← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فهذا لا يقبل، وإن وافق خط المصحف، ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارًا). فانظر كيف قال في القسم الثاني: ولا يقرأ به، إذ القراءة عمل، ولم يثبت العمل به. قال: ولا يكفر جاحده، وبئس ما صنع، لأنه كذب العدل الناقل. فهذا تصريح من أهل هذا الفن بحصول غلبة الظن بالصدق في القراءة الشاذة. وقال إسماعيل القاضي في كتاب (القراءات) له: (إن عمر بن الخطاب قرأ: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين). قال: هذا - والله أعلم - على ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. ثم قال إسماعيل: ليس ينبغي لأحد اليوم أن يتعمد القراءة بهذا وما أشبهه، يريد مما يخالف خط المصحف. قال إسماعيل: لأن هذا، وإن كان في الأصل [جائزًا]، إلا أنه إذا فعل ذلك، رغب عن اختيار أصحاب رسول الله حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، مخافة أن يطول بالناس زمان يختلفون في القرآن. ثم قال إسماعيل: وإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءة التي رويت، مما يخالف خط المصحف، صار إلى أن [يأخذ] القراءة

стр. 1472

برواية الآحاد، وترك ما [تلقاه] الجماعة عن الجماعة، الذين هم حجة على الناس كلهم، يعني خط المصحف. قال إسماعيل: وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود وغيره، وليس ينبغي لأحد أن يقرأ به اليوم، يعني [مما] يخالف المصحف. قال إسماعيل: لأن الناس لا يعلمون علما يقينا أنها قراءة عبد الله، وإنما هو شيء يرويه بعض من يحمل الحديث، يعني أن ما خالف المصحف من القراءة، فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد. وما وافق خط المصحف منها، فهو [يقين] بالإجماع على المصحف. قال إسماعيل: فلا يجوز أن يعدل عن اليقين إلى ما لا يعرف بعينه، يعني أنه لا يجوز [أن يعدل] عما وافق خط المصحف الذي هو يقين، إلى ما يخالف خطه [مما] لا يقطع على صحته. قال إسماعيل: فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان، من غير أن يقصد له، كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف [معنى] خط المصحف المجمع عليه، فيدخل ذلك في معنى ما جاء: (أن القرآن أنزل على سبعة أحرف). فهذا كله من قول أئمة هذا الشأن، يدل على أنه لا سبيل إلى تكذيب نقلة القراءة الشاذة، وإنما الكلام في جواز القراءة والعمل.

стр. 1473

فإن قيل: فما الانفصال عن قول من تمسك بالعادة المقتضية للإشاعة في تكذيب المنفرد بالنقل، جريا على أحكام الاعتياد؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أن يكون النبي ﷺ يذكر تلك القراءة لعدد التواتر، لكونه لم يتعبد بذلك، وإذا لم يطلع عدد التواتر على ذلك، استحال أن يصير الأمر يتواتر بعد ذلك، فبقي على نقل الآحاد. الثاني - أن يكون لما أجمع الصحابة على المصحف، وأضربوا عما وراءه، لما فهموه من رسول الله ﷺ ، لم تتشوف النفوس إلى إدامة النقل، لامتناع تلقي الحكم ومنع التلاوة. وقد كنا قد بينا أن التلقي إنما يدوم على تقدير دوام [هذه] الحاجة، وهذا الطريق. ننقل الآن آيات منسوخة يذكر رواتها أنها كانت قرآنا، ولم تتواتر الآن إلينا، ولم نكذب النقلة، لانصراف الهمم عن النقل بعد ورود النسخ. منها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله). وكذلك: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف (١٥٧/ب) ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). وقول عائشة ﵂: (كان فيما أنزل: (عشر رضعات محرمات)، فنسخن بخمس، فمات رسول الله ﷺ وذلك مما يتلى). وكل هذا لم يتواتر،

стр. 1474

ولم يكذب النقلة فيه، لانصراف النفوس عن استدامة النقل، لأجل ورود النسخ، فيكون الانكفاف عن نقل القراءة الشاذة تواترا، إجماع الصحابة على الإضراب عنها. فإن قيل: فما قولكم في جواز القراءة بها، وتلقي الأحكام منها؟ قلنا: الصواب منع ذلك، والدليل عليه: إضراب أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، وهم متوافرون من غير إبداء نكير. فإن قيل: فهل تقطعون بذلك أم تظنونه؟ قلنا: الصحيح عندنا أن ذلك مظنون غير بالغ مبلغ القطع. فإن قيل: فالإجماع حجة قاطعة، فكيف يكون الحكم مظنونا؟ قلنا: لم يتحقق إجماع الجميع، إذ ابن مسعود قد خالف في القضية وقال: (يا أهل الكوفة غلوا مصاحفكم، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة). وإجماع الأكثر ليس بحجة عند المحققين. فإن قيل: فما مستند الظن، وقد خرج الإجماع من أيديكم، فهذا ظن بلا مستند؟ قلنا: لما شبب ابن مسعود بنكير، أدبه الخليفة الأدب الشديد بمشهد

