Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
العمل بأخبار الآحاد والعمومات والظواهر، وشهادة [الشهود] في فصل الخصومات.
الثاني -أن البراءة، وإن كانت معلومة قبل وورد الشرع، أما بعد الورود وإمكان التغيير، فلا تبقى معلومة.
الثالث -ذكره من قال إن كل مجتهد مصيب. قالوا: إذا وجدنا القياس والأمارة المظنونة، قطعنا بالحكم بالإجماع، فلم ننتقل عن البراءة الأصلية إلا بقاطع. والصواب عندنا (٨/أ) ما سبق من استحالة تلقي إثبات حكم أو نفيه من [العقل]. وإنما [يدار] الأمر على ورود الشرع وثبوت الأدلة [السمعية].
الشبهة الثانية: لمن قال بوجوب القياس عقلًا. قالوا: كما دل العقل على العلل العقلية ووجب إتباعها، فكذلك يجب إتباع العلل السمعية. وهذا غلط من أوجه:
أحدها -أن القوم اقتصروا في الإلحاق على محض الاشتراك في الاسم. وهذا باطل باتفاق العقلاء.
الثاني: أن العلل العقلية ممنوعة عند أكثر المتكلمين، فكيف يصح [بها] الاعتبار؟
стр. 1682
الثالث -أنها وإن سلمت، فهي عند مثبتيها تقتضي معلولاتها لنفسها، ويستحيل أن يفارق الموصوف وصفه النفسي، بخلاف العلة الشرعية، فإنها أمارة لا توجب الحكم لذاتها، فكيف يتصور الإلحاق [بها]؟ هذا تمام الكلام على من أحال عقلًا، ومن أوجب عقلًا، ومن منع شرعًا. [وها نحن بعون الله [تعالى] نستنتج الدليل على وقوع التعبد بالقياس].
قال الإمام: (فنقول: نحن نعلم قطعًا أن الوقائع [التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة]) إلى قوله (ثم يسكت عنه من يعتقد بطلانه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من اتساع الأحكام [وقلة] [التوقيفات] واضح،
стр. 1683
ولكنه غير مستقل بتحصيل المقصود، ويفتقر إلى إثبات أمرين:
أحدهما -أن تكون الأحكام المتسعة مختلفة، حتى لا يصح أن يستند إلى البراءة الأصلية، فحينئذ يفتقر إلى طريق آخر زائد على التوقيفات وعلى البراءة الأصلية. وإذا ثبت ذلك، نظر في حقيقة ذلك الزائد وشرطه. أما مجرد التمسك بقلة التوقيفات وكثرة الفتاوى، فلا يحصل هذا الغرض. ألا ترى أن أهل الظاهر مع إنكارهم القياس يسترسلون في الأحكام من (٧/أ) غير توقف، وإن كانوا لا يفتون بالقياس؟ فيفتقر [المتمسك] بهذه الطريقة أن يبين أن الأحكام الكثيرة، لم تجر على مقتضى البراءة الأصلية. فهذا وجه، وإثباته سهلٌ على الفقيه العالم بأقضيتهم وفتاويهم.
والأمر الثاني -أنه يبين إجماعهم على زيادة الأحكام على النصوص، مع إثبات الاختلاف، وهذا أيضًا شديد.
وقول الإمام: إنه قد تواتر عنهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة أولًا من الكتاب، ثم من السنة، ثم من الرأي. عنه جوابان:
стр. 1684
أحدهما -أن هذا الترتيب غير صحيح عند الأصوليين، فإنه قد يتقدم بعض السنة على بعض الكتاب. وكذلك قد يتقدم بعض القياس على بعض الكتاب والسنة. وهو القياس المعلوم إذا عارضه ظاهر كتاب، أو [ظاهر] (٨/ب) سنة، أو نص سنة، إذا كانت آحادًا. فإن القياس يتقدم في هذه الصورة على القسمين.
