Полный текст (2 928 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ولكن يلزم منه أن يقال: [ذويي]. فتكثر الياءات والكسرات، فأبدل من (الياء) (واوا)، كما في رحوي، وهو من رحيت الرحى. وهذا الموضع من العربية غلبت فيه (الواو) على (الياء)، وإن كانت (الياء) غالبة على (الواو) في غيره، لأنها أخف منها. وكذلك إذا اجتمعت هي و (الواو) وسبقت إحداهما بالسكون، فلبت (الواو) (ياء)، فيقال: [كي] من كويت، كما يقال [حي] من حييت، وإنما نسب إلى ذات ذووي، على ما تقتضيه اللغة العربية.
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم؟ ) إلى قوله (وحذار مخالفة الماضين). قال الشيخ: قوله: الرأي عندنا أن
стр. 177
نتوصل إلى درك حقيقة العلم بمباحثة نبتغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه. قد تقدم في أول الكتاب الإرشاد إلى بيان امتناع إدراك حقيقة ملتبسة بسلب أمر عنها. وحققنا أن المطلوب إنما يعرف بدرك جميع أوصافه النفسية، وحققنا ذلك أبلغ تحقيق.
والذي نريده الآن أن الذي جعله الإمام في [هذا المكان] يوصله إلى معرفة أضداد العلم، هو أيضا تبديل الألفاظ. فلئن كان تبديل لفظ العلم بالمعرفة لا يرشد إلى حقيقة العلم، فقوله: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو عليه، لا يكون مرشدا إلى حقيقة الجهل، إذ ليس إلا تبديل الألفاظ.
стр. 178
وقوله: والظن والشك ترددان بين معتقدين. أما الظن فإنه يرجع إلى ميل النفس إلى أحد الأمرين أو الأمور، فليس هو على ذوق الشك، ولا على حقيقته. وأما الشك، فقد اختلف الناس فيه، هل هو معنى أو لا؟ والصحيح أنه معنى، ويدل عليه ما يدل على جملة المعاني المستدل عليها، لتجدد أحكامها.
وقد ذهب الجبائي في أحد قوليه إلى أن الجهل عبارة عن نفس العلم. وهذا خطأ بين، وهو يفضي إلى نفي الأعراض. فيصح أن يقال- على هذا
стр. 179
الرأي- إن العلم يرجع إلى نفي الجهل. وقال في [موضع] آخر: إن الشك يرجع إلى توالي اعتقادين متناقضين على العاقل، فيكون في زمن معتقدا نفيا، وفي الثاني معتقدا إثباتا، فلا ينفك في زمن من الأزمان عن الاعتقاد. وهذا القول باطل، فإن العاقل يدرك من نفسه تردده وعدم تصميمه على جهة. [ولو] صح أن يكون الشرك يرجع إلى تعاقب معنيين متناقضين على القلب، لكان الإنسان إذا اعتقد قدم العالم دهرا، ثم اعتقد حدثه أن يكون شاكا، وهو في جميع أزمنته مصمم.
وأما قوله الإمام: إنه تردد بين معتقدين. فهو لفظ متجوز به، وهو يفهم منه ما حكيناه عن أبي هاشم. والأحوط أن يجتنب في الحدود الألفاظ الموهمة، فيقال: هو تردد بني أمرين من غير ترجيح في أحدهما. (٢٤/أ)
стр. 180
وهذا الموضع غامض. [فإن قيل]: هل المتعلق بالأمرين معنى واحد أو معنيان؟ فنقول: المتعلق بالأمرين معنى [واحد]، إذ لا يتصور الشك مع اتحاد المتعلق، فلابد أن يكون متعلق الشك أمرين. والذي خالفوا في تعلق العلم الحادث بمعلومين، سلموا تعلق الواحد بأمرين.
فإن قيل: إذا شك الإنسان في ثلاثة أمور، فقد تعلق شك واحد بأمرين، ولا يبقى للشك الثاني إلا متعلق واحد. قلنا: قد استحال تطرق الشك إلى أمر واحد. فنقول: على هذا يصح أن يتعلق الشك الواحد بأكثر من اثنين، فهو متردد بين الجهات الكثيرة ترددا واحدا.
وما انحصر إليه الكلام من طلب الفرق بين الاعتقاد الصحيح وبين العلم، فهو لعمري مكان غامض، [ومتاهة] مظلمة. ومنها نشأ اختلاف الأولين والآخرين في المذاهب والمعتقدات، فإن كل معتقد مصمم على أنه عالم. ومن المستحيل أن يعرف المعتقد كونه معتقدا، سواء كان اعتقاده موافقا للمعتقد أو مخالفا، فإنه إنما يدري أن الحاصل ليس يعلم بتجويزه النقيض. وعند تجويزه النقيض يبطل الاعتقاد.
