Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
نحن فيها، إنما سكت بعض العلماء، فمن أين يتنزل سكوت بعضهم منزلة سكوت الجميع؟
فإن قيل: إذا كانت المسألة قطعية، وأخطأ فيها قوم، فلو خرجوا بالخطأ في القطعيات من أن يكونوا من أهل الاجتهاد، ويكون الباقون هم أهل الإجماع، فإذا سكتوا، فهل عصى أهل الإجماع، وذلك عليهم محال؟ قلنا: ليس خطؤهم في تلك المسألة بالذي يصير خصومهم كل الأمة. ولذلك أنه لا يسوغ الاحتجاج على غيرهم باتفاقهم، بل يطلب دليل المسألة القاطع من غير الإجماع.
ولما خولف أبو بكر في قتال مانعي الزكاة، لم يحتج بأنه رأى ذلك [رأيا]، ومن رآه معه، بل جنح إلى الدليل، وقرره من جهة السنة والقياس جميعا. فقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة). وقال: (والله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليه). فالصواب بعد هذا كله، النظر إلى قرائن الأحوال الدالة على حمل السكوت على الموافقة. فهذا هو المعتمد في ذلك. والله المستعان.
قال الإمام: (ونحن نصور هذه المسألة في صورتين، ونذكر في كل واحدة [منهما] ما يليق بها) إلى قوله (هذا منتهى المسألة تصويرا
стр. 1577
وتقريرا). قال الشيخ: ما ذكره الإمام واضح في نفي القطع بالإجماع. ولكن الظاهر من جهة العادة، أن القول إذا انتشر في العلماء، ولم يبد خلاف، أنهم موافقون. إذ لو كانوا يخالفون، لذكرت المخالفة. هذا هو الأمر الغالب. وما ذكره الشافعي وغيره من الأصوليين هي احتمالات تمنع من القطع.
стр. 1578
فأما غلبة الظن بالموافقة، فإنها ثابتة. ولكن يبقى أن هذا النوع من غلبة الظن إذا منع القطع بالإجماع، فهل يصح أن يكون الإجماع المظنون أمارة في حق العمل؟ هذا فيه نظر.
وقد اختلف الأصوليون في نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، هل يتنزل منزلة [نقل] السنة على ألسنة الآحاد أم لا؟ فذهب الإمام إلى أنه يتنزل
стр. 1579
منزلة [نقل] السنة على ألسنة الآحاد. فينتهض أمارة في حق العمل.
وذهب غيره إلى أنه لا يجوز أن يستند إليه عمل. قالوا: لأنا إنما أخذنا العمل بالأخبار بإجماع الصحابة، وذلك إذا نقل العدل السنة عن رسول الله ﷺ . فأما إذا نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، فلا يجوز أن يستند إليه العمل إلا بالقياس على محل الإجماع، ولم نتعبد بالقياس في قواعد الشريعة. هذا كلام أبي حامد. ولكن الصحيح عندنا ما ذهب إليه الإمام، فإن المقصد حصول غلبة الظن بثبوت الدليل، الذي لو ثبت أنار علما. فإذا نزل الأمر وأفاد ظنا، فهو معتبر في المظنونات. وهذا كأنواع القياس وأنواع الأخبار.
стр. 1580
وإذا بنينا على أن نقل الإجماع على ألسنة الآحاد لا يكتفي به، فلأن لا يكتفي بظن الإجماع مستندا إلى سكوت بقية العلماء أولى. وإن بنينا (١٧٣/ب) على القول بوجوب العمل بالإجماع المنقول على ألسنة الآحاد، فهل يتنزل الظن المتلقى من تارات وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول؟ هذا
стр. 1581
فيه خلاف. وقد ذهب الإمام فيما تقدم إلى أن غلبات الظنون المتلقاة من تارات وحالات لا يصح أن تكون مستند الإجماع، وإن غلب على الظن منها ما يغلب على الظن من قول الشارع فيما يظهر من لفظه ما يشعر به ظاهره. وقد تقدم هذا. فمن منع التعلق بظاهر الحال، وعليه عرف المقال، فلأن يمنع التعلق بغالب ظن حصول الإجماع، بناء على موافقة الساكت أولى. والذي أختاره سوى التمسك بظاهر ظن الموافقة مما يتعلق بالعمل في مجال الظنون، فيصح عندنا التمسك بفتوى المفتي عند انتشار قوله وعدم خلافٍ من العلماء له. وبالله التوفيق.
قال الإمام: ([مسألة] إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ على قولين ، واستمروا على الخلاف [فيهما] إلى قوله (فهذا مغزى المسألة). قال
стр. 1582
الشيخ: الذي ذكره الإمام بين على أصله من التفرقة بين الإجماع المقطوع به والمظنون. وقد تقدم أن رأينا خلاف رأيه.
فأما ذهابه ههنا إلى أنه ينبغي أن يكون تمادي الزمان ههنا أكثر من تماديه عندما يكون القول واحدًا وهم ظانون. فهذا ضعيف عندي من وجهين: فإنه بنى الأمر ههنا على زيادة طول الزمان، على أن الظن ههنا ضعيف، لثبوت الاختلاف. وهذا الكلام غير صحيح، فإن نفي الثالث مظنون منهما جميعًا، وليس ضعف الظن بكل واحد من القولين المذكورين بالذي يوجب ضعف الظن، بالإضافة إلى القول الثالث، الذي اتفق الفريقان على نفيه. هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه إذا شرط زيادة التمادي، فإلى أي حد ينتهي التمادي؟ وما الضابط لذلك؟ وكيف يتصور أن تتوقف الحجة القاطعة على أمر غير منضبط؟ هذا محال، وتكليف ما لا يستطاع. فإن كان يجعل الضابط انتهاء الأمر
стр. 1583
إلى حد يحصل العلم بنفي الثالث، خرج الإجماع المظنون عن أن يكون معتبرا في الشريعة، وإن كان الإجماع المظنون حجة، فالظن قد حصل من أول الاتفاق على نفي الثالث.