стр. 1475

المهاجرين والأنصار، ولم يبد أحد نكيرا، [فدل] هذا دلالة ظاهرة على أن الأمر كان عندهم مقطوعا به في الحصر على ما في المصحف، وأنهم كانوا لا يرون الإنكار في مسائل الاجتهاد بحال، فكيف تكون المسألة اجتهادية، وقد آل الأمر إلى هذا الحال العظيم من الضرب الوجيع، لمثل ذلك الحبر الفاضل العظيم؟ فالمسألة بالغة في القوة في غلبات الظنون، وما انتهى الأمر إلى القطع على حال. ولهذا كان الظاهر من مذاهب العلماء ترك القراءة الشاذة، تلاوة وعملا، ولا يتلقى منها حكم بحال، ولا يقطع بخطأ المخالف، ولهذا قال الإمام: ظاهر مذهب الشافعي، فقد صرح بأن المسألة اجتهادية. وكذلك مذهب مالك. فلا قطع بحال، والغالب على الظن ما ذكرناه. وأما مسألة البسملة: فقد قال مكي بن أبي طالب: إن الإجماع من الصحابة والتابعين [على] أنها ليست آية إلا من سورة النمل. وإنما اختلف القراء في إثباتها من أول الفاتحة خاصة، والإجماع قد حصل على ترك عدها آية من كل سورة، فما حدث بعد الإجماع من الصحابة والتابعين من قول منفرد محدث، فقوله مرفوض غير مقبول. وأيضا فقد أجمع أهل العدد من أهل الكوفة والبصرة والمدينة والشام على ترك عدها آية في أول كل سورة. فهذه حجة قاطعة، وإجماع ظاهر. وإنما

стр. 1476

اختلفوا في عدها وتركها في سورة الحمد، لا غير، فعدها آية الكوفي، والمكي، ولم يعدها آية، البصري، ولا الشامي والمدني. والاختلاف في أنها آية في الحمد مشهور في الصدر الأول، فقال جماعة منهم بذلك. فهو اختلاف كثير غير منكر. لكنا نقول في هذا: إن الزيادة في القرآن لا تثبت بالاختلاف، وإنما تثبت بالإجماع. ولا إجماع على ذلك. فروى في ذلك المثبتون أحاديث، وروى النفاة أحاديث، فتوازى الأمران. وانتقاد صحة الأحاديث وتقديم بعضها (١٥٨/أ) على بعض يطول. وقد كنا قد قدمنا قبل هذا أن الصحابة أضربت

стр. 1477

عن نقل الأحاديث في القرآن، والتفتت إلى الثابت المعلوم. فلا يثبت اليوم قرآن، بناء على نقل الآحاد، على ما فهم من رأي الصحابة في ذلك. وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن مالك وغيره أنها ليست آية من الحمد. هذا كلام الفقهاء والقراء، قد أتينا عليه بحمد الله وعونه، ولا قوة إلا به. وقد سلك الأصوليون في المسألة مسلكا آخر، نذكره ونبين ضعفه. قال أبو حامد: البسملة آية من القرآن، [لكن] هل هي آية من أول كل سورة؟ فيه خلاف. وميل الشافعي إلى أنها آية [من سورة] الحمد وسائر السور، [ولكنها] في أول كل سورة آية برأسها، أو هي مع أول آية نم [سائر] [السور] آية؟ هذا [مما] نقل عن الشافعي فيه تردد. [هذا] أصح [من قول من حمل] تردد الشافعي على أنها، هل هي آية من القرآن في أول كل سورة أم لا؟ بل الصحيح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن، فهي من القرآن. الاعتراض: قال القاضي وغيره: القرآن لا يثبت إلا بطريق قاطع متواتر،

стр. 1478

فإن كان هذا قاطعا، فكيف اختلفوا فيه؟ وإن كان مظنونا، فكيف يثبت القرآن بالظن؟ ولو جاز هذا، لجاز التتابع في صوم كفارة اليمين بقول ابن مسعود، ولجاز للروافض أن يقولوا: قد ثبتت إمامة علي بنص القرآن، ونزلت فيه آية أخفتها الصحابة بالتعصب. ولكن طريقنا في الرد عليهم أن نقول: نزل القرآن معجزة لرسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ بإظهاره لطائفة تقوم الحجة بقولهم، وما كان يظن مناجاة الاحاد به، ولا يظن بأهل التواتر التطابق على الإخفاء، حتى لا ينكر ذلك منكر. وكانوا يبالغون في حفظه، حتى منعوا من النقط والتعشير، كيلا يختلفط بالقرآن. ومنعوا من كتابة أسامي السور في أول كل سورة، إرادة للحفظ، [ومنعا] من الإيهام. قال القاضي: أقطع بخطأ من قال: إن السلمة آية في غير سورة النمل. ولكنه قال: أخطئ القائل به، ولا أكفره، لأن نفيها أيضا لم يثبت بنص متواتر، قاطع للشك. فأخطئ القائل من غير تكفير، وأعترف بأن التسمية منزلة على الرسول ﷺ في أول كل سورة، حتى قال ابن عباس: (ما كان رسول الله ﷺ يعلم ختم سورة وابتداء أخرى، حتى ينزل عليه جبريل بفصل (بسم الله الرحمن الرحيم).

стр. 1479

قال القاضي: لا يمتنع أن ينزل عليه بما ليس بقرآن، وأعترف بأنها مكتوبة بخط القرآن، وأنكر قول من نسب عثمان إلى البدعة في كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة. وقال: لو ابتدع، لم يسكت عنه أهل الدين، مع صلابتهم وامتناعهم من المداهنة والمداجاة. ولما أنكر على من أثبت النقط والتعشير، فما بالهم لم يجيبوا: بأنا أبدعنا كما أبدع عثمان؟ لاسيما ورأس السور يكتب بخط آخر، ليتميز عن القرآن، والتسمية مكتوبة بخط القرآن، بحيث لا تتميز عنه، وتحيل العادة السكوت [عمن] ابتدع شيئا في القرآن هذا تمام كلام القاضي. وقد اعتمد أبو حامد في الرد عليه طريقا، نذكره ثم نبين فساده، وننعطف على الاعتراض على طريق القاضي، ونبين الصحيح في ذلك، إن شاء الله تعالى. قال (١٥٨/ب) أبو حامد: لا وجه لقطع القاضي بتخطئة الشافعي، فإن من ألحق ما ليس منه فهو كافر، كما أنه مخطئ، والقاضي [قد] اعترف بأنه ليس بكافر، فلو ألحق بالقرآن ما ليس منه، لكان كافرا، كما أنه مخطئ، لا سبب لذلك إلا أنه قال: لم يثبت أيضًا كونها ليست قرآنا بنص صريح، قاطع للشك والاحتمال. قال أبو حامد: فنحن نقول: لو لم تكن من القرآن، لوجب على رسول الله ﷺ أن يبين أنها ليست قرآنا بنص صريح، قاطع للشك والاحتمال، وإشاعة ذلك على وجه يزيل الريب.

