Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
إلى العادة، ولم يتقرر من الشارع أخبار عن عصمة الأمم السابقة. فليس على هذا إلا الوقف. وقال قائلون: لم يزل حجة. وهؤلاء يمكن أن يسلكوا مسلك العادات، في أنه لا يتأتي الاتفاق إلا عن مستند قاطع، وهو تلويح إلى طريق الإمام.
وأما تفرقة الإمام بين المقطوع به والمظنون، فإنه (١٧٨/أ) قياس قوله، لأنه لا يرى العادة تحيل على عدد التواتر أن يقطعوا بالحكم إلا عن مستند قاطع، وهذا مطرد. والاعتراض عليه قد سبق في تقرير دليل الإجماع. وقلنا: إن العادة إنما تحيل على عدد التواتر تعمد الكذب. فأما أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا، فلا تحيل العادة ذلك.
стр. 1612
وأما الصورة المظنونة، فأول الكلام فيها جيد، وهو أن الإجماع في هذه الصورة إنما انتهض حجة لتبكيت المجمعين من خالف هذا الإجماع. قال: ولم يثبت عندنا تبكيت من خالف الإجماع المظنون في الشرائع المتقدمة. وهذا كلام صحيح، ولكنه قد قال في الإجماع المظنون في شريعتنا: إنه إنما يكون حجة بشرط الزمان وتكرار الواقعة حتى ينتهي الأمر إلى القطع. [وإن] كان كذلك، لزم المصير إليه. لأنه لا يكون مسلكا مسوغا قطعا. وكذلك ينبغي على هذا التقدير في الإجماع في الشرع القديم أنهم إذا ظنوا واستمروا الزمان الطويل مع تكرار الواقعة. فهذا لا يكون إلا عن مستند قاطع أو كالقاطع، لتناهيه في الظهور. وما كان كذلك، فهو مسلك. فإذًا إن قطعوا، دل على مستند قاطع، وهو دليل لا شك. إن ظنوا على الشرط المذكور، دل على مستند قوي، سواء كان ذلك في شرعنا أو شرعهم. فلا معنى على أصله للفرق بين المقطوع به والمظنون. لاسيما إذا كانت أحكامهم منقسمة إلى ما يقطع به وإلى ما يظن.
وحاصل الأمر [أنه] تمسك بالعادة في الموضعين، والعادة لا تختلف
стр. 1613
بحال. والذي نختاره في هذه المسألة التوقف في الإجماع في الملل السالفة، كما قال القاضي، لا بالنظر إلى طريقة، ولكن من جهة أنا إنما علمنا صحة الإجماع، عندما يقطع أهل الإجماع بالحكم، من جهة حصرنا جهات الخطأ، وبيان انتفائها عن الأمة، لحصول العلم بمفهوم المدلول، ولاستحالة الغلط في طريق النقل، على ما قررناه. ولم يثبت عندنا استحالة الغلط في مستند فهم الحكم من أهل الشرائع المتقدمة. فإن ثبت استحالة الغلط عليهم في فهم المستندات، فلا فرق على حال.
قال الإمام: (مسألة: نقل أصحاب المقالات عن مالك ﵀ أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: هذا المذهب مشهور عن مالك في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة. ولكنه عندي لا ينزل منزلة
стр. 1614
إجماع الأمة، حتى يفسق المخالف، وينقض قضاؤه. ولكنه يقول: هو حجة على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة، كما يستند إلى القياس وخبر الواحد.
فأما المصير إلى التفسيق والتأثيم، ونقض الحكم، فلا يقوله مالك بحال.
ثم الذي يظهر من مذهبه أن الأعمال التي نقلت عن أهل المدينة منقسمة: إلى ما نقل مستفيضا، نقله كابر عن كابر. فهذا لا يختلف مذهبه في أنه معتمد. وهذا بمثابة مسألة الأحباس، نقل لمالك أن شريحا لا يجيز الأحباس، فقال: (شريح تكلم في بلده، ولم يقدم المدينة، فيرى أحباس الصحابة والتابعين، وما ينبغي للإنسان أن يتكلم فيما لم يحط به خبرا). وكأن مذهبه في هذا يشير إلى
стр. 1615
أن هذه الأمور إنما استمرتـ بناء على سنة مستقرة عند القوم. ولهذا قال هو أو بعض أصحابه: (كم من سنة دارسة أحياها عملهم المستمر). وكذلك المد والصاع (١٧٨/ب) وغير ذلك من الأشياء التي يتواتر نقلها عن الأولين من الصحابة والتابعين. هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يرووا أخبارا ويخالفوها. فهذا قد تقدم الكلام عليه. واختيار الإمام أن الراوي الواحد إذا فعل ذلك، سقط التمسك بروايته، ورجع إلى عمله. فما الظن بعلماء المدينة بجملتهم؟ فعلى هذا يدل عملهم على ناسخ اتفق بلوغه إليهم ولم يبلغنا. فكأنه في الحقيقة تمسك بخبر دل على اتفاقهم عليه.