وما حكاه عن الصحابة من أنهم كانوا يبكتون من خالف الإجماع المظنون، فليت شعري أي زمان كانوا ينتظرون ذهابه حتى يبكتوا؟ وأي تكرار في الموافقة حتى يشترطونه؟ هذا محال لا شك فيه. فليس إلا أحد أمرين: إما أن تنتهض الحجة ناجزة عند نفي القول الثاني والثالث، وإن كان ذلك مظنونًا، وإما أن يقال: لا يكون الإجماع حجة إلا إذا قطع المجمعون بالحكم. ومتى اعترف كل واحد منهم بكون الحكم مظنونًا، لم تنتهض الحجة،
стр. 1584
والأمر على خلاف ذلك. فلا سبيل إلى اشتراط أمر زائد على الاتفاق، سواء كان في لحظة أو أزمنة.
ولنزد الدليل تقريرًا فنقول: لا يجوز للمجتهد إذا وجد دليل المسألة، المبادرة إلى الحكم به، حتى يبحث في الشريعة عن معارض له أو دليل يصد ذلك الحكم. فإذا صح عنده أنه لا دليل لغير ذلك الحكم يجوز الاعتماد عليه، فحينئذٍ يجزم بالحكم أو يظنه. وإذا كان كذلك، وامتنع قبول المحل الحكمين، للتناقض (١٧٤/أ) الحاصل بين الإجماع وثبوت أحد الضدين، فإنه يمنع من الأخذ لا شك فيه. فالذي يقول مثلاً بالحل، ينفي الحرمة وبقية الأحكام، والذي يقول بالحرمة، ينفي الحل وبقية الأحكام. والفريقان متفقان على نفي ما سوى الحل والحرمة. فانتفاؤهما مجمع عليه إجماعًا محققًا، استغنى عن التعبير عن نفيه بالتعبير عن ثبوت ضده. وللعاقل في التعبير عن نفي الحركة عبارتان:
إحداهما - أن يقول: زيد ليس بمتحرك.
[والثانية]- أن يقول: إنه ساكن. وإذا كان كذلك، فما اتفق الفريقان على نفيه، فنفيه مجمع عليه، وهو حكم واحد. وما اختلفا في نفيه وإثباته، فلا قطع في إحدى الجهتين. فما كان ينبغي في هذه المسألة أن ينظر إلى أدلة، ولا إلى شبه، وإنما يختص النظر فيها بتحقيق ما ذكرناه من الإجماع على قضية،
стр. 1585
والاختلاف في أخرى. وأما أدلة كون الإجماع حجة، فقد تقدمت مستقصاة.
وذهب أبو حامد إلى طريق لا بأس به، فقال: لو قدرنا أن القول الثالث حق، لم يكن [بد] من دليل، ولم يكن بد من نسبة الأمة إلى تضييعه، وذلك ممتنع بدليل السمع. وهذا وإن كان له وجه، إلا أنه لا يقوى عندي إلا على القول بأن المصيب واحد. فأما على القول بأن كل مجتهد مصيب، فلا يقوى هذا الطريق. إذ للقائل أن يقول: إنهم عصموا عن الخطأ، وهذا يحصل بكونهم أصابوا دليل ما حكموا به. فأما إصابتهم لكل دليل، فذلك غير لازم.
فأما إذا بني الأمر على اتحاد الحق، فلا يصح أن يكون الحق في القول الثالث، لأن الأمة بجملتها تكون قد أخطأته. وهذا غير جائز على الأمة بجملتها. والطريق الذي ذكرناه أولاً يجري على قول من يقول كل مجتهد
стр. 1586
مصيب أو المصيب واحد. لأنا حققنا أن نفي الثالث متفق [فتوى] استغني عن التعبير عنها بذكر كل فريق بثوت ضد الحكم الثالث. هذا نهاية التقرير. وليس هو نظر في دليل الإجماع، وإنما هو بحث أصولي عن وجود الاتفاق. والذين سوغوا الخلاف، لم يلتفتوا إلى الإجماع الضمني، وإنما نظروا إلى ما صرح به، والمصرح به الاختلاف، والاختلاف لا [يجزم] الخلاف، وإنما [يجزمه] الإجماع. قالوا: ولا إجماع. وقد ثبت بحمد الله وعونه الإجماع على الحقيقة.
وقد تمسكوا بشبه، منها ما ذكرناه، وقد مر، ومر الجواب عنه. وقالوا أيضا: إنهم خاضوا خوض مجتهدين، ولم يجزموا [بالمصير] إلى قول ثالث. وعنه جوابان:
أحدهما - ما قررناه من أنهم نفوا القول الثالث بلا ريب.
الثاني - أن هذا يلزم منه أنهم إذا اتفقوا على قول واحد، وأسندوه إلى
стр. 1587
الظن، أن يجوز خلافه. ونحن إنما تكلمنا على هذا بعد المصير إلى أن الإجماع المظنون حجة.
وتمسكوا أيضا بأنه: لو استدل الصحابة بدليل أو علة، لجاز الاستدلال بعلة أخرى، لأنهم لم يصرحوا ببطلانها. وكذلك القول الثالث لم يصرحوا ببطلانه. وهذا باطل، لأنه يلزم منه أن تجوز المخالفة إذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد.
وأما جواز الاستدلال بدليل غير دليلهم، فلا يمنع، إذ ليس من فرض دينهم الإطلاع على كل دليل، بل الفرض استناد الحكم إلى دليل. ولا ينسب إلى الخطأ من استند إلى دليل صالح عندما يظفر بغيره، بخلاف من حكم بخلاف حكم أهل الإجماع، فإنه نسبهم إلى الخطأ، وإثبات غير حكم الله تعالى.
