← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

[وقال] قوم: نقبل شهادة كل واحد إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه فترد، إذ [نعلم] أن أحدهما فاسق. وشك بعضهم في فسق عثمان وقتلته. وكل ذلك على خلاف السنة. بل لأهل السنة فيما جرى بينهم مذهبان. منهم من يقول: ما جرى بينهم مبني على الاجتهاد، وكل

стр. 1402

مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والمخطئ معذور، ولا ترد شهادته. وقال قوم: ليس ذلك مجتهدًا فيه، لكن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعًا، لكن جهلوا خطأهم، فكانوا متأولين، والفاسق المتأول فيه [كلام] نذكره بعد ذلك. هذا هو مذهب أهل الحق. فأما المصير إلى القدح في مصابيح الأمة، وأصحاب رسول الله ﷺ ، ورد أقوالهم وإبطال رواياتهم، فخروج عن الدين، ومراغمة لإجماع المسلمين. اعلم أن الناس اختلفوا في الكفر والفسق القادحين في الرواية والشهادة، هل قدحا بالنظر إلى كونهما يسلبان المنصب، أو قدحا بالنظر إلى تطرق التهمة؟ فقال الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم

стр. 1403

يرون الشهادة بالزور لموافقة المذهب. وهذا يدل على أنه إنما رأى التردد للتهمة. وقبل أبو حنيفة شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض. وهذا يدل على أنه رأى الكفر لا يسلب المنصب. وقد صرح بعض أهل الأصول بأن من قال ببدعة اقتضت تكفيره، [وهو] معظم للدين، مصل إلى القبلة، فإن روايته وشهادته تقبل. وهذا قياس قول أبي حنيفة.

стр. 1404

وقال القاضي: الكفر والفسق يسلبان المنصب، وجهله بفسق نفسه كجهله بكفر نفسه ورق نفسه، فلا يعذر بذلك، بل يتضاعف فسقه بجهله نفسه. وهذا هو الظاهر عندنا. والمعتمد في العمل بخبر الواحد ما تقدم من إرسال رسول الله ﷺ رسله، وإجماع الصحابة على قبول [خبر] الواحد. أما الرسول فلم يقرب أهل الفسق ولا أهل الأهواء، وقد قال في المارقة: (لا تجاوز صلاتهم حناجرهم). ثم قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد). وأما أصحاب رسول الله ﷺ فقد نابذوهم وهجروهم، حتى قال عبد الله

стр. 1405

ابن عمر لأهل القدر: (إذا لقيتهم فأعلمهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني). وكذلك قتال أصحاب رسول الله ﷺ للخوارج، وإباحة دمائهم. كيف يليق مع هذا تفويض أمر الدين إليهم، وحمله عنهم، وقد قال ﵇ فيهم: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، أو أولى الطائفتين بالحق)؟ فهذه أدلة بينة تدل على المقاطعة والمهاجرة والتباعد بالكلية. وفقدان الأدلة على قبول الرواية، كافٍ في الامتناع من القبول. واعلم أنا لسنا نعني بعدالة كل واحد من الصحابة أن العصمة له ثابتة، والمعصية مستحيلة، وإنما نريد أن الرواية منه مقبولة من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب ما يقدح في العدالة، ولم يثبت ذلك، والحمد لله. فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ ، حتى يثبت بطريق صحيح ما يقدح فيه. ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير من الأخبار، فإن أكثرها ضعيفة. بل يتثبت الناظر حتى يصح عنده النقل بالطرق الصحاح من أهل هذا الفن. وإذا ثبت ذلك، فلا يقصر عن طلب التأويل والمعاذير، ولا يعدمها الموفق بحال. وإنما النفوس التي فيها الظعن والتعصب تقبل كل وارد، ولا تبالغ في التفتيش عن الأعذار، فيوجب ذلك نفرة في القلوب، وحطا من منصب خيار الخلق. نعوذ بالله من الحيرة، واتباع الجهل والهوى.