الصورة [الثالثة]: أن لا ينقلوا الخبر، ولكن يصادف خبر على نفيض حكمهم. فهذه أضعف من الأولى. ولكن غلبة الظن حاصلة بأن الخبر لا يخفى عن جميعهم، لهبوط الوحي في بلدهم، ومعرفتهم بالسنة. ولهذا كان الناس إذا اختلفوا في غير المدينة في الأحكام الشرعية، أرسلوا إلى المدينة يسألون عن ذلك، ثم يصيرون إلى ما يذكره أهل المدينة. فالظاهر منهم على هذه الحالة أن
стр. 1616
يكون الخبر ثابتا عندهم، فيتنزل منزلة ما لو رووا وخالفوا. وقد قدمنا الكلام على هذا قبل ذلك.
الصورة الرابعة: أن لا ينقل خبر على خلاف قضائهم، ولكن يكون القياس على غير ذلك. فهذا موضع فيه نظر، فقد يقال: إنهم لم يخالفوا القياس مع معرفتهم به، وبكونه حجة في الشريعة، إلا لتوقيف منع من التمسك به. وقد يقال: قد ينظرون نظرا لا يوافقون عليه.
لا جرم اختلف قول مالك في هذه الصورة: كما في القصاص بين الحر والعبد، وبين الكافر والمسلم يجري في النفوس من أحد الجانبين، ونعني بذلك أن العبد إذا قتل الحر قتل به. وإن قتله الحر، لم يقتل به. وكذلك إن قتل الكافر المسلم، قتل به. وإن قتل المسلم الكافر، لم يقتل به. وأما إذا وقعت الجراح في الأطراف، فقد قال مالك في القول المشهور: إنه لا يجري القصاص بينهما في الأطراف. وهو قول الفقهاء السبعة. وإن كان القياس يقتضي إلحاق الأطراف بالنفوس في القصاص.
ولمالك قول آخر أن القصاص يجري، تمسكا بالقياس. والأول هو المشهور من مذهبه، وهو [يشير] إلى إثبات خبر، تلقيا من قضاء العلماء بخلاف القياس. وقد قال الشافعي: (نقل عن علي - كرم الله وجهه - أنه صلى
стр. 1617
في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات). قال الشافعي: لو ثبت هذا عن علي لقلت به). لأنه لا يفعل ذلك إلا عن توقيف. فهذا الذي أنكر على مالك، هو عين مذهب الشافعي. وطريقه من جهة تغليب الظن، ما ذكرناه.
الصورة الخامسة: أن يصادف قضاؤهم، لا على خلاف خبر منقول عنهم أو عن غيرهم، ولا على خلاف قياس، حتى يستدل به على خبر لأجل مخالفة القياس. والصواب عندي في هذه الصورة أن لا يلتفت إلى العمل المنقول، ويرى الناظر رأيه في المسألة، إما موافقا أو مخالفا. إلا أن يقول قائل: إنهم أعلم من غيرهم. فهذا جنوح إلى التقليد من غير استناد إلى دليل. وليس هذا عندنا من طرق الاجتهاد. فالصواب الإضراب عن العلم في [هذه الصورة].
وبالله التوفيق.
قال الإمام: (مسألة: إذا اتفق علماء التابعين على حكم في واقعة عنت لهم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: ما صار (١٧٩/أ) إليه المحققون من الأصوليين أن إجماع أهل كل عصر حجة، على الشرط المتقدم. وذهب داود
стр. 1618
وغيره من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة إلا في إجماع الصحابة. وهذا غلط فاحش، فإن الأدلة [الثلاثة] وهي: الكتاب والسنة [والعادة]- على حسب اختلاف الناس في مستند الإجماع - لا تفرق بين عصر وعصر. والتابعون في زمانهم في المسألة التي انفردوا بالحكم فيها، هم كل الأمة، فهو إجماع من جميع الأمة. ومن خالفهم، فهو سالك غير سبيل المؤمنين. ويستحيل بحكم العادة أن يشذ الحق مع [كثرتهم] عند من يأخذه من العادة. وقد تمسكوا بشبهتين:
إحداهما - أنهم قالوا: مستند الإجماع الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾. فيتناول الذين عقلوا الإيمان، وهم الموجودون وقت نزول
стр. 1619
الآية، فإن المعدوم لا يوصف بالإيمان، ولا يكون له سبيل.
وقوله ﵇: (لا تجتمع أمتي على الخطأ). يتناول أمته الذين آمنوا به، وتصور إجماعهم واختلافهم، وهم الموجودون. وهذا باطل من وجهين:
أحدهما - أن هذا غلط على مقتضى اللسان، فإن القائل إذا قال: من فعل كذا لزمه كذا. لا يكون ذلك مختصًا من جهة وضع اللسان بموجود وقت الخطاب، بل لهذا اللفظ صلاحية لتناول كل من كان أو يكون إلى آخر عمر الدنيا. وكذلك قول الرسول ﵇: (لا تجتمع أمتي على الضلالة أو الخطأ). لا يختص بالموجودين وقت القول على حال. ولذلك كان كل قول يتعلق بالآخرة، متناولاً لكل من يكون من أمته إلى يوم القيامة. وقد قال رسول الله ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). ولم يختص ذلك بأمته الذين كانوا موجودين وقت قوله.
