← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الضلالة). [وقوله: ] (سألت الله تعالى أن لا تجتمع أمتي على الضلالة فأعطانيها). و [قوله: ] (من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من روائهم، وأن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد). وقوله: (يد الله مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ). و [قوله: ] (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء). و [قوله] (من خرج عن الجماعة أو

стр. 1507

فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه). و [قوله] (من فارق الجماعة ومات فميتة جاهلية). وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا، لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل من موافقي الأمة ومخالفيها. ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه. هذا تقرير الاستدلال. وقد وجهوا على أنفسهم سؤالا فقالوا: فما وجه التمسك بهذه الأخبار، ودعوى التواتر غير ممكنة، ونقل الآحاد لا يفيد العلم، والظن في الباب غير مكتفى به؟ أجابوا بوجهين: [أحدهما]- أنهم قالوا: الأخبار متواترة من حيث الجملة، وإن لم تكن آحادها متواترة، وسبيلها سبيل العلم بجود حاتم، وشجاعة علي [﵁] وخطابة الحجاج. قالوا: فقد حصل [بمجموع] هذه الأخبار

стр. 1508

أن الرسول ﵇ أراد تعظيم هذه الأمة وعصمتها وإثبات هذه الفضيلة لها، بحيث لا نجد من أنفسنا ريبا، كما لا نجده في تعظيم رسول الله ﷺ أصحابه وتقديره إياهم، وحثه على حبهم وإكرامهم. وكذلك أيضًا نعلم ميل رسول الله ﷺ إلى عائشة ومحبته إياها، بمجموع أخبار نقلت آحادا، أفاد مجموعها العلم. هذا تقرير هذا الطريق. وهو عندي لا يقوى، وحاصله راجع إلى إثبات الحكم من غير دليل عليه، فإن الشيء إذا علم ضرورة، استحال الاستدلال فيه، وكيف ينفع هذا الطريق مع الخصم المنكر؟ لاسيما المنازعون، والذين أنكروا الإجماع عدد كثير لا ينقصون عن عدد التواتر. فدعوى العلم الضروري في الباب بعيد عن التحقيق، وغير منتفع به مع الخصوم. فلا وجه للتمسك بذلك. الطريق الثاني لهم: وهو الوجه الاستدلالي: قالوا: وتقريره من وجهين: أحدهما - أن هذه الأخبار لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر أحد فيها خلافا إلى زمان النظام، ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار كثيرة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع وتفاوت المذاهب في الرد والقبول، ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف أو إبداء تردد فيه. الوجه الثاني - أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به، وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة،

стр. 1509

(١٦٢/ب) ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع الكتاب المقطوع به، إلا إذا استند إلى مقطوع به، أما رفع المقطوع بما ليس مقطوعا، [فليس معلوما]. حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده خبر غير معلوم الصحة؟ وكيف يذهل عنه جميع الأزمنة إلى زمان النظام، فيختص بالتنبه له ودركه؟ هذا وجه الاستدلال. وقد وجه الأصوليون على هذا الدليل ثلاثة أوجه من الكلام، نذكرها ونعترض على ما لا نرتضي منها، ونوجه نحن أسئلة وبه تتم الطريقة. قال الأصوليون: هذه الأخبار مردودة، وينقدح في ردها [أربعة أسئلة: ] أحدها - أنهم قالوا: لعل واحدا خالف في هذه الأخبار وردها، ولم يتفق نقل هذا الرد تواترا، فمن أين يعلم انقياد الجميع لها؟ وأجابوا عن هذا: بأن هذا تحيله العادة، إذ الإجماع أعظم أصول الدين، فلو خالف [فيه] مخالف لعظم الأمر فيه، واشتهر الخلاف، إذ لم يندرس خلاف الصحابة في مسألة الجنين، ومسألة الجد، فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته؟ وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط قدره وخسة مرتبته، واختفى خلاف أكابر الصحابة والتابعين؟ هذا [مما

стр. 1510

لا يتسع] له عقل أصلا. هذا تمام تقريرهم وجوابهم عن السؤال. وينقدح عندي في الاعتراض عليه أنه لا يلزم في العادة أن كل من خالف، لابد أن يظهر خلافه، إذ يصح أن يكون قد خالف ولم يظهر، أو أظهره لدون عدد التواتر، فلم يجب أن يتواتر النقل، إذ قدمنا أنه إنما يجب أن يتواتر النقل إذا كان المطلعون عدد التواتر، فأما إذا نقص العدد، فلا يلزم التواتر، بل يصح إفضاء الأمر إلى الدروس. ووجهه واقع على هذه الطريقة، وهو أنه يمكن أن يكون بعض من يرى الإجماع حجة أسنده لغير هذا الطريق، وإن كان لا يقول بهذه الأخبار، ولم ير أن ينازعهم في طريق معين، لموافقته إياهم على الحكم، وإن كان لمستند آخر. هذا بين لا شك فيه، ولا تحيله العادة بوجه. السؤال الثاني على أصل الاستدلال من الأسئلة الأربعة في الرد: أنهم استدلوا على الإجماع بالخبر، ثم استدلوا بالإجماع على صحة الخبر. فهب أنهم أجمعوا على الصحة، فما الدليل على أن ما أجمعوا [على صحته] فهو صحيح؟ وهل النزاع إلا فيه؟ وأجابوا بأن قالوا: استدللنا على الإجماع بالخبر، وعلى صحة الخبر بخلو الأعصار عن المخالفة والمدافعة، مع أن العادة تقتضي [إنكار] إثبات أصل قاطع يحكم [به] على القواطع بخبر غير معلوم الصحة، فعلمنا بالعادة كون