стр. 1406

والذي يدل على هذا من جهة السنة [أنه] لما ذكر الفئة قال: (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، أو أولى الطائفتين بالحق). وهذا يدل على أن الأمر فيه غموض، وأن إحدى الفرقتين أقرب إلى الحق، ولم ينسب الأخرى إلى عناد، ولا اقتحام آثام. وقال ﵇ في حق الحسن (١٥٠/أ): (إن ابني هذا لسيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). فقد كانت هذه الأمور وأصحابها مكشوفون للنبي ﵇، فلو كان ذلك يقتضي فسقا وخروجا عن سمة العدالة، لما كان النبي ﷺ يكرمهم ويجلهم، وينزلهم منازلهم مع علمه بما يؤول إليه أمرهم. وهذا عندي دليل واضح على أن المسألة اجتهادية، وأن المخطئ فيها معذور غير مفسق ولا مؤثم. اللهم إلا في قتلة عثمان، فإنهم مخطئون قطعا، سافكون الدم الحرام من غير جريان ما يقتضي سفكه، والله يقضي بالحق: ﴿قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون﴾. هذا هو القول الحق.

стр. 1407

وما ذكره الإمام من [أن] إطلاق القول [بالإبطال]، بناء على ما نقل عنهم من الأحوال في مباشرة الحروب، يفضي إلى رد قول الجميع أو الأكثر. كلام صحيح، فإن أعيان الصحابة دخلوا في ذلك. هذا عمار بن ياسر يقول فيه ﵇: (ملئ إيمانا من قرنه إلى مشاشه). ومعاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ . وعمرو بن العاص كان واليا لرسول الله ﷺ على عمان، فقبض رسول الله ﷺ وهو وال. واستقصاء القول في آحادهم يطول.

стр. 1408

قال الإمام: (فصل - في المراسيل والمسندات، وذكر المذاهب فيها) إلى قوله (والعدل الموثق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته). قال الشيخ: حاصل [المراسيل] وإن تعددت صورها، أن تكون في طريق الخبر، أو ملتبس العين، إما بأن لا يذكر، أو بأن [يذكر] على الإبهام. هذا ضابط الإرسال.

стр. 1409

وأما اختلاف العلماء في القبول والرد، فليس هو على الإطلاق، بل بعض الصور لا يتصور فيها خلاف في الرد، وهو إذا عرف من الراوي أنه يروي عن العدل وغير العدل، فهذا لا يتصور أن يكون إرساله مقبولا، وكذلك إذا لم يكن بصيرا بالتعديل والتجريح، وكان ممن لو عدل صريحا، لم يقبل منه، فغاية الرواية عنه أن تكون كالتعديل له، فإذا لم يكن تعديله مقبولا، فكيف يثبت الخبر بإرساله؟ وأما قوله: (إنه إذا قال: أخبرني رجل، فهذا يقطع برده، إذ ليس في قوله: أخبرني رجل، إشارة إلى تعديله). هذا يختلف باختلاف أحوال المحدثين، فمن عرف منه أنه لا يروي أبدا إلا عن عدل، فلا فرق بين أن يقول: أخبرني ثقة عدل، وبين أن يقول: أخبرني رجل، إذ العدالة كصريح

стр. 1410

العبارة. وانحصر الخلاف فيما إذا عرف منه أنه لا يروي إلا عن عدل، والتبس أمره، مع المصير إلى [أن] [أكثر] الرواة لا [يروون] إلا عن العدول. والمقصود تحصيل غلبة الظن بأن من روى له عدل عنده. وهذا قد يكون بصريح عبارته، كقوله: أخبرني الثقة عندي. وقد يكون بمعرفة عادته، كمالك ابن أنس ﵁، وقد قال لما سئل عن عدالة شخص: (هل رأيته في كتابي؟