والسبب فيه أن القياس على الشرط المعلوم يحصل علمًا، وهذه الأسباب لا يترتب عليها إلا ظن، فلزم تقديم القياس عليها. وأما الإجماع الحاصل [عن] الفتوى والسكوت، فقد تقدم كلامنا على الإجماع، هل يصح أن يستند إلى [قول] البعض وسكوت البعض؟ وقد تكلمنا عليه، وبينا انقسام حاله [في المقطوع] فيه بالحكم والمظنون، بما فيه كفاية وبلاغ، فليطلبه طالبه في موضعه هناك. فإذًا لا يصح التمسك بالقياس [مقطوعًا] [به] إلا على أحد وجهين:
стр. 1685
إما أن يثبت النقل المتواتر عن كل واحد من أهل الإجماع بإسناد الحكم إلى القياس.
أو يتبين باستقراء أحوالهم رضا الساكت بما فعله المفتي أو الحاكم، فبذلك يتم الإجماع، فأما الاكتفاء بمطلق السكوت، فلا يتم به الإجماع عندي أصلًا. نعم، ذلك [مما] يغلب على الظن، فأما الانتهاء إلى حد يحصل العلم فلا.
وما ذكره [الإمام] من إحالة العادة السكوت على من [يُحدِثُ] قاعدة في الدين يسند إليها معظم الأحكام لا يتصور. قد بينا ذلك إنما تحيله العادة على العدد الكثير الذين يمتنع عليهم أن يتواطئوا على الكتمان. فأما العدد القليل، فلا تحيل العادة ذلك عليهم، وإن كان بعيدًا.
والفرق بين العلم والاعتقاد شديد. وهذه القضية على الحقيقة إنما يعلمها المجتهدون.
стр. 1686
وأما من لم يبلغ إلى هذه الدرجة، فلا يتأتى له أن تنحصر الأدلة السمعية عنده، ولا يدري أيضًا تفاصيل الوقائع التي أفتى فيها المتقدمون. وهذا الطريق يفتقر إلى ضبط التوقيفات بجملتها، ثم عرض المسائل المفصلة عليها [حتى] يعرف قصورها عنها أو اتساعها لها.
ولقد نقل عن بعض علماء التابعين أنه بقي دهرًا طويلًا لا يفتي مستندًا إلى رأيه بحال. بل إنما يحكم بناء على التوقيف. هذا طريق الإنصاف عندي. وقد نقل الأصوليون آحاد وقائع مستدلين بها على القول بالرأي، أضرب الإمام عن ذكرها لكثرتها.
منها: أن الصحابة ﵃ صاروا إلى الاجتهاد في تعيين أبي بكر [﵁] للخلافة، مع أنه لا نص فيه. إذ لو كان فيه نص لم يكتم يوم السقيفة، وقد قال أبو بكر: ([قد] رضيت لكم أحد هذين الرجلين). يعني: عمر بن
стр. 1687
الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح. فهذا حكم بالرأي والاجتهاد. وكذلك عهد أبو بكر إلى عمر، ولم يعقد له. إذ العقد إنما يكون بعد الموت، لامتناع (٧/ب) خليفتين. فقاسوا العهد على (٩/أ) العقد. فكما لزم العقد من الأمة، لزم العهد من الخليفة الناظر لهم. وجعل عمر ﵁ الخلافة شورى في ستة، ولم [يَعْدُهُم] الناس إلى غيرهم.
وما جاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال في [الكلالة]: (أقول فيها برأيي،
стр. 1688
فإن يكن صوابًا، فمن الله، وإن يكن خطأً، فمني ومن الشيطان. الكلالة: من لا ولد له ولا والد).
وما جاء عن عمر ﵁ في الجدة -أم الاب، [حيث] جاءت تطلب ميراثها، فقال لها: (مالك في كتاب الله [من] شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ [شيئًا]، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك). وقد قيل: إنه أراد منعها، فقال له رجل: (كيف تورِّث التي لو ماتت وتركت الدنيا كلها لم يرثها، وتترك التي لو ماتت ورثها؟ فقال: (لست بزائد في الفرائض شيئًا، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما، فهو لكما، [وأيتكما] خلت به، فهو لها). وهذا قياس محض.