стр. 181
والبحث عن الأسباب المرشدة للفرق بين الاعتقاد والعلم مهم جدا. وقد سلك الإمام في ذلك طرقا:
أحدها- أنه قال: لا يخفى الفرق بين العلم والجهل. والمماثل للمخالف مخالف. هذا مقصوده في قوله: إن الاعتقاد يماثل الجهل، والجهل مخالف للعلم. وصدق في قوله: المماثل للمخالف مخالف.
وأما قضاؤه بأن الاعتقاد الصحيح من جنس الجهل، فكلام مبهم، وقول مظلم، فإنه إن أراد به أنه من جنسه، باعتبار أعم أوصافه، فالعلم أيضا من جنس الجهل. فإنه معنى من المعاني. وأن أراد أنه من جنسه، من جهته الخاصة، وهو الذي قصدها- والله أعلم- ولذلك أتى بالمثال، وهو قوله: إذا اعتقد المعتقد أن زيدا في الدار، ولم يكن فيها، ثم استمر العقد إلى أن دخلها زيد، فحال المعتقد لا يختلف، وإن اختلف المعتقد. فقد قضى باستواء حال الجاهل والمعتقد اعتقادا صحيحا. ولو كانت المعاني القائمة مختلفة، لما تصور استواء حال من قامت به، وهذا القول خطأ بين. وبيانه من وجهين:
أحدهما- أن المثلين هما اللذان يقوم أحدهما مقام الآخر ويسد مسده، ولو كان الاعتقاد صحيح مماثلا للجهل، للزم أن يكون المعتقد اعتقادا صحيحا جاهلا، حتى يعتقد المعتقد على خلاف ما هو به، فيكون اعتقاده صحيحا وباطلان معا.
стр. 182
الثاني- أنا قررنا أن ضرورة المعتقد أن لا يدري كونه معتقدا، لأنه إنما يدري كونه معتقدا إذا أدرك الفرق، وإنما يدرك الفرق على تقدير الإحاطة بالأمرين. فإذا لم يحط بالأمرين، كيف يتصور أن يدرك الفرق؟
وما نقله الإمام عن أبي هاشم من قوله: إن العلم بالشيء والجهل به مثلان، هو اللازم على قوله من وجهين:
أحدهما- أن العلم عنده يرجع إلى اعتقاد المعتقد على ما هو عليه بلا زيادة، وهذا هو المراد بالاعتقاد (٢٤/ب) الصحيح. وقد اعترف الإمام بأن هذا مماثل للجهل.
الثاني- أن أبا هاشم لما حد العلم بأنه اعتقاد المعتقد، وقد بينا أن الإضافة إلى المعتقد ليست لازمة عنده ولا شرطا، فوجب حذفها، والاكتفاء بأن العلم: اعتقاد، والجهل أيضا: اعتقاد، فلزم أن يكون الجهل علما. بل يلزم على قوله أن يكون الشاك علما، لأنه في كل زمان معتقد. وهذه جهالة لا تنسب إلى لبيب.
стр. 183
وقول الإمام: الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في الدار أم لا؟ . كلام فيه ضعف وإيهام، إذ كيف يكون معتقدا ولا اعتقاد عنده؟ بل شك محض.
وقوله: [المعتقد] سابق إلى أحد المعتقدين. يعني اللذين أضيفا إلى الشاك، والكلام فيه على ما تقدم.
قال الإمام: (ومن أحكام عقد المقلد) إلى قوله (وترى معارضه جدلا محجاجا). قال الشيخ: قصد الإمام في هذا المكان أن يفرق بين العلم والاعتقاد بطريقين:
أحدهما- تصور حقيقتهما مع الاختلاف.
стр. 184
والثاني- النظر إلى الآثار والخواص. فأما الأول وهو قوله: الاعتقاد مأخوذ من الربط، والعلم يشعر بالانشراح والثلج. فهذا الأمر يرجع إلى تفسير اللغة ووضع الألفاظ، [ولا تتلقى من ذلك المعقولات]. وأيضا فإنه قد قررنا أن ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما. فلو كانت المعاني واضحة الاختلاف باعتبار حقائقها، لم يتصور اللبس. وأكثر الخلق حصل الالتباس في حقهم حتى حسبوا الاعتقاد علما.
وأما الكلام الثاني: وهو قبول التشكيك عند نهاية الإصغاء، ففيه عسر من
стр. 185
جهة الاعتياد، فإن التصميم على الأمر يمنع من كمال الإصغاء إلى نقضيه. ولكن إذا اتفق ذلك، وحصل الإنصاف، ووقع الالتفات إلى التجويز في المعتقدات، أمكن الاضطراب.