أما التعليل بعلة غير علة الصحابة، فهذا ينبني على أمر آخر، وهو أنه هل يجوز أن يعلل (١٧٤/ب) الحكم بأكثر من علة واحدة؟ فمن منع هذا، لم يجوز
стр. 1588
التعليل بغير علة الصحابة. ومن جوزه، لم يمنع. إذ لا يلزم من إظهار علة أخرى نسبة الأولين إلى الغلط في شيء، اللهم إلا أن يقولوا: ليس لهذا الحكم إلا علة واحدة. فلا يجوز حينئذ إحداث علة أخرى، لأن الأمة اجتمعت على نفيها. وهذه الصورة هي التي تشبه ما نحن فيه، لأنا [قدرنا لو] أنهم أجمعوا على نفي الثالث.
وتمسكوا أيضا: بأنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان الوضوء، وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء، ولم يفرق واحد [بينهما]. فلو قال [تابعي]: ينقض أحدهما، ولا ينقض الآخر، فهذا جائز، وإن كان قولا ثالثا، ولم يمنع، فلا يمتنع إحداث قول ثالث.
والجواب عن هذا: أنه في كل مسألة وافق قولا متقدما، ولا يترتب حكم مسألة على أخرى، فهو إذا قال: اللمس ينقض، فقد وافق، وإن قال: اللمس لا ينقض، فقد وافق، فلم يحدث [قولا] آخر بحال، اللهم إلا أن تكون الأمة قد قالت: حكم المس واللمس عندنا بحيث لا يفترقان في الحكم على حال، فتكون حينئذ التسوية مقصودة، فلا يكون الفرق مسوغا. وهذا تطير ما نحن فيه، لأنا حققنا أن القوم اجتمعوا على نفي الثالث. فالذاهب إليه لا يجد أحدًا يساعده عليه. وكذلك إذا اتفقوا على التسوية بينهما، كان المفرق خارقا للإجماع.
стр. 1589
ونكتة المسألة ما قدمناه [من] وجود اتفاق ضمني على نفي قضية أو إثباتها. فإذا تحقق ذلك، فلا فرق بين التصريح والأمر الضمني المعلق به. ولم ترد الألفاظ لأعيانها، وإنما طلبت لأداء معناها. وإذا علم المعنى، فلا التفات إلى اللفظ بحال. فلا فرق بين قول القائل: (اسأل القرية) وبين قوله: (اسأل أهل القرية). وربما كان اللفظ الأول أحسن، لحصول العلم بالمعنى المقصود.
قالوا: قد أحدث مسروق في مسألة الحرام قولا ثالثا، ولم ينكر عليه منكر. قلنا: لأنه لم يثبت أن الصحابة اجتمعت بجملتها على قولين في مسألة الحرام، بل لعل بعضهم لم يخض فيها. ولو قدرنا أنهم بجملتهم خاضوا فيهان فمن أين يعلم أنه لم ينكر منكر؟ وما المانع من أن ينكر منكر ولم ينقل إلينا؟ فليس كل قول يجب أن ينقل ويدوم نقله متواترا. هذا بعد أن يثبت أن جميع الصحابة علموا إحداث مسروق القول الثالث. وكل هذه إمكانات قدرت موجودات، وبنيت عليها خيالات في مدافعة حجج قاطعة. وهذا باطل،
стр. 1590
لا خفاء به. وقد قدرنا تحقيق الإجماع على نفي الثالث، فلا التفات إلى الخيالات الفاسدة في مقابلة القواطع.
قال الإمام: (مسألة: إذا اختلف علماء العصر على قولين) إلى قوله (مع اتحاد العصر). قال الشيخ: قول الإمام: إذا قصر زمان الاختلاف، فلا التفات
стр. 1591
إليه، ولا يزيد هذا على ما إذا أجمعوا على قول، مع إسنادهم إياه إلى الظن، فإن ذلك لا يعد إجماعا. وهذا جار على أصله، فإذا كان هذا قوله في الاتفاق على قول واحد، فما الظن إذا اختلفوا على قولين، ولم يطل زمان
стр. 1592
الاختلاف؟ ثم نظر أيضًا - على أصله - إلى القول الذي اتفقوا عليه، هل طال الزمان، وتكررت الواقعة أم لا؟ فإن لم يطل الزمان، أو طال ولم تتكرر الواقعة، لم يحصل إجماع، لا على القولين، ولا على القول الآخر.
وإن طال زمان الاختلاف. فإنه قال: (يحصل من ذلك إجماع ضمني على تسويغ الخلاف). ثم إذا اتفقوا (١٧٥/أ) على أحد القولين، واستمروا عليه مدة متطاولة، اقتضى هذا إضرابا عن القول الآخر، فيتناقض الإجماعان على هذا التقدير. ولهذا [قال الإمام]: (إنه من المتعذر أن يقع الإضراب عن
стр. 1593
مذهب طال الذب عنه). فكأنه تخيل المسألة، لكنه فرضها عند كثرة المخالفين، واستمرارهم على الخلاف الدهر الطويل.
وهذا الذي قاله غير ممتنع، وإن كان بعيدا، فيقال له: فما قولك إذا اتفق ذلك؟ قال: ينزل على أنه بلغهم أمر غير ما كانوا عليه، يقتضي الرجوع إلى أحد القولين. وقد صور أنه إذا طال زمان الاختلاف، اقتضى ذلك إجماعا ضمنيا على تسويغ الأخذ، فلا سبيل إلى منع الأخذ بالقول الذي رجع عنه، لإطباق الفريقين على صحة الأخذ به، فيكون جواز الأخذ بكل واحد من القولين، أمرا مجمعا عليه. فإذا رجعوا إلى أحد القولين، واستمروا عليه دهرا طويلا، بحيث ينتهي الأمر إلى قريب من القطع - على زعمه - فإنه لا وجه لعذره، اقتضى ذلك منع الأخذ به من جميعهم، على حسب تقديره. وقد فرض أن طول الاختلاف يقتضي إجماعا ضمنيا على تسويغ الأخذ بكل قول. فهذا متناقض.