وكذلك جميع الألفاظ التي في كتاب الله التي لم تأت على جهة خطاب المواجهة، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة ... ﴾ و﴾ الزانية
стр. 1620
والزاني ... ﴾﴾ ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا .. ﴾، ﴾ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. فهذه الألفاظ باتفاق أهل اللسان وعلماء الإسلام لا اختصاص لها بحال. نعم، قد يتردد المتردد في الألفاظ التي جاءت على خطاب المواجهة، كقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا﴾، ﴾ يا أيها الناس﴾.وما يجري مجرى ذلك، هل يتناول هذا من جاء بعد ذلك، أو يكون مختصا بالموجودين؟ هذا فيه نظر.
والصحيح أنه متناول للجميع، فإن الله تعالى هو المخاطب على الحقيقة، والرسول في معنى المبلغ. فإذا تم التبليغ، لم يؤثر موت المبلغ. فالله تعالى قائل، ونحن في زماننا: ﴿يا أيها الذين أمنوا .. ﴾. وقد قال الله تعالى خبرا عن رسوله ﷺ : ﴿وأوحى إلى هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ﴾. فالقرآن نذير للجميع، ومبشر أيضا.
ثم كان يلزم من مقتضى ما ذكروه، أنه إذا مات واحد من المسلمين بعد نزول هذه الآية، أن لا يلتفت إلى إجماع من بعده، لأن المعصومين قد مات بعضهم. وقد ساعدونا على انعقاد الإجماع حجة بعد موت رسول الله ﷺ ،
стр. 1621
بعد أن مات بعض من كان حيا وقت نزول الآية.
وكان يلزم أيضًا عليه أن من تجدد بعد نزول الآية، وبلغ مبلغ الاجتهاد، أن لا يلتفت إليه في إجماع، ولا في خلاف. وهم لا يقولون ذلك، بل اعترفوا بأن الميت بعد النزول، وقبل موت رسول الله ﷺ ، لا يضر في انعقاد الإجماع. وكذلك يعتبر من حدث بعد النزول وبلغ رتبة الاجتهاد في زمن الصحابة.
الشبهة (١٧٩/ب) الثانية: قالوا: الواجب اتباع سبيل جميع المؤمنين، والذين ماتوا لم يخرجوا من الأمة، بدليل ما لو قالوا قولا ثم ماتوا، فإنهم بموتهم لم يخرجوا من الأمة. فإجماع التابعين بعدهم، لا يكون إجماع جميع الأمة، بل إجماع البعض، فلا تكون فيه حجة. فإذا كان الخلاف يدفع الإجماع، فالوفاق مشترط، ولم يوجد الوفاق.
قالوا: وقياس هذا أيضًا يقتضي ألا يثبت نعت الكلية للصحابة، ولكن لو قيل بذلك، لم ينتفع بالإجماع بحال. فأثبتنا إجماع الصحابة حجة، ولم يثبت ما زاد عليه. وإلا فلولا ذلك، لكنا ننتظر لحوق التابعين أيضًا. وهذا يفضي إلى أن لا يكون إلا في القيامة. هذا خيالهم، وهو باطل على القطع بأوجه:
منها - أن ما ذكروه يبطل بالميت الأول من الصحابة، [لأنه] بموته لم يخرج من الأمة، ولا ينبغي أن ينعقد إجماع بعده.
وأيضا - فإنا نعلم أن الرسول ﷺ ما أراد بعصمة الأمة التعرض لمن هلك
стр. 1622
قبل وقوع الواقعة. [و] إنما يقول هذا لمن يتصور منه الحكم في المسألة بعد فهمها. وأما الميت فهو معدوم على الحقيقة، فكيف يصح أن يكون المراد بقوله: (لا تجتمع أمتي على الخطأ). للمعدوم؟ هذا محال لا شك فيه.
وأيضا - فإنا لما قطعنا بأنه لا نظر إلى الآتين، فلا نظر إلى الماضين، بل انتظار الآتي أقرب، فإنه يصح أن يدخل الوجود، ويكون من أهل الاجتهاد. وأما من وجد ثم عدم، فنحن على بصيرة من أنه لا يعود إلى يوم القيامة، دل ذلك على أن الماضي لا يعتبر، كما أن الآتي لا ينتظر.
وأيضا - فإنه علم بالضرورة أنه ليس المراد بالأمة الطفل والمجنون، وإن ثبت لهما أصل الوجود، فلأن لا يراد به المعدوم والميت أولى. بل نعت الكلية ثابتة للموجودين في كل عصر، من غير نظر إلى سابق أو لاحق.