لكن يبقى على هذا سؤال، فيقال: هل يحصل الشك عند الإصغاء في حالة بقاء الاعتقاد أو عند زواله؟ فإن كان مع بقاء الاعتقاد، فمحال، وإن كان بعد زواله، فقد خلفه ضد من أضداده، وذلك أيضا يصح في العالم إذا زال علمه، صح أن يخلفه الشك، فبماذا يفارق العلم الاعتقاد؟
فنقول والله المستعان: يمكن أن يشكك المعتقد وإن بقي ذاكرا لسبب اعتقاده، فإنا نبين له أنه لا ربط بينه وبين معتقده، وإلا لو استند إلى وجه صحيح يقتضيه، لكان علما، ولكان السبب دليلا، بخلاف العلم إذا استند إلى سبب يقتضيه، لم يتصور بيان بطلان السبب. فلذلك استحال أن يشكك العالم مع ذكر سبب العلم، وأمكن أن يتشكك المعتقد على ما قررناه. وهذا واضح فيما إذا استندت العلوم والاعتقادات إلى أسباب مختلفة، وإنما تغمض إذا صودفت الاعتقادات في النفوس مضاهية للأوليات من العلوم، فإنه قد يجد الإنسان نفسه مصممه على أمور وهمية لا يقدر على صرف نفسه عنها. وهذا كالاعتقاد أنه لابد من خلاء أو ملاء وراء العالم. هذا في النفس مضاه
стр. 186
لكون الشخص لا يخلو من كونه متحركا أو ساكنا. (٢٥/أ) والأول عمل الوهم، والثاني ضروري.
ولكن طريق الفصل في ذلك أن الوهمي العقل يصد عنه، فإن الخلاء لا معنى له، والملاء باطل بانحصار العالم، [والأولي] العقلي لا يتصور أن يقدح فيه شيء. فإذا يدرك الميز إما: بالثمرات من قبول التشكيك وامتناعه، أو بالنظر إلى الطرق وقبولها للفساد وامتناع ذلك. هذا هو المعتمد في الفرق بين العلم والاعتقاد.
قال الإمام: (وقد يطرأ على العالم المحقق) إلى قوله (وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون، مستعينا بالله، وهو خير معين). قال الشيخ ﵁: لما قال الإمام: إن العالم لا يتصور تشكيكه إلى آخره، وجه على نفسه هذا السؤال، يشير به إلى أنه قد يتوهم المتوهم [تشكيكا]. ومثال ما ذكر: أن المعتزلة إذا قضوا بأنه لا يصح قيام المعنى بنفسه، كان في ذلك على
стр. 187
بصيرة وبرهان. ثم اعتقد أن القدم أخص أوصاف الباري تعالى، وأن الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وهو في هذا مصمم غالط. فإذا جاءت مسألة الإرادة، فلم يمكنه أن يقول: الباري تعالى مريد لنفسه. فإن مقتضى مذهبه أن الحكم الثابت للنفس، إذا كان يقتضي تعلقا، وجب أن يعم تعلقه، كما قالوا في كونه تعالى عالما، فإنه عالم بكل معلوم.
قالوا: فلو كان مريدا لنفسه÷ لكان مريدا لكل أمر، حتى يكون مريدا للقبائح، وذلك عندهم محال. ولا يصح أن يكون مريدا بإرادة قديمة، لأن القدم عندهم أخص أوصاف الباري تعالى، فلو كانت إرادته قديمة لكانت إلها. ولا يصح أن يقال: غير مريد، لوجود التخصيص الدال على ذلك. ولا يصح أن يقال: إنه مريد لا لنفسه، ولا لمعنى، فإن ذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة حادثة. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بذاته، فإنه
стр. 188
يستحيل أن يكون محلا للحوادث. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بغيره، فإنه يكون من قامت به مريدا بها، ولا يرجع حكمها إلى الباري سبحانه، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة قائمة بنفسها، وهذا يناقض ما تقدم من استحالة قيام المعنى بنفسه. ولا يتصور قيام المتضادات بالقلب في حالة واحدة، فيصير الإنسان على هذا مترددا بين الاعتقادين، فيكون أشبه شيء بالشك على مذهب أبي هاشم.
قيل للإمام: فهذا عالم متردد. فقال: (ليس ذلك شكا، إن كان الحاصل له علما، وإنما هو إيثار ذهول عن الأول، ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي). وأما ما هو عالم به، فلا يجد في نفسه ترددا ولا ميلا عنه.
стр. 189
وقوله: (ولن يبالي بذلك، إلا من ضعفت غريزة عقله). كلام صحيح، فإنه لا يصح للعاقل أن يترك ما علمه، بناء على الوهم، وإنما يعتري ذلك من ضعف العقل. والله المستعان. هذا نهاية كلام الأصوليين والمتكلمين.
