Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
[هذه] حاله، فلا وجه للتمسك. وهذا كما عرف [عن] مالك ﵁ أنه يقول: من السنة كذا. ويريد ما استمر عليه عمل أهل بلده، فلا يكون هذا منه دليل خبر على حال.
المرتبة الخامسة: أن يقول: كانوا يفعلون، وأضاف ذلك إلى زمان رسول الله ﷺ ، ولم يرد أن ينقل عن الرسول وجميع الخلق، وإنما أراد فعل غير الرسول، فلا يصح أن يتمسك بذلك، بناء على أنه إجماع، إذ لا ينعقد الإجماع حجة إلا بعد موت رسول الله ﷺ . وأما في حال حياته، فالاعتبار بقوله وفعله، فلا يكون إذًا نفس فعلهم حجة. هذا هو الذي قصده الإمام في هذا المكان.
ولكن هل ينزل الأمر على أن الراوي أراد ما فعلوه، وبلغ النبي ﷺ فأقره، ولا يكون فيه إلا محض نقل الفعل؟ هذا موضع التردد. وظاهر احتجاج الراوي يدل على أنه كان ذلك يبلغ النبي ﵇ فلا ينكره، إذ لو لم يكن كذلك، لما كان في النقل فائدة. وهذا هو الذي ذهب إليه أبو حامد وغيره.
واختار الإمام ترك هذا، لأنه لم يعين الوصل إلى الرسول. ولكن قد
стр. 1437
قال ابن عمر: (كنا نفاضل في زمان رسول الله ﷺ فنقول: خير الناس بعد نبيهم أبو بكر، ثم عمر، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره). ويحتمل غير ذلك، وأنهم كانوا يفعلون ذلك رأيا منهم، فالأمر فيه مشكل.
أما إذا قال التابعي: كانوا يفعلون، وأضاف إلى زمان الصحابة، فهذا لا حجة فيه، إذ يحتمل أن يكون [أضاف] ذلك إلى جميع الصحابة أو إلى بعضهم، فهو تردد. فإن أضاف إلى جميع الصحابة، فهو نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، وسيأتي الكلام عليه. وإن أضاف إلى البعض، فلا حجة فيه. وإذا دار بين أن يكون حجة، أو لا يكون حجة، فلا حجة فيه، لكن ينقدح فيه ما تقدم، وهو أن إيراده له في معرض الحجة، يدل على أنه فعل من يحتج بفعله، وهم أهل الإجماع. وهذا ليس بقاطع، إذ يحتمل أن يضيفه إلى
стр. 1438
العلماء، أو إلى الخلفاء، أو إلى أعمال مستمرة، فلا تثبت الأخبار بمثل هذا الوهم. وعلى الجملة الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي.
قال الإمام: (مسألة: إذا نقل الراوي العدل خبرا [عن شيخ]، فروجع الشيخ فيه فأنكره) إلى قوله (فلا فرق بين (١٥٣/أ) ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراوٍ عنه). قال الشيخ: ترجمة المسألة: إذا أنكر الشيخ الحديث.
стр. 1439
وهذه الترجمة لا يظهر منها أن الشيخ قال: لا أنكر الحديث، فإن الشاك ليس بمنكر، وإنما المنكر النافي. فكيف يصح للقاضي تنزيل كلام الشافعي على هذه الصورة التي لا يظهر اندراجها تحت اللفظ؟ اللهم إلا أن يكون قد روى له نصا على هذا، فيكون ذلك صرفا لظاهر المسألة عن بابها، وردًا لها إلى جهة تأويلها. ولعل القاضي إنما حمله على إيضاح وجه المسألة عنده، فلا يرى صورة الإنكار جزمًا محل خلاف، وحسن الظن بالشافعي، فاستبعد عنه أن يقول بالقبول في هذه الصورة. ولعمري إن الفقه يقتضي أن لا تقبل الرواية فيها.
وأما أبو حامد، فترجم المسألة ترجمة تخرج صورة الإنكار عن محل
стр. 1440
الخلاف فقال: إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد، سقط التمسك به، ولم يجعل ذلك موضع خلاف. قال: أما إذا أنكره إنكار متوقف. قد بينا ضعفه، لأن المتوقف ليس بمنكر ولا معترف.
وقد تمسكوا بثلاثة أمور: أحدها: ما قدروه من انخرام غلبة الظن.
والثاني: القياس على الشهادة. وهذان الوجهان هما اللذان ذكرهما الإمام، وأجاب عنهما. وأمر ثالث: وهو أنهم قالوا: ليس للشيخ أن يعمل بالخبر، وهو الأصل، فكيف يعمل به غيره؟
أما الوجه الأول: وهو ادعاء فقدان غلبة الظن، فليس بصحيح، فإنه لا
стр. 1441
يعارض شك الشاك قطع غيره. وأي محدث يحفظ جميع ما سمعه؟ والنسيان ليس ببدع في الإنسان. فغلبة الظن حاصلة بصدق الفرع في النقل عنه، وليس بقاطع بالرد.