стр. 1689
وقال عمر ﵁ لما بلغه أن سمرة أخذ الخمر من المجوس وباعها: (قاتل الله سمرة، ألم يقل رسول الله ﷺ : (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم [فجملوها] فباعوها وأكلوا أثمانها)؟
وسئل ابن مسعود عن المفوضة فمكث شهرًا، ثم قال: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، [أرى] لها مهر نسائها، لا وكس فيه ولا شطط).
وقال ابن عباس لما بلغه أن بعض الصحابة فرق بين دية الأسنان ولم يجعلها متساوية: (هلا اعتبرها بالأصابع).
стр. 1690
ولما سأل عمر عن القبلة للصائم، فقال له رسول الله ﷺ : (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته).
وقال [ ﷺ ] للتي سألته عن حج أبيها، وإمكان قضائه عنه: (أرأيت لو كان على أبيك دَيْنٌ أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. فقال: فدين الله أحق بالقضاء). وفتوى الصحابة في مسائل الجد والإخوة بأقضية كلها راجعة إلى الرأي والاجتهاد، مع انتفاء التوقيف.
وتسوية أبي بكر في العطاء يستند إلى الرأي، فقال له عمر: (كيف تسوي بين الفاضل والمفضول؟ فقال: إنما أسلموا لله وحسابهم على الله). فلما انتهت
стр. 1691
[النوبة] إلى عمر فضل، ورأى عمر [أن] التفضيل بأصل الاستحقاق، فإذا استحقوا بالإسلام، جاز أن يتفاضلوا بتفاضلهم فيه. ورجعوا إلى جمع المصحف، ولم يكن مجموعًا في زمن رسول الله ﷺ ، بناءً على الرأي والعمل بالمصالح، ورتبه عثمان في زمانه، وأبطل ما سوى هذا المصحف الذي بين أيدي الناس، عند حدوث الاختلاف وخوف الفتنة.
وقياسم الشرب (٩/ب) على الافتراء في الحد. وهو قياس في غاية البعد، إذ قال [علي]: (من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري). بناء منهم على أن الشرع يقيم مظنة الشيء مقامه في بعض الأمور. كما أقام مغيب الحشفة مقام الإنزال في الغسل وغيره. وتفاصيل هذه الوقائع أكثر من أن تحصى.
بل لم يعهد القراض في زمن رسول الله ﷺ ، وإنما حدث هذا الضرب
стр. 1692
من المعاملة في زمن عمر ﵁. وقد جرت أحكامه وكثرت مسائله، مع فقدان التوقيف في أصل (٨/أ) القاعدة، فكيف في تفاصيلها؟ .
وعلى الجملة، فمن أنصف من نفسه وأحاط علمًا بسيرهم، لم يسترب في رجوعهم إلى الرأي وعدم اقتصارهم على [طلب] التوقيف في آحاد الوقائع. فإذا ثبتت مجاوزة التوقيف، بقي النظر في ضبط ما تجاوزوا إليه. وسنتكلم عليه بعد هذا، إن شاء الله.
ومجامع ما يعترض به على هذا التقرير خمسة أوجه: أحدها- إنكار كون الإجماع حجة، وهو مذهب النظام. وقد فرغنا من الرد عليه. وتارة بإنكار تمام الإجماع في القياس، من جهة أن الذي ذكرناه، إنما هو عن البعض، ولم ينقل عن الباقين إلا السكوت. وقد نقلوا الخلاف عن البعض. وتارة يسلمون السكوت، ولكنه يحملونه على المجاملة في ترك الاعتراض على الموافقة. وتارة يقرون بالإجماع، ولا يكثرون بتفسيق الصحابة، وتارة يحملون فتاويهم على التوقيف دون الرأي. فأما ما يتعلق بكون الإجماع حجة، وتفسيق
стр. 1693
الصحابة، فقد سبق الكلام عليه في كتاب الإجماع. وأما حمل السكوت على المجاملة، فقد تقدم الكلام على الصحيح في ذلك.
