← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

على أن حكم النبيذ، هو الذي يستند إلى العلة، وأما حكم الخمر، [فإنه] يستند إلى اللفظ العام. ونحن نقول: يحرم الكثير، لأنه مسكر، ويحرم القليل، لأنه [داعية] إلى الكثير. وكذلك نقول في النبيذ، وعليه تخرج صحة العلة القاصرة [أو] فسادها. ولا شك في [أن] النفي يصح أن يكون جامعًا، ولكن هل يصح أن يكون مقتضيًا؟ هذا فيه [نظر] يتعلق بصحة التعليل بالعدم. وسيأتي الكلام على هذا عند تحقيق الكلام على العلة.

стр. 1647

وقد ذهب الفلاسفة إلى أن القياس يرجع إلى المقدمات والنتائج. وهذا أبعد الاصطلاحات في القياس. فإنه لابد أن يشعر في اللغة بالاعتبار، فيقال: لا يقاس فلان بفلان، أي لا يعتبر (٣/ أ) به. وإذا قلنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، لم يكن في ذلك اعتبار بحال، [وإنما النبيذ] أحد الصور المندرجة تحت العموم. وبقية الحدود واضحة، والاعتراضات عليها لائحة، فلا معنى للإكثار فيها. قال الإمام: ([وأما ما] نرى ختم الفصل به فشيئان) [إلى قوله]

стр. 1648

(تجانب صناعة [الحدود]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن التقاسيم التي ضمنها القاضي كلامه تجانب صناعة التحديد، والذي قاله ليس بحد، [يريد أنه ليس بحد] نفسي، وقد كنا [بينا] أن الحد لفظٌ مشتركٌ يطلق على أشياء متعددة. ولعمري إنه صحيح، أن ما ذكره ليس بحد نفسي. وأما إخراجه عن كونه حدًا بالكلية، فغير صحيح. [والعجيب] من الإمام الذي ينكر الحال، ولا يعترف بها على حال، ولا يرى اشتراك العلم [القديم والحادث] إلا في اسم محض، كيف يتفق [له] أن يقول: إن

стр. 1649

[الحد هو] الذي ينبئ [عن] الاشتراك في الأجناس والأنواع، ويقع الفرق فيه [بالفصول]؟ وإذا لم يقع اشتراك إلا في الألفاظ، بطل الحد النفسي [على] الإطلاق، وآلت الحدود كلها إلى لفظية أو رسمية، ولم يبق جنس ولا فصل. قال الإمام: (٣/ ب) (وحق المسؤول عن ذلك [أن يبين [بالطريق] الواضحة أن الحد غير ممكن، وأن الممكن ما ذكرناه، ثم يقول: أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا. والفاضل]) إلى قوله: (فهذا أحد الأمرين). قال الشيخ: معنى قوله: إن الحد غير ممكن، يعني الحد الحقيقي، وليس المراد نفي الحد على الإطلاق، على ما قررناه. وقد نقض الإمام هذا القول بما تقدم له في كتاب (البيان)، فإنه قد اختار أن البيان: هو الدليل، ولم يبد اعتراضًا على

стр. 1650

ذلك. والدليل أيضًا: قد يكون نفيًا وقد يكون إثباتًا. وقد يكون الدليل عقليًا يدل بذاته، وقد يكون وضعيا يدل بالاصطلاح، فكيف يستطيع الطامع في حده حدًا [حقيقيًا]؟ فحد الدليل وحد القياس على جهة واحدة. قال الإمام ﵀: (الثاني: أن القياس قد يتجوز بإطلاقه) [إلى قوله (تفصيل القول فيه)]. قال الشيخ: الظاهر من إطلاق لفظ القياس عند الفقهاء والأصوليين، ما ذكر أولًا، وأما إطلاقه على النظر المحض، فليس ذلك ثابتًا في عرف علماء الشريعة. نعم، قد يطلق القياس على الرأي في إثبات الأحكام، إذا لم تستند إلى توقيف، كأن [استند] الرأي إلى أصلٍ أو لم يستند.

стр. 1651

وبهذا الاعتبار تقول الفقهاء: المسائل تنقسم إلى توقيفية وقياسية، وإن كان بعض المسائل لا يرجع إلى أصل. هذا تجوزٌ منهم، مشهورٌ في عرفهم. وأما ما ذكره الإمام، فلم يطلقه علماء الشريعة على حال. هذا منتهى الكلام على حد القياس، وبيان المقالات فيه. ولنذكر مقدمة في حصر [مجاري] الاجتهاد في مناط الحكم، حتى يعرف موضع الخلاف من محل الاتفاق. فنقول: الاجتهاد في مناطق الحكم، يكون في تحقيقه، أو في تنقيحه، أو في تخريجه. القسم الأول: في تحقيق المناط. ومعناه: أن يثبت مناط الحكم بالنص أو الإجماع، وإنما يبقى على الناظر الاجتهاد في التعيين. فلا خلاف بين الأمة في قبوله، ووجوب المصير إ ليه، وهو ضرورة كل شريعة، إذ التنصيص على آحاد الوقائع غير ممكن.