وأما الاعتبار بالشهادة، فيجاب عنه بأوجه: منها - أن القواعد لا سبيل إلى اعتبار بعضها ببعض. قالوا: إنما هذا اعتبار في التفصيل، بعد تقرير كل أصل، ولا يمتنع إجراء القياس في التفاصيل بعد تمهيد الأصول. قالوا: ولا نظر إلى اشتمال الشهادة على تعبدات، كالحرية والذكورية والعدد، فإنهما - مع افتراقهما في هذا - مشتركان فيما يتعلق بغلبة الظن، وما يقدح فيها، فهو مانع في القاعدتين جميعا. والجواب عن هذا ما قررناه من أن الشك من الشيخ لا يمنع
стр. 1442
من حصول غلبة الظن بقول العدل.
وقولهم: إن هذا إنما قدح في الشهادة، بالنظر إلى إبطال غلبة الظن، ليس بصحيح، بدليل ما قررناه من بقاء غلبة الظن، وإنما قدح، من جهة أن نفس وجود هذا الأصل يمنع من قبول شهادة الفرع، إذا أمكنت مراجعة هذا الأصل. فإذا كان إمكان مراجعته يمنع من قبول شهادة [الفرع]، فما الحال إذا روجع فأنكر؟ ولعمري إن إنكاره في هذا المكان غير محتاج إليه، إذا كان وجوده مانعا.
وأما ما ذكره الإمام من تقدير امتناع مراجعة الأصل في باب الرواية، فثابت معلوم، فإنه قد كان الصحابة يحضرون في مجلس واحد، أو يأتي بعضهم بعد مُضي شيء من القصة، فيسأل بعضهم بعضًا عما قاله الرسول عليه السلام
стр. 1443
فيها بمحضر الرسول. وقد جاءت في هذه أخبار كثيرة. منها ما روي في الحديث: (أنه لا تقوم الساعة حتى يكون اثني عشر خليفة، وأسر كلمة خفية، فقلت: ما قال؟ قال: (كلهم من قريش). (وكان عمر ﵁ قد (١٥٣/ب) اتفق مع رجل على أن يأتيه بخبر الوحي يوما، ويأتيه الآخر بالخبر يوما آخر). هذا معناه دون لفظه. والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما الوجه الثالث: وهو كون الشيخ ليس له أن يعمل بالخبر، فكيف يعمل به غيره؟ قلنا: لسنا نسلم ذلك على الإطلاق، بل للشيخ حالتان:
إما أن يكون قول الراوي عنه يحرك له ظنا بالرواية، أو يبقى على شكه بعد أن زاوله غيره. فإن ظن صدقه، وجب عليه العمل به، وإن لم يذكر حقيقة الرواية، لكن صدق الراوي.
وأما إن بقي على شكه، فيمتنع عليه العمل به، لوجدان الشك المانع من ظن الصدق. وإنما يعمل بالأخبار إذا غلبت على الظن، فيعمل من غلب على ظنه الصدق، ولا يعمل غيره. وهذا لا تناقض فيه، وهو بمثابة ما لو روى عدل لرجلين: أحدهما يعرف عدالته، والآخر لا يعرفها، لكان حكم الله على أحدهما وجوب العمل، وعلى الآخر منعه.
стр. 1444
هذا تقرير هذه الأوجه، ولكن يبقى وجه آخر: وهو أن قائلا لو قال: إنما وجب العمل بأخبار الآحاد، بناء على التواتر والإجماع. وذلك إنما هو في أخبار لم ينكرها الأصوليون. فأما هذا الضرب من الأخبار، فليس فيه إجماع. فانتفاء الدليل القاطع على القبول دليل. وهذا يقوى جدا على مذهب القاضي. وكذلك الإمام حيث يقول: لا تثبت أصول الشريعة إلا بمستند قطعي. وههنا لا قطع بحال. وليس يسلك مسلك القياس على محل الاتفاق. فلا يصح لوجهين:
أحدهما - منع القياس فيما يتعلق بأصول الشريعة.
والثاني - انقداح الفرق بإبداء التفاوت في غلبة الظن.
وهذا كلام واقع. ولكن طريق الجواب أن نقول: أما اشتراط القطع في تفاصيل القاعدة فغير مشترط، وقد تقدم كلامنا على ذلك بما يغني عن إعادته. فأما إبطال القياس على الموضع المتفق، فلسنا نقتصر على ذلك،
стр. 1445
ولكنا نقول: لما استقرئت الوقائع في العمل بأخبار الآحاد، وتفاوت أحوال الرواة في غلبات الظنون، مع القطع في الاشتراك في أصلها، فإنه قد قبلت رواية الصديق ﵁، مع أنه (لو وزن إيمانه بإيمان العالمين لرجح). وقبلت رواية غيره ممن لا يساويه ولا يقاربه ولا يدانيه. فلا جامع يجمع هذه الأطراف، إلا حصول غلبة الظن.
وإن وقع تفاوت في هذه الصفات، فذلك معتمد في الترجيحات، وأما من يعتبر الأقوى في أصل العمل، لا بالنظر إلى معارض، فمحال، باستقراء أحوال أهل الإجماع. هذا هو الكلام على إحدى الصورتين، وهو إذا توقف الشيخ، ولم يجزم بالإنكار.
