← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

منزلة الخضر مثلا، إذا قلنا إنه حي، وهو الظاهر من أقوال أهل العلم، وأنه من أهل الاجتهاد، وهو الظاهر. فإنه متعبد بهذه الشريعة، من جهة أن رسول الله ﷺ بعث للكافة. وقال ﵇: (لو كان ابن عمران حيا، ما وسعه إلا اتباعي). ولكن لما لم يكن للخلق طريق إلى [استفتائه]، لم يكلفوا بموافقته،

стр. 1542

ولا حرمت عليهم مخالفته. وما ذلك إلا لاستحالة اعتبار أقواله، بالإضافة إلى أقوال العلماء. فكذلك لما اختلفت ترجمة اللسان بالفسق الظاهر، تعذر الوقوف على مخالفته وموافقته، فوجب صرف النظر عنه في حق غيره، وإن كان له في حق نفسه حكم آخر. هذا هو الذي نراه. والله الموفق للصواب. المسألة الثانية: مسألة المبتدع ولها صورتان: إحداهما - أن يقول ببدعة توجب التكفير. الصورة الثانية - أن يقول ببدعة لا توجب التكفير. أما الصورة الأولى إذا كانت البدعة توجب تكفيرا، فلا التفات إلى موافقته، ولا تضر مخالفته، لأن العصمة ووجوب الاتباع ثبت للأمة، وهذا ليس من الأمة (١٦٨/أ) واعتقاد أنه منهم، لا يصيره منهم بعد أن كفرناه، وإن كان يصلي إلى القبلة ويعظم الدين، فإن ذلك كله غير ملتفت إليه. فإن قيل: فلو خالف هذا المبتدع المكفر في مسألة، فبلغ قوله بعض الفقهاء فخالف، بناء منه على أنه لم يعلم أنه كافر، فهل ينخرق الإجماع بذلك؟ وهل يكون الفقيه معذورا أم لا؟ قلنا: للمسألة صورتان: إحداهما - أن يبلغه خلافه، ولا تبلغه بدعته، فيخالف لأجل ذلك، فهذا معذور، إذ بنى الأمر على ظهور الإسلام، وهذا هو من المسلمين ظاهرا، فيكون الحكم منقوضا والحاكم معذورا. وهو بمثابة ما لو بلغه المنسوخ وعمل به ولم يبلغه الناسخ، لا لتفريط من قبله، فإنه لا يكون آثما بذلك، وكذلك هو. الصورة الثانية: أنه تبلغه بدعته، ولكن لا يدري أنها تقتضي التكفير أم لا. ففي هذه الصورة لا يعذر بترك الإجماع لأجل مخالفته، ولكن عليه أن

стр. 1543

يبحث، هل هي بدعة تقتضي تكفيرا أم لا؟ قال أبو حامد: فإن قدر على ذلك، وإلا فليراجع علماء الكلام حتى يطلعوه على الدليل. فإن لم يفهمه، فليقلد في أن هذه البدعة تقتضي تكفيرًا، فإن لم يقنع بالتقليد، ولم يفهم دليل التكفير، لم يعذر، إذ لا عذر بعد نصب الله تعالى الأدلة القاطعة. وهذا الذي قاله أبو حامد لا يصح عندي، لأن علم الكلام لا يرشد على ما يكفر به، بالنظر إلى محض المعقولات، وإنما يقع التكفير بالنظر إلى الأدلة الشرعية. فكيف يصح أن يكون المجتهد غير عالم بما يكفر به في الشريعة؟ وإن أراد بالتكفير الجهل بالله ، فلا يصح أن يكون مجتهدًا من هو جاهل بالله على حال. وإنما هذا بناه على أصله في صحة نيل درجة الاجتهاد مع التقليد في معرفة الله ومعرفة رسول ﷺ . [و] هذا ما لا يصح عندنا بحال. فإن قيل: فما الضابط لما يكفر به؟ قلنا: قد أكثر الناس في ذلك، فالذي يصح عندنا يرجع إلى ثلاثة أمور: أحدها - ما يكون نفس اعتقاده كفرًا، كإنكار الصانع وصفاته التي لا يصح أن يكون صانعًا إلا بها. إما بالتصريح بالإنكار، أو بالمصير إلى أمر يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع، ويلزمه ذلك من جهة التناقض وجحد النبوات، فإن ذلك كفر بلا خلاف. الثاني - ما ورد الشرع بأنه لا يصدر إلا من كافر، كعبادة النيران والسجود للصنم، وما يضاهي ذلك.

стр. 1544

الثالث - إنكار ما علم من دين الأمة ضرورة، كإنكار سورة من القرآن، وجحد الصلوات الخمس، وبالجملة إنكار ما علم بالضرورة والبديهة. وقد بينا أن السبب الذي منه كفر، إنما هو من جهة أن النقل المتواتر يحصل علمًا بإسناد القضية إلى الرسول ﷺ . فإذا وقع الجحد بعد ذلك بأنه ليس من الشريعة، كان ذلك آيلاً إلى تكذيب الشرع، ومكذب [الشرع] كافر. وسيأتي هذا الفصل في مسألة من خرق الإجماع. الصورة الثانية: للمبتدع الذي يقول ببدعة لا تقتضي تكفيرًا. فهذا قد قدمنا اختلاف الناس في قبول شهادته. فمن [قال] تقبل شهادته، فهذا مجتهد مقبول الفتوى، فهو من أهل الحل والعقد قطعًا، فلابد من موافقته. وإن رددنا روايته وشهادته - وهو الصحيح عندنا - فالصواب عندي على هذا الرأي أن لا ينعقد الإجماع عند مخالفته. فإن رد شهادته، لم يكن لعدم ظن صدقه، بل قلنا: إن بدعته (١٦٨/ب) اقتضت الإعراض عنه وهجره والامتناع من استفتائه. فهو عقوبة له وتحقير من قدره، وزجر له عما تعاطاه من بدعته. وأما انعقاد الإجماع عند مخالفته، فخارج عن هذا الباب. لأنا حصل لنا ظن بتعدد كلمة الأمة واختلافها، فكيف نقول: أجمعت الأمة ونحن نظن اختلافها؟ ولا يتنزل ذلك منزلة من يعلم فسق نفسه، لأن فسقه سد علينا طريق معرفة قوله. هذا هو الذي نختاره في ذلك. والله الموفق للصواب.