стр. 1652

ومثاله: الاجتهاد في تعيين القبلة عند [إشكال] جهتها، فإن الله تعالى [يقول]: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. ولم يقل إن هذه الجهة هي جهة الكعبة، فلزم الاجتهاد في التعيين، ولم يكلف الخلق علم ذلك، لتعذره في حق الأكثر. ومن هذا القبيل: الحكم بشهادة العدول، فإن الله تعالى يقول: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾. ولم تأت النصوص بتعيين العدول، مع الاضطرار إلى الحكم على العموم، فلزم الاكتفاء بظن العدالة، بناءً على الاجتهاد. وكذلك في نصب الولاة والقضاة، ونفقة القرابات، وتقويم [أورش] المتلفات. والشبه في جزاء الصيد [عندي] من هذا القبيل، فإن الله تعالى [يقول]: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. ولم يبين أن البدنة مثل النعامة، (٤/أ) ولم يرد المماثلة في كل وصف، فإن ذلك متعذر، فلم يبق إلا ما يظن المكلف أنه مثل. كما أنه يظن أن الدرهم مثلًا، قيمة المتلف. وليس هذا محل اختلاف، ولا هو مراد الأصوليين بطلب الدليل على القياس. الاجتهاد الثاني: هو [الذي] يعبر عنه ب تنقيح المناط ، والتنقيح في

стр. 1653

اللغة: هو التهذيب، يقال نقح الغلام، إذا هذب أخلاقه، وكلامٌ منقحٌ، أي لا حشو فيه. فالمراد بالتنقيح: أن يكون المناط [مذكورًا] مع غيره فيما لا مدخل له في التأثير، فينقح حتى يميَّز الصحيح من غيره. ومثاله: ما روي: (أن أعرابيًا جاء يلطم وجهه، وينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في [النهار] رمضان). ففي الواقعة [قيود] كثيرة، بعضها محذوفٌ قطعًا، وبعضها ثابتٌ قطعًا. وكذلك الأمر في المظنون نفيًا وإثباتًا، فتمييز ما هو محذوف عما هو معتبر، يعبر عنه بتنقيح المناط. فإنا نلحق بالأعرابي التركي والهندي، ونلحق بالزوجة الأمة، والزنا أشد. ونلحق غير ذلك اليوم بذلك اليوم، وغير ذلك الشهر بذلك الشهر. وكذلك [القول] في الزمان والمكان والمكلفين. وهل [يلحق] الأكل بالوقاع، والإتيان في غير المأتى الأصلي بالوطء؟ فيه نظر.

стр. 1654

وهذا النوع قد قال به أكثر الأمة، وهو خارج عن باب القياس، [فكأنه] يرجع إلى تأويل الظواهر. ولهذا أنكر أبو حنيفة القياس في الكفارات، وقال: إن الكفارة تترتب على الأكل. قال: وليس ذلك بقياس. وليس هذا القسم أيضًا [محل] غموض، ولا هو المراد بإقامة الدليل على القياس. [و] الاجتهاد الثالث: هو الملقب ب تخريج المناط . واشتقاقه من الإخراج، فكأنه راجع إلى اللفظ، لم يتعرض للمناط بحال، فكأنه مستور، أخرج بالبحث والنظر. ومثاله: أن يذكر الشرع الحكم مضافًا إلى المحل، ويقتصر على ذلك، ولا يتعرض لفظه لمناطه، فإذا توصل الناظر إلى معرفة المناط بالبحث والنظر، عبر عن ذلك بتخريج المناط. [وهذا] هو الاجتهاد القياسي، الذي عظم

стр. 1655

الخطب فيه، وطال النزاع بسببه، فأنكره أهل الظاهر وغيرهم. وهو من أعظم مسائل الشريعة، دليلًا وتقسيمًا وتفصيلًا. فإذا تنبهت لهذا، فسنشرع في نقل المذاهب. قال الإمام: (القول في ذكر المقالات [في قبول القياس ورده] . الوجه أن نذكر المذاهب) [إلى قوله (في وقوع التعبد بالقياس]). قال الشيخ:

стр. 1656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1657

المذاهب التي نقلها الإمام ثابتة مشهورة، ولكنه أخل بنقل مذهبٍ آخر، وهو أن

стр. 1658

قومًا ذهبوا إلى أنه يجب الحكم بالقياس (٤/ أ) عقلًا. وهذا المذهب لم ينقله الإمام، فيكون على هذا الفرق المبطلة (٤/ ب) ثلاثة: المحيل له عقلاً، والموجب له عقلًا، والحاظر له شرعًا. فلابد من الرد على الفرق الثلاثة. قال الإمام: (مسألة: ذهب علماء الشريعة من أهل الحل والعقد إلى أن التعبد بالقياس [في مجال الظنون جائز غير ممتنع) إلى قوله (وانعقاد الإجماع على العمل به]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان في ذكر الشبهة والتفصي عنها، هو النهاية في الفصاحة والاختصار، وحسن الرد، فلا مزيد عليه بحال. ولكنه بقي للقوم شبهة في إبطال القياس، [لم] يذكرها، فلابد من

стр. 1659

ذكرها، وهي عمدة القوم. وذلك أنهم قالوا: الحكم لا يثبت إلا بتوقيف، فإن العقول لا تدل على إثبات الأحكام، والعلة غايتها أن تكون منصوصًا عليها، فلو قال الشارع: اتقوا الربا في كل مطعوم، فهو توقيف عام. ولو قال: اتقوا الربا في البر، فهذا لا يساويه، ولا يقتضي الربا في غير البر. كما لو قال المالك: اعتق من عبيدي كل أسود. ولو قال: اعتق [غانمًا]، لأنه سيئ الأدب حتى أتخلص منه، لم

стр. 1660

يلزم منه عتق سالم، وإن كان أسوأ خلقًا منه. [وإذا] كانت المنصوصة لا يمكن تعديتها لقصور لفظها، [فالمستنبطة] كيف تعدى؟ أو كيف يفرق بين كلام الشارع وكلام غيره في الفهم؟ وإنما منهاج الفهم وضع اللسان، [وذلك] لا يختلف. وهذا كلام واقع في مدافعة منع القياس. وفي

стр. 1661

الجواب عنه تمهيد [قاعدته] وبيان سره. والجواب عنه: أن نفاة القياس [ثلاث] فرق ، وهذا [السؤال] لا يستقيم من فريقين، إذ منهم من يقول: التنصيص على العلة كذكر اللفظ العام، وأنه لا فرق بين قوله: حرمت الخمر لشدتها، وبين قوله: حرمت كل مشتد، في أن كل [واحد] يوجب تحريم النبيذ، لكن بطريق اللفظ، لا بطريق القياس، بل فائدة قوله: لشدتها، إقامة الشدة مقام الاسم العام. فقد أقر القائل بالإلحاق، وإنما أنكر تسميته قياسًا.

стр. 1662

الفريق الثاني: وهم القاسانية والنهروانية فإنهم جوزوا القياس بالعلة المنصوصة دون المستنطبة، [وقالوا]: إذا كشف النص أو دليل آخر عن علة الأصل كانت العلة جامعة للحكم في جميع مجاريها. وما فارقهم الفريق الأول إلا في التسمية، حيث لم يسموا هذا الفن قياسًا. والفريقان مقران بأن هذا في العتق والوكالة لا يجري، فلا يصح فيها الاستشهاد مع الإقرار بالفرق.

стр. 1663

وأما الفريق الثالث: وهو من أنكر الإلحاق مع التنصيص على العلة، فيصح لهم التمسك بهذا الطريق. وجوابهم من ثلاثة أوجه: أحدها -أن الصيرفي صار إلى التسوية فقال: إذا [قال]: أعتقت غانمًا لسواده فاعتبروه، (٥/ أ) وقيسوا عليه كل أسود، يعتق كل عبد أسود وهو وزان مسألتنا إذا أمرنا بالقياس، ولو لم يثبت ذلك، لكان [التنصيص] على العلة لا يوجب إلحاقًا. ويجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة. ومنهم من قال: إن علم قطعًا قصده إلى عتقه لسواده عتق كل عبد أسود، بقوله: أعتقت غانمًا لسواده. ومنهم من قال: [لا يكفي] العلم بقصده (٤/ ب) أن يعتق لسواده ما لم

стр. 1664

ينو بهذا اللفظ عتق جميع السودان، ولم يكن فيه إلا إرادة معنى عام بلفظ خاص، وذلك غير منكر، كما [لو] قال: والله لا أكلت لفلان خبزًا، ولا شربت له ماء، ونوى به دفع المنة، [حنث بأخذ] الدارهم والدنانير وغيرها من ماله، وصلح اللفظ الواحد مع هذه النية للمعنى العام، كما صلح قوله تعالى: ﴿[إن الذين] يأكلون أموال اليتمى ظلمًا﴾ للنهي عن الإنفاق العام. وقوله: ﴿فلا تقل لهم أف﴾ للنهي عن الإيذاء العام. فإذا [استتبت] لهذه الفرق التسوية بين الخطابين، فإنهم [إنما] يعممون الحكم إذا دلت الأدلة على إرادة [الشارع] تعليق الحكم بالشدة [المجردة].