قال الإمام: (فإن [قيل]: بما تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون
стр. 1694
الأحكام) إلى قوله (فلا حجة إذًا في قوله). قال الشيخ: الكلام على هذا الاعتراض ينحصر عندي في وجه واحد، وهو أنا إذا قبلنا الرأي وجوزنا استناد الأحكام إلى الاجتهاد من غير توقيف، لم نعمِّم القول في جواز الاعتماد على كل رأي، ولم يصر إلى ذلك أحد. وسنردُّ على الطاردين بعد هذا. والراد
стр. 1695
(١٠/أ) [للقياس] لا يقبل منه [شيئًا] على الحال، [والنافي] يعمم، والذي نقلناه في الإثبات يفيد تعميم الرد، والقابل لا يعمم القبول، بل يشترط فيه شروطًا. ومحال [تنزيل] ما ردوه من الرأي على ما [اختلفت]
стр. 1696
الشروط فيه. وأنكروا على من يقول بالرأي، وليس من أهله. كما قالت عائشة [﵂] لأبي سلمة: (فروج يصرخ مع الديكة). فبهذا التقريب يندرج الاعتراض ويتوجه الدليل. والحمد لله على كل حال. ولهذا قال ابن مسعود: (لو عملتم بالرأي لأحللتم ما حرم الله .. ) إلى آخره. ونحن نعترف بفساد القياس إذا خالف النص، فمن أين يلزم ردُّ الرأي على الإطلاق؟
стр. 1697
قال الإمام: ([واحتج] الشافعي [﵀] ابتداءً بحديث معاذ بن جبل [﵁]) إلى قوله ([في تفصيل] [ما يُرَدُّ ويُقبل] من النظر). قال الشيخ: هذا الاستدلال الذي استدل به الشافعي على القياس بحديث معاذ، لا يصح الاستدلال به من وجوه:
أحدها -أن الخبر غير صحيح. وقول الإمام: إن الخبر مدونٌ في الصحاح، ليس على ما قال، فإن الكتب الصحاح في عرف الناس (البخاري) و (مسلم)، وقد يطلق على (الموطأ) أنه من الصحاح. وليس الحديث في
стр. 1698
شيء من هذه الكتب الثلاثة. نعم، ذكره الترمذي، وقال: إنه مرسل، لأنه روي عن بعض أهل حمص من أصحاب معاذ. فلم يثبت له الإسناد المتصل، فضلًا عن أن يكون صحيحًا متفقًا على صحته.
ثم لو قدرنا صحته، فهو خبر واحد، فلا يسوغ الاستدلال به في القطعيات. ومن يثبت القياس يخطئ جاحده ويضلله ويبدعه، ويمنعه بعضهم (٨/ب) درجة الاجتهاد. فكيف يصح أن يستند مثل هذا الأصل إلى أخبار الآحاد؟
ولو صح ذلك لصح إسناد الإجماع إليه. فيا ليت شعري، كيف أنكر الإمام الاستدلال على صحة الإجماع بقوله ﵇: (لا تجمته أمتي على الخطأ). فإنه قال: الخبر خبر واحد، والمطلوب [القطع]. [وهذا] بعينه جارٍ ههنا. فلو صح إثبات القواعد بالأسباب المظنونة، لصح ذلك في كل أصل، ولم يتناقض الأمر، فيقطع الحاكم بالحكم مع كونه يظن صحة المستند، وذلك محال.
стр. 1699
وأما قوله: إذا كان القياس مغزاه العمل، والدال عليه دال على العمل. فلا فرق أن يستند إلى القاطع بواسطة أو بغير واسطة، هذا بعينه ينتقض بالإجماع. ثم كان يلزمه أن يطرد هذا في كل أمارة، فيقطع بالحكم في كل موضع روي فيه خبر واحد، إذ الخبر يستند إلى الإجماع، فلا فرق بين أن يستند الحكم في مس الذكر مثلًا إلى قوله (١٠/ب): (من مس ذكره فليتوضأ). وبين أن يستند إلى الإجماع. وهذا غلط لا شك فيه.