стр. 1480

فإن قيل: ما ليس من القرآن لا حصر له حتى ينفى، وإنما الحاجة إلى إثبات المنحصر، وهو القرآن. قال أبو حامد: قلنا: هذا صحيح، لو لم تكتب التسمية بأمر رسول الله ﷺ ، مع كونه كان لا يكتب إلا ما هو قرآن، فلا يظن به أنه لم يعلم أنه توهم، ولا جوز السكوت على الوهم. فإذا قال القاضي: لو كانت من القرآن، لبين ذلك بيانا شافيا، قاطعا للشك والاحتمال. ونحن نقول: لو لم تكن من القرآن، لبين ذلك بيانا شافيا، قاطعا للشك والاحتمال، فتوازى الكلام من الجانبين. والآمر بالكتابة بخط القرآن، فإنه كان لا يكرر مع كل كلمة أنها من القرآن، بل كان جلوسه للإملاء والكتابة بين يديه، مع الاقتصار على كتابة القرآن، يرشد إلى المقصود، ويغني عن التعبير، مقتضٍ لكونها من القرآن، ولكن لما كانت التسمية أمر بها في ابتداء كل أمر خطير، ظن أن ذلك كتب على طريق التبرك. وهذا الظن خطأ، ولهذا قال ابن عباس: (سرق الشيطان من الناس آية من القرآن). ولم ينكر عليه. فإن قيل: فبعد حدوث الوهم والظن، صارت المسألة اجتهادية، وخرجت عن مظنة القطع، فكيف يثبت القرآن بالاجتهاد؟ قلنا: جوز القاضي الخلاف في عدد الآيات من القرآن ومقاديرها، وأقر بأن ذلك منوط باجتهاد القراء، وأنه لم يبين بيانا شافيا، قاطعا للشك. والتسمية [بعض] آية من القرآن في سورة النمل، فهي مقطوع بكونها من القرآن، وإنما الخلاف في أنها من القرآن مرة واحدة، أو مرات كثيرة؟ فهذا يجوز أن يقع الشك فيه، ويعلم بالاجتهاد، لأنه نظر في تعيين موضع الآية بعد كونها مكتوبة بخط القرآن.

стр. 1481

قال: والدليل على إمكانه الوقوع، فإن الاجتهاد قد تطرق إليه، وأن النافي يكفر المثبت، والمثبت لم يكفر النافي، بخلاف القنوت والتشهد، فصارت المسألة نظرية. وكتابتها بخط القرآن، مع تصلب الصحابة وتشددهم في حفظ القرآن عن الزيادة، قاطع أو كالقاطع، في أنها من القرآن. قال الشيخ: أما ما ذكره القاضي من القطع بخطأ الشافعي، بناء على أن طريق نقل القرآن التواتر، فما لم يتواتر يقطع بكونه ليس بقرآن. فقد تكلمنا على ذلك بما فيه كفاية، فلا معنى للإعادة. والقول عندي في البسملة يجري على ذلك، إلا أن القراءة الشاذة عندي أبين في ثبوت كونها قرآنا من التسمية، لأن الثقات قد أسندوا القراءة الشاذة إلى القرآن بالنصوص الصريحة، ولم يثبت نص صريح في أن التسمية من أول السور على حال. وإنما تلقاها من تلقاها من مجرد الكتابة، وهذا ليس (١٥٩/أ) نصا صريحا في كونها قرآنا، لا تواترا ولا آحادا. فالأمر فيها عندي أضعف من قراءة ابن مسعود وغيرها. وأما ما تمسك به أبو حامد من أنها لو لم تكن من القرآن، للزم أن يكفر المثبت، بناء منه على أن الخطأ والكفر في القرآن يتلازمان، فكل مخطئ فيه كافر، وكل كافر مخطئ. ولا كفر ههنا باتفاق. فينبغي أن لا يثبت الخطأ. وهذا يمثل بالطرد والعكس نفيا وإثباتا. فمن أخرج من القرآن شيئا. فقد أخطأ وكفر، ومن ألحق به شيئا ليس منه، أخطأ وكفر. هذا معتمده. ولكن كشف الغطاء فيه أن نقول: قد يتلازم الحكمان، بناء على مثمر