والذي عندي في العلم غير ذلك كله. فنقول والله المستعان: من أحاط بحقيقة الشيء، فهو مستغن عن حده، ليعرف به المحدود. وقد تقدم الكلام (٢٥/ب) على هذا في أول الكتاب. فإن طلب العالم حدا، فإنما يريد إرشاد غيره، لا ليتعرف هو في نفسه، وإذا كان كذلك، فالأمر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يتصور جهله بوجه، وهو العلم، إذ من ضرورة من قام به العلم أن يعلمه. فإن المذهب الصحيح أن العلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه. ولو لم نقل
стр. 190
ذلك، للزمنا أمور ممنوعة، وهو القضاء بكون العلم لا يتصور أن يعلم، وذلك محال، فإنا نعلم علم غيرنا وعلمنا. ويلزمنا أيضا أن يكون الواحد منا عالما بالعلوم الكثيرة، وهو لا يعلم ذلك من نفسه، وذلك معلوم بطلانه ضرورة. أو يقال: يعلم العلم بعلم آخر، وذلك باطل، لإفضائه إلى التسلسل، إذ لا ينتهي إلى حد يوقف عنده، فلم يبق إلا أن العلم يتعلق بالمعلوم ويتعلق بنفسه. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون العالم عالما بحقيقة العلم، فكيف يتصور أن يطلب العاقل أن يكشف له حقيقة العلم؟
وظني بالأئمة ﵃ أنهم ما سلكوا في التحديد التعرض لتبديل الألفاظ، إلا لما قررته من كون الحقيقة مكشوفة. وإنما التبس على السامع نسبة اللفظ إلى المعنى، فأوضحوا له بلفظ أوضح دلالة ونسبة من الأول.
فإن قيل: فإذا كان من ضرورة العالم أن يحيط بحقيقة العلم، فكيف يتصور التباس العلم بالاعتقاد، حتى قلتم: إن ذلك من أغمض الأمور؟ فيقال: إنما جاء ذلك من خفاء الاعتقاد وشدة التباسه، إذ ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما، فلما كان ذلك من ضرورته، التبس أمره، فذكرنا تلك الطرق، ليتبين بها الاعتقاد، لا أن العلم مفتقر إلى البيان، إذ ليس بعد العلم كشف على حال.
وهذا الذي ذكرته في هذا المكان من جواهر الكلام. ولم أر أحدا من الأصوليين والمتكلمين ذكر ذلك، ولكنه شيء من الله سبحانه، فله الحمد وله المنة.
стр. 191
قال الإمام: (فصل- يحتوي على أقاويل في مدارك العلوم) إلى قوله (لا مدرك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع). قال الشيخ: هذا المذهب عن الأوائل مشهور، وفي كتب الأئمة كلها مسطور، وهو أول ناقل له في كتاب الكلام. وقد ناظر القوم على إبطال كون النظر غير مفيد للعلم، [وأوسع]
стр. 192
القول. وكيف ينكر ذلك، وينسب النقلة إلى الغلط، وهو الناقل عن السوفسطائية إنكار العلوم على الإطلاق؟ كيف وهؤلاء أقل شرا من أولئك؟
وأما الذين قالوا: إن مدارك العلوم الإلهام، فإن زعموا أن الله تعالى قد [يلهم] بعض أوليائه بمعرفة أمور من غير نظر، فنحن لا نمنع من ذلك،
стр. 193
لكن بشرط أن لا تكون تلك العلوم متعلقة بالأحكام الشرعية، لانعقاد الإجماع على أنه لا طريق إلى معرفة أحكام الله تعالى إلا أدلتها. وقد كان رسول الله ﷺ ينتظر الوحي في الأحكام.
وإن أراد القوم أنه لا طريق سوى الإلهام، فهؤلاء قد جحدوا العلوم الضرورية وأدلة العقول. وسنبين أنها موصلة إلى العلم. ويتصل القول بالرد على منكري النظر.
وما ذهب (٢٦/أ) إليه الحشوية من أن مدارك العلوم: الكتاب والسنة والإجماع، [لولا كمال العمى وتمام الجهل].
قال الإمام: (وقال المحققون: مدارك العلوم: الضروريات) إلى قوله (على ما سيأتي تفصيله). قال الشيخ ﵁: ذكر المحققون أن مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر العقلاء عليها. يريد بالمدارك: الطرق التي
стр. 194
بها تدرك العلوم. وإذا كان كذلك، لم تكن النظريات طرقا، وإنما النظريات: العلوم التي يتوصل إليها بالنظر. وقول الأئمة صحيح بالنظر إلى العادات. وفي المقدور خرقها وإحداث علوم من غير تقدم نظر. أما وقوعها ضرورة، فمتفق عليه بين العقلاء.
