثبت الناظر حتى يصح عنده النقل بالطرق الصحاح من أهل هذا الفن. وإذا ثبت ذلك، فلا يقصر عن طلب التأويل والمعاذير، ولا يعدمها الموفق بحال. وإنما النفوس التي فيها الظعن والتعصب تقبل كل وارد، ولا تبالغ في التفتيش عن الأعذار، فيوجب ذلك نفرة في القلوب، وحطا من منصب خيار الخلق. نعوذ بالله من الحيرة، واتباع الجهل والهوى.
следующие страницы →