ثم إنه استبعد المسألة عند كثرة المخالفين، فما قوله إذا [قل]
стр. 1594
المخالفون؟ فما الذي يمنع من رجوع الواحد إلى قول الجماعة؟ وقد قيل: إن ابن عباس ﵁ كان يبيح نكاح المتعة، وامتاز بذلك عن بقية الصحابة، واستمر على ذلك دهرا طويلا، حتى قال له علي: (إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرم نكاح المتعة، فرجع إليه). وكذلك ما يضاهي ذلك، فلا تحيل ذلك العادة.
وهذه المسألة قد اتخذها من يشترط انقراض العصر عمدتهم، وقالوا: لما كان إذا وقع الرجوع إلى أحد القولين، لا يلتفت إلى الخلاف السابق، ولو انقرضوا على الاختلاف، لم يكن رجوع التابعين إلى أحد القولين يقتضي منع الأخذ بالآخر، دل على أنه لا يحكم بانعقاد الإجماع، ما أمكن الرجوع من واحد من المجمعين أو من جميعهم. ونحن نقول: أما إذا رجع التابعون إلى
стр. 1595
أحد قولي الصحابة، فقد تكلمنا عليه. وأما إذا رجع بعض الصحابة إلى قول الفرقة الأخرى، فهذا موضع الكلام.
وقد ذهب القاضي إلى أن هذا القول المرجوع إليه، لا يتعين الأخذ به، ولم يكن القول الآخر مهجورا. وقيل له: فالأمة بجملتها على الحل مثلا أو الحرمة، فكيف تجوز مخالفة الجملة؟ وهذا صعب شديد عليه. فلئن قال: لا يبطل المذهب بالرجوع عنه، كما لا يبطل بموت قائله، فأقدر القول المرجوع عنه أن أصحابه باقون على القول به، فلا يكون الذين قالوا بالآخر منهم جميع الأمة، بل البعض، وإن كانوا الجميع بالإضافة إلى الصورة، ولكنهم بعض الأمة، بالإضافة إلى المعنى والحقيقة. فهذا كلام ضعيف، وهو يقتضي جواز رجوع أهل الإجماع بجملتهم عن قولهم، إذ تقرر أن القول الأول أهله قائلون به. وهذا لم يذهب إليه أحد من علماء الأصول. فلما تقرر عليهم ذلك، طلبوا الخلاص من خمسة أوجه:
стр. 1596
أحدها - ادعاء الاستحالة، قالوا: وهذا بمثابة فرض إجماعهم على شيء، ثم رجوعهم بجملتهم عنه، أو كفرض إجماع التابعين على خلاف الصحابة. قالوا: فهذا محال سمعًا، وإن كان العقل يجوزه. قالوا: والشيء يمنع تارة لنفسه، وتارة لإفضائه إلى محال، وهذا يفضي إلى محال، وهو إجماعهم على تجويز (١٧٥/ب) الأخذ بكل قول من القولين، ثم اتفقوا على أحدهما ومنعوا الأخذ بالآخر. وهذا قد بينا ضعفه، وأنه لا مانع منه اعتيادا وشرعا. وقد نقلنا الوقوع. فيغلب على الظن ذلك، ولا دليل يدل على الاستحالة.
وقول القائل: إنه يفضي إلى تناقض في الإجماعين. فغير مسلم، فإنا قد قلنا إن الإجماع عند الاختلاف إنما هو على نفي الثالث. وليس في واحد من القولين إجماع بحال. ولهذا إن الذين نظروا إلى القولين، فاقتصر نظرهم عليهما، جوزوا إحداث قول ثالث. ولا خلاف أنه يجوز الرجوع إلى أحد القولين في القطعيات، كما رجعوا إلى قتال مانعي الزكاة بعد اختلاف. وما ذلك إلا أنه إذا كانت المسألة قطعية، فلا يمكن القول بأن الأمة اجتمعت على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين، ولم يحصل اتفاق إلا على أحدهما أخيرا، فهو إذًا المجمع عليه.
المخلص الثاني: اشتراط انقراض العصر، فإنهم يقولون: لم يحصل إجماع عند الاختلاف، لبقاء المختلفين، فإنما يكون الإجماع على ما انقرضوا عليه. وقد بينا بطلان اشتراط انقراض العصر، فلا يصح أن يكون مخلصا.
стр. 1597
المخلص الثالث: اشتراط كون الإجماع مستندا إلى قاطع، لا إلى أمر مظنون. وإذا اشترط هذا، لم يحصل إجماع على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين، إذ ذلك إنما يكون [من] مسائل الاجتهاد. وقد بينا بطلان هذا أيضًا، وإنما الإجماع حجة قاطعة على الإطلاق.
قالوا: وإذا لم يكن الإجماع عند الظن حجة، فتسويغ الأخذ بكل واحد من القولين مستنده الاجتهاد أيضًا. ولكن هذا يقتضي أن لا يكون القول المرجوع إليه أيضًا حجة، إذ ذلك مستنده الاجتهاد. فإذا حتموا المصير إليه والأخذ به تناقض القول، فيكون حجة في المصير إلى القول الأخير، ولا يكون حجة بالإضافة إلى تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين.