стр. 1411

فقال: لا. فقال: لو كان عدلا، لرأيته في كتابي). أما الذي لا تعرف عادته في نفسه، فهذا ينقسم قمسين: [الأول]- فقد يكون في لفظه ما يشير إلى عدالة من روى عنه، كما إذا قال التابعي: قال رسول الله ﷺ ، فهذا يقوى فيه جانب ثقة الواسطة، إذ لو لم

стр. 1412

يكن عدلا عنده، لما أطلق ذلك. وليس هذا بقاطع. إذ معنى قوله: قال رسول الله ﷺ : أي أخبرت عنه. فهذا من الإضمار المقطوع (١٥٠/ب)، فيتنزل منزلة ما لو صرح به.

стр. 1413

[الثاني]- ألا يكون له عادة معروفة، ولا تشير ألفاظه إلى تعديل الواسطة. فهل يقال: إنه لا يقدم على الرواية مستندة إلى الرسول إلا أن يثبت عنده عدالة الواسطة، أو لا يحقق ذلك في حقه، بل لا يعلم إلا محض روايته؟ هذا مما يتردد فيه، وهي أضعف صور المرسل في القبول. فإذا تصورت الصور على ما قررناه، فنقول: لا يخلو: إما أن يبني الافتقار في التزكية إلى ذكر السبب، أو يبني على الاكتفاء بالإطلاق. فإن وقع التفريع على الافتقار إلى ذكر الأسباب، وجب القطع بإبطال الإرسال. وإن وقع الاكتفاء بإطلاق التعديل، فلا يخلو: إما أن يبنى الأمر على اشتراط عدد

стр. 1414

المعدل، أو يبنى على الاكتفاء بتعديل الواحد. فإن فرع على القول باشتراط عدد المعدل، لزم رد المراسيل، إذ أقصى الأمر أن يقدر معدلا مصرحا معينا من عدله، وتعديله وحده غير مكتفى به. فلابد على هذا من رد المراسيل. وإن فرع الأمر على الاستغناء عن ذكر الأسباب، وعلى الاكتفاء في التعديل بالأفراد، فعلى هذا يختلف العلماء. وحاصل الخلاف: أن القائل بنى الأمر على حصول ظن العدالة على الشرط الذي ذكرناه. وهو أمر معتمد حتى

стр. 1415

يظهر ما ينفيه. وهذا يناظر عندي مسألة تقدمت، وهي [ما] إذا روى الراوي وخالف، [فإنا] قد قلنا: يظن عند مخالفته للرواية إطلاعه على ما يقتضي ترك التمسك بها. فإذا قال القائل: فلعله متوهم. قلنا: غلبة الظن حاصلة، وإمكان الخطأ غير مضر، والنظر إلى الترجيح مع إبهام أحد الأمرين محال. فقد وجدت غلبة الظن، ولم يبق إلا إمكان الإسقاط، وذلك لا يمنع العمل. هذه نكتة

стр. 1416

القائلين، وهي لعمري صحيحة. وأما الرادون فقد قالوا: إنه لو سلمنا أنه عدله فكذلك، إنما يكتفى به عند معرفة عين الراوي والبحث عن أسباب الترجيح مع تحقق فقدانها. وإذا تعذرت معرفة عين الراوي، امتنع العمل، لتعذر شرطه، وهو البحث عن حاله، ومعرفة عدالته، التي هي شرط قبول قوله. قالوا: ونحن قد رددنا رواية المستور، لعدم تحقق العدالة، وإن كنا لم نطلع على فسق، فالمتهم أولى بالرد، لاحتمال أن لو عرفناه لعرفناه بالفسق. وهذا القول ضعيف، فإن المستور لم يستند تعديله إلى جهة. وهذا قد قدمنا أنا تلقينا تعديله ممن روى عنه على التفسير الذي مر. وأما إذا لم يغلب على الظن أنه عدله بوجه، فلا سبيل إلى قبول هذا الخبر بحال. هذا مستند المذاهب، والتنبيه على سر كل قول منها، وبيان مأخذه، والصحيح منها.