وأما قوله: إن الصديق ﵁ أو غيره من أئمة الصحابة، لو روى [أن] العمل بالقياس في الواقعة التي لا نص فيها واجب، لابتدره الصحابة بالقبول. تهويل بذكر [الصديق] مع بعد الكلام عن التحقيق، فإنه لا يلزم من رد [القول] اتهام [القائل]. قد يكون الاتهام بسبب الرد، وقد يكون
стр. 1700
غيره. نعم، كل موضع يكون الرد بسبب التهمة، فهذا لا يتطرق إلى الصديق، ولا لغيره، ممن ثبتت عدالته.
وأما الرد بسبب تعبدات الشرع، أو اشترط العلم في الحكم، فلا يكون الرد في هذه الصورة نقص من منصب الصديق ولا غيره. ألا ترى أن الصديق لو شهد بسرقة على انفرادٍ، لم يقطع السارق، ولا يكون في ذلك غظٌّ من منصبه، بل التوقف، لحصول [الشرط] الشرعي. فإذا كان هذا قوله في موضع يكتفى فيه بغلبة الظن، فما الحال إذا كنا نشترط في المحل العلم حتى يقطع بالحكم؟ كيف يتصور مع هذا أن يثبت بقول الواحد؟ هذا باطل لا خفاء به. فلا مستند في المسألة [إلا] الإجماع، منقولًا متواترًا عن جميع الصحابة، إما تصريحًا، وإما تلويحًا يفهم الرضا منه عن الحاكمين بالرأي.
والذي ننبه عليه أن من أراد تحصيل [علم] هذه المسألة من كلام الأصوليين، فليس على بصيرة. [فإن] قصارى كلامهم -لو صح -أن يتنزل منزلة نقل المحدثين العارفين بالنقل، وذلك إنما يحصل غلبة الظن بالإجماع. والمطلوب العلم، فلابد على هذا لمن أراد أن يعلم المسألة أن ينقل عن عدد
стр. 1701
التواتر بشرط استواء الأطراف والوسائط إلى أن تتصل بعصر الصحابة، فيثبت النقل عن جميعهم. فهذا شرط حصول العلم بهذه القاعدة ونظائرها من أخبار الآحاد وغيرها. والله [المستعان].
ونقول: مما [يتصل] بالكلام على الرادين للقياس، الرد على النظام، فإنه من الرادين للقياس، ولكنه ذهب إلى أن العلة المنصوصة توجب الإلحاق دون المستنبطة. وزعم أن ذلك بمقتضى اللسان ووضع اللغة وشمول اللفظ، لا بطريق الاعتبار والإلحاق، إذ لا فرق في اللغة بين أن يقول: حرمت كل مشتد، وبين قوله: حرمت الخمر لشدتها، في أنه يقتضي تحريم النبيذ المشتد. وهذا خطأٌ بيِّن، فإن الخمر [إذا] ثبت اختصاص لفظها في وضع اللسان بالمعتصر (٩/أ) من العنب دون غيره، فالتحريم متقصرٌ عليها، وشدتها مختصة بها، فالاسم قاصر، [والعلة] مختصة. فيكف يكون اللفظ عامًا، (١١/أ) وهو لو لم يعلل لكان خاصًا؟ فتعليله لا يوجب تعميمه بحال.
стр. 1702
هذا صريح وضع اللغة، إلا أن يكون النظام يقول [إن] فهم التعليل عند أهل اللسان، يفهم التعميم بناءً على المفهوم. فهذا له وجه. وقد كنا قلنا في منع إثبات [اللغة] بالقياس: إنهم يضعون للاسم مناطًا لمعنى، ثم يقصرونه على المحل، كما يسمون الفرس أدهما لسواده، وكميتًا لحمرته، والإنسان المتلون بذلك اللون لا يطلق عليه ذلك الاسم، وإن فهم [علة] التسمية. وكذلك هذا يطرد في فهم الأحكام المعللة بالإضافة إلى وضع اللغة دون وضع [الشرع].
و[إن] رد النظام الكلام إلى المصارح والمفاسد، فهذا أمرٌ زائد على اللفظ، يقتضي التسوية. وهو أيضًا باطل، إذ يعلم الله تعالى مصلحة في تحريم الخمر لشدتها، ويعلم في النبيذ خلاف ذلك. فلا سبيل إلى هذا القول بحال.