стр. 1665

قال أبو حامد: وليس شيء من ذلك مرضيًا [عندنا بل الصحيح] أنه لا يعتق إلا [غانم] [بقوله: ] أعتقت غانمًا لسواده، [وإن] نوى عتق السودان، [لأنه] يبقى في حق [غير] غانم مجرد النية والإرادة فلم تؤثر. وهذا الذي قاله أبو حامد تجنٍّ لا نرتضيه، بل إذا قصد بذلك اللفظ العموم صح عندنا، وقد ينقل اللفظ إلى معنى العموم بالإرادة. هذا إذا قلنا لابد من مناسبة اللفظ للمقصود. وهذا غير مشروط على الصحيح من مذهب مالك

стр. 1666

[﵁]. بل الصحيح من مذهبه أن كل لفظ تكلم الرجل ينوي به الطلاق أو العتق لزمه ذلك. ومأخذه فيه: أن الألفاظ إنما وضعت أدلة على ما في [النفوس]، وهي اصطلاحية، ولا يلزم [من] الاصطلاح، الجريان على اصطلاح مخصوص، إلا أن يثبت من الشرع تعبد في ذلك، كألفاظ التكبير والتشهد. ويا ليت شعري، لو كانت الألفاظ تعبدية، كيف كان العجم [يتوصلون] إلى العتق والطلاق؟ ولا خلاف في صحة ذلك منهم، وإن عبروا بغير لغة العرب. فإن قيل: هم قد اصطلحوا على ألفاظ تقوم مقام تلك الألفاظ. قلنا: لما صح لهم ذلك، بطل التعبد بغير صورة اللفظ، ورجع الأمر إلى ما وضعه

стр. 1667

الواضع معبِّرًا به عما في نفسه. فإن قيل: العجم تفهم بعضهم [عن] بعض مدلول تلك الألفاظ، فصارت كلغة العرب، بخلاف قوله: اسقني الماء، فإنه لا يفهم عنه أنه أراد الطلاق. وعنه جوابان: أحدهما: [أن نقول: ] لا [يتوقف] الحكم (٥/ ب) بالطلاق والعتق على [مخاطب] يفهم، فإنه لو قال: امرأتي طالق وحده، لزمه ذلك، كذلك العتق. فليس اشتراط فهم القول لغير المتكلم شرط في لزوم هذه الأحكام. الوجه الثاني: أن ذلك لو كان صحيحًا، للزم إذا فهم عنه بقرائن أحواله أنه أراد به الطلاق أن يقع، والقوم لا يقولون ذلك، ولا يفرِّقون، ولئن صار صائر إلى ذلك، لم يمكن منه، فإن الأمة مجمعة على خلاف [هذه] الفرق، بل الناس فريقان: فريق يشترط مناسبة اللفظ في وضع اللغة، وفريق لا يشترط

стр. 1668

ذلك. فأما المصير إلى الفرق بين أن يفهم عنه مراده أم لا، فلا ذاهب إليه. قال أبو حامد: الوجه الثاني من الجواب: أن الأمة مجمعة على الفرق، إذ يجب التسوية في الحكم مهما قال: حرمت الخمر لشدتها، فقيسوا [عليها] كل مشتد. ولو قال: أعتقت غانمًا لسواده، فقيسوا عليه كل أسود. اقتصر العتق عند الأكثر على غانم. فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟ وإنما اعترفوا بالفرق، لأن الحكم لله تعالى في أملاك (٥/ أ) العباد، وفي أحكام الشرع. وقد علق أحكام الأملاك حصولًا وزوالًا بالألفاظ، دون الإرادة المجردة.

стр. 1669

وأما أحكام الشرع، فتثبت بكل ما دل على رضا الشارع وإرادته، من قرينة أو دلالة، وإن لم يكن لفظ. بدليل أنه لو بيع مال التاجر [بمشهد] منه بأضعاف ثمنه، [فاستبشر] وظهر أثر الفرح عليه، لم ينعقد البيع إلا بتلفظه بإذن سابق، أو بإجازة لاحقة عند أبي حنيفة. ولو جرى بين يدي رسول الله ﷺ فعلٌ وسكت عليه، دل سكوته على رضاه، وثبت الحكم به، فكيف يتساويان؟ بل ضيق الشرع تصرفات العباد حتى لم تحصل أحكامها بكل لفظ، بل ببعض الألفاظ؛ فإنه لو قال الزوج: فسخت النكاح، وقطعت علاقة الحل، ورفعت الزوجية بيني وبين زوجتي، لم يقع الطلاق، ما لم ينو الطلاق، فإن تلفظ بالطلاق وقع، وإن نوى غير الطلاق. فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ، بل ببعضها، فكيف يحصل بغير لفظ [مما] يدل على الرضا؟ . وهذا الكلام الذي قاله أولًا فيه تناقض، فإنه قال: الأمة مجمعة على الفرق، إذ تجب التسوية في الحكم، إذا قال: حرمت الخمر لشدتها، فقيسوا