أما إذا جزم بالإنكار فالنظر في طرفين: أحدهما - في بقاء العدالة. والثاني - في العمل بالرواية. أما العدالة فثابتة لهما جميعا، إذ هو مكذب لشيخه، كما أن شيخه مكذب له، فهما كبينتين متعارضتين. على أنا قد حققنا أن الجرح لا يثبت بقول وحد، فلا سبيل إلى جرح واحد منهما. وأما العمل، فالذي يقتضيه التحقيق أنه لا يعمل بالرواية بحال.
стр. 1446
وأما قول الإمام: (إنهما كبينتين متعارضتين). فلم يصر إليه أحد من الأصوليين فيما علمته، إلا ما يظهر من كلام (١٥٤/أ) الشافعي في ترجمة المسألة. وتلك الترجمة لا تقتضي هذا التقسيم الذي صار إليه الإمام. فإن الترجمة أن الخبر معمول به. وهذا الكلام فيه تفصيل، تارة يعمل به، وتارة يطرح. ولم نر لأحد من الأصوليين موافقة هذا القول بوجه.
ثم القول الحق أن هذا لا يتنزل منزلة بينتين متعارضتين، لاستقلال كل بينة بطريقها. وههنا وقع الرافع في الطريق الواحد. فإن تحقق أن الشيخ لم يرو الحديث، فكيف يسند عنه؟ وإن ثبت أن الراوي سمعه منه، فهو مصرح بأنه لا يبلغه إلى الرسول ﷺ . فلا سبيل إلى قبول هذه الرواية بحال.
стр. 1447
قال الإمام: (فصل - في كيفية الرواية وتفصيلها، وما يقبل منها وما يرد. مسألة: ما ذهب إليه معظم الأصوليين) إلى قوله ([إن] كان يتوقع من الناقل زللا [إن] ترجم). قال الشيخ: هذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى - أن يبدل اللفظ بما يرادفه، كالجلوس بالعقود، والاستطاعة بالقدرة، والعلم بالمعرفة، وما يضاهي ذلك. فلا خلاف فيه بين
стр. 1448
الأصوليين. ولا تتنزل ألفاظ السنة منزلة ألفاظ الكتاب، لأن في القرآن مقاصد منها: فهم الأحكام، ومنها تحقيق الإعجاز. وهذا لا يتم إلا بنقل صورة اللفظ على ما هو عليه، والمقصد من السنة فهم الأحكام.
وإن كان ﵇ في أقصى الفصاحة، فليست فصاحته مما تحدى بها. فالنظر في السنة فهم الأحكام خاصة، إلا أن يثبت تعبد في عين اللفظ، وهذا كألفاظ التشهد والتكبير والتسليم وألفاظ التلبية، وما يضاهي ذلك.
[الصورة الثانية]- وهي على الضد من الأولى: اللفظ الذي يظن أنه يدل على مثل ما دل عليه الأول، من غير أن يقطع بذلك. فهذا لا خلاف أنه لا يجوز التبديل فيه في هذه الصورة، فإنه لا يتعين أن يكون ظن الناس كلهم ظنًا واحدًا. وقد يظن إنسان شيئًا، ويظن غيره غيره، وهذا هو الأكثر.
стр. 1449
الصورة الثالثة - أن يقطع بفهم المعنى، ويعبر عما فهم بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه، من غير أن تكون الألفاظ مترادفة. فهذا موضع الكلام. اعتمد الأكثرون على حصول القطع بفهم المعنى مستندًا، إما إلى اللفظ بمجرده، أو إليه مع قرائن الأحوال. فإذا قطع بالفهم، وعبر عنه بالعبارة الدالة عليه قطعًا، التحق ذلك بالإضافة إلى الألفاظ المترادفة.
وهذا هو الصحيح. ومعتمد الآخرين: أن الألفاظ إذا كانت غير مترادفة، فلا التفات لقطع المترجم بفهم المعنى، إذ قد يعتقد ما ليس بعلم علمًا. وهذا يجري في النظريات كثيرًا. وهذا الذي قاله هؤلاء القوم ليس بشيء، وإن قلنا ذلك، لزمنا أن نمنع في الألفاظ المترادفة، وهي محل اتفاق.
стр. 1450
الثاني - أنه كان يلزم أن يقع التجويز إذا قطع بالفهم ضرورة، مستندًا إلى قرائن الأحوال، ولا يشترط الترادف على حال. وقد جنح بعضهم إلى التعبد في الباب، تنزيلاً لألفاظ السنة منزلة ألفاظ الكتاب. وهذا يبطل بالألفاظ المترادفة التي هي محل الإجماع.
وأما ما ذكره من كون الصحابة يحضرون مجلسًا واحدًا وخطبة واحدة، ثم ينقلونها (١٥٤/ب) بالألفاظ المختلفة، فذلك إجماع منهم على جواز النقل بالمعنى. ففيه أسئلة:
أحدها - أن ذلك لا يصح عن جميع أهل الإجماع، إذ ما اجتمعوا على خطبة واحدة قط، وانفراد البعض بهذه القضية، لا يكون إجماعًا، اللهم إلا أن ينقل عنهم في وقائع متعددة، حتى يكون الذين لم يحضروا هذه الخطبة حضروا غيرها ونقلوا على المعنى.