стр. 1511

الخبر مقطوعا به، لا بالإجماع. والعادة أصل يستفاد منه معارف، بها نعلم بطلان دعوى معارضة القرآن واندراسها، ودعوى بطلان نص الإمامة، وإيجاب صلاة الضحى، وصوم شوال، فإن ذلك لو كان، لاستحال في العادة السكوت عنه. هذا سؤال وجواب لهم عنه. ويتوجه عندي على هذا كلام، وهو أنه لا يتأتى أن يسند العدد الكثير الجزم بالحكم إلى طريق مظنونة، ولهم أن يعتقدوا صحة الطريق، ولا يكون هو صحيحا في نفسه، فهذا غير ممتنع. فما المانع من اعتقاد الصحة، ويكون الأمر على خلاف ذلك؟ وهو بمثابة ما إذا اتفق العدد الكثير، وليسوا كل أهل الإجماع على إسناد حكم جزما (١٦٣/أ) إلى خبر غير مقطوع بثبوته. فإن جزمهم بالحكم، لا يصير الخبر مقطوع الثبوت. والسؤال الثالث على أصل الدليل من أسئلة الرد: أنه قيل لهم: بم تنكرون على من يقول إنهم أثبتوا الإجماع لا بهذه الأخبار، بل بدليل آخر؟ أجابوا بأن قالوا: قد ظهر منهم الاحتجاج بهذه الأخبار في المنع من مخالفة الجماعة، [وتهديد] من يخالف الجماعة. هذا سؤال والجواب عنه. وينقدح عندي في ذلك كلام، وهو أنه لم يثبت النقل المتواتر عن جميع الصحابة الاستدلال في عصمة الأمة بهذه الأخبار، بل لا يكاد يظفر للقوم باستدلال على الإجماع، وإنما كانوا يسندون الأحكام إلى الإجماع بعد أن استقر عندهم كونه حجة بأدلة ثابتة. وإن ذكرت هذه الأخبار بينهم، فليس يقصد بها إثبات عصمة، وإنما تورد لأغراض أخر.

стр. 1512

هذا لعمري تحقيق، وليس من أبواب المدافعات. السؤال الرابع من أسئلة الرد: أنهم قيل لهم: لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار، لم [لم] يذكروا صحتها للتابعين، حتى كان ينقطع الارتياب، [ويشاركونهم] في العلم؟ أجابوا: بأنهم كانوا قد عرفوا تعظيم هذه الأمة وعصمتها بمجموع قرائن وأمارات وتكريرات ألفاظ، وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى [بيان] نفي الخطأ عن هذه الأمة. وتلك القرائن لا تدخل تحت الحكاية، ولا تحيط بها العبارات، ولو حكوها، لتطرق إلى آحادها الاحتمالات، فاكتفوا بعلم التابعين بأن الخبر المشكوك فيه لا يثبت به أصل مقطوع به، ويقع [به] التسلم في العادة، فكانت العادة في حق التابعين أقوى من الحكاية. هذا سؤال وجواب عنه. قال الشيخ أيده الله: حاصل هذا الكلام اعتراف [بأنها أخبار] الآحاد بالإضافة إلى التابعين، [إنما] يدل [على] أنها كانت متواترة في زمن الصحابة. وهذا استدلال على كون الخبر متواترا، وهل يقبل الخبر المتواتر الاستدلال؟ وإن قبله، فما الدليل على كونه كان متواترا عند الأولين؟ والسائل اعتقد أنه لو كان متواترا عند الصحابة، لتواتر عند

стр. 1513

التابعين، ويريد أن يجريه في قسم ما يجب أن يدوم تواتره، لأنه من مهمات الدين وكلياته. وقد كنا قلنا: إن الكليات من الدين لابد من تواتر نقلها، وهو كلام صحيح، ولكنه يمكن أن يكون سبب عدم إدامة النقل على التواتر، كون الأخبار متعددة متفرقة [أفادت] علما ضروريا بقصد العصمة، فيقوى على إدامة نقل العصمة دون درك المستند، كما في الصلاة والصوم، فإن الذي [نقل] متواترًا وجوبها، دون أدلة الوجوب في التفصيل. هذا إذا ثبت أنهم أسندوه إلى الأخبار. وقد قدمنا في ذلك النزاع. الوجه الثاني: من الاعتراض على أصل الدليل: التأويل. وقد تأول بعض الأصوليين الأخبار، وقالوا: إنها ليست نصوصا على حال، وإن قوع الاعتراف بالصحة في النقل. وقد وجهوا على ذلك ثلاثة أوجه من التأويل: أحدها - قالوا: قوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على الضلال). يعني الكفر والبدعة. [فعله] أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة. وقوله:

стр. 1514

(على الخطأ) لم يتواتر، وإن صح، فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر. وأجابوا بأن قالوا: الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله تعالى: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾. وقال: ﴿فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾. وما أراد: الكافرين، بل أراد من المخطئين. ويقال: ضل فلان (١٦٣/ب) عن الطريق، وضل سعي فلان، كل ذلك للخطأ. كيف وقد فهم على الضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة؟ أما العصمة من الكفر، فقد أنعم بها في حق علي وزيد وأبي وابن مسعود على مذهب النظام، لأنهم ماتوا على الحق، وكم من آحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا، فأي خاصية للأمة؟ فدل أنه أراد: ما لا يعصم عنه الآحاد من سهو وخطأ وكذب، وتعصم عنه الأمة تنزيلاً لجميع الأمة منزلة الرسول ﷺ في العصمة عن الخطأ في الدين، أما في غير الدين، من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة، فالعموم يقتضي للأمة العصمة فيه، ولكن ذلك مشكوك فيه، وأمر الأمة في الدين مقطوع به. هذا سؤال وجواب عنه. وعندي فيه وجه آخر خلاف هذا، وهو أن

стр. 1515

قولهم: الضلال لا يناسب الكفر، إن أرادوا اقتصارا عليه، فصحيح، وإن أرادوا أنه لا يحتمله مع غيره، فليس بصحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. قال أهل التفسير: هم اليهود والنصارى. وقال: ﴿[الذين] ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾. فالضلال يطلق على الكفر وغيره، لا خلاف في ذلك عند أهل اللسان. وأما قولهم: إنه فهم من هذه الأخبار تعظيم شأن هذه الأمة، وإثبات مزية لا تثبت للآحاد. فعنه جوابان: أحدهما - أنا لا نسلم أنه فهم منها استمرار هذا الدين إلى قيام الساعة، وقد جاء في الحديث: (أنه لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول: الله). الثاني - أنا وإن سلمنا ذلك، فالخاصية التي تثبت للأمة العصمة عن الكفر، بخلاف الآحاد، فإنه لا نعلم عصمة الآحاد عن الكفر إلا بعد موته على الإسلام، بخلاف الأمة، فإنا نعلم هذا قبل انقراضهم. فهذا تبيين الفرق بين الآحاد والأمة. التأويل الثاني: أن يقال لهم: غاية هذا أن يكون عاما، يتناول كل خطأ،