стр. 1417

والصواب عندي في هذه المسألة قبول المراسيل، تفريعا على الاكتفاء في تعديل الراوي بقول الواحد. وأما على طلب عدد المزكي، فلا سبيل إلى القبول بحال. وأما ما ذكره الشافعي: (من الشبيب بقول [مراسيلٍ ابن المسيب). وقوله أيضا: (العدل الموثوق به إذا أرسل) إلى آخره. فتتبع القاضي تتبع صحيح، فإنه قال: (مراسيل ابن المسيب حسنة، لست أدري ما الذي يحسنها؟ قال: وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال: تتبعت [معظمها] فوجدتها مسندة من غير طريقة. قال القاضي: وهذا فيه نظر). فرحم الله القاضي، ما أجمل هذا الرد، وما ألطف هذه العبارة. فإنه (١٥١/أ). فرحم [يقول]: إذا ثبت الإسناد، فالعمل يستند إلى المسند دون المرسل. هذا كلام صحيح، فلا معنى لقبول المراسيل على هذا التقدير.

стр. 1418

قال القاضي: وأما الوجه الثاني: وهو قوله: (العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته) فيقال له: إن كان العمل عمل أهل الإجماع، فالاعتماد على الإجماع، وإن لم يكن على العمل إجماع، فلا التفات إليه. فهذا معترضه على الشافعي، وهو كلام بالغ.

стр. 1419

قال الإمام ﵀: (والذي لاح لي أن الشافعي [لا] يرد المراسيل) إلى قوله (والقول [على تفصل وتحصل]). قال الشيخ: هذا لاكم واضح في نفسه، إلا أن هذا المذهب الذي حكاه الإمام عن الشافعي في قبول المراسيل، لم يحكه غيره من الأصوليين، بل أطلقوا القول بأن الشافعي يرد المراسيل. ويحتمل أن يكون هذا قولا آخر. وظاهر كلام الإمام منع ذلك

стр. 1420

عن الشافعي، وإنما رد المذهب إلى ترجيح المسند على المرسل. وهذا خلاف ما نقله الناس عنه، فلا ينبغي أن يترك النقل المصرح به، بناء على قضية استبد هو بفهمها من غير تصريح بنقلها. قال الإمام: (فصل - في تحمل الرواية، وجهة تليقها) إلى قوله (ووضوح ذلك يغني الناظر عن مزيد بيان). قال الشيخ: هذا كله واضح، والمختار ما

стр. 1421

اختاره القاضي في منع الرواية، اعتمادًا على نظر غير الشيخ. واعلم أن المعتمد في التحمل هو الضبط دون العدالة والبلوغ والإسلام، فيصح أن يروي الصبي بعد بلوغه ما سمعه في حال صباه، كما روى محمود

стр. 1422

ابن الربيع حديث المجة التي مجها النبي ﷺ في وجهه وهو ابن سبع سنين وكذلك يجوز أن يروي الكافر بعد إسلامه ما سمعه في حال كفر ووعاه،

стр. 1423

وكذلك الفاسق بعد عدالته. والسبب في ذلك: أن الفهم يُطلب للحفظ والوعي، والعدالة تطلب لتحصيل غلبة الظن بقوله، فلا يضره في التحمل فقدان الإسلام والعدالة.