المخلص الرابع: أن يقال: النظر إلى الاتفاق الأخير، وأما في الابتداء، فإنما جوزوا الخلاف بشرط أن لا ينعقد الإجماع على تعيين الحق في واحد. وهذا مشكل، فإنه زيادة شرط في الإجماع، والحجج القاطعة لا تحتمل الشرط الذي يمكن أن يكون وأن لا يكون. ولو جاز هذا، لجاز أن يقال إن الإجماع الثاني ليس بحجة، بل إنما يكون حجة بشرط أن لا يكون اتفاق بعد اختلاف، وهذا أولى، لأنه يقطع عن الإجماع الشرط المحتمل.
المخلص الخامس: هو أن الأخير ليس بحجة، ولا [يحرم] المصير إلى القول المرجوع عنه، لأن الإجماع إنما يكون حجة بشرط أن لا يتقدم اختلاف. فإذا تقدم، لم يبق حجة. وعند هذا لا يصح التمسك بقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على الخطأ). فإن هذا القول يحسم عن الإجماع الشرط، ويثبت
стр. 1598
أن قولهم حجة وصواب متى اتفقوا. هذا نهاية ما ذكروه، وكل هذه الطرق من الانفصال باطلة.
فإن قيل: فما الذي ترونه؟ قلنا: الذي نراه أن القول المرجوع إليه هو الحجة، ولا يجوز التمسك بالقول المرجوع عنه، لأنا قد قررنا أن الإجماع عند القولين، إنما هو على نفي الثالث، ولم يقع اتفاق على واحد من القولين، والإجماع هو الذي يعين الحق في المجمع عليه، والمجمع عليه، هو الواحد، فيكون حجة قاطعة.
فإن قيل: (١٧٦/أ) فبم تنفصلون عن قول القاضي وغيره أنه حصل إجماع ضمني على صحة الأخذ بكل واحد من القولين، وتجويز الاستفتاء للعامة لمن شاء، وأمن المفتين، وثبوت الأقضية، ومنع نقض الأحكام، فهذا إجماع ضمني، وهو واجب الاتباع، كما قررتموه في جانب نفي القول الثالث؟ قلنا: إنما يلزم من يصوب كل مجتهد، فإنه يقدر إجماعا ضمنيا على تسويغ الاجتهاد بكل واحد من القولين، فيشكل عليه الأمر. وأما نحن فلا نرى ذلك، ونقول المصيب واحد، فلا نسلم الإجماع على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين، فبطل ما ذكروه.
فإن قيل: فهل يكون ما اتفقوا عليه إجماعا أم لا؟ قلنا: هو إجماع، لاتفاق كلمة الأمة بجملتها على قول واحد. فلا يصح أن يكون الحق في خلافه. فإطباقهم على حكم، يتبين أنه الحق.
فإن قيل: فهل رجوع بعضهم عن قوله يصيره كالعدم، أو يبقى القول
стр. 1599
معتبرا؟ فإن بقي معتبرًا، فالمسألة ذات قولين، فلا يتعين الأخذ بأحدهما، بل يرجع الأمر إلى تارات المجتهد. وإن الرجوع عنه يبطله بالكلية. فينبغي إذا رجع الحاكم أو المفتي عن قوله، أن تتعقب أحكامه، وأن يبطل ما تقدم من عباداته وغيرها. قلنا: أما قوله: ينقض أحكامه، فلا سبيل إلى ذلك، لمصلحة الحكم، فإن هذا لو فسخ، لأفضى إلى اضطراب، وعدم الوثوق بحل الأبضاع وانتقال الأملاك، فلا سبيل إليه. ونحن نقول: إذا كان الحكم في نفسه معينا عند الله، وإنما التبس علينا التعيين، وتحققنا أنه لا سبيل إلى أن يشذ الحق عن جميع الأمة في كل عصر. وإذا أطبقت الأمة على أحد الحكمين، تعين أنه الحق، ولم يجز المصير إلى الآخر، لحصول التعيين لقضية الإجماع على القول.
هذا هو مستند الجماهير في تعيين الأخذ بالمرجوع إليه. ومذهب القاضي قد بينا ضعفه. وقول الإمام راجع إليه، لأنه زعم أنه لم يتحقق تبكيت من يأخذ بالقول المرجوع عنه. وما كان ينبغي إذا لم يتحقق التبكيت أن يجوز الأخذ بالقول المرجوع عنه، بل كان ينبغي أن يتوقف عن الحكم حتى يتبين، هل كانوا يبكتون أو لا يبكتون؟ هذا منتهى الكلام في هذه الصورة.
قال الإمام: (فهذا قولنا مع اتحاد العصر. فأما إذا انقرض علماء العصر مع
стр. 1600
طول الزمان) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في هذه المسألة، وهي إذا اتفق التابعون على أحد قولي الصحابة.
فالذي ذهب إليه القاضي وغيره من المحققين أن القول الثاني لا يكون مهجورا. وذهب الكرخي وكثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وكثير من القدرية، كالجبائي وابنه إلى أن القول الآخر يكون مهجورا، وما أخذ به التابعون يكون إجماعا. والصحيح أنه لا يكون إجماعا، فإن هذا القول الذي أخذ به التابعون، ليس قول جميع الأمة، وإنما هو قول البعض. وقد أخذ به الباقون، فمذهبهم اختيار أحد القولين، فإن الذين ماتوا على ذلك المذهب هم من الأمة، فإجماع من بعدهم لا يكون إجماع جميع الأمة، بل إجماع البعض، فلا يتعين الأخذ به، ولا المصير إليه. ولو كان موت بعضهم يبطل مذهبهم، لكان موت الجميع يبطل مذاهبهم حتى يجوز إحداث خلاف ما حكموا به، وذلك ممتنع سمعا. (١٧٦/ب).