стр. 1545

قال الإمام ([والصفات المعتبرة في المجمعين من الصفات الشرعية في آحاد المفتين]) إلى قوله (فهذا موضع التردد). قال الشيخ: أما الكلام على المبتدع المكفر وغيره، فقد ذكرناه. وأما قبول فتوى المبتدع، ففيه الخلاف الذي في قبول شهادته وروايته. وقد نقلنا مذهب الشافعي في قبول قول أهل

стр. 1546

الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور [لموافقيهم] في المذهب. قال الإمام: (ذهب بعض [الأصوليين] إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن [عدد] التواتر) إلى قوله (فهذا حاصل القول في أوصاف المجمعين وعددهم). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من اشتراط أن يبلغ أهل الإجماع عدد التواتر، لا يصح على أصله، فإنه يرى أنه إذا أجمعوا على أمر مظنون، كان إجماعهم حجة، نظرا إلى قطع المجمعين بتبكيت من خالف أهل الإجماع. ولا معنى لاشتراط عدد التواتر عندما يظنون الحكم، ولم يقل المبكتون لمخالف الإجماع بأنهم، هل بلغوا عدد التواتر أم لا؟ وأي حاجة إلى عدد التواتر عندما يكون القوم يظنون؟ نعم، قد يتوهم المتوهم أنهم إذا قطعوا مع الكثرة، فلابد أن يكون المستند قاطعا. وقد بينا أن ذلك غير لازم، على حسب ما قررناه. فإذا ثبت أنه لا يلزم في انتهاض الإجماع حجة في استمرار الزمان، وإن

стр. 1547

كان ذلك مشترطا في أول الإجماع، ولكن لما استقر الإجماع الأول تلقي منه وجوب الاتباع وتحرمي المخالفة على الإطلاق، فلا التفات إلى العدد في مستقبل الزمان، كما أنه لا التفات إلى القطع بعد الإجماع الأول. وأما تصور نقصان عدد أهل الإجماع عن عدد التواتر في مستقبل الزمان، ففيه خلاف. قال قائلون: لا يصح ذلك، فإن هذه الشريعة متمادية إلى قيام الساعة، وقد ضمن الله تعالى دوامها واستمرارها إلى آخر الدهر، وإنما تدوم الشريعة بدوام حججها بثباتها. وإذا نقص عدد العلماء عن عدد التواتر، لم يقطع ببقاء الحجة، فلا يدوم التكليف، وهو خلاف ما تقرر من الدوام من الأخبار والآثار، قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم إلى أن يأتي أمر الله وهم [ظاهرون]). وقال ﵇: (كيف بكم

стр. 1548

إذا نزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطا، فكسر الصليب، وقتل الخنزير، وإمامكم منكم). فهذه الأخبار وأمثالها تقتضي دوام الشرع بدوام أدلته. هذا تقرير هؤلاء القوم. وقد قال كثير من الأصوليين: يجوز نقصان عدد المجمعين عن عدد التواتر. وهذا هو الصحيح عندنا. كيف ذلك والوجود كاشف له ويحقق أمره؟ ولسنا نعلم اليوم مجتهدا مستقلا بنفسه في استنباط الأحكام، (١٦٩/أ) غير مفتقر إلى التقليد للأئمة الماضين. وأما ما تخيلوه من أنه لو نقص علماء الشريعة عن عدد التواتر، لبطلت الحجة، ولم تعلم الأدلة. فهذا غير صحيح، فإنه قد بقي متواترا بعثة الرسول ﷺ وتحديه بالقرآن الذي هو المعجزة، فلا حجة على الله بعد الرسل. وإذا ثبتت النبوة ببقاء معجزتها، توجهت أحكام الإسلام، فما كان منها معلوما، وجب المصير إليه والتمسك به، وكذلك المظنون في العمليات. وما التبس وتعذر على المكلفين الوصول إليه، فالتكليف به ساقط. وأما اندراس الأعلام بالكلية، فلا تندرس، بل يبقى أصل الدين منقولا متواترا، إما من العامة مع العلماء. فإن نقل العلم لا يفتقر إلى تحصيل درجة

стр. 1549

الاجتهاد. ألا ترى أن المجتهدين في زماننا مفقدون أو قليل، والأعلام معلومة متواترة، فلا ربط بين انقراض العلماء أو نقصان عددهم عن عدد التواتر، وبين انطماس [الشريعة] واندراسها. ومصداق ذلك وجوده. وقد ذهب الإمام إلى تجويز الاندراس بالكلية، وانتهاء الأمر فيه إلى الفترة. وإن كان الظاهر عندنا خلافه، وأن هذه الشريعة باقية إلى قيام الساعة. وقد يتفق أن ينقص العدد ويحصل العلم بقول العدد القليل مع قرائن الأحوال، وليس ذلك مستنكرا في العادات. وقد يتفق أن تنقل الأعلام على ألسنة الجهلة، ولا يعرفون بكونها أعلاما. وكم من يهودي أو نصراني يقرأ سورة من القرآن ولا يعرف بكونه معجزا. فبمجموع هذه الأمور يبقى الدين محفوظا، وإن عدم المجتهدون أو قلوا. فإن قيل: فإذا جاز أن يقل عددهم عن التواتر ويكون حجة، فلو رجع العلماء إلى واحد، هل يكون قوله حجة حتى تمتنع مخالفته على غيره من بعده؟ فإن قلتم: يمتنع، فهذا ليس بإجماع، إذ لا يتصور إجماع إلا باجتماع، وأقل ذلك اثنان. قلنا: هذه المسألة فيها نظر، ولكن إن قلنا: إن قول العوام