وأما وقوعها كسبية من غير تقدم نظر، هل يجوز ذلك عقلا أم لا؟ فيه خلاف. ذهب القاضي إلى منع ذلك. وذهب الأستاذ إلى جوازه، وهو الصحيح عندنا.
وتمسك القاضي بأن قال: لو جاز أن يحصل العلم النظري من غير سبق نظر، لجاز أن يوجد النظر الصحيح، ولا يحصل العلم به. وهذا الذي ذكره وجعله أصلا، مختلف فيه أيضا. فذهب ذاهبون إلى أن ترتب العلم على النظر الصحيح معتاد، وفي المقدور أن يسبق النظر، ويتم على سداده، ولا يحصل العلم. وذهب الأكثرون إلى وجوب حصول العلم عند تمام النظر وانتفاء الآفات، وهذا هو الصحيح عندنا.
وتمسك الفريق الأول بأن قالوا: النظر يضاد العلم بالمنظور فيه، وإنما
стр. 195
يحصل العلم عند تصرم النظر، فزمان عدم النظر هو زمان حصول النظر، وإنما ينحتم حصول أحد الضدين بعينه، إذا كانت القسمة محصورة في الضدين، كالحركة والسكون. فإنه إذا عدمت الحركة، ففي ذلك الزمان يخلق السكون. فإنه لو لم يكن كذلك، لخلا المحل عن الضدين، وذلك محال. وليس النظر مع العلم كذلك. إذ للنظر أضداد كثيرة، فهو بمثابة اللون، فلا يلزم إذا عدم البياض أن يخلفه السواد. وكذلك إذا عدم النظر، لم يلزم أن يخلفه العلم. وقد وقع الاتفاق على جواز خلق الضد العام من الغفلة والغشية والبهيمة.
ولا يقال: النظر بوجوب العلم إيجاب العلة معلولها، لما قررنا من التضاد الحاصل بين النظر والعلم. والعلة عند مثبتيها توجب معلولها لنفسها، ولا يتصور انفصال بينهما. وإنما اطردت العادة بأن النظر إذا تم على سداده، ولم تعقبه آفة، فالعلم يحصل.
وقال المحققون: لا يتصور عند تمام النظر، وانتفاء الآفات، أن لا
стр. 196
يحصل العلم، لأن النظر إذا تم، فهو المفضي بالناظر إلى الإطلاع على الوجه الذي منه يدل الدليل، فكيف يتصور أن يكون محيطا بالوجه الذي منه يدل الدليل، مع ذكره له، ولا يحصل العلم بالمدلول؟
وإذا بينا على وجوب الحصول بمقتضى العقول- عند الإحاطة وعدم الذهول- من أين يلزم إذا انقضى النظر أن يستحيل خلق العلم (٢٦/ب) المقدور؟ والعلم الضروري مماثل للكسبي، باعتبار أنفسهما. وإنما يفترقان في خلق القدرة مقترنة بأحدهما دون الآخر. وإذا جاز أن يخلق الله القدرة والعلم جميعا، جاز أن يخلق العلم دون القدرة.
وقال القاضي أبو بكر: لو جاز ذلك، لبطل النظر، وسقطت احجج، وتمكن المتحكمون بإسقاط الأدلة. وهذا الذي قاله تؤمن منه العادة، فلا نرى ما قاله مستقيما على ما بيناه. فيكو تقسيم المدارك إلى الضروريات والنظريات عقليا عند القاضي، واعتياديا عندنا.
قال الإمام: (فأما الضروريات: فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد). قال الشيخ أيده الله: هذا الذي قاله متفق عليه باعتبار العادات، لكن اختلف العلماء، هل يجوز في العقل خلاف ذلك؟ فذهب ذاهبون إلى تجويزه، وأن تقع الضروريات نظريات على العموم. ومنع آخرون ذلك، وقالوا: لا يتصور في العقل أن تقع نظرية مكتسبة.
وقال القاضي أبو بكر: أما العلم الذي هو عقل، فلا يتصور أن يقع
стр. 197
مستدلا عليه، إذ لا يصح أن يستدل إلا بعد كمال العقل. فكيف يدرك العقل بالنظر من لا عقل له، ولا ينظر إلا عاقل؟ وأما ما ليس عقلا من العلوم الضرورية، فلا بعد في أن يقع نظريا.
ومن جوز الاقتدار على الجمع، [تمسك] بتماثل العلوم، وعموم قدرة القديم. وإذا صح خلق القدرة على علم بعد سبق النظر، صح ذلك في [مثله].