стр. 1601
فإن قيل: فإن صرحوا بتحريم القول الآخر، فماذا تقولون؟ قلنا: يجوز أن [نقول: ] ذلك ممتنع، لأنه يفضي إلى تناقض الإجماعين، فإن الأمة مضت على التعيين على وجه القطع. فإن قطع هؤلاء القوم بالتعيين، فهو مناقض للإجماع الأول، فيكون ممتنعا. أو نقول: يصح أن يقولوا ذلك، ولكن يكونون محجوجين بالإجماع، ولا يمتنع أن يخالف بعض الأمة الإجماع، وإنما يمتنع مخالفة الجميع. وقد قلنا: إنهم بعض الأمة في هذه المسألة التي أفتى فيها الصحابة، وإن كانوا كل الأمة في مسألة أخرى. ولكن يلزم منه تجويز أن يخالفوا إجماع الصحابة بجملتهم، لأنهم بعض الأمة في المسألة التي حكم فيها الصحابة.
هذا هو اللازم على هذا الطريق، والأصوليون لا يلتزمون هذا، ويقولون: لا يجوز أن يجمع التابعون على خلاف قول الصحابة. والذي عندي أنه لم يقم له دليل على استحالة ذلك. والظاهر عندي جوازه، وهو مما أستخير الله
стр. 1602
فيه. ولكن هذا يفضي إلى مخالفة قوله ﷺ : (لا تزال طائفة على الحق).
فإذا أجمع التابعون على خلاف ما قاله الصحابة، فقد تعين الحق بإجماع، فيكون التابعون على خلاف الحق، فيزول قوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق). إلا أن يقال: هذا من أخبار الآحاد، فلا يحصل علما، أو يقدر أن المراد: لا يزال قول هو حق ثابت إلى قيام الساعة. وهذا بعيد عن ظاهر الخبر. والطائفة جماعة، ولهذا قال: (لا يضرهم خلاف من خالفهم إلى أن يأتي أمر الله وهم ظاهرون). فهذا ما في المسألة من الإشكال والغموض.
فإن قيل: فلو أجمع العلماء على أمر، ثم تذكر منهم واحد حديثا، وتحقق أنه سمعه من الرسول ﷺ ، وأنسي ذكره وقت الحكم، وعرف أن القوم، لو علموه، لما أفتوا بما أفتوا به، فهل يجوز أن يرجعوا إليه، أو لا يرجعوا؟ فإن لم يرجعوا، كانوا مخالفين، لا سيما الذي سمع الخبر وعلمه، فكيف يستمر على حكم مستند إلى رأيه، والسنة عنده على نقيضه؟ وإن رجع إلى مقتضى الخبر، فكيف يصح الرجوع عن أمر أجمعت عليه الأمة، وتعين الحق فيه؟
وهذا سؤال غامض. ولهذا السر اشترط بعض العلماء انقراض العصر،
стр. 1603
ليأمن من هذه الغائلة. وقد أجبت عن هذا بأمرين:
أحدهما - أن فرض ذلك محالن فإن الله يعصم الراوي عن نسيان ذلك، حتى يتم الإجماع، ويعصم الأمة عن الحكم على خلاف سنة ثابتة صحيحة. ولو جاز ذلك، لبطلت العصمة، ولم تتحقق الإصابة. فإن قطع الراوي بذلك؟ قلنا: هذا حديث نسخ، ولم تطلع أنت على نسخه. فلئن قيل: كيف يتصور النسخ، ولم ينقله أحد؟ قلنا: قد يتفق أن يموت من اطلع على النسخ قبل أن ينقله. فعصمة الأمة تدل على خروج الخبر عن كونه حجة. وكم من سنة أحياها عملهم المستمر؟
هذا وجه في الجواب كاف، وقد قال أبو حامد: ينظر إلى أهل الإجماع، فإن صمموا على الاستمرار على الحكم عندما بلغهم الخبر، تيقنا أنه منسوخ، أو ضعيف، أو غير ذلك من الوجوه التي تقتضي منع التعلق به. فإن رجعوا إليه، قلنا: كان ما أجمعوا عليه حقا في ذلك الوقت، ثم صار الانتقال عنه حقا.
стр. 1604
قال: وهذا بمثابة ما لو عمل بالمنسوخ بعد (١٧٧/أ) نزول الناسخ من لم يعلم بالناسخ، لا لتفريط من قبله، فإنه يكون محقا في عمله. فإذا بلغه الناسخ، حرم عليه العمل.
وهذا القول الضعيف، لأنه يفضي إلى أن تصح مخالفة الإجماع، ويقال: كان ذلك الذي اتفقوا عليه حقا، وقد صار تركه حقا، وكان يجوز للتابعين أن يروا خلاف رأيهم، ولا يكون الإجماع حجة على الدوام. فالصواب التمسك بالوجهين السابقين، وهما: إما الاستحالة، أو تعين سقوط العمل بالرواية. والله تعالى هو المعين، وبه الحول والقوة.
قال الإمام: (مسألة: إذا اتفق أهل الإجماع على عمل، ولم يصدر [منهم] قول) إلى قوله (ثبت ما دلت عليه القرينة). قال الشيخ: ما ذكره القاضي غامض. فإنه قال: اتفاق أهل الإجماع على فعل يبعد تصويره، فإنهم لا
стр. 1605
يعصمون عن الخطأ والزلل. كيف يقال هذا، وقد قال ﷺ : (لا تجتمع أمتي على الخطأ)، والعصمة ثابتة لهم؟ فكيف يجعل الدليل على منع تصور ذلك، والعصمة غير ثابتة؟ وهي التي تضمنتها الأخبار، وقد سبقت الأدلة على عصمة أهل الإجماع. ولكنه يقول: تلك الأدلة دلت على العصمة عند الفتوى، فأما الفعل، فلم تدل عليه.