стр. 1482

واحد، وقد يتفق تلازمهما، بناء على مثمرين مختلفين اتفق اجتماعهما، فاتفقت الأحكام لذلك. فمتى كان المثمر واحدا، والثمرتان لازمتان، لم يتصور الافتراق على حال. وأما إذا تعدد المثمر، فلا بعد في اجتماع الثمرات [وافتراقها]. ونحن نقرر ههنا أمر الخطأ والتكفير، ونبين تعدد المقتضيات للثمرتين. أما الخطأ، فإنه يثمره في الشريعة مخالفة الأدالة القطعية. فمن خالف أمرا مقطوعا به، فهو مخطئ قطعا، فإن خالف أمرا مظنونا، فهو مخطئ ظنا، عند من قال إن المصيب واحد. أما الخطأ في المظنونات، عند من صوب كل مجتهد، بعد بذلك الجهد، لمن هو من أهل الاجتهاد، فلا يتصور، ولا يلزم من مجرد الخطأ التكفير، كالخطأ في القياس وخبر الواحد، والعمل بالعموم، لا يكفر جاحده. وإن كفر جاحد وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج. والضابط في ذلك فيما خرج عن العقائد، وما يتعلق بالإله وصفاته، والنبوات والمعجزات، أن من جحد أمرًا علم من دين الأمة ضرورة، فهو كافر. والسبب فيه أن النقل المتواتر ينزل العبد منزلة السامع من الرسول، فإذا جحد أن ذلك من الله تعالى، كان ذلك تكذيبا للرسول، وتكذيبه كفر بين. وأما إذا جحد من فروع الشريعة ما طريق معرفته النظر، لم يكفر بجحد وجوب العمل بالقياس وخبر الواحد. فإذا استقر ذلك، فما ليس بقرآن انقسم قسمين: [قسم] علم ضرورة أنه ليس بقرآن. فمن قال: هو قرآن، فهو مخطئ كافر. أما خطؤه، فمن جهة عدوله عن الحق. وأما كفره، فمن جهة تكذيب الرسول المخبر عن كونه ليس

стр. 1483

بقرآن. ومن قال: إن التسمية من القرآن، لم يلحق بالقرآن [شيئا] علم ضرورة خروجه عنه. فلا يلزم من عدم الكفر عدم الخطأ. ولكن الصحيح عندنا أن لا يقطع بالخطأ إلا من هذه الجهة. لكن من جهة ما قلناه في الرواية الشاذة. إلا أن يصح ما نقله محمد بن أبي طالب المقبري، وكان من أهل الفقه والقراءة والحديث، فإنه نقل الإجماع من الصحابة والتابعين على أن التسمية ليست آية من أول كل سورة، وإنما الخلاف فيها في أول الحمد. فيكون الخطأ من هذه الجهة، لا من جهة [تكذيب العدل الناقل]. وأما ما ذكره أبو حامد في إثبات كونها قرآنا، من جهة أنها لو لم تكن قرآنا، لبين ذلك الرسول [ ﷺ ] بعد أن أمر بكتابتها مع القرآن، إلى آخره. فقد كنا قدمنا جوابا عن مثل هذا، وقلنا: إن التناهي في إزالة ما يوهم، ليس

стр. 1484

بشرط في الشرع، ولا عذر بعد [أن] نصب الله الأدلة القاطعة. وإذا رد الخلق في إثبات القرآن إلى النقل المتواتر، فلا التفات لوهم (١٥٩/ب) من استند لهذا الطريق. وأما مصيره إلى تنزيل هذه المسألة منزلة الاختلاف في عدد الآي، وبيان تمام الآية، فعجيب، فإن ذلك الاختلاف ليس فيه زيادة ولا نقصان، وإنما هو راجع إلى معرفة الإعراب، بخلاف آية التسمية. فإنه إثبات مائة آية وأربع عشرة آية. والعجب كل العجب ممن يشترط التواتر في الكلمة الواحدة، أعني في قراءة ابن مسعود (متتابعات)، ويقول: لابد أن يكون طريق إثبات القرآن التواتر، ثم يجوز إثبات هذا العدد من الآي بطريق يغلب على الظن. وهل هذا إلا عكس الحق ونقيض الصدق؟ نعوذ بالله من التعصب بخلاف الحق. وأما قول الإمام: (إن وجوه القراءة نقلت على ألسنة القراء تواترا).

стр. 1485

فليس بصحيح، بل المتواتر ما اشتمل عليه المصحف وحوته الأم، ولم يثبت في المصحف تعرض للإعراض بحال. وإنما ذلك راجع إلى القراء، وما تقتضيه العربية مع صحة الإسناد إلى رسول الله ﷺ على ألسنة العدول. هذا نافع بن أبي نعيم يقول: (قراءتي هذه أخذتها عن الصاحب، فما انفرد به الواحد، لم آخذه، وما اجتمع عليه اثنان قبلته، حتى ألفت قراءتي هذه). وانفرد قالون برواية حروف عن نافع، وكذلك ورش. وسائر الأئمة إنما نقل وجوه القراءة أفرادا، لا يبلغون مبلغ التواتر على حال. والسبب في ذلك: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون من

стр. 1486

الرسول ﵇ القراءة على جهات متعددة، مما يسوغ في العربية، ويذهبون في البلاد، فيقرئ كل صاحب أهل بلدة على حسب ما سمع من الرسول ﵇. فلما كتب المصحف، ولم يتعرض فيه للضبط بالنقط على حال، اكتفي بما في طباع العرب من الفصاحة، قرأ كل قوم على حسب ما كانوا قرأوه على الصاحب الذي كان عندهم. والدليل على ذلك: ما رواه مالك وغيره: (أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع [هشام بن حكيم بن حزام] يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرأها، وكان عمر قرأها على رسول الله ﷺ . قال عمر: فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: رسول الله ﷺ . قلت له: فرسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ذلك. فلببته برادئه، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هذا يقرأ سورة (الفرقان) على غير ما أقرأتنيها. فقال: أرسله. قال: إقرأ [يا هشام]، فقرأ. فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت. فقال: هكذا