стр. 1550

معتبر في الإجماع، فقد تحقق مدلول الإجماع، وسهل الأمر على هذا لمن أخذ عصمة أهل الإجماع من الكتاب والسنة، فإن قول العالم مع العالم يطلق عليه لفظ الإجماع. وإن قلنا: إن قول العوام لا يعتبر، وهو الصحيح، لم تكن ألفاظ الكتاب والسنة تتناول هذه الصورة بحال. لكن يصح أن يسلك مسلكا آخر، وهو حفظ الشريعة في كل زمان بكونه لا تخلو الأرض عن قائم الله تعالى بحجة. فعلى هذا إذا لم يكن في الأرض إلا عالم واحد، لزم أن يكون محقا في قوله. ولكن هذا يخالف قوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يخرج الدجال، وحتى تقوم الساعة). فلعل من يجوز هذا، يجعل هذا من أخبار الآحاد. والظاهر عندي أن هذه لا تكون، وقد أخبر النبي ﷺ بأن: (هذه الأمة تقاتل الدجال، وينزل عيسى ﵇ وإمام المسلمين منهم). فهذه أمور بينة تدل على أنه لا ينتهي الأمر إلى فترة الشريعة وانقراض العلماء بجملتهم. هذا تمام ما ذكره الإمام في هذه المسألة. وكنا قد قلنا بعد إثبات كون الإجماع حجة في ثلاثة أركان: في المجمعين، وحقيقة الإجماع، وفي

стр. 1551

المجمع. وتكلمنا على صفة المجمعين وعددهم، وبقي النظر في أمر آخر، وهو أن الصفات والعدد مختصة ببعض أهل الإسلام، أو مطردة في الجميع؟ وهذه المسألة مقصودها (١٦٩/ب) أنه هل يكون إجماع غير الصحابة حجة أم لا؟ وكان حقها أن تذكر في هذا الموضع، ولكن أخر الإمام ذكرها، فلنذكرها حيث ذكرها. الركن الثاني: في نفس الإجماع، وبيان ما يكون إجماعا، وما لا يكون إجماعا. والذي يقتضيه التحقيق أن الإجماع الذي هو حجة: اتفاق كلمة الأمة في مسألة، ولو في لحظة واحدة، [وكانت] الفتوى نطقا صريحا، سواء قطعوا بالحكم أو ظنوه، انقرض عليه العصر أو لم ينقرض. وتمام البيان في هذا أن مجرد السكوت ليس بحكم، وأن انقراض العصر ليس بشرط، وأن الإجماع إذا استند إلى اجتهاد، فهو حجة. فهذه ثلاث مسائل. قال الإمام: (مسألة: اختلفت مسالك القائلين بالإجماع في اشتراط انقراض [عصر] المجمعين) إلى قوله (فهذا منتهى القول في [الزمن] وما يتعلق به). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من الإجماع الذي قطع به المجمعون،

стр. 1552

لا يشترط انقراض العصر فيه، كلام صحيح. وأما ما ذكره من أنهم إذا أسندوا الحكم إلى الظن إلى آخره، فهذا يفتقر إلى كشف ومزيد بحث، فنقول: اختلف الناس، هل يجوز أن يستند الإجماع إلى ظن، ويتفق عليه المجمعون، أو ذلك ممتنع؟ فذهب ذاهبون إلى أنه ممتنع. وقال قائلون: إنه جائز. ثم اختلف المجوزون أنه إذا وجد، هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟ فقال الأكثرون: هو حجة. وقال آخرون: إنه ليس بحجة. وفرق الإمام هذا التفريق الذي ذكره. وسنتكلم عليه. فأما من قال إنه غير جائز، فإنه تمسك بأن قال: كيف تتفق الأمة مع تفاوت طباعها واختلاف أفهامها في الذكاء والبلادة على مظنون؟ وإنما ذلك بمثابة اتفاقهم على التغذي في صبيحة يوم، بنوع من الطعام، أو تناول شراب،

стр. 1553

فإن ذلك ممتنع من طريق الاعتياد. قلنا: هذا إنما يمتنع في الزمان الفرد والساعة الواحدة. فأما إذا طال الزمان، فلا يبعد أن يصير الأذكياء إلى الجهة الظاهرة، ويقررون ذلك عند ذوي البلادة، فيوافقونهم على هذا المذهب. ثم أيضًا إنما يتعذر ذلك عند استواء الاحتمالات. فأما إذا ظهر التفاوت الجلي، فلا يمتنع الإطباق عليه. وأهل هذا المذهب قد أطبقوا على نفي القياس مع ظهور أدلته. فإذا جاز الاتفاق على نقيض الصواب، بناء على وهم وخيال، فكيف يمتنع الإطباق على أمر ظاهر جلي؟ الشبهة الثانية: أنهم قالوا: الخطأ في الاجتهاد [جائز]، فكيف تجتمع الأمة المعصومة على ما يجوز فيه الخطأ؟ وربما قالوا: الإجماع منعقد على جواز مخالفة الاجتهاد، فلو جاز اتفاقهم على اجتهادٍ، لحرمت المخالفة، التي هي جائزة بالإجماع، ويتناقض الإجماعان. قلنا: إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد، أما اجتهاد الأمة المعصومة، فلا يحتمل الخطأ، كاجتهاد رسول الله ﷺ وقياسه، فإنه لا يجوز خلافه، لثبوت عصمته، [فكذا] عصمة الأمة