стр. 1424

وكذلك الحكم [في الشهادة] مع ضيق بابها. فإذا شهد العبد بعد حريته بشهادة تحملها في حال رقه، قبلت شهادته. قال مالك ﵀: إلا أن يكون أداها في حال رقه وردت، فإنها لا تقبل بعد ذلك أبدا. إما لكونه قد حكم بردها، فلا تنقض الأحكام، أو لكونه يتهم على إزالة عيب الرد عن نفسه بإعادة أدائها. هذا تمام الكلام في ذلك. قال الإمام: (مسألة: إذا قال الشيخ المتلقى عنه [للراوي]: [أجزت لك] أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي) إلى قوله (وإن تحقق ظهور

стр. 1425

سماع موثوق به، فإذ ذاك، وهيهات). قال الشيخ: والذي نختاره في الإجازة أنه يجوز أن تستند إليها الرواية، والدليل عليه أن الحديث

стр. 1426

والخبر عندنا: هو كلام النفس، والألفاظ إنما تسمى كلامًا، توسعا وتجوزًا، والشيخ لم يسمع الراوي لفظا، ولا علم ما في قلبه ذكرًا، وقد لا يكون الشيخ حافظا للأحاديث التي أجازه فيها أصلاً، فكيف يصح أن يقول: حدثني أو أخبرني، ولم يحدثه ولا أخبره؟ وهذا ممتنع. وقد اختلف قول مالك في صحة إسناد الرواية إلى الإجازة، والصحيح عندي ما قدمته فيها. قال الإمام: (ومما يتعلق [بتتمة] الكلام) إلى آخر المسألة. قال

стр. 1427

الشيخ: هذا كله واضح، لا إشكال فيه. قال الإمام: (مسألة: إذا وجد الناظر حديثا مسندا) إلى قوله (وترتيب أبواب). قال الشيخ: مذهب جماهير المحدثين امتناع إسناد الأعمال إلى

стр. 1428

الأخبار المرسلة، لالتباس الوسائط، وعدم صفات (١٥١/ب) الرواة، واحتمال الرجوع إلى نقل من لا يصح استناد الرواية إلى نقله. وإذا كان كذلك، فصحة النسخة اقتصارًا عليهان لا يتحصل منه معرفة الواسطة. فإذا وجد نسخة مصححة مثلا من صحيح البخاري، فمن الذي أوصله إلى أن هذا تصحيح البخاري؟

стр. 1429

ولو قدرنا أنه ثبت عنده ذلك، افتقر إلى أن يثبت عنده الطريق من البخاري إلى النبي ﷺ . فهؤلاء القوم لا يجيزون أبدا الرواية والعمل بها، إلا إذا عرفت الوسائط، وظهرت عدالتهما. وما وراء ذلك، فلا يصح أن يكون من أخبار الآحاد، فلا يلتفت إلى صحة النسخة، إلا أن يقول الراوي: أنا أروي هذا عن فلان، وعين من روى له، وعلمه الفرع وتحقق عنده ضبطه وعدالته. فعلى هذه القاعدة يمنعون التعلق بالنسخ الصحيحة. وهذا هو الظاهر في طلب صحة المراد وانتفاء الإشكال عن طرق أدلة الأحكام. والمحدثون في هذا الباب هم أهل هذا الفن على

стр. 1430

الحقيقة، فلا معنى لاطراح أقوالهم بالكلية: قال الإمام: (مسألة: إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فقد تردد فيه العلماء) إلى قوله (ويلتحق الآن بذلك مسائل). قال الشيخ: ينبغي ههنا أن نتكلم على مراتب نقل الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وبيان تفاوتها، وموضع الوفاق والخلاف، وهي على خمس مراتب: الأولى: وهي أعلاها أن يقول الصحابي: أخبرني رسول الله ﷺ ، أو حدثني، أو شافهني، أو سمعته يقول. فهذا هو الأصل في الرواية: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها [فأداها] كما سمعها). فلا يتطرق إلى هذا شيء أصلاً، إلا احتمال الكذب سهوًا أو عمدًا، وهو معرض عنه بالإجماع، للأدلة الدالة على وجوب العمل عند أخبار الآحاد، ولا ينفك شيء منها عن هذا الاحتمال.