стр. 1487

أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه). فتحقق بهذا أنه أنزل على أنحاء كثيرة. وقد اختلف الناس، هل هذه القراءات السبع هي الأحرف التي أراد النبي ﷺ ؟ أو هذه القراءات السبع حرف واحد، والأحرف الستة درست؟ والصحيح عند أهل العلم أن هذه القراءات هي حرف واحد. وأما الأحرف الستة فدراسة. وقد فسر ابن شهاب ذلك، بأن قال: هي (سميع عليم) في موضع (قدير حليم). فيرجع إلى اختلاف الألفاظ. هذا معنى ما ذكره. والدليل على ذلك: أن هذه القراءات السبع [لو كانت] هي الأحرف السبعة التي أراد النبي ﷺ ، لكان لا يصح (١٦٠/أ) أن يكون قرأ بغيرها. وقد بينا بالنقل الصحيح أن الناس قد قرأوا بغير هذه الروايات. والنقل في ذلك أكثر من أن يحصى. والدليل على أن القراءات إنما هو حرف واحد من الأحرف السبعة، أن تلك الأحرف السبعة كان يقرأ بها في زمان رسول الله ﷺ ، ولما كان في زمن عثمان ﵁ سافر حذيفة إلى بعض بلاد العراق، فوجد الناس يختلفون في

стр. 1488

القرآن اختلافا شديدا، وينكر بعضهم على بعض أغلظ الإنكار، وكاد أن يكفر بعضهم بعضا، فرجع حذيفة إلى المدينة فزعًا، وقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في القرآن اختلاف اليهود والنصارى. فجمع عثمان الصحابة واستشارهم في القضية، فرأى أن يجمع الناس على حرف واحد. فكتب المصحف على الصحيفة التي كانت عند حفصة. واختار هو والصحابة حرفا من تلك الأحرف، وكتب المصاحف على ذلك. قيل: سبعة. وقيل: خمسة. وبعث إلى كل مصر من الأمصار مصحفا منها. وأمر ببقية المصاحف فحرقت. وقيل محيت). فلو كان ما بأيدي الناس اليوم هي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، لم يكن عثمان منع شيئا، وأبقى الأمر على الاختلاف الذي حذره هو والصحابة. ولما كتب ومحا ما سواه، لم يتعرض للإعراب فيه، فبقي أهل كل مصر على ما كانوا يقرأونه، مما نقل لهم الصاحب الذي كان علمهم مما يوافق مع انضباط. فهذا هو السبب في اختلاف القراء مع الانضباط على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. ولم يشترط أحد أن جهات القراءة بالإضافة إلى كل أمام من هؤلاء الأئمة متواتر. ولذلك أن أبا عمرو قرأ على

стр. 1489

ابن كثير، واختار في حروف كثيرة خلاف قراءته، وكذلك الكسائي وغيره. ثبت بمجموع ذلك أن التواتر ما وافق خط المصحف، وفهم معناه على لغة العرب. وأما أوجه القراءة، فلا يشترط فيها التواتر بحال.

стр. 1490

وقد قال أئمة العربية: قراءة حمزة في قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾. ضعيفة. وكذلك قراءة قالون: ﴿ومحياي﴾. بإسكان الياء، ضعيفة جدا. وقد روى الداودي حديثا فيه قراءة الحمد وفيه: (ملك يوم الدين). وقال: وهذا حجة لأهل المدينة، لأنهم يقرأون (ملك) بغير ألف.

стр. 1491

فلو كانت القراءة على هذه الجهة متواترة، كيف يحتج على القراءة المتواترة بخبر [الواحد] وروي على الموافقة؟ ولم ينقل جهات قراءة نافع عنه إلا ورش وقالون. وكذلك رواية أبي عمرو نقلها السوسي والدوري. وانفرد كل واحد من هؤلاء الرواة بوجوه من الحركات والإعراب، ولم يشاركه الآخر فيها. هذا (ورش) مع روايته عن (نافع) يخالفه (قالون) في أمور كثيرة من الحركات والسكتات والهمز وغيره. دل هذا على أن القوم راعوا خط المصحف مع ما تسوغه العربية، مع صحة الإسناد إلى الرسول ﷺ ، وإن كان على طريق الآحاد. فإن قيل: فقد يختلفون في الحرف الواحد، كقوله تعالى في رواية: ﴿سارعوا﴾ وفي الأخرى﴾ وسارعوا﴾. فما وجه ذلك؟ قلنا: يحتمل أمرين:

стр. 1492

أحدهما - أن يكون النبي ﷺ قد قرأ في الحرف الواحد بالجهتين من القراءة، ويكون كل إمام اختار وجها. (١٦٠/ب) ويحتمل - أن يكون النقل قد صح في الأمرين جميعا، فلم يثبت صحة أحدهما بعينه، [وهو قسيم] الآخر، فساغ الأمران، كما جاء أن النبي ﷺ أفرد الحج. وروي عنه أنه قرن، وروي عنه أنه تمتع. وقد ذهب جميع العلماء إلى جواز الأوجه الثلاثة، لصحة النقل فيها عن النبي ﷺ ، وإن اختلفوا في الأفضل. فكذلك قراءة الكلمة على الجهات المختلفة يصح أن تقرأ على الجميع، وإن اختلف في التفصيل. هذا تمام الكلام على هذه القاعدة على قدر ما يليق بالأصول. واستيعاب الكلام فيها يخرجها عن غرض الأصول، وبالله التوفيق. قال الإمام رحمة الله عليه: (كتاب الإجماع -[نصدر] هذا الكتاب

стр. 1493

[مستعنين] بالله بثلاث مسائل، ثم نخوض [بعدها] في ترتيب الكتاب تأصيلا وتفصيلاً) إلى قوله (فهذا منتهى الغرض في تصوير الإجماع). قال الشيخ: لابد من النظر في هذا الباب في أمور أربعة: أحدها - ما يدل عليه لفظ الإجماع. والثاني - في تصويره. والثالث - في إمكان الإطلاع عليه. والرابع - في بيان كونه حجة. أما مدلول لفظ الإجماع، فإنه يطلق على الاتفاق، ويطلق على الإزماع، فهو مشترك بينهما. يقول القائل الواحد: أجمعت على كذا، يريد أزمعت. وقد قال الله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾. والمراد الإزماع. وقد قال مالك: إذا