وأما الذين منعوا ذلك، وهو الصحيح عندنا، فالمعتمد أن [يقال]: لو كانت العلوم الضرورية تقبل الاستدلال، لم يخل الدليل من أن يكون نفيا أو إثباتا، والنفي لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، والثابت: إما قديم أو حادث، والحادث: إما جوهر أو عرض. وهذه الأمور معقولة، ولا دلالة عليها عقلا على العلوم الضرورية. فكيف يتصور أن تغير أدلته؟ أم كيف يتصور عقلية غيرها؟ ولذلك قضى الأئمة بأنه لا يصح في المقدور دليل على صدق الرسول ﷺ إلا المعجزات على الخصوص، فإن الدليل إما أن يكون معتادا، فلا اختصاص له، أو غير معتاد، فهو الخارق بعينه.
قال الإمام: (والنظريات في رأي معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة).
стр. 198
قال الشيخ ﵁: الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين هو الذي ذكره الإمام. وقد قال بعض الناس: إنها غير مقدورة، وهو الذي اختاره الإمام ههنا. والأستاذ أبو إسحاق يبدي توقفا في المسألة، ولم يحك هذا القول إلا [لقربه] من الصواب.
والذي اعتمده المتكلمون في كون العلوم النظرية مقدورة بالقدرة الحادثة: هو الدليل الدال على انقسام الحركات إلى الضرورية والاختيارية. وقد سبق في هذا الكتاب تقرير ذلك، فهو بعينه (٢٧/أ) جار ههنا.
وهل سبق النظر في العلم المكتسب شرط من جهة العقل، أو من جهة العادة؟ [فذهب] القاضي إلى أنه شرط عقلي. وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه شرط من جهة العادة. وهذا هو الصحيح عندي. والدليل عليه أن العلم لا يجامع النظر، وإنما يخلق في حال نفيه، وهو من قبيل الممكنات. والقدرة الصالحة لا قصور فيها، فإذا صح خلقه والإقدار عليه من غير نظر، [نظرنا] إلى تماثل العلمين، وصلاحية القدرة، وكون قدرة العبد مقارنة غير مؤثرة.
стр. 199
قال الإمام: (والمرتضى المقطوع به عندنا، أن العلوم كلها ضرورية. والدليل القاطع على ذلك، أن من استد نظره، وانتهى نهايته، ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم المنظور فيه، فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير خيرة فيه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام غير صالح للاستدلال على سلب الاقتدار، وذلك أنه جعل الدليل على كون الشيء مقدورا، التمكن من الانكفاف عنه. وهذا لا يصلح على مذهب أهل السنة، فإن القدرة الحادثة عندهم تقارن
стр. 200
حدوث المقدور، ولا تتعلق إلا بمقدور واحد، ولا تصلح لغيره. فكيف يستدل بتحتم حصول العلم مقارنا للقدرة، على أنه غير مقدور؟ وما من فعل عندنا تتعلق القدرة به إلا يتحتم حصوله، ويمتنع الانكفاف عنه، إذ هما في وقت واحد. وسيأتي الكلام عليه في غير هذا المكان، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة [الحادثة]، وعلموا أن النظر يستعقبها استعقابا لا دفع له، فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها. والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: ما ذهب إليه المعتزلة من كون العلوم ليست مباشرة بالقدرة الحادثة، من جهة أن القدرة عندهم تصلح للإقدام والإحجام، وبعد النظر لا يتصور الإحجام، فلزم ألا تكون مباشرة بالقدرة. وقد علموا أن النظر يستعقبها، مع تحققهم طلب الشرع العلوم، واستحالة تكليف ما لا يطاق، فقالوا: إن النظر يولدها.
стр. 201
والمولد عندهم: هو فعل فاعل السبب، وأصل التوليد عندنا باطل. والصحيح عندنا أن القدرة الحادثة غير مؤثرة على حال، ولا في محلها، فكيف بالمنفصل عن محلها؟ وقد ساعدت المعتزلة على أن تذكر النظر لا يولد العلم، وإن كان يحصل عقيبه.
واتفقوا على أن أفعاله تعالى لا تقع مولدة. ويلزم على ما قالوه بدعة شنعاء، وهي من رمى سهما إلى رمية، واتصل السهم بالرمية بعد موت الرامي وعدمه، ثم أفضت الجراحة إلى هلاكه، فإن قتله مقدور للرامي، وإن كان عدما محضا. وأي جهالة تزيد على هذا في إضافة فعل على التحقيق إلى عدم محض؟ نعوذ بالله من الجهل والضلال.
قال الإمام: (والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: وإنما حمله على ذلك أصلان:
стр. 202
أحدهما- استحالة تكليف (٢٧/ب) ما لا يطاق.