قالوا: لو كان الأمر كذلك، للزم أن يقال: إذا أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة، أن يكون القول الآخر مهجورا، لأن الأمة في هذا الزمان على خلافه، وليس كذلك، دل ذلك على أن الميت معتبر. وعنه جوابان:
أحدهما - أن هذا يبطل بالميت الأول من الصحابة، لأن إجماع من بعده إجماع جميع الأمة. دل ذلك على أن لا التفات لموت من يموت في انعقاد الإجماع، في مسألة انفرد أهل العصر بالحكم فيها.
الثاني - أن السبب في أن قول التابعين لا يكون إجماع جميع الأمة، لأنهم في المسألة المعينة ليسوا كل الأمة، فإن المذاهب لا تموت بموت
стр. 1623
أربابها. قالوا: هذا تناقض، لأن التابعين كل الأمة في مسألة، وليسوا كل الأمة في مسألة، وهم بحالهم، هذا جمع بين النفي والإثبات. قلنا: ليس كذلك، فإن التناقض إنما يكون عند التوارد على الشيء الواحد، من وجه واحد. وههنا لا يثبت لهم نعت الكلية بالإضافة إلى المسألة التي انفردوا بالحكم فيها، بخلاف المسألة التي أفتى فيها غيرهم.
قالوا: لو خالف [واحد] من الصحابة، لم ينعقد الإجماع [إذا نقل]. فإذا لم ينقل، فيمكن أن يكون [خالف]، وإذا تطرق الإمكان، بطلت الحجة القاطعة. وعنه جوابان:
أحدهما - أن نقول: هذا يبطل بالميت الأول من الصحابة، (١٨٠/أ) فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة خلافه.
الثاني - أنه يلزم إذا ثبت أن الصحابة لم يخوضوا في المسألة، أن يعرف بصحة إجماع التابعين، وكونه حجة، وهم لا يقولون بذلك. وقد ذهب بعض الناس إلى أن القول الآخر يصير مهجورًا، بناء على ثبوت نعت الكلية للتابعين. فعلى هذا لا ورود للشبهة على حال. ولكنا لا نختار هذا، ولا يكون إجماع التابعين على أحد القولين موجبًا لاطراح القول الآخر. وقد قدمنا بيان ذلك.
стр. 1624
الثالث - أنه لو التفت إلى هذا الاحتمال المجرد، لم يثبت شيء من الحجج، إذ يقول القائل: ما المانع من نسخ النص، ولم يعلم بذلك؟ وما المانع من رجوع واحد من المجمعين قبل اتفاق الكل؟ فنقول: هذا الاحتمال يبطل الحجج على الإطلاق. وما أفضى إلى رفع الشرع، وجب الإعراض عنه.
فإن قيل: الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع، فلنستصحب الأصل. قلنا: هذا باطل من وجهين:
[أحدهما -] أن التمسك بالأصل، لا [يحصل] علمًا بالحكم، بل قد قال جماعة من الأصوليين: ليس الاستصحاب من الأمارات بحال. فكيف يقطع بدوام الحكم، بناء على الاستصحاب، لولا قواطع السمع؟ على أنه لا التفات لذلك الاحتمال المجرد.
الثاني - أن هذا يبطل بالميت الأول من الصحابة، فإن إمكان خلافه، لا يتنزل منزلة حقيقة خلافه. وفي انعقاد إجماع الصحابة على تحريم مخالفتهم، ووجوب الاتباع، يدل دلالة قاطعة على وجوب الإضراب عن هذا الاحتمال. هذا تمام الكلام. والله المستعان.
стр. 1625
قال الإمام: (مسألة: إذا ذهب معظم العلماء إلى حكم وخالف فيه واحد منهم) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: اختلف الناس في مخالفة الأقل، هل يقدح في الإجماع أو لا يقدح؟ والصحيح عندنا أنها قادحة. وقال قوم: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع وإلا فلا. وإنما قلنا ذلك، لأن الأدلة الدالة على عصمة الأمة إنما تتناول الجميع، وعند مخالفة البعض، لا يتحقق الإجماع. فإن قيل: قد تطلق الأمة ويراد بها الأكثر. كما يقال: بنو فلان يحمون الجار، ويكرمون الضيف، ويريدون الأكثر. قلنا: هذا مجاز، لا يصح أن تتلقى من مثله مآخذ الحقائق.
وقد تمسكوا: بأن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهى عن الانفراد، فكيف
стр. 1626
يتوقف الإجماع على موافقة الشاذ؟ وهذا غلط لوجهين:
أحدهما - أن المراد بتلك المناهي: الخروج عن رأي الأئمة، الذين إليهم ترد أمور الرعية، فيكون في ذلك إدخال فساد على الناس.
الثاني - أن هذا يطرد في الثالث، فإنه شاذ بالإضافة إلى بقية الأمة. هذا هو الذي نختاره.