стр. 1494

اغتسل الكافر بقرب الإسلام والإجماع عليه أجزاءه. ومقصودنا الإجماع الذي هو الاتفاق. وقال النظام: الإجماع عبارة عن [كل] قول قامت حجته، وإن كان قول واحد. ولكنه إنما قال ذلك، لأنه لا يرى الإجماع حجة، وتواتر إليه

стр. 1495

عن الشريعة أن الإجماع حجة فقال: هو عبارة عن [كل] قول قامت حجته. وهذا خلاف اللغة وعرف علماء الشريعة. ولسنا نضايقه في اللفظ [لو] سلم أن الاتفاق حجة. وإذا قلنا: إن الإجماع هو الاتفاق، فقد اختلف الناس في حده. فقال قوم: الإجماع الشرعي الذي يجب المصير إليه وتحرم مخالفته هو: اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين. وقال قائلون: اتفاق أهل الحل والعقد. والتفاوت بين الحدين [يظهر

стр. 1496

في]، هل يدخل من ليس من أهل الاجتهاد في الإجماع الذي هو حجة، أو يكون مقصورًا على أهل الاجتهاد خاصة؟ والصحيح عندنا الاقتصار على المجتهدين، وأنه لا التفات لموافقة غيرهم ولا مخالفته. وسيأتي الكلام على ذلك بعد هذا، إن شاء الله تعالى. وأما تصوير الإجماع، فواضح، لا إشكال فيه، وقد أجمع على الشبه خلق كثير، زائدون على عدد أهل الإسلام، فالإجماع على الحق مع ظهور أدلته أولى. نعم، العادة منعت إجماع الكافة. فأما الخلق الكثير، فلا تمنع العادة من اتفاقهم بوجه. ولعمري إن إمكان الإطلاع على الإجماع على ألسنة التواتر عسر مع تفرق البلاد وتنائي الديار. والأمر على ما قرره الإمام [من] أن أكثر

стр. 1497

الإجماعات استندت إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم مجتمعون أو متقاربون. وأما احتجاجهم بأن مذهب أصحاب الشافعي معروف عندنا. فهذا الكلام ضعيف، لأنه لم يعرف بالتواتر عن كل شخص أنه يقول بمذهب الشافعي، مع كثرة القائلين (١٦١/ا) بمذهبه. وإنما الذي علم مثلاً مذهب الشافعي، ثم علمنا أن لا يكون شافعيًا في تلك المسألة إلا من قال بهذه المقالة. ولذلك أنه لو قيل لنا: كم عدد القائلين بهذه المقالة؟ لم نعلم العدد، وإنما نقول: من قال بها فهو شافعي، ومن لا فلا، بخلاف مسألة الإجماع، فإنا نفتقر إلى معرفة أعيان المجمعين واتفاقهم. نعم، لو سلك بهذا في الرد على من أحال اتفاق الكثير على أمر نظري، صح التمسك به على هذا الوجه، لعلمنا أن الذين

стр. 1498

صاروا إلى مذهب الشافعي خلق كثير. وما منعت الكثرة مع الاتفاق على القضية، فيصح التمسك بأصحاب المذاهب وأتباعهم على هذا الوجه. وبقي مما ذكره الإمام سؤالاً وجهه على نفسه ولم يجب عنه، وذلك السؤال قولهم: ولو ذهب ذاهب من العلماء إلى مذهب، فما الذي يؤمن من بقائه عليه حتى يموت، لم ينعقد الإجماع؟ هذا سؤال صعب، ولم يجب الإمام عنه بحال. والجواب عنه على حسب ما قرره أولاً من اتفاقهم في مجلس واحد، وهم متقاربون، فحينئذٍ يعرف البقاء على القضية إلى أن يحصل الإطباق من البقية. قال أبو حامد: وإن قدر رجوعه بعد انعقاد الإجماع، فلا التفات إليه. وهذا صحيح على أصله، فإنه لا يشترط انقراض العصر بحال. فأما من

стр. 1499

يشترط الانقراض، فيتعذر عليه الاستمرار على الحكم إلى موت [أهل] الإجماع، ولكنه يقول: إن تصور ذلك، فهو حجة وإلا فلا. ويبقى في المسألة احتمال، وهو إمكان أن يكون في الدنيا عالم مجتهد لم يعلم به. وهذا شديد، ولكن إذا ثبت أن الإجماع حجة على ما سنبينه، ثم استحال انقطاع، علم أن هذا الاحتمال غير قادح على حال. ويتنزل هذا منزلة احتمال النسخ. وليس هذا الاحتمال مما يمنع علم الحكم، لأن هذه الاحتمالات، لو رفعت الحجج، لم يبق في الشرع حجة قاطعة. هذا تمام الكلام على التصوير وإمكان الإطلاع، وتحقيق المناط فيه تصورا ووقوعًا. بقي الأمر الرابع، وهو إقامة الدليل على كون الإجماع حجة، وفيه الشأن