стр. 1516

ويحتمل أن يكون المراد بعض أنواع الخطأ، فإنه نكرة في نفي، وهي من صيغ العموم، ولا يمتنع تخصيصه. فإذا كان كذلك، لم يسغ الاحتجاج به في القطعيات. قالوا: هذا التفصيل غير صحيح، إذ لا ذاهب من الأمة إليه، والذي يجوز الخطأ عليهم في شيء يجوز في غيره. قالوا: وإذا لم يكن فارق، [لم] يكن تخصيص بالتحكم. وقد ذم من خالف الجماعة وأمر بالموافقة. وإن لم يكن ما فيه العصمة معلوما، استحال الاتباع إلا أن تثبت العصمة مطلقا، وبه تثبت فضيلة الأمة وشرفها. أما العصمة عن البعض دون البعض، فقد تثبت لكل كافر فضلا عن المسلم، إذ ما من شخص يخطئ في كل شيء، بل كل إنسان يعصم عن الخطأ في بعض الأشياء. هذا سؤال وجواب عنه. وعندي أن التأويل متأت. وقولهم: لا فاصل في التجويز العقلي، فلا فصل من جهة العقل بحال، ولكن لم يعين القوم النوع الذي عصموا فيه، بل قالوا: يجوز أن يكون المراد هذا، وقوف بين التعيين في الوقوع، وبين الإمكان وتطرق الاحتمال. وأما قولهم: إن لم تثبت العصمة على العموم، استحال الأمر بالاتباع. قلنا: هذا تمسك بظاهر في محاولة القطعيات، وذلك غير مفيد. ولو صح هذا، لجاز الاستدلال بالظواهر في محل طلب العلم، فلا ينتفع بذلك إلا على وجه، وهو أن يكون (١٦٤/أ) اللفظ [نصا خاصة، وهو ضعيف. التأويل الثالث]: وهو أن أمته كل من آمن به إلى يوم القيامة، فجملة هؤلاء من أول الإسلام إلى آخر عمر الدنيا لا يجتمعون على خطأ، بل كل حكم انقضى على اتفاق [أهل] الأعصار كلها بعد [بعثته]، فهو حق، إذ الأمة

стр. 1517

عبارة عن الجميع، كيف والذين ماتوا في زمانه [هم] من الأمة؟ وإجماع من بعدهم ليس إجماع جميع الأمة، بدليل أنهم لو كانوا قد خالفوا ثم ماتوا، لم ينعقد بعدهم إجماع. [وقبلنا] من الأمة من خالف، وإن كان قد مات، فكذلك إذا لم يوافقوا. الجواب عنه: أنه كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانبين والأطفال، وإن كانوا من الأمة، فلا يجوز أن يراد به الميت، والذي لم يخلق بعد، بل المفهوم قوم يتصور منهم الخلاف والإجماع. ولا يتصور الاختلاف والاجتماع من المعدوم. والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة، وذم من شذ عن الموافقة. فإن كان المراد ما ذكروه، فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في القيامة لا في الدنيا، فيعلم قطعا أن المراد إجماع يمكن خرقه ومخالفته في الدنيا، وذلك هم الموجودون في كل عصر. أما إذا مات بعد أن خالف، فإن مذهبه لا يموت بموته. وسيأتي تحقيقه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. الثالث: المعارضة بالآيات والأخبار التي تتضمن نهي الجميع عن المعصية من القتل والزنا والسرقة والكفر وشهادة الزور، وغير ذلك من محرمات الشريعة، وأن ذلك لو لم يكن ممكنا منهم، لما نهوا عنه، فإنه يشترط الإمكان في المنهيات، كما يشترط في المأمورات. وهذا كلام ضعيف، وجوابه من وجهين:

стр. 1518

أحدهما - أنا لا نسلم أنهم نهوا بصفة الإجماع، بل كل واحد منهم منهي على انفرداه، وكذلك الأمر بالإيمان والصلاة والصوم والزكاة والحج متوجهة إلى جميع الخلق، لا بصفة أن يجمعوا على فعل ذلك، ولكن يتوجه الأمر على كل واحد على تقدير انفراده، ويكون لفظ الجميع أغنى عن التكرار، والأوامر والنواهي متوجهة إلى كل واحد. والدليل عليه: أنه لو أطاع البعض، لم يتوجه اللوم لمعصية البعض. ولو كان الاجتماع على العمل مقصودًا للطالب، لم يحصل الامتثال عند الاختلاف. وكذلك يقال هذا في جانب المنهيات. فإنه إن انكف قوم، لحصل الامتناع، وإن خالف الآخرون. والوجه الثاني: أنه لا يشترط في المنهي عنه أن يكون واقعا، ولا يكون مقدور الوقوع لمن نهي عنه، فإن القدرة عندنا تقارن المقدور، وكم من نهي عن معصية ولم يفعلها، فهو غير قادر عليها، وقد قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾. وقد علم أن الكفر لا يقع منه. وقد نهى الله تعالى الخلق عن جميع المعاصي، مع العلم بأن جميع المعاصي لا تقع من جميع العباد. وأما ما تمسكوا به من السنة فقوله: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ). وقوله: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى إن الرجل يحلف وما يستحلف ويشهد وما يستشهد). قالوا:

стр. 1519

فهذا يدل على شمول المعصية الجميع. وهذا الكلام ضعيف. نعم، هذه الأخبار تدل على كثرة المعاصي وقلة أهل الخير. فأما شمول المعصية لأهل الإجماع فلا. قال الإمام: (فإن قيل: العقول لا تدل على القبول وثبوت كون الإجماع حجة) (١٦٤/ب) إلى قوله (فهذا مسلك إثبات الإجماع في هذه الصورة). قال الشيخ: هذا الذي ذكره في هذه الصورة لا يصح أن يكون معتمدا، مع اضطراب في لفظه، وغلط في الشبه والنظير. أما الاضطراب في اللفظ فقوله: إنهم اجتمعوا على حكم مظنون، وللرأي فيه مضطرب. إلى آخره. ثم زعم بعد ذلك أن الحكم مقطوع به عندهم، فكيف يصح أن يكون الحكم مظنونا، وهم به قاطعون؟ هذا ظاهر التناقض.