стр. 1451
ويفتقر أيضًا إلى أن يثبت اتحاد الخطبة. أما إذا أمكن أن تتكرر الخطبة مرتين أو أكثر، فلا يدل ذلك على جواز النقل على المعنى. وهذا كله إذا لم يكن النقل على المعنى بالألفاظ المترادفة، أما إذا كان بها، فلا يحتج على القوم به، لأنهم لا يسلمونه. وقد تمسك بقوله ﵇: (نضر الله أمرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها). فما ذكره الإمام صحيح، والظاهر أن النبي ﵇ إنما أراد بذلك من لا يحيط بفهم المعنى، ولذلك قال: (فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه). هذا هو الظاهر.
وأما الجهات التي تمسك بها الإمام، من جهة شرح الشرع للعجم بلسانهم. فإنه يرجع إلى الألفاظ المترادفة، وهو موضع اتفاق بين الناس، فلا وجه للاحتجاج به، إذ القوم لم يمنعوا التعبير والترجمة بالألفاظ المترادفة.
قال الإمام (مسألة: من سمع حديثا مشتملا على أحكام) إلى قوله (وبه يتم غرض المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في أحد القسمين، وهو
стр. 1452
[ما] إذا كان للمسكوت عنه تعلق بالمنطوق به، فكان الاقتصار على أحدهما يخل بالفهم، بالإضافة إلى المروي، فلا يختلف في عدم جوازه. أما إذا كان لا تعلق لأحد الحكمين بالآخر، فهذه المسألة لها صور ثلاث: أحدها - أن يعلم التقاطع ضرورة. والثاني - أن يعلم نظرا. والثالث - أن يظن التقاطع من غير قطع.
فأما القسم الأول: أن يختلف فيه، والاختلاف فيه أبعد من الاختلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى، إذ قد يتخيل المتخيل أن من نقل بالمعنى، لم يرو جواز نقل الحديث بالمعنى، إذ قد يتخيل المتخيل أن من نقل بالمعنى، لم يرو كما سمع. أما إذا نقل بعض الأحكام بغير لفظ الرسول ﷺ ، فهذا مندرج تحت الخبر من كل وجه. وما أرى المانعين لذلك إلا منعوه عند ما يمكن أن يكون
стр. 1453
لأحدهما تعلق بالآخر، أو يكون حسما للذريعة وسد للباب، حذرًا من الإفضاء إلى موضع الإشكال. وأما إن ظن التقاطع، فلا يجوز الاقتصار بحال. وإن علم ذلك بنوع من النظر، جرى على ما ذكرناه من جواز نقل الحديث بالمعنى. إذا كان يعلم ذلك نظرا. وقد مضى من الكلام ما فيه كفاية.
والصحيح عند العلماء بالحديث والأصول وأهل الفقه جواز الفصل. وقد جاء الحديث الطويل في صفة حج رسول الله ﷺ ، ساقه جابر بن عبد الله سياقا واحدًا، منذ خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى أن فرغ من حجه. ذكره على هذا السياق مسلم، وأبو داود. وجزأه مالك بن أنس ﵀، والبخاري، وأبو عيسى الترمذي على الأبواب. وهذا هو الصحيح.
стр. 1454
قال الإمام: (قال الشافعي ﵀: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود) إلى قوله (فهذا أحد الخبرين).
قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ضعيف، (١٥٥/أ) والذي تردد فيه الشافعي موضع تردد، فإنه إن نظر إلى المنصوص عليه، فهو ثابت لا إشكال فيه. وإن التفت إلى إيهام الاكتفاء، فالإيهام حاصل، قصد الراوي بيان حكمٍ بحاسة الرؤية، أو غير ذلك. والذي أراه في هذا صحة الاقتصار. وأما الخبر
стр. 1455
الثاني المتعلق بطلب الثالث، فيجب نقله لا بالنظر إلى افتقار المروي إليه، لكن بالإضافة إلى الحاجة إلى ذكر الخبر، ليتلقى منه حكمه.
فهذا هو الظاهر عندنا. وتوهم الإنسان أن الشيء إذا روي، فلا يزاد عليه، غلط. وهو مصير إلى إثبات مفهوم الألقاب. وقد مر في المفهوم قول بالغ. فلئن قيل: هذا من باب مفهوم العدد. قلنا: الصحيح عندنا إسقاط القول بالمفهوم، اقتصارا على طلب فوائد التخصيص.
قال الإمام: (الخبر الثاني من هذا القبيل) إلى قوله (فهذا منتهى القول في
стр. 1456
ذلك). قال الشيخ: كلام الشافعي والإمام ههنا واضح، لا زيادة عليه.
стр. 1457
قال الإمام: (مسألة: إذا روى طائفة من الأثبات [خبرًا] إلى قوله (في تحقيق الثقة). قال الشيخ: انفراد الثقة بزيادة تقع على ثلاثة أوجه مختلفة:
أحدها - أن يتبين عندنا تعدد المجالس، فلا يجتمع مع النقلة في مجلس واحد، فيحضرون في مجلس، ويحضر المنفرد بالزيادة في غيره. فهذا لا يتصور أن يكون في [قبوله] خلاف. وكذلك الحكم إذا التبس الأمر، ولم يتبين الاجتماع في مجلس واحد.