стр. 1500

كله. ولا يثبت كونه حجة إلا بدليل قاطع سمعي، والدليل السمعي: إما كتاب أو سنة مصرح بها، أو طريق استنباطي يرجع إليهما أو إلى أحدهما. أما الإجماع، فلا يمكن إثباته بالإجماع. وقد سلك كل فريق من الأصوليين طريقا من هذه الطرق. ونحن نذكر الطرق الثلاثة، ونتبع ما لا نرضى بالإبطال، ثم ننص على الطريق الذي يصح أن يستند إليه. مستعينين بالله وهو خير معين. قال الإمام: (المسألة الثانية: في كونه حجة إذا وقع) إلى قوله (ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف). قال الشيخ: هذا طريق للقوم والاعتراض عليه. وقد تقدم هذا الاستدلال قبل هذا. والذي نزيده الآن أن نقول: إن كانت الجملتان شرطا واحدا، لم يكن في الآية حجة، إذ يكون الإصلاء مشروطا بالمشاقة وسلوك غير الطريق. وإن كانت كل جملة على حيالها شرطا، قوي الاستدلال على هذا الوجه. وهذا الثاني هو الذي يظهر لي من الآية، وذلك أن قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾. مستقل في إصلاء النار. فإذا

стр. 1501

كان كذلك، فلو جعلت الثانية أيضًا معها، كان ذلك في حكم المستغنى عنه، لحصول الاستقلال للجملة الأولى. (١٦١/ب) فالمراد إذًا استئناف شرط آخر، لتكون كل جملة مفيدة فائدة جديدة. فعلى هذا يكون المراد: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى نوله ما تولى، ونصله جهنم، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم. وهل يكون ذلك من أبواب العموم، أو من أبواب النكرة الواقعة في سياق الشرط؟ هذا يرجع إلى أن إضافة (غير) إلى المعرفة، هل تقتضي تعريفا أم لا؟ والإضافة في هذا لا تقتضي تعريفا. فإذا قال: رأيت القوم غير

стр. 1502

زيد، فـ) غير) نكرة، وإن أضيف إلى معرفة. قال ابن السراج: إلا إذا كانت القسمة محصورة في الشيء ومغايرة، ويكون المغاير قسما واحدا من غير تعدد، كقوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾. فإنه قالوا (غير) ههنا معرفة. وأما في الآية، فـ﴾ غير سبيل المؤمنين﴾ غير متحد، إذ غير سبيلهم متعدد، فيبقى (غير) على التنكير، فيقع في أبواب النكرة الواقعة في سياق الشرط، كقوله: (من أتاني بماله أجازه). وقد ذهب الإمام في أدوات الشرط إلى أنها نص في العموم، إلا أن تتقدم قرينة، مثل أن يقول قائل: قد جاء العلماء مثلا، فيقول رجل: من جاءني أكرمته، ويقصد المذكورين السابقين.

стр. 1503

فهذا يصح، وإذا لم يكن كذلك، كان اللفظ نصا. وهذا - والعلم عند الله - هو الذي أراده الشافعي. على أن الشافعي يرى أن صيغ العموم بجملتها نص في الاستغراق عند انتفاء القرائن. ومع هذا الذي ذكرناه، لا تكون الآية نصا، لاحتمال أن تكون الجملتان شرطا، وتكون الثانية ذكرت توكيدا. وعلى هذا التقدير يمتنع الاستدلال بها على كون الإجماع حجة، إذا كان مثبته يقطع به. وقد استدلوا أيضًا بآي كثيرة من كتاب الله تعالى زعموا أنها مع كونها تحصل العلم وتقطع الاحتمال، وإن كانت كل آية منها يتطرق الاحتمال إليها، ولا بعد - لعمري - في توافق الظاهر حتى يحصل منها العلم، فإن القائل إذا قال: الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم، لم يفتني منهم أحد، فإن العلم محصول بالعلم، وإن كان كل واحد من هذه الألفاظ يتطرق إليه الاحتمال.

стр. 1504

قالوا: قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا﴾. والوسط: العدل. وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾. فكيف يصح مع هذا أن يتفقوا على الخطأ والباطل؟ وقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله﴾. مفهومه: أن ما اتفقتم عليه، فهو حق. وقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾، [وقوله: ]﴾ ولا تنازعوا .. ﴾. كل هذه الآيات تدل على أن في الموافقة الصواب، وعند المخالفة يمكن الخطأ. وهذه الآي ضعيفة الدلالة، سيقت لأغراض أخر، ليست مما نحن فيه بسبيل. وهي تشير إلى تشريف هذه الأمة، وذلك لا ينكر. أما الإصابة على العموم، فلا يلزم من ذلك على حال. فإن خيار الصحابة كالمهاجرين الأولين أفضل هذه الأمة، ولا تتحقق العصمة لكل واحد منهم على انفراده، فما المانع من أن يقال بذلك في حق الأمة؟ فإذًا ليس في الآيات ما يناسب ما نحن فيه إلا الآية الأولى. وقد بينا ما فيها من دقائق الكلام. قال الإمام: ([وإن] تمسك مثبتو الإجماع بما روي أن النبي ﷺ ) إلى

стр. 1505

قوله (فلا وجه للاحتجاج به في مظان القطع). قال الشيخ: قد تمسك القاضي وغيره من حذاق الأصوليين في إثبات كون الإجماع حجة (١٦٢/أ) بالسنة، واستوعبوا الكلام على ذلك، واختصره الإمام كثيرا. ونحن نذكر ما أوردوه، ثم نعترض على ما لا نرتضيه من ذلك. قالوا: أوجه الاستدلال بالسنة أن نقول: تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة عن الخطأ، واشتهر على لسان المرموقين الثقات من الصحابة، كعمر وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة بن [اليمان] وغيرهم ممن يطول ذكره، من نحو قوله [ ﷺ ٍ]: (لا تجتمع أمتي على الضلالة). [وقوله: ] (لم يكن الله تعالى بالذي يجمع أمتي على