стр. 1520

ولعل المراد به: أن يكون الحكم مظنونا عندنا لو لم نظفر بالإجماع، أي لم نصادف نحن فيه قاطعا، ولذلك أطلق عليه كونه مظنونا في الشريعة على الحقيقة، [و] لم يتصور لأهل الإجماع القطع به، فإن ذلك يكون غلطًا منهم وهم عنه معصومون. وإنما قصد الإمام بهذا التقرير: أنا لو ظفرنا بالقاطع دون النظر إلى إجماعهم، لم تكن بنا حاجة إلى الإجماع، ولذلك افتقر إلى أن يصور في المسألة المظنونة عندنا لو لم نظفر بالإجماع. هذا مراده بذلك. وأما الغلط في النظير، والاستشهاد بامتناع اتفاق العقلاء على اتفاق أهل الإجماع في أمر مظنون، لأن العادة تحيل اتفاق العقلاء على أمر مقطوع به. كلام ضعيف، إذ كيف ينزل اتفاق [أهل] الإجماع على اتفاق العقلاء؟ إذ لو

стр. 1521

كان [الأمر] على سواء، لاستحال اتفاق أهل الإجماع على أمر مقطوع به. وكيف يستقيم ذلك والإمام يجوز اتفاق أهل الإجماع على أمر مظنون؟ فكيف يقول: يستحيل أن يجتمعوا على أمر مظنون به؟ فيكون لهذا وجه. وأما تلقي القاطع من جزمهم بالحكم على الإطلاق، فهذا هو مقصود المسألة، والخصم يعترف بأنهم لو كانوا عالمين بالحكم، لم يكن ذلك إلا لمستند قاطع، وإنما الخصم يقول: هم معتقدون غير عالمين، ولا يمتنع على عدد التواتر أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا. فقد توهم خلق كثير قدم العالم، وصمموا على ذلك. وكذلك الذين جحدوا النبوات، وسائر فرق الكفر والضلالات. فالعادة تحيل على أهل التواتر التواطؤ على الكذب. فأما أن يطنوا ما ليس بقاطع قاطعا، [فهذا] سؤال صعب على هذه الطريقة. وهذا القائل يلزمه أن يجعل اتفاق عدد أهل التواتر من الفرق المبطلة حجة.

стр. 1522

فإذا تبين بطلان هذه الطرق بما قررناه، فنقول والله المستعان: الإجماع حجة قاطعة ومخالفة محرمة، وخارقه عاص، والدليل على ذلك أن الصحابة ﵁ قطعوا بذلك واستمروا عليه، ولم يروا مخالفة الإجماع أمرا هينا، ولا يتصور أن يسند العاقل جزمه إلى أمر مظنون عنده، فإن ذلك محال. فإذا ثبت أنهم مصممون، علم بالاعتياد أن المستند عندهم غير مظنون. لكن يبقى أن يقال: ما المانع من إضمار خلاف ما أظهروه، فيكونون ظانين، ولكن يظهرون الجزم، والباطن خلاف ذلك؟ هذا سؤال. وسؤال آخر، وهو الذي وجه على الإمام: أنهم وإن صمموا، فما المانع من أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا؟ وهذا السؤال الثاني هو الغامض، وفي الانفصال عنه تتم المسألة. والله المستعان. أما السؤال الأول: [فالكثرة] تحيله، على حسب ما تقدم من أخبار التواتر. فإنا قد حققنا أن العادة (١٦٥/ا) تحيل عليهم التواطؤ على الكذب، والصحابة ﵁ قد كثروا كثرة مفرطة، وزادوا على عدد التواتر، فمن المحال أن

стр. 1523

يضمروا خلاف ما يظهرون. فإذا جزموا بأن الإجماع حجة، فهو معتقدهم. وأما السؤال الثاني: وهو أنهم يجزمون ولا يكونون عالمين، لاحتمال الغلط في المستند. وهذا هو المحل الغامض في المسألة، وفي الانفصال عنه تحصيل الغرض. فنقول والله المستعان: الطريق في تقرير الدليل أن نضبط ما يصح أن يسند أهل الإجماع الحكم إليه، [ثم] ننظر في إمكان الغلط عليهم فيه واستحالته. أما الوجه الأول: فإن وجوب الاتباع وتحريم المخالفة حكم شرعي، لا يتصور أن يتلقى من أمر شرعي عقلي، فإن الصحابة ﵃ إنما تلقوا أحكام الشرع من رسول الله ﷺ ، إما كتابا وإما سنة، فالقطع بالحكم مع اعتراف الحاكم بكون المستند مظنونا محال أيضًا. والقوم قد قطعوا بكون الإجماع حجة، فلابد أن يقطعوا بالمستند. فإذا قال القائل: ما المانع من أن يظنوا ما ليس بقاطع في المستند؟ فنقول: يتطرق الاحتمال إلى المنقول من وجهين: إما أن يعتقد غير المتواتر متواترا، وإما أن يعتقد غير النص نصا، إذ يتوهم في الوجهين. وقد يجوز أن يجتمع الوجهان في حق شخص، فيظن ما ليس بمتواتر متواترا، وقد يظن ما ليس بنص نصا. أما الأول: وهو أن يظن ما ليس بمتواتر متواترا، فهذا مستحيل على العدد الكثير وإن لم يكونوا علماء، فإن الخبر المتواتر يحصل علما ضروريا. وليست الأمور المستندة إلى الأخبار المتواترة وغير المتواترة ما يحصل للسامع من قبيل

стр. 1524

النظريات التي هي محل الغلط. فإذا كان الغلط في هذا لا يتفق لعوام الناس، فكيف يتصور تطرق هذا الغلط إلى الصحابة بجملتهم على استمرار العصور من غير تنبه للغلط فيه، وهم أعلم خلق الله، وأعظمهم فطنة، وأتقنهم رأيا، وأشدهم بجثا وبصيرة؟ فيعلم بالضرورة [بطلان نسبة ذلك] إليهم، من جهة اعتقاد ما ليس بمتواتر متواترا. وأما الوجه الثاني: وهو إمكان الخطأ باعتبار فهم الدليل حتى يعتقدوا فيه أنه قاطع وليس بقاطع، [فهذا] أيضًا محال، فإن القاطع في ذلك هو النص، إما باعتبار وضعه المطلق، أو بانضمام [قرينة] حالية أو مقالية إليه. فإن قدرنا أنه نص مجرد، استحال عليهم الغلط فيه، لأنهم أو أكثرهم أهل اللغة، فكيف يتصور عليهم الغلط في لغتهم؟ وذلك محال. وأما من كان منهم من غير أهل اللغة، فقد مارس العلم وعرف الفرق بين النص الظاهر، فلا يخفى عليه. واعلم أن علماء زماننا لا يتلقون من علماء الصحابة العشر من الشريعة، ولا يتفق في الاعتياد أن يلتبس على جملة علماء الإسلام اللفظ الظاهر فيعتقدوه نصا، حتى لا ينتبه منتبه لجهة ظهوره. هذا محال في العادة. وأما إن قدرنا أنه نص بسبب القرائن، فالأمر كذلك أيضًا، فإن القرائن تحصل علوما ضرورية (١٦٥/ب) لمن شاهدها. وتقدير الإنسان أن القرائن قد يمكن أن لا تكون انتهت إلى حد يحصل العلم، باطل، فإن هذا أيضا مع الكثرة مستحيل في العادة. يبقى أن يقال: من استناد كل واحد إلى سبب بحيث يجوز عليه الغلط، ولا يكون صاحبه استند إلى مستنده، وعند انفراد كل إنسان بمستند يتصور