стр. 1458
الصورة الثانية - أن يتحد المجلس، وينقل بعضهم الحديث بغير الزيادة، وينقل بعضهم الزيادة، ولم يصرح أولئك القوم بنفيها، فهذا موضع الخلاف. والصواب عندنا التفصيل. فإن كان هذا الراوي ثقة، ولم يشتهر بنقل الزيادات في الوقائع مع اتحاد المجلس، وإنما كان ذلك منه على طريق الشذوذ، فهذا عندنا مقبول. وهذا كما روى الناس (أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى). وروى مالك بن أنس ما رووه وزاد فيه: (من المسلمين). فقبل ذلك منه وعمل به. وكذلك ما يضاهي ذلك، فهذا مقبول عند المحققين.
الصورة الثالثة - أن يشتهر من بعض الرواة الانفراد عن الحفاظ بكثرة الزيادات مع اتحاد المجلس، وامتناع الامتياز بسماع، فهذا مذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المحدثين الذين عرفناهم رد روايته، وذلك يقتضي تهمة
стр. 1459
في منصبه، فإن من يعمد إلى مثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه، والاعتبار منهم بحفظ أخباره، ثم يفترقون عن مجلسه، فينفرد واحد على الدوام بالزيادة على أصحابه، فهذه تهمة في حقه تمنع من قبول روايته فيما انفرد به.
فإن أراد أبو حنيفة هذه الصورة، فهي مسلمة له، وإن أراد غيرها، فقوله مردود عليه، والظاهر أنه أراد الصورة التي قبلها، ولذلك لم يشترط الإسلام في زكاة الفطر عن المملوك. والصحيح الاشتراط.
قال الإمام: (ثم [قال] الشافعي: من متناقض القول) إلى قوله (إن
стр. 1460
فرض الاطلاع عليه تحقيقا). قال الشيخ: ما ذكره الشافعي من التناقض، لا يقوى عندي تحقيق التناقض في ذلك. أما انفراد الثقة بزيادة، فقد تكلمنا عليه. وأما الرواية (١٥٥/ب) الشاذة فلا يظن كذب ناقلها بحال. وكيف يظن ذلك، والذين رووا الروايات الشاذة إذا جمع نقلتها كانوا زائدين على عدد التواتر؟ [فلا] سبيل إلى تكذيب الجميع. وقد كنا قلنا: إن كلام أبي حنيفة إنما ينزل على ما إذا اتحد [المجلس]، ولسنا نتبين أن راوي الرواية الشاذة كان مجتمعا مع خلق كثير، حتى انفرد بالنقل عنهم، ولعله سمع وحده، أو تكون القضية كانت مشهورة متواترة عند الجميع، ثم جاء من الشرع ما يمنع من تلك الرواية، فاطلع جمع عليها، فتركوا القراءة بها، ولم يسمع آخرون المنع، فبقوا على التلاوة. وسنزيده تقريرا في المسألة التي بعدها. فإذًا لا تناقض على الحقيقة.
وأما قول الإمام: (إنه إذا صرح الآخرون بالنفي، فهذا تناقض). فهذه
стр. 1461
المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، إذا اتحد المجلس، وأثبت قوم، ونفى آخرون، فقال قائلون: هو تعارض، فينظر إلى أعدل البينتين. وقال آخرون: بل الإثبات مقدم. وهذا هو الأغلب على الظن عندنا.
وتحقيقه أنه إذا لم يكن بد من تطرق الوهم إلى أحدهما، لاستحالة صدقهما، وامتنع الحمل على تعمد الكذب، لم يبق وجه مع تقدير العدالة إلا الذهول والنسيان، والعادة ترشد إلى أن نسيان ما جرى، أقرب من تخيل ما لم يجر جار. وإذا كان كذلك، تحقق أن اعتبار قول المثبت أولى. والله المستعان.
قال الإمام: (مسألة: كل أمر خطير ذي بال) إلى قوله (ثم لابد أن يتواتر نقيض ما [تفرد] المنفرد بنقله). قال الشيخ: عموم البلوى على
стр. 1462
وجهين: عموم بلوى الفعل، وعموم بلوى في النقل. فأما ما تعم البلوى بنقله، إذا أطبق عليه عدد التواتر، فلابد من تواتر النقل فيه، وذلك فيما يجل خطره، ويعظم أمره، فإن النفوس متوفرة على نقله. وقد قدمنا ذلك في باب ما يجب أن يتواتر، وقسمناه قسمين: فمنه ما يتواتر على الفور، ثم يفضي الأمر إلى نقل الآحاد، وقد يفضي الأمر إلى الدروس. وقسم يدوم تواتر النقل فيه، وقد سبق تمثيل القسمين معا.