стр. 1670

عليها كل مشتد. ولو قال: أعتقت غانمًا لسواده، فقيسوا عليه كل أسود، اقتصر العتق عند الأكثرين [على غانم]. فيا ليت شعري، كيف أجمعت الأمة على الفرق وبعضهم يسوى، ونحن ممن يسوى إذا كان الأمر على ما صور؟ وأما ما ذكره ثانيًا، من أن سبب الفرق، بأن الله تعالى التصرف في أملاك العباد، فهو صحيح، وكذلك (٦/أ) في إثبات الأحكام. وقوله: إن أملاك العباد مقصورة على طرق مخصوصة، بخلاف الأحكام، فإنها تحصل بكل طريق دل على رضا الشارع، [فالأمر] كذلك عندنا في الأملاك من غير فرقٍ على حال. وقوله: لو بيع مال التاجر [بمشهده]، وظهرت عليه أمارات الرضا، لم ينعقد البيع، ممنوع عندنا، والبيع قد صحَّ والملك قد انتقل. وإنما هذا الذي ذكره هو مذهب الشافعي، ويظن أن الناس يوافقونه على ذلك، والأمر بعكس

стр. 1671

ما تخيل، فلا تعبد عندنا في أعيان الألفاظ، [لا] باعتبار تصرفات العباد، [ولا] باعتبار ثبوت الأحكام. وفي بعض هذه المسائل نظر فقهي لا يليق بمحض الأصول، وهو أن صريح الظهار، هل ينصرف إلى الطلاق بالنية أم لا؟ قياس ما قررناه يقتضي ذلك. والظاهر من المذهب المنع. ومعتمده أن الظهار بنص القرآن يتضمن المنع من الزوجة حتى يقع التكفير. ولو صرفناه إلى الطلاق لتضمن جواز الوطء

стр. 1672

من غير تكفير، وذلك تغيير للنصوص، وتعطيل للأحكام المعلومة. قال أبو حامد: الوجه الثالث من الجواب: أن قول القائل: لا تأكل هذه الحشيشة، لأنها سُمٌّ، ولا تأكل الأهليلج فإنه مسهِّل، ولا تكلم فلانًا، فإنه سيئ الخلق، فأهل اللغة متفقون على أن فهم هذا التعليل يقتضي تعدية النهي إلى كل ما وجدت فيه العلة، وهو أيضًا مقتضاه في العتق والوكالة، لكن الشرع منع من إثبات العتق والوكالة، بناءً على فهم التعليل، ولا مانع من ذلك في فهم الأحكام، فوجب أن يستعمل فيه ما يفهمه أهل اللغة، [إذ] قد ثبت في الشرع أن كل طريق يعرفنا حكمه ثبت به، فوجب الإجراء على ذلك. قال:

стр. 1673

فكيف يستويان مع الإجماع على الفرق؟ وقد بينَّا أن لا إجماع في ذلك. فإن قيل: (٥/ب) إن قال من تجب طاعته: بعْ هذه الدابة لجماحها، وبع هذا العبد لسوء خلقه، فهل يجوز للمأمور بيع ما يشاركه في العلة؟ فإن قلتم يجوز، فقد خالفتم الفقهاء، وإن منعتم، فما الفرق بينه وبين كلام الشارع؟ مع أنه لا فرق في [الموضعين]. وإن ثبت تعبُّدٌ في لفظ العتق والطلاق بحصر صرائحه، فلِمَ يثبت في لفظ الوكالة؟ قلنا: إن كان قد قال له: [أين ما] ظهر لك إرادتي ورضاي [به]، بطريق الاستدلال دون صريح اللفظ فافعله، فله أن يفعل ذلك. وهو وِزَانُ حكم الشرع. ولكن بشرط أمرٍ آخر، وهو أن يقطع

стр. 1674

[بأنه] أمر ببيعه لمجرد سوء [الخلق] مع القبح أو مع الخرق في الخدمة، فإنه قد يذكر بعض أوصاف العلة. فإن لم يعلم قطعًا، ولكن ظن ذلك ظنًا، فينبغي أن يكون قد (٦/ب) قال له: ظنك نازلٌ منزلة العلم في تسليطك على التصرف. فإن اجتمعت هذه الشروط، جاز التصرف، وهو نظير مسألتنا. فإن قيل: فإن كان الشارع قد قال: ما عرفتموه بالقرائن [والإشارات] من رضاي، فهو كما عرفتموه بالصريح، فلم يقل: إني إذا ذكرت علة شيء، ذكرت تمام أوصافه. فلعله علل تحريم الخمر بشدة الخمر، وتحريم الربا بطعم البر خاصة، لا بمجرد الشدة. ولله [تعالى] أسرار في الأعيان. فقد حرم الدم والميتة والموقوذة والحمر الإنسية، وكل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، [ولم] يطلع على عللها. فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من