أما ما ذهب إليه الإمام من الاعتراف بأن مخالفة الواحد مضرة في انعقاد الإجماع. قلنا: إن خصه بالإجماع المستند إلى ظن، فله وجه. وإن طرده في الصورتين جميعًا، فلا وجه له، لأنه تلقى صحة الإجماع في تلك الصورة بقطع المجمعين بالحكم مع كثرة العدد. فإذا كثر العدد، بحيث يبلغ عدد التواتر، ووقع القطع بالحكم قبل أن يراجع المخالف، قطعنا بالمستند.
وعلى هذا التقدير، ما كان يفتقر بعد بلوغ (١٨٠/ب) عدد التواتر إلى مراجعة بقية العلماء على حال، فيخرج الإجماع عن أن يكون دليلاً، ولا يبقى من مسائله وتفاريعه شيء البتة. وإنما يرجع النظر إلى حصول عدد التواتر، قاطعين بالحكم، فيعلم المستند القاطع، فلا حاجة إلى مراجعة الباقين، سواء
стр. 1627
وافقوا أو خالفوا: وهذا شديد، لا سبيل إلى المصير إليه بحال.
فإن قيل: فأنتم قد رجعتم إلى هذا الطريق، إذ تلقيتم القاطع من جهة حصر المستندات المانعة نم العلم ونفيها، فيرجع الأمر إلى تلقي قاطع من الإجماع. وهذا يقتضي أيضًا أن لا يشترط، بل يكتفى بعدد التواتر، فقد لزمكم ما ألزمتوه. قلنا: ليس كذلك، فإنا تلقيناه من اتفاق حصل [من] أزيد من عدد التواتر [قطعًا]، [فدل] على عصمة الأمة، لا باعتبار عدد مخصوص، بل عندما يحصل نعت الكلية للمجمعين. فلم يكن بد من حصول ما دل القاطع عليه من عصمة جميع الأمة. لا جرم أنا ننظر بعد ذلك في أن القوم قد كثر عددهم أم قل، ولا أنهم هل استندوا إلى قاطع أو مظنون؟
فكلام الإمام يقتضي النظر مستندًا إلى كل عصر على حياله. فهذا هو الفرق بين الطريقتين.
قال الإمام: (مسألة: من فروع القول في اشتراط انقراض العصر) إلى
стр. 1628
آخر المسألة. قال الشيخ: الذين ذهبوا إلى اشتراط انقراض العصر، اختلفوا في التابعي مثلاً: إذا بلغ رتبة الاجتهاد في زمن الصحابة، هل يتمكن من إحداث الخلاف ؟ والسبب في ذلك النظر إلى سبب انقراض [العصر]، والامتناع من الإطلاق بانتهاض الحجة في الحال، هل ذلك لأن انقراض العصر شرط شرعًا مقصودًا بالاشتراط، أو إنما ذلك لإمكان اطلاع المجمعين أو بعضهم على أمر يقتضي الرجوع؟ فإن [كان] ذلك لثبوت الاشتراط شرعًا، لزم تسويغ
стр. 1629
الخلاف للتابعي، إذ قد بلغ رتبة الاجتهاد قبل تحقق الحجة القاطعة.
وهذا هو الذي حمل عليه الإمام كلامهم. وهذا لا شك - إذا قيل به - لا يتصور أن ينتهض الإجماع حجة أبدًا، لأنه إذا كان [وجود] التابعي يمنع انعقاد الإجماع لبلوغه رتبة الاجتهاد قبل انقراض الصحابة، فلما بلغ هو رتبة الاجتهاد، صار له قول، فيفتقر في انعقاد الإجماع إلى اشتراط موته. ثم كذلك فيمن يلحقه من الناس، وعلى هذا يمتنع القضاء بانعقاد الإجماع، وافق أو خالف، فلا يزال العلماء يتلاحقون والإجماع [لم] يتوقف أمره.
[فعلى] هذا لا ينتهض الإجماع حجة إلا بشرط انقراض العلماء
стр. 1630
بجملتهم، من غير أن يدركهم عالم مجتهد. وهذا عسر التصوير. فإذًا الصحيح أن الاشتراط عندهم، إنما كان لإمكان رجوع بعض المجتهدين. وشبههم تدل على ذلك، وقد بينا أن المقالة في أصلها ضعيفة، والتفاريع عليها أضعف منها. فالصواب الإضراب عن الاشتراط مطلقًا. وقد بينا وجه ذلك فيما سبق، فلا نعيده.
وأما ما ذكر عن ابن عباس، فلا يصح أن يكون أحدث الخلاف بعد سبق الإجماع. ولو كان كذلك، لكان النكير يشتد عليه. بل لا وجه لذلك إلا أنه كان وقت الفتوى من أهل الاجتهاد، ولم يبد مذهبه ذلك الوقت، لسبب اقتضاه. ولذلك أنه قال لما قيل له: (لم لم تظهر هذا في زمن عمر؟ (١٨١/أ)
стр. 1631
فقال: كان مهيبًا فخفته). فقد صرح بأنه كان يعتقد خلافهم وقت فتاويهم، ولكنه لم يظهر ذلك. والله أعلم.