стр. 1554

من غير فرق. الشبهة الثالثة: قالوا: كيف يجوز أن تجتمع الأمة على قياس، وأصل القياس مختلف فيه؟ وكثير من الأمة على رده، فلا يتصور أن يسندوا الحكم إلى ما يعتقدون بطلانه. قلنا: إنما يصح (١٧٠/أ) ذلك ممن يعترف بصحة القياس. والذي عليه المحققون أن منكري القياس ليسوا من علماء الأمة، ولا ينخرق الإجماع بمخالفتهم، وكيف يعدون من المجتهدين، ولا اجتهاد عندهم؟ وإنما غايتهم التردد على ظواهر الألفاظ. وقد يصح أن يسندوا الحكم إلى قياس على الحقيقة، وإن كانوا لا يرونه قياسا. فقد يظن القياس غير قياس. [فيسند] القائسون الحكم إلى قياس، يعترفون بكونه قياسا، [ويستند] الجادون إلى قياس، بناء منهم على أنه غير

стр. 1555

قياس. فقد قال النظام: النص على التعليل نص على التعميم، وليس بقياس، وهو غالط في ذلك. وإذا تصور ذلك، فالمصير إلى أنه غير حجة باطل، لأنا قد قررنا بالأدلة أن الإجماع حجة قاطعة على ما سبق، والأدلة لم تفرق بين إجماع وإجماع. انقراض العصر، فتحكم، فإن اشتراط انقراض العصر لا يولد الإجماع، وإنما هو يرجع إلى استمرار. والحجة إذا لم تنتهض في وقت وقوعها، لم يتغير أمرها بدوامها. والشيء يدوم على حسب ما يثبت. فلئن كان الاستناد إلى الظن يمنع من حصول العلم بالعصمة، فذلك لا يتغير باستمراره على حال. وقولهم: كيف يتمسك بالإجماع بعد قيام الإجماع؟ غلط بين، فإن الإجماع محقق، والاختلاف مفقود، فكيف لا تكون حقيقة الإجماع معقولة؟

стр. 1556

ولئن تمسكوا بأن القول بالاجتهاد تناقض مع المخالفة، فهذا ثابت، وإن انقرض العصر. فلئن قالوا: ما داموا في الأحياء، فرجوعهم متوقع. قلنا: والكلام في رجوعهم إن انقرض واحد، فهو محجوج بالإجماع، ورجوع الجميع محال. ثم نقول: كيف ذلك، ونحن نعلم أن التابعين في زمان أنس بن مالك، وأواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة، وإن كان بقي بعضهم في الوجود، لم يكن جواز الاحتجاج متوقفا على موت الجميع؟ وقد قال عمر لعلي: (ومهما شككت فيه، فلا تشكن في أن يد الله مع الجماعة). وقد تمسكوا بشبه: الأولى - أنهم قالوا: ربما قال بعضهم ما قال عن وهم وغلط، وكيف يمنع من الرجوع إلى تيقنه؟ أم كيف يحجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يرجع

стр. 1557

إليه؟ وكيف يؤمن الغلط في اجتهاد يجري في لحظة واحدة؟ قلنا: وإذا مات من أين يحصل الأمن من ذلك؟ وهل يؤمن من هذا الغلط إلا ثبوت عصمة الأمة؟ فلئن جاز أن تجتمع على الخطأ في زمان، جاز ذلك مطلقا، إذ ما يجوزه العقل في زمان، يجوزه في كل زمان. فإن قال: تحققت أني قلت ما قلت عن اجتهاد كذا، وقد تبين لي خلافه قطعا. فهذا سؤال غامض. وقد أجاب عنه أصحابنا بأن قالوا: إذا قال ذلك، قلنا: أنت إنما غلطت في الطريق دون الحكم، فإن الحكم هو المتفق عليه، وأما الطريق فأنت منفرد به، فلا تتحقق العصمة فيه. وهذا عندي فيه نظر، وكيف يصح إصابته في الحكم، إذا سلمنا أنه أخطأ في المستند قطعا؟ هذا بعيد. ولكن الصواب عندي أن يقال: قولكم: إنه قال: إني أخطأت في المستند قطعا. عنه جوابان: أحدهما - أن نمنع ذلك، فإنه يفضي إلى أن تتفق كلمة الأمة والخطأ متأت، وذلك ممتنع.

стр. 1558

الثاني - أنه إن قال ذلك، قلنا له: أنت غير قاطع بخطأ المستند، بل توهمت بطلانه، وليس بباطل. الشبهة الثانية: قالوا: لا حجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده في الرجوع. (١٧٠/ب) وإذا جاز له الرجوع، دل على أن الإجماع لم يتم. قلنا: هذا صحيح، لو كان منفردا باجتهاده، أما اجتهاد توافقه الأمة عليه، فلا يجوز له أن يرجع عنه، كالنص الذي يحرم الرجوع عنه إلى الاجتهاد. فإن الإجماع حجة قاطعة، فلا يبقى للاجتهاد في مخالفتهم مجال. الشبهة الثالثة: أنهم قالوا: لو مات المخالف، لم تصر المسألة إجماعية، وإن كان الباقون كل الأمة، لكنهم في بعض العصر، دل ذلك على أنه لابد من اعتبار انقراض العصر في تحقيق الإجماع. وهذا غير صحيح، وليس السبب بقاء بعض، لكن السبب الصحيح أنهم ليسوا كل الأمة، بالإضافة إلى تلك التي أفتى فيها من مات بعد أن أفتى، فإنا سنبين أن المذاهب لا تموت بموت أربابها. فالباقون بعض الأمة، [ومخالفته] مسوغة، فلذلك لا يصير مذهب المخالف مهجورًا. وقد قال قوم: يبطل مذهبه بموته، والباقون بعده كل الأمة، وتحرم مخالفتهم. وهذا غير صحيح، لما سنقرره. [فإنهم] كانوا كل الأمة في غير تلك المسألة التي خالف فيها من قد مات.