وأما ما ذكره أبو حنيفة فيما تعم بفعله البلوى، ولا ينفك الخلق عن تعاطيه، وهاذ كالمس واللمس والبول والغائط، فقد قال أبو حنيفة: لا نقبل خبر الواحد في هذا المصنف، واحتج بأنه لابد أن يلقيه الشارع للخلق، على وجه يحصل به العلم، ثم لابد من أن ينقله من يحصل العلم بنقله، حتى يبقى حكمه معلوما على الدوام. وهذا الذي قاله غير صحيح، ولا يوجب العقل أن يبلغ الشرع أصل الصلاة والوضوء لعدد التواتر، بل يجوز أن يتعبد الله الخلق بالعمل بأخبار الآحاد في الصلوات الخمس، فكيف بتفاصيل ما ينقض الطهارة؟
فإن قيل: كيف يجوز ذلك، وفيه تعريض صلوات الخلق للإبطال، وذلك
стр. 1463
غير جائز، قلنا: قد حققنا أن العقل لا يدل على إثبات أصول الأحكام، ولا تتحتم بعثة الأنبياء، وإنزال الشرائع، وإنما حظ العقل في هذا التجويز. فلا مانع من أن يتعبد الله سبحانه خلقه بالعمل بأخبار الآحاد فيما يعم فعله. وإذا كان ممكنا من جهة العقل، ولم يوجد في قواطع السمع ما يمنع منه، فلا وجه لرد خبر الواحد.
ونقول: [كل ما] رواه العدل وصدقه فيه غالب (١٥٦/أ) على الظن، ولم يتعبد الخلق فيه بالعلم، فلابد فيه من التصديق، وهذان أمران: ففي أيهما النزاع؟ أما كون الصدق غالبا على الطرفين، فإن الصديق أو غيره إذا روى: (ومن مس الذكر الوضوء). فلا يقطع بكذبه قطعا، بل الظن حاصل، والمحل من تفاصيل الفروع، فلا يشترط العلم فيه، فلا بعد في أن يذكره الرسول للآحاد. ولو قدرنا أنه ألقاه لعدد التواتر، فليس هذا من قبيل ما تتوفر الدواعي على نقله. ففرق بين أن تعم البلوى بالفعل، وبين أن تتوفر الدواعي على النقل.
стр. 1464
فهذا القسم الذي يتواتر، إن فرض أنه اطلع عليه عدد التواتر. وليس حكم مس الذكر مما يلزم أن يذكره الشارع لعدد التواتر، ولو اتفق ذكره له عند العدد الكامل، بل قد تقدم لنا ما هو أظهر من هذا.
وقد قبل أبو حنيفة خبر الواحد في الفصد والحجامة، وإن كان تعم البلوى بفعله، ولا يتأتى الانفكاك عنه. فإن قالوا: ليس عموم البلوى في الفصد كعموم البلوى في المس واللمس، فعنه جوابان:
أحدهما - أنه وإن لم يكن عمومه كعمومه، إلا أنه يحذر أن تعرض صلاة الكثير للإبطال، كما يحذر صلاة الأكثر، فلم لم يشع حكمه لولا التعبد؟ وما كان ليخالف أمر الله عليه.
стр. 1465
الثاني - أن عموم البلوى بالإضافة إلى مس الذكر، ليس كعمومه بالإضافة إلى مس النساء، ومع ذلك فقد سوى أبو حنيفة بينهما، دل على أنه لا التفات للمساواة في عموم البلوى.
فإن قيل: فهل من ضابط بين ما تعبد فيه بالإشاعة، وما لم يتعبد فيه بذلك؟ قلنا: لا ضابط لذلك من جهة العقل، فإن العقل يجوز ذلك ونقيضه في الجميع، ويجوز الفصل والفرق. وإن طلب ضابط [للوقوع]، فنحن قد وجدنا السمعيات منقسمة إلى ما تواتر، وإلى ما لم يتواتر. وهذان القسمان يقعان في العبادات والمعاملات والجنايات والأقضية وفصل الخصومات. واستقصاء ذلك هو علم الفقه، فلا معنى للإطناب فيما يتعذر استيفاؤه ههنا.
قال الإمام: (مسألة: ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترا، لا يسوغ الاحتجاج بها) إلى قوله (وقد نجزت مسائل الأخبار). قال الشيخ: هذا المكان أمر عظيم وخطب جسيم، فإن القرآن قاعدة الدين، وإليه رجوع جميع الشريعة، فليقع به فضل اعتناء. والله المستعان.
стр. 1466
فنقول: اختلف الناس في العمل بالقراءة الشاذة، فالمشهور من مذهب مالك ﵁ ومذهب الشافعي ﵁ أنه لا تجوز القراءة بها، ولا يتلقى منها حكم. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يصح أن يتلقى الحكم منها، لأنها إن لم يثبت كونها قرآنا، فلا أقل من كونها سنة. وأثبت الشافعي البسملة في أول الحمد وكل سورة، فإن كان نقلها قرآنا، لم تتواتر. فهاتان مسألتان نتكلم على كل واحدة منهما.
أما التتابع المذكور في قراءة ابن مسعود، فقد سلك الأصوليون في إبطال التمسك به مسلكا نذكره ونعترض عليه. قالوا: قد قررنا أن كل أمر خطير
стр. 1467
ذي بال، يقتضي العرف نقله متواترًا. فإذا انفرد بنقله آحاد، فهم مكذبون قطعًا، إما سهوًا أو غير ذلك. قالوا: (١٥٦/ب) والقرآن قاعدة الدين، ولا شيء تتوفر الدواعي على نقله توفرها على نقل القرآن، فهو القطب، وإليه المرجوع، فإذا انفرد واحد بنقله، لم يصدق قطعا. هذا إن عزاه إلى القرآن، وإن لم يعزه إلى القرآن، احتمل أن يكون خبرا، ويحتمل أن يكون مذهبا. وإنما يجب العمل بما صرح الراوي بكونه خبرا. أما العمل بناء على احتمال الخبر، فباطل.