فإن قيل: قول السيد والوالد لولده أو لعبده: لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم، وكل هذا، لأنه غذاء، يفهم المعنى من أكل كل سم، والأمر بتناول ما يغذي. ولا يفهم العقلاء من هذا، الاختصاص على حال. قلنا: ليس ذلك من مقتضى النص على تلك الحشيشة على انفرادها، ولكن ما أظهره الحذار من موافقة الضرار، هو المفهوم لذلك. ولولا هذه القرينة لم يفهم النهي بحال. فإن قضية الأبوة تقتضي إشفاقًا مطلقًا، وكذلك قصد الملاك إلى حفظ الأملاك. هذا
стр. 1703
هو السبب في الفهم دون الاقتصار على محض اللفظ. ولو صح تنزيل فعل الآباء والسادات على التحكمات [الجامدات]، لم يفهم من هذه الألفاظ التعميم. والله تعالى إذا حرم شيئًا، فإنما يرجع الأمر إلى إرادته ووضعه، فليقتصر على ما يفهم من الأدلة.
فإن قيل: إن لم يفهم تحريم النبيذ من الخمر، فينبغي أن لا يفهم تحريم الضرب من التأفيف، وفهمه منه ضرورة. قلنا: قد اختلف الأصوليون في ذلك، فذهب ذاهبون إلى أنه إنما يفهم بطريق القياس والاعتبار. وذهب ذاهبون إلى أنه فهم من السياق والقرائن. وذهب ذاهبون إلى أن هذا فهم من عرف الاستعمال. [فإنه] قد صار بعرف الاستعمال قول القائل: لا تقل [له] [أف]، عبارة عن نفي الأذى على الإطلاق.
وقال قائلون: فهم من باب [إلحاق] الأدنى بالأعلى. وعلى الجملة [فالفرق] متفقةٌ على أن مجرد قول القائل: [لا تقل له أف]، لا يقتضي منع الضرب، بناءً على أن التأفيف صار عبارة عن نفي كل أذى بحال. وإنما النظر هل صار دالًا على ذلك بعرف الاستعمال، أو بقرينة الحال، أو بطريق
стр. 1704
الاعتبار؟ فيه نظر. والصحيح عندنا أنه إنما فهم بالنظر إلى السياق، (١١/ب) وإلا فقد يقول الملك في حق أخيه المنازع له في الملك للسياف: لا تقل له أف واضرب عنقه. فلو كان عبارة عن نفي [الإيذاء] المطلق، لتناقض القول. ولو افتقر إلى استنباط وتأمل، وكان على أبواب القياس، لرده من يرد القياس، ولافتقر في فهمه إلى ورود التعبد بالقياس. وكلا الوجهين باطل. فلم يبق إلا أنه استند إلى فهم سياق الآية، فإنه قال: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾. إلى آخره. فأفهمت الآية فهمًا ضروريًا [أن] المقصود: الإكرام التام، والضرب يناقض ذلك من غير إشكال.
أما تحريم [النبيذ بتحريم] الخمر، فليس من هذا القبيل. (٩/ب) [ولا مستند له إلا القياس. وقد قال الأستاذ أبو إسحاق مثل هذا القول على غير هذا الوجه، فقال: إذا نص الشرع على العلة علة وجهٍ لا يقبل أصل النصب تأويلًا، فلابد من أن يعلم الحكم، إذ لو اختص الحكم، ولجب أن تختص العلة، ووضع التعليل يناقضه الاختصاص. وهذا إنما قاله الأستاذ لكثرة ممارسة المعقولات، وأن العلة العقلية لا يتصور تخصيصها بحال، فأحرى هذا في السمعية. وليس لأنه يرى النص على التعليل نصًا على التعميم، ولكن هذا عنده من ضرورة فهم التعليل، وهو يمنع النص على التعليل مع النص على التخصيص. وسيأتي
стр. 1705
الكلام عليه بعد هذا. وإنما أوردنا كلامه ههنا لنبين أن حكمه موافق حكم النظام، وطريقه يخالف طريقه.