стр. 1559

الشبهة الرابعة: ما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: (اجتمع رأيي ورأي عمر على منع بيع ام الولد، فأنا الآن أرى بيعها. فقال له عبيدة السلماني: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة). فهذا من علي يدل اشتراط انقراض العصر. قلنا: هذا غير صحيح، فإنه لم يثبت أن عليًا وجميع الصحابة اتفقوا على ذلك، بل رأيه ورأي عمر. ويجوز الرجوع عن الرأي إذا لم ينعقد عليه الإجماع. فإن قالوا: يدل على أن جميع الصحابة وافقوا على ذلك قول عبيدة: (رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة). قلنا: لم يرد بالجماعة اجتماع الأمة على الحكم، بل أراد في حال اجتماع كلمة الناس، وعدم الاختلاف على الخلفاء، وقبل طريان الفتن أحب إلينا من رأيك عند وقوع الاختلاف على الخلفاء، وثوران الفتنة. ولذلك قال: (أحب إلينا من رأيك في الفرقة). أي افتراق الكلمة. على أن عليًا ﵁ لو قال ذلك صريحًا، لم يجب

стр. 1560

تقليده في الأصول. وكان قصد عبيدة أن عليا لو انتقل عن ذلك الحكم، ربما نسب إلى التعصب والتبرؤ من أبي بكر وعمر، فكره عبيدة هذا. هذه شبهة من ذهب إلى اشتراط انقراض العصر على العموم. وأما ما ذهب إليه الأستاذ من كون الإجماع إن كان سكوتيا، اعتبر فيه انقراض العصر، وإن كان نطقيا، لم يعتبر. فهذا كلام ضعيف جدا، وذلك أنه لا يخلو إذا قال العالم قولا، وسكت الباقون على ذلك، ولم يخالفوه: إما أن يظن الموافقة للقائل، أو لا يظن ذلك، فإن لم يظن ذلك، وجوز أن يسكت من لا يوافق، فهذا التجويز مستمر، وإن انقرض العصر، فإنه قد يسكت، وإن كان لا يوافق، إما تسويغا للمجتهد ما يقوله، أو لأسباب سنذكرها بعد ذلك. وهذه الأسباب يصح استمرارها إلى انقراض العصر، وإن كان يظن من السكوت الموافقة، [فلماذا] يشترط انقراض العصر، وقد ظن الموافقة؟ وليس انقراض العصر بالذي يحصل علم الموافقة. وقد حمل ذلك بعض الأصوليين على أنه ناقض، فإنه لا يرى اشتراط انقراض العصر في الإجماع، قال: وهذا إجماع ظني، فلم اشترط فيه الانقراض؟ وهذا النقض غير لازم، وفرق بين أن يقطع بالموافقة ومستند المتفقين ظن، وبين أن يظن الموافقة. والنقض على هذا (١٧١/أ) غير لازم، فإن الأستاذ اشترط الانقراض عندما يظن الاتفاق، ولم يشترط الانقراض عندما يعلم الاتفاق، والمتفقون ظانون. ولكن الاعتراض هو الذي قدمناه من استمرار السكوت إلى انقراض العصر، لا يحصل علما بأنهم متفقون.

стр. 1561

نعم، قد يقول القائل: إذا انقرض العصر من غير خلاف ولا إنكار، يقوي غلبة الظن بالموافقة. وهذا غير صحيح على الإطلاق، فإنه قد لا يتفق أن تتكرر الواقعة بحال، فلا تقوى غلبة الظن بالانقراض. وقد تتكرر الواقعة، ولا يظهر خلاف، فيقوى الظن بالموافقة، وإن لم ينقرض العصر. فالصواب أن لا يلتفت إلى انقراض العصر على حال. وأما ما ذهب إليه الإمام، فأعجب من ذلك كله، وكلامه غير منضبط، فإنه قد حكم أولاً بأن للإجماع صورتين: قطعية وظنية، وقضى بأن الإجماع الظني حجة قاطعة، بناء على قطع الأولين بتبكيت المخالفين. ثم صار في هذا الموضع إلى خلاف هذا الإطلاق، وأبدى تفصيلا يناقض بعضه بعضا، فقال: الإجماع على الحكم، مع التردد في الأصل، لا يعد إجماعا. فكيف يصح الإجماع مع التردد في الأصل؟ إلا أن يريد بالتردد أن القوم غير قاطعين. فإذا كان كذلك، فكيف لا يعد هذا إجماعا؟ ولو كان الإمكان يمنع أن يكون هذا إجماعا، لكان الإمكان في قول الواحد يمنع أن يكون قولا ومذهبا حتى يطول الزمان. ولا ذاهب إليه.

стр. 1562

وقوله: (فإنهم إذا قالوا ما قالوه، قرنوه بما يرخي طول الناظر [المفكر] [ويسوغ] له طرق الفكر). قال الشيخ: وهذا الذي ذكره غير صحيح من وجهين: أحدهما - أن هذا إنما يكون كذلك عند انفراد الآحاد بالاجتهاد. وأما عند الاجتماع فلا أخرى طول، ولا تسويغ فكر ونظرن لتحقيق عصمة الأمة بالأدلة السابقة. الوجه الثاني - أنه إذا سوغ التفكر والنظر، لكون القوم لم يقطعوا بالحكم، فهذه القضية مستمرة، وإن طال الزمان كثيرا، ولا يؤمن ذلك إلا أن ينقطع الاحتمال ويقطع بالحكم، وإذ ذاك يخرج الإجماع الظني عن كونه حجة. ففي هذا تلويح وإشارة لمن منع كون الإجماع الظني حجة، وقد تقدم بيان فساده. وقوله: (فإن طال الزمان، ولم يخالف مخالف، فهذا عسر التصوير، فإن