стр. 1606
ثم قال: (فإن زعم زاعم أن العصمة تجب لجمعيهم، فأما أن تجب لآحادهم فلا، فلم يمنع صدور الزلل عن بعضهم، فإذا كان كذلك، لم يصح ثبوت العصمة للجميع). يشير بذلك إلى أنه إن انكف بعض عن العصمة، فبعض يتعاطاها. فكأنه يمنع أن لا تصدر معصية من الأمة بجملتها. وهذا غير صحيح، فإنه يمنعون بجملتهم عن معاصٍ بينة، وهي التي تخل بالعدالة، وتمنع قبول الفتوى. فلعل مراده بذلك: المعاصي التي لا تعد من الموبقات، وهي التي يجوزها بعض الناس على الأنبياء. فلعمري إن مثل هذا الصنف، لم تجر العادة بانكفاف الجميع عنه. فإن أراد ذلك، فهو صحيح. وإذا كان كذلك، لم يصح أن يتعلق بفعلهم على إباحة الشيء الذي تعاطوه، لاحتمال أن يكون بعضهم يتعاطاه مع اعترافه بتحريمه. فإن قيل: فهذا أيضا مطرد في القول والفتوى، فينبغي أن لا تكون حجة. فله أن يقول: دلت الأدلة على العصمة في القول والفتوى، ولم تدل على العصمة في الفعل. هذا مغزى كلامه.
وأما الإمام فإنه قال: (إذا حصل اتفاقهم على فعل واحد، دل على نفي الحرج، كما تقدم في فعل رسول الله ﷺ ). فإن مستندنا في رفع الحرج عن
стр. 1607
الفعل المطلق الذي لا يعد من قبيل القرب، ما تقدم من اعتقاد الأول رفع الحرج عندما ينقل لهم فعل رسول الله ﷺ . وهذا يطرد عنده فيما إذا نقل الفعل عن أهل الإجماع.
والذي قاله الإمام ظاهر عندي، ولكنه لا ينتهي عندي إلى درجة القطع. [وقياس فعل] أهل الإجماع على فعل الرسول، غير مكتفي به في هذا الفن. ولعمري لقد كان الأولون يتعلقون في كثير من الأحكام بأفعال بعض الصحابة المشهورين، فكيف إذا نقل الفعل عن الجميع؟ إلا أن القطع بالتبكيت عندما يخالف في حل ما فعله الجميع مقدر غير منقول. فلذلك تعذر العلم فيه، وحصل غالبا على الظن جدا، فينتهض علما في مسائل الظنون، على ما قررناه في نقل الإجماع على ألسنة الآحاد. ولا ينتفع به في القطعيات. هذا هو الذي (١٧٧/ب) نراه في هذه المسألة. والله الموفق للصواب.
قال الإمام ﵀: (الفن الرابع: في الأمر الذي ينعقد الإجماع فيه) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذا الذي كنا قد ذكرنا أنه الركن الثالث. فإنا لما قلنا في حد الإجماع إنه: اتفاق أهل الحل والعقد في أمر من أمور الدين. وتكلمنا على الإجماع وحقيقته، وما يكون إجماعًا مصرحًا به وضمنيًا. وتكلمنا
стр. 1608
أيضًا على أهل الإجماع، باعتبار الصفة والعدد، وبقي الكلام في بيان المتفق عليه، الذي ينتهض الإجماع فيه حجة.
فأما قول الإمام: (إن الإجماع إنما يكون حجة في السمعيات دون العقليات). فغير مطرد. وهو قد تكلم على هذا في مقدمة الكتاب حيث قال: (كل مدرك يتقدم على ثبوت كلام صدق، يستحيل دركه من سمع، فإن مستند السمعيات كلها الكلام الحق الصدق). قال: (وأما من أحاط بكلام صدق، ثم
стр. 1609
نظر بعده في جواز الرؤية، وخلق الأعمال، [وإرادة الكائنات]، فما يقع من [هذه الأصول] [بعد ثبوت الكلام]، فلا يبعد أن يدرك من العقل). وهذا الكلام هو الصحيح.
والضابط: أن كل أمر يجوز دركه من النبي ﷺ ، يجوز دركه من أهل الإجماع. والذي يجوز دركه من الرسول: كل أمر أمكن أن يعلم صدق المدعي عند ظهور المعجزة، مع الغفلة عنه، فهذا يصح أن يدرك من الرسول. ثم إن كان أمرا يتعلق بالمعقولات، جاز أن يدرك من العقل والسمع. وإن كان لا يتلقى من المعقولات - وهو من المجوزات في العادات - اتخذ [كطريق] باعث على الشريعة. ومن هذا القبيل جميع الأحكام الشرعية، [وكل] أمر يتعلق بالدار الآخرة، من الحشر والنشر وعذاب القبر والميزان إلى تفاصيل أحكام الآخرة.
قال الإمام: (مسألة: [اختلف الأصوليون في الأمم السالفة هل كان
стр. 1610
إجماعهم حجة])؟ إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ينبغي أن ينظر أولاً في هذه المسألة: هل يتعلق النظر فيها بالأصول، ولها فائدة في الشريعة أم لا؟ فإن لم يكن لها في معرفة الأحكام فائدة، تنزلت منزلة علم التواريخ، وصارت بمثابة الكلام فيما كان عليه رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله. وإن كان لها فائدة في هذه الشريعة، افتقر الأصولي إلى الكلام عليها.
فالصحيح في ذلك بناؤها على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن ثبت أنه شرع لنا، افتقر إلى النظر في إجماعهم، هل كان حجة عندهم أم لا؟ وإن ثبت أن شرع من قبلنا ليس شرع لنا، لم نفتقر إلى النظر في هذه المسألة بحال. والذي ثبت عندنا مغلبا على الظن أن شرع من قبلنا شرع لنا. على حسب ما قررناه. فنفتقر في هذا البحث عن إجماعهم، هل كان حجة أم لا؟ قال القاضي: لم يثبت عندي في ذلك شيء. وهذا هو الذي يقتضيه أصله، فإنه إنما أسند كون الإجماع حجة إلى أخبار الشرع عن عصمة هذه الأمة، ولم يسنده
стр. 1611
إلى العادة، ولم يتقرر من الشارع أخبار عن عصمة الأمم السابقة. فليس على هذا إلا الوقف. وقال قائلون: لم يزل حجة. وهؤلاء يمكن أن يسلكوا مسلك العادات، في أنه لا يتأتي الاتفاق إلا عن مستند قاطع، وهو تلويح إلى طريق الإمام.