قال الإمام: (مسألة: فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: قد ذكرنا فيما سبق ما يكفر [به]، وذكرنا أن المتفق عليه ثلاثة أقسام: منها ما يكون [نفس] اعتقاده كفرًا، ومنها ما ورد الشرع بأنه لا يصدر إلا من كافر، ومنها إنكار ما علم ضرورة من دين الأمة. وبينا أن التكفير في هذا إنما كان بالنظر إلى تكذيب الشارع، فإن من كذب الشارع، كفر على الإطلاق. وأما من كذب عليه، فيما لا يتعلق بالعقائد، بل في أصول الفقه وفروعه، فإنه لا يكفر.
стр. 1632
ومن هذا القبيل جحد كون الإجماع حجة، وكون القياس وخبر الواحد علامة، وكون الغرر مثلاً لا يفسد البيع، إلى غير ذلك من مسائل الأصول والفروع.
وأما كل من كذب الشارع، ولو في أيسر شيء، فهو كافر جاحد لمدلول المعجزة. ولا يصح الإيمان إلا بإثبات الصانع وتصديق رسله. ففرق بين تكذيب الرسول، وبين الكذب عليه.
وقد اختلف الناس في التكفير بمآل القول، وهو كقول المعتزلة بنفي الصفات مع الاعتراف بالأحكام، [وكقول] المعتزلة: إن الباري سبحانه تعالى عالم بنفسه، ولا علم له. فقال قائلون: هو بذلك كافر. وهذا قول أبي الحسن، وهو الجاري على أصله، فإنه ينفي الأحوال، ولا يثبت [لها]
стр. 1633
الأحكام، ولا ثابت عنده إلا الصفات.
وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن يقال: ليس بعالم، وبين أن يقال: لا علم له. إذ لا معنى لكونه عالما، إلا قيام العلم به. وهم مجمعون على أنه لو قال: ليس الباري تعالى عالما، فإنه كافر، فكذلك إذا قال: لا علم له. فهذا يرجع إلى التناقض، إذ صار معنى الكلام: عالم ليس بعالم، أو له علم ولا علم له. ويصح أن يقال بالتكفير: أخبر بصفات نفسه، كقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾. وتكون الأدلة القطعية قطعت الاحتمالات، وحقيقة النصوصية، فيصير ذلك إنكار متواتر. والأول أقوى.
وقد اختلف قول مالك في ذلك، فسئل عن القدري، فقال: كافر فاقتلوه.
стр. 1634
وقد قال أيضًا: إنه يضرب ويسجن حتى تظهر توبته. وسئل: هل يزوج القدري؟ فتلا قوله تعالى: [﴾ ولعبد مؤمن خير من مشركٍ ولو أعجبكم]﴾. والقول الأول أبين، لأنهم يعتقدون الصانع وإثبات النبوات. وهذان الأصلان هما اللذان أنبأ عنهما [قولنا]: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ومآل القول غير معتقد في الحال. وقد قال ﷺ : (القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة). فلم يخرجهم من الأمة، وإنما هم أهل أهواء وبدع، فأما التكفير فلا. هذا هو الظاهر عندنا. والله الموفق للصواب.
стр. 1635
والحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد نبيه، وعلى آله وصحبه. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نجز الجزء الأول من كتاب (التحقيق والبيان في شرح البرهان). تأليف الفقيه الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الصنهاجي التلكاني، عرف بالأبياري، وفقه الله لطاعته. وذلك في أول يوم من شهر شعبان من سنة أربع عشرة بعد ستمائة.
стр. 1636
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وبه نستعين]. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
[قال الإمام ﵁: ] (كتاب القياس -[القياس: مناط الاجتهاد وأصل الرأي]) إلى قوله (وخضنا في الوفاء ببيان الجمل والتفاصيل). [قال الشيخ أيده الله]: قول الإمام: القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي. هذا الكلام كله على التجوز والتوسع، وإطلاق اللفظ العام لإرادة البعض، فإن الاجتهاد غير مختص بالقياس، بل الاجتهاد في القياس أحد وظائف
стр. 1637
المجتهدين، ويكون الاجتهاد في الألفاظ و تحقيق المناط ، وغير ذلك مما ينظر فيه المجتهد. وكذلك قوله: ومنه يتشعب الفقه. لا يعني أن الفقه يقتصر تشعبه على القياس والأساليب [و] الطرق، ولم تقتصر طرق الشريعة على القياس، ولكنه هو-لعمري [الكثير] الغالب.
وقوله: (وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام [الوقائع]، مع انتفاء الغاية والنهاية). قال: فإن النصوص في الكتاب والسنة والإجماع محصورة. قال: والوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. وقال: والذي يسترسل على الأحكام القياس. ثم إنه ذكر أن جميع مسائل الشريعة محكوم فيها بحكم شرعي. وهذا الذي ذكره صعب شديد، وقد قصد به محاولة إثبات شرف القياس، وبيان عموم فائدته. وهذا القدر الذي يقصده يحصل بدون هذه الدعوى، فإنا لا ننكر أن المسائل الراجعة إلى القياس والرأي، أكثر وأوسع من
стр. 1638
المسائل الراجعة إلى التوقيف.