стр. 1431

المرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله من لم يعاصر رسول الله ﷺ ، بناء على ما بلغه على ألسنه التواتر والآحاد، وإذا لم يمنع ذلك في حق التابعي، فكذلك يصح من الصحابي، ودليل الاحتمال الوقوع. فقد روى أبو هريرة: (أن من أصبح جنبًا، فلا صوم له). ولما روجع قال: أخبرني به الفضل بن عباس. وكذلك روى ابن عباس: (أن النبي ﷺ لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة). ثم لما روجع قال: (أخبرني به أخي الفضل بن عباس). وقد صودف في أخبار ابن عباس مرسلات كثيرة. ولكن الظاهر أن الصحابي إذا أطلق ذلك، فإنما يريد به السماع. فإن قيل: ما مستند هذا الظهور ألفظ أم عادة؟ فنقول: إنما يرجع هذا الظهور إلى عادتهم في النقل وغلبة الإسناد على أخبارهم. وقد نقل مسلم بن

стр. 1432

الحجاج في هذا مقالة شاذة مردودة بقول السلف والخلف جميعًا، وتلك المقالة أن بعض الناس قال: إنما تقبل هذه الرواية إذا ثبت عندنا من جهة أن الراوي اجتمع بمن روى عنه ولو مرة. ولسنا نشترط أن ينقل الاجتماع في عين كل رواية، بل يكفينا مجرد الاجتماع. قال مسلم: وهذه المقالة لا أصل لها في أقوال السلف والخلف، ويقول: إن الصحابة وغيرهم قبلوا أخبار الآحاد من غير هذه الشريطة. فإذًا الأحوال في هذه المرتبة ثلاث: الأولى - أن يتحقق الاجتماع في عين الرواية، فلا إشكال في قبول هذه الرواية. [الثانية]- وهي في أقصى البعد منها أن يتبين أنهما لم يجتمعا (١٥٢/أ) قط، إما لتباعد الديار، أو لتراخي الأعصار، أو لغير ذلك من الأسباب. ففي هذه الصورة يتحقق الإرسال. [الثالثة]- هي التي استنكر فيها [مسلم] المقالة، ونسب قائلها إلى الجهالة، ورد [كثير] من الأخبار الصحيحة.

стр. 1433

المرتبة الثالثة: أن يقول: أمر رسول الله ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه ما يتطرق إلى قوله: (قال) من احتمال الإرسال. ووجه آخر: وهو احتمال أن يكون ظن ما ليس بأمر أمرا، إذ قد يظن غير العموم عمومًا، وغير الأمر أمرًا. ولهذا قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ. وهذا غير صحيح عندنا، بل الظاهر أن الصحابي لا يطلق ذلك إلا إذا ثبت عنده بصريح المقال أو بقرينة الحال أنه أمر، وفهم ذلك فهمًا ضروريًا. أما بناء الأمر على احتمال الغلط فممنوع، وذلك أن أكثر الأخبار المنقولة عن النبي ﷺ على هذه الصيغة. ولو قال الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثًا، لقبل ذلك منه، ولم نقل: لعله فهم [التوقيت]، ولم يجر في ألفاظ الرسول [للتوقيت] ذكر، وكذلك إذا روى وشرط شرطا، أو عين وصفا. وما ذكره هؤلاء، يفضي إلى رد معظم الأخبار. والناس من المتقدمين والمتأخرين والفقهاء [والأصوليين] على خلاف ذلك. لكن القاضي قال: لو قال الصحابي: نسخ رسول الله ﷺ حكم كذا، لم يقبل، حتى يقول: قال رسول الله ﷺ نسخت حكم كذا. وقال: لأنه قد يظن ما ليس بنسخ نسخا. قال: وقد