стр. 1506

الضلالة). [وقوله: ] (سألت الله تعالى أن لا تجتمع أمتي على الضلالة فأعطانيها). و [قوله: ] (من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من روائهم، وأن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد). وقوله: (يد الله مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ). و [قوله: ] (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء). و [قوله] (من خرج عن الجماعة أو

стр. 1507

فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه). و [قوله] (من فارق الجماعة ومات فميتة جاهلية). وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا، لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل من موافقي الأمة ومخالفيها. ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه. هذا تقرير الاستدلال. وقد وجهوا على أنفسهم سؤالا فقالوا: فما وجه التمسك بهذه الأخبار، ودعوى التواتر غير ممكنة، ونقل الآحاد لا يفيد العلم، والظن في الباب غير مكتفى به؟ أجابوا بوجهين: [أحدهما]- أنهم قالوا: الأخبار متواترة من حيث الجملة، وإن لم تكن آحادها متواترة، وسبيلها سبيل العلم بجود حاتم، وشجاعة علي [﵁] وخطابة الحجاج. قالوا: فقد حصل [بمجموع] هذه الأخبار

стр. 1508

أن الرسول ﵇ أراد تعظيم هذه الأمة وعصمتها وإثبات هذه الفضيلة لها، بحيث لا نجد من أنفسنا ريبا، كما لا نجده في تعظيم رسول الله ﷺ أصحابه وتقديره إياهم، وحثه على حبهم وإكرامهم. وكذلك أيضًا نعلم ميل رسول الله ﷺ إلى عائشة ومحبته إياها، بمجموع أخبار نقلت آحادا، أفاد مجموعها العلم. هذا تقرير هذا الطريق. وهو عندي لا يقوى، وحاصله راجع إلى إثبات الحكم من غير دليل عليه، فإن الشيء إذا علم ضرورة، استحال الاستدلال فيه، وكيف ينفع هذا الطريق مع الخصم المنكر؟ لاسيما المنازعون، والذين أنكروا الإجماع عدد كثير لا ينقصون عن عدد التواتر. فدعوى العلم الضروري في الباب بعيد عن التحقيق، وغير منتفع به مع الخصوم. فلا وجه للتمسك بذلك. الطريق الثاني لهم: وهو الوجه الاستدلالي: قالوا: وتقريره من وجهين: أحدهما - أن هذه الأخبار لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر أحد فيها خلافا إلى زمان النظام، ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار كثيرة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع وتفاوت المذاهب في الرد والقبول، ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف أو إبداء تردد فيه. الوجه الثاني - أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به، وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة،

стр. 1509

(١٦٢/ب) ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع الكتاب المقطوع به، إلا إذا استند إلى مقطوع به، أما رفع المقطوع بما ليس مقطوعا، [فليس معلوما]. حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده خبر غير معلوم الصحة؟ وكيف يذهل عنه جميع الأزمنة إلى زمان النظام، فيختص بالتنبه له ودركه؟ هذا وجه الاستدلال. وقد وجه الأصوليون على هذا الدليل ثلاثة أوجه من الكلام، نذكرها ونعترض على ما لا نرتضي منها، ونوجه نحن أسئلة وبه تتم الطريقة. قال الأصوليون: هذه الأخبار مردودة، وينقدح في ردها [أربعة أسئلة: ] أحدها - أنهم قالوا: لعل واحدا خالف في هذه الأخبار وردها، ولم يتفق نقل هذا الرد تواترا، فمن أين يعلم انقياد الجميع لها؟ وأجابوا عن هذا: بأن هذا تحيله العادة، إذ الإجماع أعظم أصول الدين، فلو خالف [فيه] مخالف لعظم الأمر فيه، واشتهر الخلاف، إذ لم يندرس خلاف الصحابة في مسألة الجنين، ومسألة الجد، فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته؟ وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط قدره وخسة مرتبته، واختفى خلاف أكابر الصحابة والتابعين؟ هذا [مما

стр. 1510

لا يتسع] له عقل أصلا. هذا تمام تقريرهم وجوابهم عن السؤال. وينقدح عندي في الاعتراض عليه أنه لا يلزم في العادة أن كل من خالف، لابد أن يظهر خلافه، إذ يصح أن يكون قد خالف ولم يظهر، أو أظهره لدون عدد التواتر، فلم يجب أن يتواتر النقل، إذ قدمنا أنه إنما يجب أن يتواتر النقل إذا كان المطلعون عدد التواتر، فأما إذا نقص العدد، فلا يلزم التواتر، بل يصح إفضاء الأمر إلى الدروس. ووجهه واقع على هذه الطريقة، وهو أنه يمكن أن يكون بعض من يرى الإجماع حجة أسنده لغير هذا الطريق، وإن كان لا يقول بهذه الأخبار، ولم ير أن ينازعهم في طريق معين، لموافقته إياهم على الحكم، وإن كان لمستند آخر. هذا بين لا شك فيه، ولا تحيله العادة بوجه. السؤال الثاني على أصل الاستدلال من الأسئلة الأربعة في الرد: أنهم استدلوا على الإجماع بالخبر، ثم استدلوا بالإجماع على صحة الخبر. فهب أنهم أجمعوا على الصحة، فما الدليل على أن ما أجمعوا [على صحته] فهو صحيح؟ وهل النزاع إلا فيه؟ وأجابوا بأن قالوا: استدللنا على الإجماع بالخبر، وعلى صحة الخبر بخلو الأعصار عن المخالفة والمدافعة، مع أن العادة تقتضي [إنكار] إثبات أصل قاطع يحكم [به] على القواطع بخبر غير معلوم الصحة، فعلمنا بالعادة كون
следующие страницы →