وأما قوله: (إن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها). فهذا أمر لا يفيد بالإضافة إلى شرف القياس وكثرة فوائده، [فإن] الوقائع التي يحكم فيها بالتوقيف لا نهاية لها آحادًا، بل يتوقع وقوعها إلى غير نهاية. وأما الأجناس التي يقضى فيها بالقياس والنصوص، فهي مضبوطة عند العلماء أجناسًا لا آحادًا.
وأما مصيره إلى أن كل واقعة لابد فيها من حكم الله تعالى، فهذه دعوى لا برهان عليها. وقد سلك هو في تقريرها مسلكًا فقال: ما من فن من فنون
стр. 1639
الأحكام إلا ويتقابل فيه نفي وإثبات، ثم النهاية تنتفي عن أحد المتقابلين، فينتظم من ذلك الحكم في النفي والإثبات جميعًا. واستدل القاضي بأنه لم ينقل عن واحد من الماضين أنه [توقف] في مسألة، بناء على أنه لا حكم فيها، فعلم من هذه الجهة، أن جميع الوقائع فيها أحكام ثابتة. قال: والمسترسل (٢/ ب) عليها هو القياس. وهذا الكلام مشكل كله.
أما كونه يدعي على أهل الإجماع أنهم اعتقدوا تعميم [الأحكام] لجميع المسائل، فهذا لم ينقل صريحًا، والاستقراء لا يرشد إليه. وقد نقل عن جماعة من الأولين التوقف في الحكم، ولم يقولوا إن ذلك لقصورٍ منا، ولا
стр. 1640
تخلو [المسألة] عن الحكم، [فالأمران] محتملان. ثم لو قدرنا أنهم لم يتوقفوا، فلعلهم صاروا إلى أن ما لا دليل عليه من الشرع، [لا] حكم [فيه]. فيكون قولهم: لا شيء عليك، أي لا حكم عليك. ولا يلزم على هذا [التقدير] أن تشمل الأحكام الشرعية الوقائع كلها، وإنما يكون ذلك لازما [لو جروا على] التفاصيل التي لا تنضبط (٢/ب) على أحكام مختلفة، لا يتأتي أن ترشد البراءة الأصلية إليها. فحينئذ يتبين أن القوم قضوا بأن [أحكام الشرع] تتناول جميع المسائل.
стр. 1641
وقد تقدم للإمام ما يناقض هذا، وهو ما إذا فرض إلقاء رجلٍ رجلًا على صدر جريح [محفوف] بجرحى، على ما صوره أبو هاشم. قال: [والذي] أراه في ذلك: [أن لا] عصيان ولا تكليف. وقد سئل عنها فقيل له: مذهبك [أن لا] تخلو واقعة عن الحكم، فما الحكم في هذه المسألة؟ فقال: حكم الله [أن لا] حكم. وهذا
[كلام] متناقض، وإثبات في تحقيق نفي عام.
وعلى الجملة، المقصود أن القياس النظر فيه، أوسع من النظر في غيره.
وإذا خص بفضل اعتناء، فلأجل اتساع أبوابه، لا لكثرة فوائده. فإنه يجب
стр. 1642
إكمال النظر، وإنهاء البحث نهايته في الدليل، وإن لم يترتب عليه إلا حكم واحد. فليس كثرة الفوائد [بالتي] تستدعي مزيد البحث، ولا قلتها [بالتي] تقتضي تسهيل الأمر في الاجتهاد. هذا عام في الشرع، بل لابد في كل مسألة من إنهاء النظر نهايته، فإن حصل بسط، فذلك لاتساع الأبواب وكثرة المنظور فيه. هذا هو التحقيق. [والله المستعان].
قال الإمام: (القول في ماهية القياس) إلى قوله (إلى غير ذلك مما لا نرى التطويل بذكره). قال الشيخ: قد تكلمنا على الحدود فيما سبق، وبينا انقسامها إلى النفسي وغيره، وحققنا أن النفسي إنما يتصور مما تركب من
стр. 1643
الجنس والفصل. وأما القياس، فلا يتصور ذلك فيه. وإنما المقصود العبارة [المحررة]، الجامعة المانعة، الموضحة للمقصود.
وقد اعترض على حد القاضي بعد فهم مقصوده في قوله: القياس: حمل معلومٍ على معلومٍ في إثبات حكم لهما [أو نفيه عنهما]. وقيل: كيف يكون القياس لإثبات حكم لهما، وحكم الأصل ثابت؟ وإنما يثب بالقياس حكم الفرع
стр. 1644
خاصة؟ . وقد أضرب بعض الناس عن هذه العبارة، [بسبب] ما ذكرناه (٣/ أ)، وقال: القياس إثبات حكم الأصل في الفرع، لاشتراكهما في علة الحكم. وهذه العبارة الاعتراض عليها أوسع من عبارة القاضي. وللقاضي أن يقول: القائس ليس يثبت حكمًا ولا ينفيه، وإنما هو يتعرف الحكم بجامعه.