стр. 1675

الخاصية، ما يمنع من [شدة] النبيذ. قال: وهذا كلام واقع في مدافعة القياس. والجواب: أن خاصية المحل، قد يعلم ضرورة سقوطها، كقوله: (أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه). إذ يعلم أن المرأة في معناه. وقوله: (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه الباقي). فالأمة في معناه، لأنا عرفنا بتفحص أحكام العتق والبيع، [وبمجموع أمارات وتكريرات ألفاظ وقرائن، أنه لا مدخل للأنوثة في العتق والبيع]. وقد يظن ذلك [ظنًا] تسكن النفس إليه. فإذا ثبت في الشرع أن الظن كالعلم فيما يتعلق بالعمل في مسائل الفروع،

стр. 1676

وجب الاعتماد على ذلك، ولم يكن الاحتمال مانعًا بحال. وهذا كلام الأصوليين في الجواب عن هذا السؤال. وإنما نشأ ذلك كله من قولهم: النص على التعليل لا يقتضي في وضع اللغة تعميمًا، فكيف إذا كانت العلة مستنبطة؟ أم كيف يفرق بين كلام الشارع وكلام غيره، ومنهاج الفهم واحد؟ والجواب الصحيح عندنا في ذلك أن نبين الوجه الذي فيه يدل القياس. فنقول والله المستعان: قد تقدم لنا قبل هذا أن الألفاظ بالإضافة إلى وضع اللغة، تدل تارة من جهة الصيغة والمنظوم، ونعني به وجدان [العبارة] المطابقة للمدلول، وهي واضحة مستغنية عن التمثيل. وقد تدل من جهة المفهوم، على ما سبق تقريره وتصويره. ونحن وإن كنا لا نقول بالمفهوم، فليس [نعمم] الرد، [لأنا قد بينا أن نقول ببعض الصور. وليس المراد ههنا دليل القبول والرد]، وإنما المراد التصوير، ومعنى المفهوم عند الأصوليين: أن يكون واضع اللغة قد قرر التلازم بين أمرين أو أمور تقترن في القيام بالنفس، إما على جهة [مخالفة]، أو على جهة [موافقة]، إما على وجه مقطوع به، أو على وجه مظنون. [ثم أنه] قد يعبر عنهما جميعًا، كما تقول: في السائمة الزكاة، ولا زكاة في المعلوفة. وقد (٦/أ) يستغنى بالتعبير

стр. 1677

عن أحدهما عن التعبير عن الآخر، لما [تقرر] عندنا من أنهما (٧/أ) لا يفترقان عنده في القيام بالنفس. هذا تلخيص معقول القول بالمفهوم. ومن نازع في بعض صوره، فإنما نازع، لأنه لم يثبت عنده في ذلك النوع ما ذكرناه من التلازم في القياس بالنفس. وأما بعد الاعتراف بالتلازم قيامًا بالنفس، فلا سبيل إلى المناكرة. [ألا] ترى أنه لما ثبت [بالمعقول] أن المعبر عن القرية في قوله ﴿وسئل القرية﴾، لابد من أن يقوم بنفسه ذكر الأهل. ولا يتصور النزاع في هذا. فإذا تقرر ذلك فمثبتو القياس يزعمون أن الشرع أثبت [للألفاظ] اللغوية مفهومًا ثانيًا زائدًا على المفهوم الذي يعرفه أهل اللسان. وذلك المفهوم أنه إذا أشعرنا أنه [إذا] أناط حكمًا بوصف، إما معنويًا عند من يقتصر في التعدية على المعاني، أو معنويًا وشبهيًا عند القائلين [به]، أو بأي وصف كان عند الطاردين، فقد قصد إلى إثبات الحكم في كل محل وجد فيه [ذلك] الوصف، فاستغنى بتقدير التلازم [قيامًا] بالنفس عن التعبير [عن الجميع]. كما تقرر في قاعدة المفهوم.