والثاني- ما تخيله من أن العلم النظري [غير مقدور بالقدرة الحادثة]. فلهذين الأصلين ارتكب ما قال، وشذ عن قول أهل الإجماع. فإن الأمة مجمعة على تحريم الشك في الله ، وعلى تحصيل عقد يتعلق به على ما هو عليه، إما علما عند المتكلمين، وإما اعتقادا عند بعض الناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾. وكم من آية في كتاب الله تعالى مصرحة بالأمر بالعلم. وهذا ما لا خفاء به عند العلماء.
стр. 203
قال الإمام: (ثم رتب أئمتنا [أدلة العقل] ترتيبا ننقله) إلى قوله (وهذا الفن لا يفيد علما قط). قال الشيخ: ما ذكره الأئمة في تقسيم أدلة العقول إلى أربعة أقسام، لا تصلح لضبط الأدلة، وليس فيه ما يقتضي القصر على ذلك.
وبعضها غير صالح للعد في الأدلة، كإنتاج المقدمات النتائج، على ما سنبينه. والاستدلال بالمتفق على المختلف يضاهي إلحاق الغائب
стр. 204
بالشاهد، إذ حقيقته ترجع إلى القياس، فلا يبقى إلا السبر والتقسيم.
وليس السبر والتقسيم من الأدلة بحال، فإن السبر هو الاختبار، يقال للمرود الذي يختبر به الجرح مسبر. والتقسيم يرجع إلى حصر الأقسام، إما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما ظنا. وليس في الحصر على التعيين
стр. 205
بحال، وقد يكون انحصار القسمة ضروريا، فلم يبق مما ذكروه إلا القياس خاصة. وما ذكروه من التحكم بالإلحاق، فصحيح، والجمع بالعلة وبقية الجوامع، إنما تصح عندي على القول بالأحوال، فإذ ذاك يتصور الالتفات إلى الجوامع. [وهذا لدقيقة، وهي] أن من أنكر الحال يمتنع عنده الاشتراك إلا في اللفظ، ولا يلزم من ثبوت حكم عقلي لمسمى، أن يثبت لما يشاركه في التسمية. والاشتراك في المعقول منتف عند هذا القائل.
وقد حاول القاضي أن يمشي [على] طريقة الجمع بالحقائق على القول بنفي الحال. وهذا عندي غير صحيح، فإنه إذا كانت حقيقة العلم الحادث تخالف حقيقة العلم القديم، فمن أين يلزم من القضاء على أحدهما القضاء على
стр. 206
الآخر؟ وكذلك نطرد هذا في الشرط والدليل، فلا يلزم من ثبوت الاشتراط في شيء، أن يكون شرطا فيما يخالفه في الحقيقة عند مشاركته في الاسم. [إلا] إذا [بنى] الأمر على القول بالأحوال في صحة الجوامع، على ما سنبينه.
أما الجمع بالعلة: فاقتضاء العلة معلولها اقتضاء نفسيا. ولا يتصور في العقل وجود الموصوف دون وصفه النفسي، ولا ثبوت الوصف دون الموصوف. وكذلك إذا قضى باستواء الحقيقتين وتماثلهما، فمن المحال أن يختص أحدهما بحكم عقلي دون مماثله. وكذلك إذا افتقر شيء إلى شرط عقلا، فمن المحال ثبوته دون [مشروطه]. والدليل يدل بصفة هو عليها، فلا يتصور وجوده غير دال.
стр. 207
وقول الإمام: إن الدليل الذي قام في الشاهد، إن قام في الغائب، أغناك عن الاستشهاد بالشاهد. فهو كذلك، ولكن لم ينتبه العقل للدليل (٢٨/أ) إلا لما نظر في الشاهد. بيانه: أن القائل لو قال: كون العالم عالما، وصف يرجع إلى نفس العالم، وثبت كون الباري تعالى عالما. وقال قائل: لعله عالم لنفسه. فإذا تجرد كون الشاهد عالما، استحال أن يرجع إلى نفسه، ولزم أن يكون الحكم معللا، على ما يفهم من العلة والمعلول، فلا استرابة في أن ذلك يرشد إلى [أن] الباري عالم بعلم.
فما ذكره الإمام لا يعترض على طريقة الأئمة. لكن بعد إثبات الحال.
стр. 208
ولا يستغني متكلم في هذا الفن على القول بالأحوال، إما بأن يسميها أحوالا، أو وجوها واعتبارات. وقولهم: الشيء يعلم من وجه ويجهل من وجه، إشارة إلى الأحوال.
وأما بناء النتائج على المقدمات، فليس ذلك من أصناف أدلة العقول، وإنما هو راجع إلى التعبير عن الأدلة بصيغ مختلفة، وليس اختلاف العبارات بالذي يوجب اختلاف الأدلة.