стр. 1525

الغلط. قلنا: مقتضى هذه القضية أن لا يثق الإنسان بالأخبار المتواترة، [إذ] يمكن تطرق الغلط إلى كل واحد، وإن أسندوه إلى رؤية كرؤية كل شخص منفردة عن رؤية غيره. على أن تعدد المستندات بعدد الصحابة بالإضافة إلى مسألة واحدة محال. فإن الذين اجتمعوا في زمان عثمان ﵁ على جمع المصحف نحو من اثنى عشر ألفا. فعلى هذا التقدير يكون في الشريعة اثني عشر ألف دليل يقتضي عصمة الأمة اتفق الغلط للكل في كل واحد من تلك الأدلة. هذا محال. ولو قدرنا اشتمال الشريعة على اثني عشر ألف دليل ظواهر تقتضي عصمة الأمة، للزم أن تكون القضية معلومة، فإن اجتماع دون هذا العدد من الظواهر يحصل علما بما دلت [الظواهر] عليه. فقد علم بما ذكرناه استحالة الخطأ عليهم في المستند وقد قطعوا. فلابد أن يكون المستند قاطعا. وأما إلزام إجماع النصارى وغيرهم من الفرق المبطلة، فإنما صح ذلك، لأنهم لم يسندوه إلى أمور ضرورية عندهم، وإنما أسندوه إلى نظر العقول، وهو محل الشبه، وموضع اللبس والوهم. نعم، إن اتفقوا على حكم على مقتضى لغتهم، وهم أيضا يفرقون بين النص والظاهر في لغتهم، وقد كثروا، بحيث يمتنع عليهم التواطؤ، استوى الأمر، ولزمت الإصابة على مقتضى لغتهم. هذا تقرير الدليل، فقد ثبت كون الإجماع حجة بحمد الله على كل حال. وهذا الأصل الذي قررناه هو أعظم أصول الشريعة، ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا المسلك، لكان بالحري أن يغتبط به. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 1526

قال الإمام: (فأما الصورة الثانية: وهي [أنهم] إذا أجمعوا على حكم مظنون) إلى قوله (وبرهان ساطع في الشرع). قال الشيخ: ما ذكره الإمام ههنا صحيح من تبكيت من يخالف الإجماع على الإطلاق. وهذا مقبول منهم، ثابت ثبوتا لا شك فيه. وإذا قطعوا بتحريم المخالفة ووجوب الموافقة، لم يكن ذلك إلا عند مستند قاطع. إذ قد قررنا أنهم بجملتهم لا يصح عليهم الغلط في مستند الأحكام. وإذا وجبت الموافقة وحرمت المخالفة، فهل ينتهض حكمهم دليلا قاطعا، أو أمارة على وجوب العمل علينا، بما أثبتوا أن النظر في تحقيق العصمة ووجوب الاتباع؟ أما القطع بتبكيت المخالف، فيدل على وجوب الاتباع، [تحقيقا للعصمة]، فإنه قد يجب على الحاكم أن يحكم بشهادة الشاهد [في الظاهر]، وإن أمكن أن يكون مزورا [في الباطن]. وقد لا يحكم بشهادة

стр. 1527

الشاهد الواحد وإن كان محقا. وهل يلزم من تحقيق العصمة وجوب الاتباع أم لا؟ أما من ذهب إلى أن المصيب واحد، فيوجب الاتباع، بناء على علم العصمة، إذ ليس لله تعالى في المسألة إلا حكم واحد. فإذا عصم الحاكم، علم أنه أصاب حكم الله المتحد. فلا سبيل إلى العدول عنه. وأما من قال: كل مجتهد مصيب، فلا يرتب وجوب الاتباع على تحقيق العصمة، إذ يصح أن يكون (١٦٦/أ) معصوما وإن لم يجب اتباعه. والمجتهد مصيب معصوم إذا اجتهد وصادف المحل. ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه. فوجوب الاتباع على هذا المذهب قضية لا ترتبط بالعصمة. ومختارنا نحن أن المصيب واحد، فنرتب وجوب الاتباع على العصمة، ونرتب العصمة على القطع بوجوب الاتباع في خصوصية الحكم. على أن من يقول إن المصيب واحد، يقول في هذه المسألة: إنهم مصيبون، وقد قالوا: يجب اتباعنا، وتحرم

стр. 1528

مخالفتنا. فيجب أن يكونوا متبعين في هذا الحكم. فقد تعذرت المعصية [ووجب] الاتباع. وأما ما ذهب إليه الإمام من أنهم إذا صرحوا بالظن، وجب اتباعهم، لقطعهم بتبكيت المخالف. فهذا لعمري حق، ولكنه لم يستمر عليه، وأبدى بعد ذلك كلاما طويلا، ومنع عند اتفاقهم وتصريحهم بالظن، أن تنتهض الحجة في الحال. وشرط شرطا عسيرا، سيأتي الكلام عليه. قال الإمام: (المسألة الثالثة: في التنصيص على المسلك الذي ثبت الإجماع به) إلى قوله (وراء الله للمرء مذهب). قال الشيخ: أما إذا قطعوا

стр. 1529

بالحكم، فالأمر واضح في استنادهم إلى قاطع. وأما إذا ظنوا، فلا يصح أن يكون مستند الحكم المظنون قاطعا عندهم. إذ كيف يكون المستند قاطعا وهم ظانون؟ هذا محال. لا جرم ذهب بعض الأصوليين إلى أن الإجماع إذا صرح المجمعون فيه بالظن، لا يكون حجة. وهذا لعمري قياس من يجعل الإجماع دليل الدليل. وسيأتي الكلام على الإجماع المظنون بعد هذا. أما من قطع نظره عن مستند الإجماع، ويقول: أوجب الله تعالى الاتباع