стр. 1563

الظنون يبعد الاستمرار عليها مع طول الأزمنة). قلنا: هذا يشير إلى ما سبق من أن تمادي الأزمنة وتطاولها مع تكرار الواقعة، يتعذر في المظنونات. وهذا مما تكلمنا عليه. ونزيده الآن تقريرًا فنقول: إن هذه إنما تمتنع في العادات، عند تقارب الأسباب المتناقضة. فأما إذا قوي السبب، فلا يبعد الاستمرار، وهو بمثابة ما لو روى الصديق أو غيره من جلة الصحابة ﵁ خبرًا، وأسندوا الحكم إليه، فإن المستند مظنون، ولا تمنع العادة الاستمرار على الحكم عند ظهور خبر العدل. كما [رجع أبو بكر ﵁ إلى ما] [رواه] عبد الرحمن بن

стр. 1564

عوف أن النبي ﷺ قال في المجوس: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب). وكذلك رجع الناس إلى ما روته عائشة ﵂ من أن النبي ﷺ قال: (إذا جاوز الختان الختان، [فقد] وجب الغسل). وكثير من الأحكام استندت إلى أخبار صحيحة عمل بها المسلمون من زمن الصحابة إلى زماننا، ولم تصر المستندات قطعية، ولا عادت الأخبار متواترة. فتوهم (أن الاستمرار مع التكرار يلحقهم بالمصرين، ويرفعهم (١٧١/ب) عن رتبة المترددين). كلام يشترك فيه [الشادي]، ويعرف ضعفه المهرة من المحققين.

стр. 1565

ثم قال لما سئل عن ضبط ذلك الزمان: (المعتبر مضي زمان طويل مع ذكر تلك الواقعة، [وترداد] الخوض فيها، فلو وقعت الواقعة [وسبقوا] إلى الحكم فيها، ثم تناسوها، فلا أثر للزمان، والحالة هذه). فلا يكون الإجماع عنده في هذه الصورة معتبرًا ولا دليلاً. قال: (والمعتبر [مضي] زمان لا يفرض في مثله استمرار الجم الغفير على رأي إلا عن حامل قاطع، أو نازل منزلة القاطع على الإصرار، وهذا يمنع الإصرار على الحكم مع التصريح بالظن). وهذا الكلام أيضًا في غاية الضعف. أما قوله: (لا يستمر الإصرار على الحكم إلا عن مستند قاطع). فقد بينا خلاف ذلك. أما قوله: (أو نازل منزلة القاطع). فنقول: لا شيء عندنا يتنزل منزلة القاطع؛ فإنه إذا لم يحصل العلم، لم يبق إلا اعتقاد أو ظن، والاعتقاد ههنا غير

стр. 1566

مقصود، فلم يبق إلا أنه أراد أمرًا يثير ظنًا قويًا. والأسباب في إثارة غلبات الظنون تختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يظن الإنسان من سبب أمرًا، ولا يظنه غيره من ذلك السبب. فكأن هذا الرجل يقول: إن أجمعوا على سبب قاطع، فلابد من الاتباع، وإن أجمعوا على سبب مظنون ظنًا قويًا، وجب أيضًا الاتباع، إلا أنه زعم أنه (لا يلوح جلاؤه إلا بالاستمرار عليه). وهذا عندي غير صحيح لوجهين: أحدهما - أن الحاكم يعرف مستنده [بقدر] ما يحصل له من الظن. فلو صرح أهل الإجماع، وقالوا: السبب الذي أسندنا الحكم إليه من [أعلى] الأسباب المثيرة لغلبات الظنون، كما صورناه في خبر الصديق ﵁ أو غيره، فهل كان يصدقهم في قوة السبب أم لا؟ فإن صدق، فهو ما طلب الاستمرار مع التكرار، إلا ليعرف قوة السبب. وقد عرفه بقول المجمعين، فيلزمه أن يبادر إلى القضاء بانعقاد الإجماع، إذ قد ظهرت قوة السبب. الثاني - أنه يلزم إذا قالوا: مستندنا أثار لنا ظنًا ليس بالقوي، ولكن

стр. 1567

[لاحتمال] [أنا] لم نجد ما نعضد به، فحكمنا لذلك. واستمروا على هذه القضية، وقالوا في [كل] حكم: لم يتجدد عندنا أمر متبع، إلا أن تنتهض الحجة. وكل هذه تخييلات، لا تحقيق لشيء منها. فقد تبين بما ذكرناه أن الأمر على ما قرره القاضي رحمة الله عليه. قال الإمام: ([وأما] الفن الثالث) إلى قوله (يبين [صورة] الوفاق والخلاف). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام هو الذي قلنا إنه يرجع إلى تصوير الاتفاق. وهل وجد من الأمة اتفاق أم لا؟ وهذا النظر - وهو تحقيق مناط الإجماع أو غيره - يقع على وجهين: أحدهما - خارج عن علم الأصول، والثاني - داخل في الفن.

стр. 1568

فأما ما هو خارج عن فن الأصول، فهو أن يقع الاتفاق على تصور الإجماع، وفهم حقيقته. ولا يبقى النظر إلا في وجوده في المسألة المفردة. فهذا مما لا يتكلم فيه الأصوليون في مسائل الفروع بحال. وهذا بمثابة انعقاد الإجماع على تحريم التفاضل في الأشياء الستة، أو غيرها من فروع الشريعة [مثلاً]. فإن أدخل الأصولي هذا في فنه، فهو خلط للفن بغيره، وشغف بنصرة مذهب، وذب عنه، أو تضعيف لغيره. وأما ما يفتقر (١٧٢/أ) الأصولي إلى معرفته، ولا يسعه جهله في فنه فقسمان: أحدهما - نظير هذا الذي ذكرناه، وهو أن يبين وجود الإجماع بعد فهمه وتصوره في مسائل الأصول، أجناسًا وأنواعًا. وهذا بمثابة كلام الأصوليين على بيان الإجماع على وجوب العمل عند خبر الواحد، والقياس، وسائر الأسباب والأمارات. فليس يرجع ذلك إلى تصور الإجماع، وإنما يرجع إلى بيان وجوده في مسألة النزاع، فهو يشبه النظر الأول لأصحاب الفروع، ولكنه يمتاز عنه بالنظر إلى التعلق. ففي الوجه الأول النظر في مسألة فردة فرعية. وفي هذا المكان النظر في تحقيق نوع أو أمارة أو جنس. النوع الثاني - ما ينظر فيه الأصولي هو الكلام في اشتراط انقراض العصر ومستند الإجماع من قطع أو ظن. وقد تقدم هذان النوعان. وبقي الكلام في هذه المسألة، وهي هل يلتئم من قول البعض وسكوت البعض إجماع أم لا؟ ويخرج