قالوا: وأيضا فإن الصحابة أجمعت في زمن عثمان ﵁ على جمع ما بين الدفتين واطرحوا ما سواه، فهو متروك بإجماع. وهذان دليلان قاطعان يمنعان التمسك بتلك الزيادة، وهي القراءة الشاذة. وقد تقدم بيان أن ما خالف حكم الاعتياد في الأخبار أنه باطل. وسنفتح إثبات كون الإجماع حجة إن شاء الله. هذا تمام كلام الأصوليين. وهذا الذي قالوه غير صحيح عندنا.
أما الأول: وهي الطريق التي يقضى فيها بكذب هذا النقل، بناء على حكم العادة، فذلك غير صحيح، ولم يذهب أحد من سلف الأمة، ولا من خلفها إلى القطع بكذب رواة الرواية الشاذة، فلا أحد يقول إن ابن مسعود لم يصدق في نقل قراءته، وإنما اختلاف العلماء في القراءة بها، وجواز بناء الأحكام عليها أم لا؟ أما الكذب، فلا ذاهب إليه.
стр. 1468
وأيضًا فإن ابن مسعود لم ينفرد بالرواية الشاذة، بل أكثر الصحابة قد نقل عنهم ذلك، وقد قرأ عمر قراءة، وأبي وزيد وأبو الدرداء وابن مسعود وابن الزبير، فكل قد قرأ على غير ما اشتمل المصحف عليه، وكذلك التابعون، الحسن وغيره.
وعلى الجملة فنقل القراءة الشاذة معلوم أيضًا، وأن رواة الحروف، وإن
стр. 1469
لم يتفقوا على نقل خبر معين، إلا أنهم بلغوا من الكثرة مبلغا، لو اتفقوا على نقل قضية واحدة، لتواترت بنقلهم، وسبيل العلم بالرواية الشاذة، سبيل العلم بجود حاتم، وشجاعة علي [﵁]، فلا يتصور التشكيك فيه بحال، فكيف يتصور مع هذا القطع بالتكذيب؟
وقد اتفق علماء هذا الفن - أعني القراء - على نفي تكذيب من روى الرواية الشاذة، وإنما مما يغلب على الظن، وإنما تكلموا في جواز القراءة والعمل. قال مكي في كتاب (الإبانة عن معاني الحروف) قال: (جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أوجه:
[القسم الأول]: يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال: وهو
стр. 1470
أن ينقل عن الثقات إلى رسول الله ﷺ ، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن [سائغًا]، ويكون موافقًا لخط المصحف. وإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث، قرئ به، وقطع على [مغيبه]، وصحته وصدقه، لأنه أخذ عن الإجماع، من جهة موافقته للمصحف، وكفر من جحده.
والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد الثقات، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط] المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما - أنه لم [يؤخذ] بإجماع، وإنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية - أنه مخالف لما أجمع عليه، فلا يقطع على [مغيبه] وصحته، وما لم يقطع على صحته، لم تجز القراءة به، ولا يكفر من جحده، وبئس ما صنع [إن] جحده.
والقسم (١٥٧/أ) الثالث: ما نقله غير ثقة، ولا وجه [له] في العربية.
стр. 1471
فهذا لا يقبل، وإن وافق خط المصحف، ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارًا).
فانظر كيف قال في القسم الثاني: ولا يقرأ به، إذ القراءة عمل، ولم يثبت العمل به. قال: ولا يكفر جاحده، وبئس ما صنع، لأنه كذب العدل الناقل. فهذا تصريح من أهل هذا الفن بحصول غلبة الظن بالصدق في القراءة الشاذة.
وقال إسماعيل القاضي في كتاب (القراءات) له: (إن عمر بن الخطاب قرأ: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين). قال: هذا - والله أعلم - على ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ثم قال إسماعيل: ليس ينبغي لأحد اليوم أن يتعمد القراءة بهذا وما أشبهه، يريد مما يخالف خط المصحف. قال إسماعيل: لأن هذا، وإن كان في الأصل [جائزًا]، إلا أنه إذا فعل ذلك، رغب عن اختيار أصحاب رسول الله حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، مخافة أن يطول بالناس زمان يختلفون في القرآن. ثم قال إسماعيل: وإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءة التي رويت، مما يخالف خط المصحف، صار إلى أن [يأخذ] القراءة
стр. 1472
برواية الآحاد، وترك ما [تلقاه] الجماعة عن الجماعة، الذين هم حجة على الناس كلهم، يعني خط المصحف.
قال إسماعيل: وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود وغيره، وليس ينبغي لأحد أن يقرأ به اليوم، يعني [مما] يخالف المصحف. قال إسماعيل: لأن الناس لا يعلمون علما يقينا أنها قراءة عبد الله، وإنما هو شيء يرويه بعض من يحمل الحديث، يعني أن ما خالف المصحف من القراءة، فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد. وما وافق خط المصحف منها، فهو [يقين] بالإجماع على المصحف.