стр. 1678

وإذا تقرر ذلك، وهو إثبات [دلالة] زائدة للألفاظ في الشرع، لم تكن ثابتة عند أهل اللسان، بطل بذلك وجه السؤال، لأنهم اعتقدوا استواء دلالة الألفاظ لغة وشرعًا، وليس الأمر كذلك. لكن الشأن كله في إثبات هذه الجهة الزائدة من الدلالة. ونحن بعون الله بعد هذا الكلام نستفتح الدليل على [إثباتها]. وهذا كلام حسن بالغ في الحسن، فلينتبه له. وقد ذهب بعض القدرية إلى إجراء القياس في المنهيات دون المأمورات، فقالوا: إذا علل الشارع وجوب فعل بعلة، فلا يقاس عليه غيره، إلا بورود التعبد بالقياس. وإن علل ترك فعل بعلة، لزم تركه، كلما توجد العلة فيه. قالوا: فمن ترك العسل لحلاوته، [لابد] أن يترك كل حلو، ومن ترك الخمر لإسكارها، لزمه ترك كل مسكر، ومن أكل طعامًا لحلاوته، لم يلزمه أن يأكل كل حلو. ومن صلى [صلاة] لأنها عبادة، لا يلزمه أن يأتي بكل عبادة. وبنوا على هذا أن التوبة لا تصح من بعض الذنوب، بل من ترك ذنبًا لكونه معصية، يلزمه ترك كل ذنب. أما من أتى بطاعة، فلا يلزمه أن يأتي بكل طاعة. وهذا باطل في [الطرفين]، لأنه لا يبعد في جانب [الترك] أن تحرم الخمر لخاصية يعلمها [الله ]، لا نطلع نحن عليها، والله تعالى مستأثر بها. وأما في جانب الفعل [فمن] أكل طعامًا لمحبته، ولفرط شهوته، [فإنه لا يفرق بينه وبين مثله. نعم، لا يأتي أن يأكل جميع ما يشاكله، لذهاب

стр. 1679

الجوع وفقدان الشهوة. فما ثبت] للشيء ثبت لمثله، كان ذلك فعلًا أو تركًا. (٧/ب) هذا كله لو سلم الجريان على مقتضى التحسين والتقبيح. وليس الأمر [كذلك]. وإثبات الحكم على طريق الاختبار. [فلله] أن يفعل من ذلك ما يشاء، و [لا تحكم] بالعقول عليه على حال. هذا تمام الكلام على [من] منع القول بالقياس عقلًا أو شرعًا، عامًا أو خاصًا. وبقي علينا الرد على من أوجب العمل بالقياس عقلًا . وقد ذهب قوم إلى أن العقل يدل على العمل بالقياس لولا الأدلة الشرعية. واستدلوا على ذلك بأمرين. أحدهما -أن الأنبياء ﵈ مأمورون بتبليغ أحكام الوقائع للخلق أجمعين، والتنصيص على الآحاد لا يمكن، فلابد من الرد إلى الاعتبار والقياس، وإلا فتتعطل الأحكام، وتخلو عن التكليف. وفي ذلك فوات صلاح الخلق، وهو محال. وهذا الذي قالوه فاسد من أوجه: منها -أن لا نسلم أن العقل يوجب تعميم الأحكام، بل لا يوجب العقل أصل الأحكام فضلًا عن تعميمها. فلله تعالى أن [يحكم وألا يحكم] في الجميع، وأن يحكم في البعض. ف ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾.

стр. 1680

والوجه الثاني: أنا وإن سلمنا [أنه لابد] من تعميم الأحكام، فيصح أن تثبت الأحكام بناءً على [ذكر] الروابط الكلية، فنقول عوضًا من قوله: (لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل)، لا تبيعوا المقتات بالمقتات [أو] المطعوم بالمطعوم [أو] المكيل بالمكيل إلا مثلًا بمثل. فثبت الحكم على العموم. نعم، يفتقر مع هذا إلى [تحقيق] مناط ما هو مقتات، أو مطعوم، أو مكيل، وليس ذلك بقياس. والوجه الثالث: أنه كان يصح أن يقال: أصل الأحكام أنها غير ثابتة، فيبقى الخلق على النفي، ولا يكون انتقالٌ إلا بعد القطع [بالانتقال]، أما إذا [كان] ظن ذلك، فلا يثبت الانتقال بحال. فهذا ممكن، لا تناقض فيه من جهة العقل. وقد تمسك به قوم في إبطال القياس، فقالوا: النفي الأصلي معلوم، والقياس لا يفيد إلا ظنًا، فكيف ينتقل عن المعلوم [إلى المظنون]؟ وهذا أيضًا فاسد، [وبيان فساده] من أوجه: أحدها -أن هذا يقتضي سياقه ألا يعمل بمظنون في الشريعة، فيبطل

стр. 1681

العمل بأخبار الآحاد والعمومات والظواهر، وشهادة [الشهود] في فصل الخصومات. الثاني -أن البراءة، وإن كانت معلومة قبل وورد الشرع، أما بعد الورود وإمكان التغيير، فلا تبقى معلومة. الثالث -ذكره من قال إن كل مجتهد مصيب. قالوا: إذا وجدنا القياس والأمارة المظنونة، قطعنا بالحكم بالإجماع، فلم ننتقل عن البراءة الأصلية إلا بقاطع. والصواب عندنا (٨/أ) ما سبق من استحالة تلقي إثبات حكم أو نفيه من [العقل]. وإنما [يدار] الأمر على ورود الشرع وثبوت الأدلة [السمعية]. الشبهة الثانية: لمن قال بوجوب القياس عقلًا. قالوا: كما دل العقل على العلل العقلية ووجب إتباعها، فكذلك يجب إتباع العلل السمعية. وهذا غلط من أوجه: أحدها -أن القوم اقتصروا في الإلحاق على محض الاشتراك في الاسم. وهذا باطل باتفاق العقلاء. الثاني: أن العلل العقلية ممنوعة عند أكثر المتكلمين، فكيف يصح [بها] الاعتبار؟