стр. 1569

عليه أنه إذا اختلفوا على قولين: هل يعقل الإجماع في هذه الصورة، أو ليس إلا اختلاف محض؟ وهل إجماع البعض حجة أم لا؟ هذه المسائل تتعلق بفهم الإجماع في نظر الأصولي. قال الإمام: ([مسألة] إذا قال واحد [قولاً] في شهود علماء العصر، [وكان] ذلك القول موافقًا لبعض مذاهب العلماء) إلى قوله (فهذا معنى قول الشافعي: (لا ينسب إلى ساكت قول)). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في المسألة الأولى، وهي الاجتهادية، كلام حسن، لا مزيد عليه، ولا سبيل إلى

стр. 1570

تنزيل السكوت على الموافقة، خاصة وله أسباب غيرها، وقد ذكر الإمام سببًا واحدًا، وهو تسويغ القول لذلك القائل، وهو سبب صحيح، وتنقدح وراءه أسباب أخر. وقد اختلف الناس في هذه المسألة، وخص الأصوليون الكلام بما إذا كان ذلك القول في محل الاجتهاد. والظاهر من كلامهم أن المسألة لو كانت قطعية، لانقطعت الاجتهادات كلها، ولم يبق إلا الموافقة. ونحن نتكلم على الصورتين جميعًا. أما الأولى: فقد اختلف الناس فيها، فذهب ذاهبون إلى أنه إجماع، وهذا مشروط بما إذا بلغهم قوله، ولم ينكروا. هذا هو الذي يتصور أن يكون

стр. 1571

محل الاختلاف. وشرط قوم انقراض العصر على السكوت. وقال قوم: هو حجة، وليس بإجماع. وقال قوم: ليس بحجة، ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الخلاف في المسألة. وقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب: الأول - أنه قد يسكت، وهو مضمر الإنكار، ولكن يكون في باطنه ما يمنعه من إظهاره، ونحن لا نطلع عليه. وقد تظهر قرائن السخط عليه مع سكوته. الثاني - ما ذكره الإمام من جهة أنه يراه قولاً سائغًا في الاجتهاد، وإن لم يكن هو موافقًا عليه، بل كان معتقدًا لخلافه وخطئه، إن كان ممن يقول إن المصيب واحد.

стр. 1572

الثالث - أن يكون ممن يرى كل مجتهد مصيب، فلا يرى الإنكار في المجتهدات أصلاً، ولا يرى الجواب إلا فرض كفاية. فإذا كفاه من هو مصيب سكت، وإن كان يرى خلاف رأيه. الرابع - أن يسكت وهو منكر، ولكنه ينتظر فرصة الإنكار، ولا يرى المبادرة مصلحة، لعارض من العوارض، فينتظر زواله، ثم يموت قبل زوال ذلك العارض، (١٧٢/ب) أو يشغل عنه. الخامس - أن يرى أنه لو أنكر لم يلتفت إليه، [وناله] ذل وهوان.

стр. 1573

السادس - أن يسكت، لأنه متوقف في المسألة، لأنه بعد في مهلة النظر. السابع - أن يسكت، لظنه أن غير كفاه الإنكار، وأغناه عن إظهاره، ويكون قد غلط في ذلك، فيكون [ترك] الإنكار عن توهم، إذ يراه فرض كفاية، ويظن أن غيره قد قام به. وقد تمسكوا بأمور ضعيفة: منها - أنهم قالوا: لو كان فيه خلاف لظهر وقد قيل لهم: لو كان فيه وفاق لظهر، فإن اتفق عدد يمنع من إظهار الخلاف، تصور مثله في إظهار الوفاق. وهذا تمام الكلام في هذه الصورة. وأما الصورة الثانية: التي تظهر من كلام الأصوليين، أن السكوت فيها لا ينزل إلا على الموافقة، وهي ما إذا كانت المسألة قطعية. قالوا: فلا يدل السكوت إلا على الموافقة، وهذا فيه نظر عندي، وما المانع من أن يسكتوا وهم غير موافقين؟ فإن قيل: إذا كانوا مخالفين في المسألة القطعية، كان الإنكار واجبا. فيكون تركهم الإنكار معصية، ويكون ذلك تواطؤا على محرم. وهذا الذي ذكروه، لا يقوى عندي، وذلك أن المعصية إنما استحالت على جميع

стр. 1574

الأمة، إما في القول والفعل عند معظم الأصوليين، أو في الفتوى والقول على الخصوص عند القاضي. وإذا كان كذلك، فلا يمتنع أن يعصي بعض الأمة معصية، ويعصي البعض الآخر معصية أخرى، فيقول بعض الأمة: يجب قتال مانعي الزكاة، والخوارج محقون، وتقول الطائفة الأخرى: الخوارج مبطلون، والزكاة مثلا غير واجبة. هذا لا امتناع فيه، ولا يناقض العصمة، فغنه لم تجتمع الأمة على معصية واحدة. فإذا أفتى نصف الأمة في مسألة قطعية، وأخطأ فيها آخرون، فهذا غير ممتنع، إذ الخطأ على البعض غير محال. فإذا قال القائل: والطائفة التي لم تنكر أخطأت أيضا. قلنا: لم تخطئ في الحكم الذي أخطأ فيه الأولون. وإنما عصت في ترك إنكار النكير، والتي لم تنكر هي بعض الأمة أيضا. وقد قال القاضي: يجوز أن تجتمع الأمة على معصية لا تتعلق بالفتوى، حتى يسوغ أن يأكلوا طعاما يعترف كل واحد منهم بكونه حراما. فإذا جوز المعصية في غير محل الفتوى على الجميع، فما الحال في تجويز ترك إنكار النكير على البعض؟ إلا أن يتلقى منع السكوت من طريق