стр. 1530

على الإطلاق كيفما كان الحال، فلا ينظر إلى المستند على حال. وظاهر كلام الإمام أنه إنما ينظر إلى مستندهم. لا جرم يقول في الإجماع المظنون: لابد أن يطول الزمان، وتتكرر الواقعة، بحيث لو أمكن أن يكون بخلاف ما أسندوا الحكم إليه لظهر. وسنتكلم عليه بعد هذا، إن شاء الله. قال الإمام: (فصل - الكلام بعد هذه المسائل الثلاث في أربعة فنون) إلى قوله ([ويجمعه] مضمون المسألة التي نرسمها). قال الشيخ: لما قلنا إن الإجماع اختلف الأصوليون في حده: فذهبت طائفة إلى أنه إجماع أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور. وقال آخرون: إجماع أهل الحل والعقد على أمر من أمور الدين. فأما أصحاب الحد الأول، فيعبرون العوام في الإجماع، حتى لو اتفق المجتهدون [وقول] أهل الفتوى، فلابد إذًا من النظر في العدد والصفة. هذا أحد الأركان الثلاثة. والركن الثاني تحقيق الاتفاق، والركن الثالث المتفق عليه. لأنه لما قلنا: اتفاق أهل الحل والعقد على أمر من أمور الدين،

стр. 1531

تضمن الكلام الأركان: المتفقين والاتفاق والمتفق عليه. وباستقصاء هذه يتنجز الكتاب. وبقي الحدان عندي على الخلاف في السبيل الدال على عصمة الأمة. فإن أخذ من السنة، وهو قوله: (لا تجتمع أمتي على الضلال أو الخطأ). فلابد على هذا من الجميع، ليتحقق استقلال العموم في جميع الصور، إذ [هو] المقصود، وإن أخذ من جهة قطع الحاكمين بالحكم، فهذا لا مدخل للعوام فيه، إذ ليسوا ممكنين من الحكم بحال. وإذ نبهنا على سبب الاختلاف، فلنذكر الآن المسائل وما فيها (١٦٦/ب) من الكلام. الأمة بالإضافة إلى الإجماع على ثلاثة أوجه: طرف واضح في اعتبار القول، وتوقف الأمر عليه، وهو كل مجتهد مقبول القول، فهو من أهل الحل والعقد قطعًا. الطرف الثاني: المجانين والأطفال ومن لا عقل له، إذ لا يتصور الاجتماع والاختلاف ممن لا يتصور منه فهم المسألة. فهذا الصنف يجب الإعراض عنه على الحدين جميعًا، سواء تمسكنا بالأخبار أو بالطريق الآخر من البحث عن مأخذ المجمعين.

стр. 1532

وبين الدرجتين وسائط كالعامي، والفقيه الذي ليس بأصولي، والأصولي الذي لبس بفقيه، والمفسر، والمجتهد الفاسق، ومن قارب درجة الاجتهاد. فلنذكر حكم كل مسألة من هذه المسائل. مسألة: يتصور دخول العوام في الإجماع، فإن الشريعة منقسمة إلى: ما علم ضرورة، واشترك في معرفته العوام والخواص، كوجوب الصلوات والصوم والزكاة والحج. فهذا قد علم المسلمون كلهم حكمه واتفقوا عليه، فيحسن تسمية هذا إجماع جميع الأمة. الثاني: تفاصيل هذه الأصول. فهذا وإن كان العوام لا يعرفون التفاصيل، إلا أنهم قد سلموا للعلماء في ذلك، وعلموا أن حكم الله عليهم ما يقوله العلماء، فيصح أن يسمى هذا أيضًا إجماع جميع الأمة. كما أن أهل الجند إذا حكموا طائفة في صلح أو غيره ففعلوا، صح أن يقال: اتفق الجند على ذلك. فإذًا كل مجمع عليه من العلماء، فهو مجمع عليه من العوام أيضًا، وبه يتم إجماع جميع الأمة. فإن قيل: فلو خالف عامي في مسألة أجمع عليها الخواص من العصر، فهل ينعقد الإجماع دونه أو لا ينعقد؟ فإن قلتم: إنه ينعقد، فكيف خرج العامي من الأمة؟ وإن قلتم: لا ينعقد، فهو محال. إذ كيف يتوقف قول العلماء على

стр. 1533

موافقة العامي؟ قلنا اختلف الناس في ذلك، فذهب ذاهبون إلى أنه ينعقد، لأنه من الأمة، فلابد من موافقته بالجملة أو التفصيل، ليتحقق اجتماع كلمة الأمة، لأنه مندرج تحت العموم. فإذا جرت صورة من الصور، لم يقطع ببقاء دلالة الدليل. وذهب المحققون إلى أنه لا يعتبر لدليلين: أحدهما - أنه لا يفهم من العصمة عصمة من هو أهل الفتوى في المسألة بعد فهمها والإحاطة بها، والعامي ليس له أهلية هذا الشأن، فهو بمثابة المجنون لا شك فيه. فإن هذا لا يتصور ضرورة من عامي عاقل. فإن العاقل يفوض ما لا يدري لمن يدري. فإن أصر على المخالفة، فلا التفات إليه. ولهذا لا يتصور صدور هذا من عاقل. فهذه صورة فرضت لا وجود لها. الثاني - أن الأمة مجمعة على أن العوام لا يلتفت إلى قولهم، أعني الصحابة رضوان الله على علمائهم وعوامهم، فإنهم لم يراجعوا العوام في الأحكام. وكيف يراجع من لا بصيرة عنده بحال؟ بل لو أفتى عامين لاشتد عليه النكير، وزجر عن ذلك أشد الزجر. وقد ذم الشارع من يقول بالجهل والهوى. وقال [ ﷺ ]: (إن الله تعالى لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلماء، فإذا لم يبق في الأرض عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). ولكن هذا يدل على تحريم

стр. 1534

المخالفة، ولا يدل على انعقاد الإجماع دونهم. والأدلة هي التي تقدمت. وإذا ثبت أن قول العوام لا يعتبر، فرب نحوي ومفسر (١٦٧/أ) ومتكلم كالعوام، بالإضافة إلى علم الإجماع، فلا التفات إلى قولهم بحال. إلا أن يكون الكلام في مسألة تنبني على النحو، أو على الكلام، فيكونون من أهل النظر فيها، فلا التفات إلى قولهم لنقصان الآلة. وإنما يبقى النظر في الأصولي الذي لم يبلغ مبلغ المجتهدين، وفي الفروعي الذي لم يمارس الأصول، ولم يحط بها على ما ينبغي، والمجتهد الفاسق العالم بفسق نفسه، والمبتدع إذا قال ببدعة تقتضي تفسيقه. فلنفرض في كل واحد مسألة. قال الإمام: (ذهب القاضي [﵀] إلى أن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر وفاقه وخلافه) إلى قوله ([والقول] الكافي في ذلك