стр. 1434

يظن قوم أن الزيادة على النص نسخ. وهذا في ظاهره موافق لقول أهل الظاهر، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول. وقد يمكن أن يفرق بينهما، ويقال: إذا كان الحكم الأول ثابتا بطريق لا يتطرق إليه هذا الاحتمال، واشترط في الرافع أن يكون مساويا أو زائدا، فإذا تطريق الاحتمال إلى الرافع بوجوده عن المثبت، لم ينتهض قاطعا لدوامه، ولكن ينبغي على هذا أن ينظر إلى طريق ثبوت الأول، فإن كان بلفظ مثل لفظ الثاني، كقوله: أمرنا رسول الله ﷺ ، فالاحتمالان في المثبت والرافع على حد سواء، فينبغي أن يقع النسخ بذلك. وإن كان الأول ثابتا بطريق لا يتطرق إليه الاحتمال، استقرت دلالته، وامتنع نسخه بما يضعف عنه. هذا عندي هو الصحيح في ذلك. ويتطرق إليه احتمال آخر في اقتضائه التعميم: ذهب بعض أصحاب العموم إلى أنه منزل على العموم. وهذا ضعيف، لأن الفعل لا عموم له، والمنهي والمأمور لم يذكر حتى يعرف عموم اللفظ وخصوصه، فهذا تعميم بالتوهم. وقوله: أمر رسول الله ﷺ ، يصح أن يكون أمر واحدًا أو جماعة، أو عموم الخلق، والراوي صدق في قوله (أمر) في الجميع، فلا يثبت له عموم بالوهم. وقد قالوا: لو كان أمرا لواحد، أو لأقوام مخصوصين، لذكر الراوي ذلك. قلنا: لفظه لم يتعرض لعموم المأمورين، والصدق يحصل في جميع الأحوال. ومن توهم العموم بغير مستند، فهو متحكم، ولا التفات إلى إزالة تحكم المتحكمين. هذا إذا لم يعرف من عادة الرواي أنه لا يقول: أمر رسول الله ﷺ إلا إذا أمر الأمة. أما إذا عرف ذلك من عادته، فهو كالتصريح بأمر الجميع.

стр. 1435

المرتبة الرابعة: ما ذكره، وهو قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فهذا يتطرق إليه ما سبق من الاحتمالات. (١٥٢/ب) واحتمال آخر: وهو التردد في الآمر، هل هو الرسول أو غيره؟ ذهب الإمام إلى أن لا حجة فيه. وهذا الذي يقتضيه نظر الأصول، لأنه لم يسم فاعله، ولم يتحد الضمير في هذا الباب، إذ يصح أن يكون الآمر رسول الله ﷺ ، أو بعض الأمراء، إلا إذا عرف من قرينة حال الراوي أو عادته إنما يعني الرسول دون غيره، فيصير كصريح عبارته. وهو الظاهر من قول علي ﵁: (أمرت أن أقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين). فلا يظن به أن يقول: (أمرت) إلا إذا أمره الرسول ﵇، كأنه ذكر ذلك في معرض الحجة، فالمعروف منه مع جلالته وقدره أنه لا يتحج بقول غير الرسول، وكذلك الحكم في قول غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إذا ظهرت منه هذه الحالة. وقد يتفق أن يظهر من عالم عادة أخرى، وهو أن يطلق السنة على غير سنة الرسول [ ﷺ ]، ويغلب ذلك على إطلاقه، فإذا صدر هذا من مثل

стр. 1436

[هذه] حاله، فلا وجه للتمسك. وهذا كما عرف [عن] مالك ﵁ أنه يقول: من السنة كذا. ويريد ما استمر عليه عمل أهل بلده، فلا يكون هذا منه دليل خبر على حال. المرتبة الخامسة: أن يقول: كانوا يفعلون، وأضاف ذلك إلى زمان رسول الله ﷺ ، ولم يرد أن ينقل عن الرسول وجميع الخلق، وإنما أراد فعل غير الرسول، فلا يصح أن يتمسك بذلك، بناء على أنه إجماع، إذ لا ينعقد الإجماع حجة إلا بعد موت رسول الله ﷺ . وأما في حال حياته، فالاعتبار بقوله وفعله، فلا يكون إذًا نفس فعلهم حجة. هذا هو الذي قصده الإمام في هذا المكان. ولكن هل ينزل الأمر على أن الراوي أراد ما فعلوه، وبلغ النبي ﷺ فأقره، ولا يكون فيه إلا محض نقل الفعل؟ هذا موضع التردد. وظاهر احتجاج الراوي يدل على أنه كان ذلك يبلغ النبي ﵇ فلا ينكره، إذ لو لم يكن كذلك، لما كان في النقل فائدة. وهذا هو الذي ذهب إليه أبو حامد وغيره. واختار الإمام ترك هذا، لأنه لم يعين الوصل إلى الرسول. ولكن قد