قال إسماعيل: فلا يجوز أن يعدل عن اليقين إلى ما لا يعرف بعينه، يعني أنه لا يجوز [أن يعدل] عما وافق خط المصحف الذي هو يقين، إلى ما يخالف خطه [مما] لا يقطع على صحته. قال إسماعيل: فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان، من غير أن يقصد له، كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف [معنى] خط المصحف المجمع عليه، فيدخل ذلك في معنى ما جاء: (أن القرآن أنزل على سبعة أحرف).
فهذا كله من قول أئمة هذا الشأن، يدل على أنه لا سبيل إلى تكذيب نقلة القراءة الشاذة، وإنما الكلام في جواز القراءة والعمل.
стр. 1473
فإن قيل: فما الانفصال عن قول من تمسك بالعادة المقتضية للإشاعة في تكذيب المنفرد بالنقل، جريا على أحكام الاعتياد؟ قلنا: عنه جوابان:
أحدهما - أن يكون النبي ﷺ يذكر تلك القراءة لعدد التواتر، لكونه لم يتعبد بذلك، وإذا لم يطلع عدد التواتر على ذلك، استحال أن يصير الأمر يتواتر بعد ذلك، فبقي على نقل الآحاد.
الثاني - أن يكون لما أجمع الصحابة على المصحف، وأضربوا عما وراءه، لما فهموه من رسول الله ﷺ ، لم تتشوف النفوس إلى إدامة النقل، لامتناع تلقي الحكم ومنع التلاوة. وقد كنا قد بينا أن التلقي إنما يدوم على تقدير دوام [هذه] الحاجة، وهذا الطريق.
ننقل الآن آيات منسوخة يذكر رواتها أنها كانت قرآنا، ولم تتواتر الآن إلينا، ولم نكذب النقلة، لانصراف الهمم عن النقل بعد ورود النسخ.
منها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله).
وكذلك: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف (١٥٧/ب) ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
وقول عائشة ﵂: (كان فيما أنزل: (عشر رضعات محرمات)، فنسخن بخمس، فمات رسول الله ﷺ وذلك مما يتلى). وكل هذا لم يتواتر،
стр. 1474
ولم يكذب النقلة فيه، لانصراف النفوس عن استدامة النقل، لأجل ورود النسخ، فيكون الانكفاف عن نقل القراءة الشاذة تواترا، إجماع الصحابة على الإضراب عنها.
فإن قيل: فما قولكم في جواز القراءة بها، وتلقي الأحكام منها؟ قلنا: الصواب منع ذلك، والدليل عليه: إضراب أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، وهم متوافرون من غير إبداء نكير.
فإن قيل: فهل تقطعون بذلك أم تظنونه؟ قلنا: الصحيح عندنا أن ذلك مظنون غير بالغ مبلغ القطع.
فإن قيل: فالإجماع حجة قاطعة، فكيف يكون الحكم مظنونا؟ قلنا: لم يتحقق إجماع الجميع، إذ ابن مسعود قد خالف في القضية وقال: (يا أهل الكوفة غلوا مصاحفكم، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة). وإجماع الأكثر ليس بحجة عند المحققين.
فإن قيل: فما مستند الظن، وقد خرج الإجماع من أيديكم، فهذا ظن بلا مستند؟ قلنا: لما شبب ابن مسعود بنكير، أدبه الخليفة الأدب الشديد بمشهد
стр. 1475
المهاجرين والأنصار، ولم يبد أحد نكيرا، [فدل] هذا دلالة ظاهرة على أن الأمر كان عندهم مقطوعا به في الحصر على ما في المصحف، وأنهم كانوا لا يرون الإنكار في مسائل الاجتهاد بحال، فكيف تكون المسألة اجتهادية، وقد آل الأمر إلى هذا الحال العظيم من الضرب الوجيع، لمثل ذلك الحبر الفاضل العظيم؟
فالمسألة بالغة في القوة في غلبات الظنون، وما انتهى الأمر إلى القطع على حال. ولهذا كان الظاهر من مذاهب العلماء ترك القراءة الشاذة، تلاوة وعملا، ولا يتلقى منها حكم بحال، ولا يقطع بخطأ المخالف، ولهذا قال الإمام: ظاهر مذهب الشافعي، فقد صرح بأن المسألة اجتهادية. وكذلك مذهب مالك. فلا قطع بحال، والغالب على الظن ما ذكرناه.
وأما مسألة البسملة: فقد قال مكي بن أبي طالب: إن الإجماع من الصحابة والتابعين [على] أنها ليست آية إلا من سورة النمل. وإنما اختلف القراء في إثباتها من أول الفاتحة خاصة، والإجماع قد حصل على ترك عدها آية من كل سورة، فما حدث بعد الإجماع من الصحابة والتابعين من قول منفرد محدث، فقوله مرفوض غير مقبول.
وأيضا فقد أجمع أهل العدد من أهل الكوفة والبصرة والمدينة والشام على ترك عدها آية في أول كل سورة. فهذه حجة قاطعة، وإجماع ظاهر. وإنما
следующие страницы →