стр. 1575

العادات، لا من باب عصمة الأمة. فهذا إذا سلك، افتقر إلى أن يكون في الساكتين كثرة تمنعهم من السكوت في مواضع القطع بالمخالفة، فيكون هذا متلقى من العادات، لكن يشترط فيه زوال الموانع المانعة من الإنكار. ولكن يبقى فيه نظر عندي، وذلك أنهم إذا سكتوا في هذه [الحالة]، حصل العلم بأنهم بجملتهم ليسوا مخالفين، ولابد من إضمار الموافقة. لكن القطع بأنهم بجملتهم موافقون فيه، فما المانع من اشتمال الساكتين على موافقين وعلى مخالفين؟ وهذا احتمال بين، لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع. فلا تحصل بالموافقة من الجميع على هذا التقدير، وإن كان الساكتون عدد التواتر، إلا أن تقترن بذلك قرائن تحصل علما بالسكوت موافقة. وإذا افتقر إلى هذه القرائن، فلا فرق بين المظنون والمقطوع به. فإن تلك القرائن لو اقترنت بفتواهم في محل الاجتهاد، لحصل علم الموافقة (١٧٣/أ)، [لبناء] الأمر على ذلك. ولكن لا يكون هذا مستندا إلى محض السكوت عند استماع القول. وأما ما صوره الإمام من (أن رجلا لو قال قولا خرق فيه إجماع الأمة، فإن العلماء يثورون منكرين). فالأمر على ما قال، لأنه صور سبق الإجماع قبل مخالفة المخالف. فلابد من إنكار العلماء عليه. فإنهم بجملتهم لو لم ينكروا، لشملت المعصية الأمة بجملتها، وذلك ممتنع عندنا. وفي المسألة التي

стр. 1576

نحن فيها، إنما سكت بعض العلماء، فمن أين يتنزل سكوت بعضهم منزلة سكوت الجميع؟ فإن قيل: إذا كانت المسألة قطعية، وأخطأ فيها قوم، فلو خرجوا بالخطأ في القطعيات من أن يكونوا من أهل الاجتهاد، ويكون الباقون هم أهل الإجماع، فإذا سكتوا، فهل عصى أهل الإجماع، وذلك عليهم محال؟ قلنا: ليس خطؤهم في تلك المسألة بالذي يصير خصومهم كل الأمة. ولذلك أنه لا يسوغ الاحتجاج على غيرهم باتفاقهم، بل يطلب دليل المسألة القاطع من غير الإجماع. ولما خولف أبو بكر في قتال مانعي الزكاة، لم يحتج بأنه رأى ذلك [رأيا]، ومن رآه معه، بل جنح إلى الدليل، وقرره من جهة السنة والقياس جميعا. فقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة). وقال: (والله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليه). فالصواب بعد هذا كله، النظر إلى قرائن الأحوال الدالة على حمل السكوت على الموافقة. فهذا هو المعتمد في ذلك. والله المستعان. قال الإمام: (ونحن نصور هذه المسألة في صورتين، ونذكر في كل واحدة [منهما] ما يليق بها) إلى قوله (هذا منتهى المسألة تصويرا

стр. 1577

وتقريرا). قال الشيخ: ما ذكره الإمام واضح في نفي القطع بالإجماع. ولكن الظاهر من جهة العادة، أن القول إذا انتشر في العلماء، ولم يبد خلاف، أنهم موافقون. إذ لو كانوا يخالفون، لذكرت المخالفة. هذا هو الأمر الغالب. وما ذكره الشافعي وغيره من الأصوليين هي احتمالات تمنع من القطع.

стр. 1578

فأما غلبة الظن بالموافقة، فإنها ثابتة. ولكن يبقى أن هذا النوع من غلبة الظن إذا منع القطع بالإجماع، فهل يصح أن يكون الإجماع المظنون أمارة في حق العمل؟ هذا فيه نظر. وقد اختلف الأصوليون في نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، هل يتنزل منزلة [نقل] السنة على ألسنة الآحاد أم لا؟ فذهب الإمام إلى أنه يتنزل

стр. 1579

منزلة [نقل] السنة على ألسنة الآحاد. فينتهض أمارة في حق العمل. وذهب غيره إلى أنه لا يجوز أن يستند إليه عمل. قالوا: لأنا إنما أخذنا العمل بالأخبار بإجماع الصحابة، وذلك إذا نقل العدل السنة عن رسول الله ﷺ . فأما إذا نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، فلا يجوز أن يستند إليه العمل إلا بالقياس على محل الإجماع، ولم نتعبد بالقياس في قواعد الشريعة. هذا كلام أبي حامد. ولكن الصحيح عندنا ما ذهب إليه الإمام، فإن المقصد حصول غلبة الظن بثبوت الدليل، الذي لو ثبت أنار علما. فإذا نزل الأمر وأفاد ظنا، فهو معتبر في المظنونات. وهذا كأنواع القياس وأنواع الأخبار.

стр. 1580

وإذا بنينا على أن نقل الإجماع على ألسنة الآحاد لا يكتفي به، فلأن لا يكتفي بظن الإجماع مستندا إلى سكوت بقية العلماء أولى. وإن بنينا (١٧٣/ب) على القول بوجوب العمل بالإجماع المنقول على ألسنة الآحاد، فهل يتنزل الظن المتلقى من تارات وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول؟ هذا
следующие страницы →