стр. 1437

قال ابن عمر: (كنا نفاضل في زمان رسول الله ﷺ فنقول: خير الناس بعد نبيهم أبو بكر، ثم عمر، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره). ويحتمل غير ذلك، وأنهم كانوا يفعلون ذلك رأيا منهم، فالأمر فيه مشكل. أما إذا قال التابعي: كانوا يفعلون، وأضاف إلى زمان الصحابة، فهذا لا حجة فيه، إذ يحتمل أن يكون [أضاف] ذلك إلى جميع الصحابة أو إلى بعضهم، فهو تردد. فإن أضاف إلى جميع الصحابة، فهو نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، وسيأتي الكلام عليه. وإن أضاف إلى البعض، فلا حجة فيه. وإذا دار بين أن يكون حجة، أو لا يكون حجة، فلا حجة فيه، لكن ينقدح فيه ما تقدم، وهو أن إيراده له في معرض الحجة، يدل على أنه فعل من يحتج بفعله، وهم أهل الإجماع. وهذا ليس بقاطع، إذ يحتمل أن يضيفه إلى

стр. 1438

العلماء، أو إلى الخلفاء، أو إلى أعمال مستمرة، فلا تثبت الأخبار بمثل هذا الوهم. وعلى الجملة الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي. قال الإمام: (مسألة: إذا نقل الراوي العدل خبرا [عن شيخ]، فروجع الشيخ فيه فأنكره) إلى قوله (فلا فرق بين (١٥٣/أ) ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراوٍ عنه). قال الشيخ: ترجمة المسألة: إذا أنكر الشيخ الحديث.

стр. 1439

وهذه الترجمة لا يظهر منها أن الشيخ قال: لا أنكر الحديث، فإن الشاك ليس بمنكر، وإنما المنكر النافي. فكيف يصح للقاضي تنزيل كلام الشافعي على هذه الصورة التي لا يظهر اندراجها تحت اللفظ؟ اللهم إلا أن يكون قد روى له نصا على هذا، فيكون ذلك صرفا لظاهر المسألة عن بابها، وردًا لها إلى جهة تأويلها. ولعل القاضي إنما حمله على إيضاح وجه المسألة عنده، فلا يرى صورة الإنكار جزمًا محل خلاف، وحسن الظن بالشافعي، فاستبعد عنه أن يقول بالقبول في هذه الصورة. ولعمري إن الفقه يقتضي أن لا تقبل الرواية فيها. وأما أبو حامد، فترجم المسألة ترجمة تخرج صورة الإنكار عن محل

стр. 1440

الخلاف فقال: إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد، سقط التمسك به، ولم يجعل ذلك موضع خلاف. قال: أما إذا أنكره إنكار متوقف. قد بينا ضعفه، لأن المتوقف ليس بمنكر ولا معترف. وقد تمسكوا بثلاثة أمور: أحدها: ما قدروه من انخرام غلبة الظن. والثاني: القياس على الشهادة. وهذان الوجهان هما اللذان ذكرهما الإمام، وأجاب عنهما. وأمر ثالث: وهو أنهم قالوا: ليس للشيخ أن يعمل بالخبر، وهو الأصل، فكيف يعمل به غيره؟ أما الوجه الأول: وهو ادعاء فقدان غلبة الظن، فليس بصحيح، فإنه لا
следующие страницы →