стр. 1535

أنه إن كان من [أهل] الفتوى اعتبر خلافه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة حق واضح، وطريقه فيه لائح، والأصولي الذي ذكره القاضي ليس من أهل الاجتهاد، وإذا وقعت له واقعة في خاصة نفسه، وجب أن يراجع فيها غيره عقلا، من جهة وجوب الاستفتاء، والمنع من العمل بالرأي، فيساوي العامي من هذه الجهة. ولا التفات إلى ما عنده من آلة صالحة لأن يوزن بها ما يرد [عليه]. فإن الصيرفي لا يكون غنيا بالميزان والصنج ومعرفة النقد، إذا لم يكن عنده النقدان. فكذلك الأصولي حصل له ما يوزن به أفراد الأدلة، وبقي عليه تحصيلها لتوزن. والفتوى في الأفراد تفتقر إلى معرفة تفاصيل الأدلة. وليس هذا علم الأصول، فالتحق من هذه الجهة بالعامة في وجوب المراجعة، وتحريم الاستبداد. وإذا حرم عليه أن يفتي، فكيف يراجعه المفتون لأخذ قوله

стр. 1536

الذي لا يجوز له أن يقوله؟ هذا محال ومتناقض. وقد قال أبو حامد: إنه لا يشترط في الفتوى حفظ الفروع. ويشير بهذا إلى أن الأصولي مجتهد، واستدل بأن طلحة والزبير والعباس لم يشتغلوا بحفظ الفروع، وقد كانوا مجتهدين تقبل أقوالهم. قال: وكيف لا يكونون كذلك، وقد كانوا صالحين للإمامة العظمى، وسمي أكثرهم في الشورى؟ قال: وكيف

стр. 1537

يشترط حفظ الفروع في صحة الفتوى والفروع هي التي ولدها المجتهدون، فلو كان علم الاجتهاد لا يحصل إلا بعد تحصيلها، وهي لا تحصل إلا بعد حصول درجة الاجتهاد [لأفضى] ذلك إلى الدور؟ وهذا الذي قاله غلط عندي، كأن أحدا لا يشترط حفظ الفروع في نيل درجة الاجتهاد، على حسب ما قصد، وكيف يشترط ذلك والمجتهدون هو الذين يولدون المسائل ويقرونها؟ فلا يشترط في بلوغ درجة الاجتهاد حفظها بحال. وأما العباس وغيره فقد كانوا مجتهدين، ولا يمنعهم من ذلك عدم الفتوى منهم بالإضافة إلى غيرهم. فلا يتلقى أنه لا علم عندهم بالفروع بالإضافة إلى عدم الخوض فيها. ولقد كان القوم مشغولين بغير الفتوى، فلا يدل كونهم لم

стр. 1538

يشتهروا بالفتوى، ولم يتظاهروا [بها تظاهر] العبادلة، أنهم كانوا لا يعلمون الفروع. وهل يعتد بالفروع إلا عن تلقي الأحكام الجزئية من الأدلة الخاصة؟ وهذا هو الذي كان القوم يعرفونه. وأما إذا صار القاضي إلى أن الأصولي المحض مجتهد، فهذا غير صحيح، فإن علم الأصول يخالف علم الفقه، من جهة أن الأصولي إنما يخوض في تحقيق القواعد والأحكام (١٦٧/ب) والأمارات على مسائل الفروع. فليس هذا علم الأصول بحال. وإن صور أنه أحاط بالأصول كما ينبغي، وأحاط بتفاصيل أدلة الفروع، فهو المجتهد بعينه، وليس الكلام فيه. هذا هو الكلام على الأصولي الذي ليس بفروعي. وأما الفقيه الذي ليس بأصولي، فالصحيح أيضًا أنه لا يتلفت إلى قوله في

стр. 1539

انعقاد الإجماع. والطريق [هو] الذي قررناه أولاً، فإنه يحرم عليه أن يقول باجتهاده، ويجب عليه الرجوع إلى قول غيره. فإذا وقعت الواقعة للمجتهدين، كيف يشاورون فيها من تحرم عليه الفتوى فيها؟ أو كيف يجوز استفتاء من يحرم استفتاؤه؟ فالفروعي والأصولي عندي على رتبة واحدة في تحريم المخالفة عليهم، ووجوب الرجوع إلى أقوال المجتهدين. وما أحسن قول الإمام: (ليس بين من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة). قال الإمام: (مسألة: ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع) إلى قوله (فهذا ما تمس الحاجة [إليه] من صفات المجتهدين). قال الشيخ: الفاسق على وجهين: فاسق يعلم فسق نفسه، وفاسق لا يعلم فسق نفسه، بل قال ببدعة أوجبت تفسيقه. القسم الأول: وهو الذي تكلم عليه الإمام إذا كان يعلم فسق نفسه. وفي المسألة نظر. والصحيح عندي ألا يلتفت إلى مخالفته بالإضافة إلى

стр. 1540

غيره. وهذا بمثابة إمكان أن يكون في الأرض عالم لم يعلم به، فإنه لا يتصور أن يتوقف الإجماع على علم نفيه، إذ لو كان شرطا في قيام الإجماع حجة، لم يتصور ثبوته بحال، فلا يشترط في الحجج إلا ما يمكن الوصل إليه، وإن كان على عسر. ويحقق [ذلك] أن المجتهد الفاسق لو وافق، فلا ذاهب يذهب إلى أن الإجماع لم ينعقد حجة، وباطنه غير مطلع عليه. فلو كان احتمال كونه مخالفا باطنا يقدح في الإجماع، لكان ذلك موجودا عند موافقته أيضًا. فإنه لا يظن به الصدق، خالف أو وافق. فلما استحال [علم] ما عنده، تنزل منزلة المعدوم فيما يتعلق بالإجماع والخلاف، فلا التفات إليه بحال. ويتنزل هذا

стр. 1541

منزلة الخضر مثلا، إذا قلنا إنه حي، وهو الظاهر من أقوال أهل العلم، وأنه من أهل الاجتهاد، وهو الظاهر. فإنه متعبد بهذه الشريعة، من جهة أن رسول الله ﷺ بعث للكافة. وقال ﵇: (لو كان ابن عمران حيا، ما وسعه إلا اتباعي). ولكن لما لم يكن للخلق طريق إلى [استفتائه]، لم يكلفوا بموافقته،