стр. 1682

الثالث -أنها وإن سلمت، فهي عند مثبتيها تقتضي معلولاتها لنفسها، ويستحيل أن يفارق الموصوف وصفه النفسي، بخلاف العلة الشرعية، فإنها أمارة لا توجب الحكم لذاتها، فكيف يتصور الإلحاق [بها]؟ هذا تمام الكلام على من أحال عقلًا، ومن أوجب عقلًا، ومن منع شرعًا. [وها نحن بعون الله [تعالى] نستنتج الدليل على وقوع التعبد بالقياس]. قال الإمام: (فنقول: نحن نعلم قطعًا أن الوقائع [التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة]) إلى قوله (ثم يسكت عنه من يعتقد بطلانه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من اتساع الأحكام [وقلة] [التوقيفات] واضح،

стр. 1683

ولكنه غير مستقل بتحصيل المقصود، ويفتقر إلى إثبات أمرين: أحدهما -أن تكون الأحكام المتسعة مختلفة، حتى لا يصح أن يستند إلى البراءة الأصلية، فحينئذ يفتقر إلى طريق آخر زائد على التوقيفات وعلى البراءة الأصلية. وإذا ثبت ذلك، نظر في حقيقة ذلك الزائد وشرطه. أما مجرد التمسك بقلة التوقيفات وكثرة الفتاوى، فلا يحصل هذا الغرض. ألا ترى أن أهل الظاهر مع إنكارهم القياس يسترسلون في الأحكام من (٧/أ) غير توقف، وإن كانوا لا يفتون بالقياس؟ فيفتقر [المتمسك] بهذه الطريقة أن يبين أن الأحكام الكثيرة، لم تجر على مقتضى البراءة الأصلية. فهذا وجه، وإثباته سهلٌ على الفقيه العالم بأقضيتهم وفتاويهم. والأمر الثاني -أنه يبين إجماعهم على زيادة الأحكام على النصوص، مع إثبات الاختلاف، وهذا أيضًا شديد. وقول الإمام: إنه قد تواتر عنهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة أولًا من الكتاب، ثم من السنة، ثم من الرأي. عنه جوابان:

стр. 1684

أحدهما -أن هذا الترتيب غير صحيح عند الأصوليين، فإنه قد يتقدم بعض السنة على بعض الكتاب. وكذلك قد يتقدم بعض القياس على بعض الكتاب والسنة. وهو القياس المعلوم إذا عارضه ظاهر كتاب، أو [ظاهر] (٨/ب) سنة، أو نص سنة، إذا كانت آحادًا. فإن القياس يتقدم في هذه الصورة على القسمين. والسبب فيه أن القياس على الشرط المعلوم يحصل علمًا، وهذه الأسباب لا يترتب عليها إلا ظن، فلزم تقديم القياس عليها. وأما الإجماع الحاصل [عن] الفتوى والسكوت، فقد تقدم كلامنا على الإجماع، هل يصح أن يستند إلى [قول] البعض وسكوت البعض؟ وقد تكلمنا عليه، وبينا انقسام حاله [في المقطوع] فيه بالحكم والمظنون، بما فيه كفاية وبلاغ، فليطلبه طالبه في موضعه هناك. فإذًا لا يصح التمسك بالقياس [مقطوعًا] [به] إلا على أحد وجهين:

стр. 1685

إما أن يثبت النقل المتواتر عن كل واحد من أهل الإجماع بإسناد الحكم إلى القياس. أو يتبين باستقراء أحوالهم رضا الساكت بما فعله المفتي أو الحاكم، فبذلك يتم الإجماع، فأما الاكتفاء بمطلق السكوت، فلا يتم به الإجماع عندي أصلًا. نعم، ذلك [مما] يغلب على الظن، فأما الانتهاء إلى حد يحصل العلم فلا. وما ذكره [الإمام] من إحالة العادة السكوت على من [يُحدِثُ] قاعدة في الدين يسند إليها معظم الأحكام لا يتصور. قد بينا ذلك إنما تحيله العادة على العدد الكثير الذين يمتنع عليهم أن يتواطئوا على الكتمان. فأما العدد القليل، فلا تحيل العادة ذلك عليهم، وإن كان بعيدًا. والفرق بين العلم والاعتقاد شديد. وهذه القضية على الحقيقة إنما يعلمها المجتهدون.
следующие страницы →