стр. 1645
فقوله: في إثبات حكم لهما بجامع يجمع بينهما، أي الإثبات بالجامع.
ولكن هذا فيه نظر يتعلق بأن حكم الأصل، هل يضاف إلى النص أو إلى العلة؟
فالصحيح من مذهب مالك [﵀]، وهو مذهب الشافعي، أنه يضاف إلى العلة. لا جرم إذا استنبط من محل عمومٍ علةً خاصةً، تخصص حكم الأصل. وهو بمثابة [ما] إذا استنبط الإسكار من آية تحريم الخمر، اقتضى هذا أنه لا يحرم إلا المقدار المسكر، وهو قول أبي حنيفة في النبيذ، بناءً منه
стр. 1646
على أن حكم النبيذ، هو الذي يستند إلى العلة، وأما حكم الخمر، [فإنه] يستند إلى اللفظ العام. ونحن نقول: يحرم الكثير، لأنه مسكر، ويحرم القليل، لأنه [داعية] إلى الكثير. وكذلك نقول في النبيذ، وعليه تخرج صحة العلة القاصرة [أو] فسادها. ولا شك في [أن] النفي يصح أن يكون جامعًا، ولكن هل يصح أن يكون مقتضيًا؟ هذا فيه [نظر] يتعلق بصحة التعليل بالعدم. وسيأتي الكلام على هذا عند تحقيق الكلام على العلة.
стр. 1647
وقد ذهب الفلاسفة إلى أن القياس يرجع إلى المقدمات والنتائج. وهذا أبعد الاصطلاحات في القياس.
فإنه لابد أن يشعر في اللغة بالاعتبار، فيقال: لا يقاس فلان بفلان، أي لا يعتبر (٣/ أ) به. وإذا قلنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، لم يكن في ذلك اعتبار بحال، [وإنما النبيذ] أحد الصور المندرجة تحت العموم.
وبقية الحدود واضحة، والاعتراضات عليها لائحة، فلا معنى للإكثار فيها.
قال الإمام: ([وأما ما] نرى ختم الفصل به فشيئان) [إلى قوله]
стр. 1648
(تجانب صناعة [الحدود]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن التقاسيم التي ضمنها القاضي كلامه تجانب صناعة التحديد، والذي قاله ليس بحد، [يريد أنه ليس بحد] نفسي، وقد كنا [بينا] أن الحد لفظٌ مشتركٌ يطلق على أشياء متعددة. ولعمري إنه صحيح، أن ما ذكره ليس بحد نفسي.
وأما إخراجه عن كونه حدًا بالكلية، فغير صحيح. [والعجيب] من الإمام الذي ينكر الحال، ولا يعترف بها على حال، ولا يرى اشتراك العلم [القديم والحادث] إلا في اسم محض، كيف يتفق [له] أن يقول: إن
стр. 1649
[الحد هو] الذي ينبئ [عن] الاشتراك في الأجناس والأنواع، ويقع الفرق فيه [بالفصول]؟ وإذا لم يقع اشتراك إلا في الألفاظ، بطل الحد النفسي [على] الإطلاق، وآلت الحدود كلها إلى لفظية أو رسمية، ولم يبق جنس ولا فصل.
قال الإمام: (٣/ ب) (وحق المسؤول عن ذلك [أن يبين [بالطريق] الواضحة أن الحد غير ممكن، وأن الممكن ما ذكرناه، ثم يقول: أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا. والفاضل]) إلى قوله: (فهذا أحد الأمرين). قال الشيخ: معنى قوله: إن الحد غير ممكن، يعني الحد الحقيقي، وليس المراد نفي الحد على الإطلاق، على ما قررناه. وقد نقض الإمام هذا القول بما تقدم له في كتاب (البيان)، فإنه قد اختار أن البيان: هو الدليل، ولم يبد اعتراضًا على
стр. 1650
ذلك. والدليل أيضًا: قد يكون نفيًا وقد يكون إثباتًا. وقد يكون الدليل عقليًا يدل بذاته، وقد يكون وضعيا يدل بالاصطلاح، فكيف يستطيع الطامع في حده حدًا [حقيقيًا]؟ فحد الدليل وحد القياس على جهة واحدة.
قال الإمام ﵀: (الثاني: أن القياس قد يتجوز بإطلاقه) [إلى قوله (تفصيل القول فيه)]. قال الشيخ: الظاهر من إطلاق لفظ القياس عند الفقهاء والأصوليين، ما ذكر أولًا، وأما إطلاقه على النظر المحض، فليس ذلك ثابتًا في عرف علماء الشريعة. نعم، قد يطلق القياس على الرأي في إثبات الأحكام، إذا لم تستند إلى توقيف، كأن [استند] الرأي إلى أصلٍ أو لم يستند.
следующие страницы →