فإنا إذا قلنا: [عن] النبيذ: إنه مسكر فيحرم، قياسا على الخمر، كان ذلك قياسا. فيغير هذا النظام، فيقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حراما. فليس هذا دليل آخر من جهة الحقيقة، وإنما هو تغيير النظم خاصة.
стр. 209
وأما قولهم: إن المقدمة الواحدة منتجة. فهذا الكلام غير صحيح، إلا أن يكونوا أهملوا ذكر المقدمة الثانية [لوضوحها]. فأما ترتب النتيجة على المقدمة، فلا يصح ذلك، إذ أل ما يتركب منه البرهان مقدمتان يحصل بينهما ازدواج بذكر أمر يكون موجودا في المقدمتين جميعا، وهو الرابط، ولولاه لم تحصل النتيجة أبدا. فإنا لو قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما، لم يلزم ذلك إلا
стр. 210
إذا قلنا: وكل مسكر حرام.
وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾. إنما حصل المقصود للعلم بالمقدمة الأخرى، إذ المشاهدة على أنهما لم تفسدا. وكذلك قولهم: تحرك الجوهر، ولم يكن متحركا، فلابد من فرض زائد الذات. وهذا لا يكون منتجا حتى ينضم إليه كل طارئ على الذات، فلابد من مقتض. وقد طرأ التحرك على الذات، فلابد له من مقتض. والقول في المقدمات وشروطها
стр. 211
ونتائجها طويل، وله فن مخصوص به، فلم نر التطويل به.
وقولهم: قد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية، إن أريد بذلك الضروري الذي يلازم أنفس العقلاء، فهذا محال. إذ كيف يكون هذا ملازما لأنفس لعقلاء، وهو لا يحصل إلا بعد النظر في تحصيل مقدمته؟ وإن أريد به أن المقدمتين إذا علمتا، وعلم الازدواج، وتنبه الذهن لاشتمال المقدمتين على النتيجة، فلابد من حصول العلم بها، فهذا صحيح. وتقدم في أثناء الكلام القول في الاستدلال بالمتفق على المختلف، وأنه يرجع إلى القياس، وشرط صحته الجوامع المقتضية للتسوية، على ما ذكرناه.
وأما السبر والتقسيم، فإذا لم ينحصر في نفي وإثبات، لم يصح لإثمار العلم. ويصح أن يستعمل في غلبات الظنون، إن كان الحصر مظنونا. وإن انحصر في النفي والإثبات، فلا يكون نفس الحصر دليلا، فإن الإنسان يعلم أن
стр. 212
العالم لا يخلو من وصف الحدوث والقدم، (٢٨/ب) ولكن لا يكون هذا دليلا على معرفة وصفه. فعد السبر والتقسيم من الأدلة لا يصح، إلا أن يراد أن التقسيم إذا دل على بطلان أحد القسمين تعين الثاني، فهذا صحيح. والاعتماد على الدليل في التعيين، لا على نفس التقسيم.
قال الإمام: (فصل- يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم) إلى قوله
стр. 213
(فيستحيل اعتقاد ترتيبها). قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام من استحالة تفاوت العلوم. وقد سبق الدليل على ذلك. والضروريات في سرعة الحصول والاستمرار، مقدمة على النظريات من غير إشكال. وما ذكره الكعبي من كون العلم بخبر التواتر نظريا، سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله.
واختلف أصحابنا في العلوم بالحرف والصناعات، هل هي مكتسبة أم ضرورية؟ فقال قائلون: إنها مكتسبة، وهو الظاهر، ولذلك افتقر إلى تعلمها.
стр. 214
وقال آخرون: هي ضرورية، وهو ظاهر هذا الكلام. والظاهر عندنا الأول.
وأما من قدم المعقول على المحسوس، من جهة أن الحواس عرضة للآفات والتخييلات، فخيال باطل، فإن الإدراك القائم بالحاسة لا يتصور الخطأ
стр. 215
فيه. نعم، قد يتخيل للإنسان شيء على خلاف ما هو به، وليس بمدرك على الحقيقة، ما يتوهم المتوهم أمرا ويعتقد معقولا، ولا يكون كذلك.
وأما قول من قدم البصر لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه، فهذا ليس هو الواقع، فلئن قال: كل موجود يجوز أن يرى، وما لم ير، إنما لم ير لمانع. فكذلك عندنا كل موجود يجوز أن يسمع، وما لم يسمع، إنما لم يسمع لمانع. وتقرير ذلك في فن الكلام.
وما اعتمده القتبي في التقديم من الترتيب في الذكر، فلا يخفى سقوطه.
следующие страницы →