стр. 1542

ولا حرمت عليهم مخالفته. وما ذلك إلا لاستحالة اعتبار أقواله، بالإضافة إلى أقوال العلماء. فكذلك لما اختلفت ترجمة اللسان بالفسق الظاهر، تعذر الوقوف على مخالفته وموافقته، فوجب صرف النظر عنه في حق غيره، وإن كان له في حق نفسه حكم آخر. هذا هو الذي نراه. والله الموفق للصواب. المسألة الثانية: مسألة المبتدع ولها صورتان: إحداهما - أن يقول ببدعة توجب التكفير. الصورة الثانية - أن يقول ببدعة لا توجب التكفير. أما الصورة الأولى إذا كانت البدعة توجب تكفيرا، فلا التفات إلى موافقته، ولا تضر مخالفته، لأن العصمة ووجوب الاتباع ثبت للأمة، وهذا ليس من الأمة (١٦٨/أ) واعتقاد أنه منهم، لا يصيره منهم بعد أن كفرناه، وإن كان يصلي إلى القبلة ويعظم الدين، فإن ذلك كله غير ملتفت إليه. فإن قيل: فلو خالف هذا المبتدع المكفر في مسألة، فبلغ قوله بعض الفقهاء فخالف، بناء منه على أنه لم يعلم أنه كافر، فهل ينخرق الإجماع بذلك؟ وهل يكون الفقيه معذورا أم لا؟ قلنا: للمسألة صورتان: إحداهما - أن يبلغه خلافه، ولا تبلغه بدعته، فيخالف لأجل ذلك، فهذا معذور، إذ بنى الأمر على ظهور الإسلام، وهذا هو من المسلمين ظاهرا، فيكون الحكم منقوضا والحاكم معذورا. وهو بمثابة ما لو بلغه المنسوخ وعمل به ولم يبلغه الناسخ، لا لتفريط من قبله، فإنه لا يكون آثما بذلك، وكذلك هو. الصورة الثانية: أنه تبلغه بدعته، ولكن لا يدري أنها تقتضي التكفير أم لا. ففي هذه الصورة لا يعذر بترك الإجماع لأجل مخالفته، ولكن عليه أن

стр. 1543

يبحث، هل هي بدعة تقتضي تكفيرا أم لا؟ قال أبو حامد: فإن قدر على ذلك، وإلا فليراجع علماء الكلام حتى يطلعوه على الدليل. فإن لم يفهمه، فليقلد في أن هذه البدعة تقتضي تكفيرًا، فإن لم يقنع بالتقليد، ولم يفهم دليل التكفير، لم يعذر، إذ لا عذر بعد نصب الله تعالى الأدلة القاطعة. وهذا الذي قاله أبو حامد لا يصح عندي، لأن علم الكلام لا يرشد على ما يكفر به، بالنظر إلى محض المعقولات، وإنما يقع التكفير بالنظر إلى الأدلة الشرعية. فكيف يصح أن يكون المجتهد غير عالم بما يكفر به في الشريعة؟ وإن أراد بالتكفير الجهل بالله ، فلا يصح أن يكون مجتهدًا من هو جاهل بالله على حال. وإنما هذا بناه على أصله في صحة نيل درجة الاجتهاد مع التقليد في معرفة الله ومعرفة رسول ﷺ . [و] هذا ما لا يصح عندنا بحال. فإن قيل: فما الضابط لما يكفر به؟ قلنا: قد أكثر الناس في ذلك، فالذي يصح عندنا يرجع إلى ثلاثة أمور: أحدها - ما يكون نفس اعتقاده كفرًا، كإنكار الصانع وصفاته التي لا يصح أن يكون صانعًا إلا بها. إما بالتصريح بالإنكار، أو بالمصير إلى أمر يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع، ويلزمه ذلك من جهة التناقض وجحد النبوات، فإن ذلك كفر بلا خلاف. الثاني - ما ورد الشرع بأنه لا يصدر إلا من كافر، كعبادة النيران والسجود للصنم، وما يضاهي ذلك.

стр. 1544

الثالث - إنكار ما علم من دين الأمة ضرورة، كإنكار سورة من القرآن، وجحد الصلوات الخمس، وبالجملة إنكار ما علم بالضرورة والبديهة. وقد بينا أن السبب الذي منه كفر، إنما هو من جهة أن النقل المتواتر يحصل علمًا بإسناد القضية إلى الرسول ﷺ . فإذا وقع الجحد بعد ذلك بأنه ليس من الشريعة، كان ذلك آيلاً إلى تكذيب الشرع، ومكذب [الشرع] كافر. وسيأتي هذا الفصل في مسألة من خرق الإجماع. الصورة الثانية: للمبتدع الذي يقول ببدعة لا تقتضي تكفيرًا. فهذا قد قدمنا اختلاف الناس في قبول شهادته. فمن [قال] تقبل شهادته، فهذا مجتهد مقبول الفتوى، فهو من أهل الحل والعقد قطعًا، فلابد من موافقته. وإن رددنا روايته وشهادته - وهو الصحيح عندنا - فالصواب عندي على هذا الرأي أن لا ينعقد الإجماع عند مخالفته. فإن رد شهادته، لم يكن لعدم ظن صدقه، بل قلنا: إن بدعته (١٦٨/ب) اقتضت الإعراض عنه وهجره والامتناع من استفتائه. فهو عقوبة له وتحقير من قدره، وزجر له عما تعاطاه من بدعته. وأما انعقاد الإجماع عند مخالفته، فخارج عن هذا الباب. لأنا حصل لنا ظن بتعدد كلمة الأمة واختلافها، فكيف نقول: أجمعت الأمة ونحن نظن اختلافها؟ ولا يتنزل ذلك منزلة من يعلم فسق نفسه، لأن فسقه سد علينا طريق معرفة قوله. هذا هو الذي نختاره في ذلك. والله الموفق للصواب.

стр. 1545

قال الإمام ([والصفات المعتبرة في المجمعين من الصفات الشرعية في آحاد المفتين]) إلى قوله (فهذا موضع التردد). قال الشيخ: أما الكلام على المبتدع المكفر وغيره، فقد ذكرناه. وأما قبول فتوى المبتدع، ففيه الخلاف الذي في قبول شهادته وروايته. وقد نقلنا مذهب الشافعي في قبول قول أهل
следующие страницы →