وأما تفرقة الإمام بين المقطوع به والمظنون، فإنه (١٧٨/أ) قياس قوله، لأنه لا يرى العادة تحيل على عدد التواتر أن يقطعوا بالحكم إلا عن مستند قاطع، وهذا مطرد. والاعتراض عليه قد سبق في تقرير دليل الإجماع. وقلنا: إن العادة إنما تحيل على عدد التواتر تعمد الكذب. فأما أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا، فلا تحيل العادة ذلك.
стр. 1612
وأما الصورة المظنونة، فأول الكلام فيها جيد، وهو أن الإجماع في هذه الصورة إنما انتهض حجة لتبكيت المجمعين من خالف هذا الإجماع. قال: ولم يثبت عندنا تبكيت من خالف الإجماع المظنون في الشرائع المتقدمة. وهذا كلام صحيح، ولكنه قد قال في الإجماع المظنون في شريعتنا: إنه إنما يكون حجة بشرط الزمان وتكرار الواقعة حتى ينتهي الأمر إلى القطع. [وإن] كان كذلك، لزم المصير إليه. لأنه لا يكون مسلكا مسوغا قطعا. وكذلك ينبغي على هذا التقدير في الإجماع في الشرع القديم أنهم إذا ظنوا واستمروا الزمان الطويل مع تكرار الواقعة. فهذا لا يكون إلا عن مستند قاطع أو كالقاطع، لتناهيه في الظهور. وما كان كذلك، فهو مسلك. فإذًا إن قطعوا، دل على مستند قاطع، وهو دليل لا شك. إن ظنوا على الشرط المذكور، دل على مستند قوي، سواء كان ذلك في شرعنا أو شرعهم. فلا معنى على أصله للفرق بين المقطوع به والمظنون. لاسيما إذا كانت أحكامهم منقسمة إلى ما يقطع به وإلى ما يظن.
وحاصل الأمر [أنه] تمسك بالعادة في الموضعين، والعادة لا تختلف
стр. 1613
بحال. والذي نختاره في هذه المسألة التوقف في الإجماع في الملل السالفة، كما قال القاضي، لا بالنظر إلى طريقة، ولكن من جهة أنا إنما علمنا صحة الإجماع، عندما يقطع أهل الإجماع بالحكم، من جهة حصرنا جهات الخطأ، وبيان انتفائها عن الأمة، لحصول العلم بمفهوم المدلول، ولاستحالة الغلط في طريق النقل، على ما قررناه. ولم يثبت عندنا استحالة الغلط في مستند فهم الحكم من أهل الشرائع المتقدمة. فإن ثبت استحالة الغلط عليهم في فهم المستندات، فلا فرق على حال.
قال الإمام: (مسألة: نقل أصحاب المقالات عن مالك ﵀ أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذا المذهب مشهور عن مالك في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة. ولكنه عندي لا ينزل منزلة
стр. 1614
إجماع الأمة، حتى يفسق المخالف، وينقض قضاؤه. ولكنه يقول: هو حجة على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة، كما يستند إلى القياس وخبر الواحد.
فأما المصير إلى التفسيق والتأثيم، ونقض الحكم، فلا يقوله مالك بحال.
ثم الذي يظهر من مذهبه أن الأعمال التي نقلت عن أهل المدينة منقسمة: إلى ما نقل مستفيضا، نقله كابر عن كابر. فهذا لا يختلف مذهبه في أنه معتمد. وهذا بمثابة مسألة الأحباس، نقل لمالك أن شريحا لا يجيز الأحباس، فقال: (شريح تكلم في بلده، ولم يقدم المدينة، فيرى أحباس الصحابة والتابعين، وما ينبغي للإنسان أن يتكلم فيما لم يحط به خبرا). وكأن مذهبه في هذا يشير إلى
стр. 1615
أن هذه الأمور إنما استمرتـ بناء على سنة مستقرة عند القوم. ولهذا قال هو أو بعض أصحابه: (كم من سنة دارسة أحياها عملهم المستمر). وكذلك المد والصاع (١٧٨/ب) وغير ذلك من الأشياء التي يتواتر نقلها عن الأولين من الصحابة والتابعين. هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يرووا أخبارا ويخالفوها. فهذا قد تقدم الكلام عليه. واختيار الإمام أن الراوي الواحد إذا فعل ذلك، سقط التمسك بروايته، ورجع إلى عمله. فما الظن بعلماء المدينة بجملتهم؟ فعلى هذا يدل عملهم على ناسخ اتفق بلوغه إليهم ولم يبلغنا. فكأنه في الحقيقة تمسك بخبر دل على اتفاقهم عليه.
الصورة [الثالثة]: أن لا ينقلوا الخبر، ولكن يصادف خبر على نفيض حكمهم. فهذه أضعف من الأولى. ولكن غلبة الظن حاصلة بأن الخبر لا يخفى عن جميعهم، لهبوط الوحي في بلدهم، ومعرفتهم بالسنة. ولهذا كان الناس إذا اختلفوا في غير المدينة في الأحكام الشرعية، أرسلوا إلى المدينة يسألون عن ذلك، ثم يصيرون إلى ما يذكره أهل المدينة. فالظاهر منهم على هذه الحالة أن
следующие страницы →