ثم قال: (مسألة: ذهب القاساني والنهرواني) إلى آخرها. فنقول: الصحيح من مذهب هؤلاء القوم، أنهم يقولون بالقياس، ولكنهم لا يرون
стр. 1706
استنباط المناط أصلًا. وإذا ثبت عندهم بالتوقيف نصب المناط، اتبعوه حيث وجوده، وكأنهم وافقوا في أصل القياس، وحصروا طريق إثبات العلة على النص، وليس يقتصر عليه. ولذلك قالوا: إذا كانت العلة منصوصة كان الحكم في الفرع معلومًا، وأَمِنَ الناظر من الغلط. وإذا كانت مستنبطة، لم يأمن من ذلك. قلنا: هذا خطأ في الجهتين جميعًا، حيث اعتقدتم أن العلة إذا تُلقيت
стр. 1707
من التوقيف، كان الحكم معلومًا من الفرع، وإذا استنبطت أمكن الخطأ. أما الأول، فكيف نؤمن الغلط عند إيماء الألفاظ إلى التعليل، والظاهر يقبل التأويل؟ ولو قدرنا أن التعليل يثبت بالنص الذي لا يقبل التأويل، لكان القصر على المحل ممكنًا. وقد رددنا على من يتخيل أن النص على التعليل نص على التعميم. فإذا قال: حرمت الخمر لشدتها، أمكن أن يكون ذلك لشدة الخمر على الخصوص، إلا أن يصرح (١٢/أ) ويقول: وكذلك الشدة في كل مسكر، فيكون هذا تعميمًا للحكم بطريق اللفظ، لا بطريق القياس.
стр. 1708
وأما قولهم: إنه عند الاستنباط يمكن الغلط في حكم الفرع، وإمكان الغلط يستقل مانعًا. فهذا لا يستقيم على قول من يصوب كل مجتهد، لأن الحكم عنده معلوم، إذا ظن شهادة الأصل للفرع، فلا يمكن الخطأ فيه.
وأما من قال المصيب واحد، فلعمري إن الخطأ ممكن، ولكن لا يمنع الحكم في مسائل الظنون، وذلك كالعمل بخبر الواحد وشهادة الاثنين، وظن استقبال القبلة عند إشكال الجهة. والقوم [لم] يشترطوا القطع بالتعليل، بل اكتفوا بالظن، وعند الظن يمكن الخطأ، فينبغي ألا يعملوا إلا بقاطع في الشريعة. ثم إن الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس، استقراء أحكام
стр. 1709
الماضين، ووجود الكثرة وقلة التوقيفات. وهذا بعينه موجود. وإن أثبتوا هذه الأضربة التي ذكروها، فإن ما أشعرت النصوص بتعليله قليل جدًا.
وأما ما ذكره أبو هاشم، فليس من أبواب القياس بسبيل، وإنما يرجع ذلك إلى تحقيق المناط، إذ قد ثبت بالنص وجوب استقبال القبلة، ولم يعين جهتها، فالمكلف مطلوب منه الاجتهاد في تعيين الجهة، وكذلك ثبت المِثْلُ في جزاء الصيد بالنص، ولم يعلمنا الباري آحاد الأمثال، فعلمنا أنَّا
стр. 1710
مردودون إلى الظن في ذلك. فهذا الكلام لا تعلق له بالقياس بحال. وإنما يرد على دخوله الاجتهاد في الأحكام من حيث الجملة.
ثم قال: (فإن قالوا: أنتم لا تصححون أيضًا كل نظر) إلى آخر المسألة. فنقول: هذا الكلام صحيح، وقد بينا وجه ذلك فيما سبق. وإذا وقع الاعتراض بالعلة التي دلت النصوص عليها، واستقر من إجماع الصحابة إقامة المستنبطة مقام المنطوق بها، وجب اتباعها بعد إقامة الدليل عليها. ونحن لا
стр. 1711
نجوز التحكم بنصب العلم على حال. فإن وجد الدليل الدال على النصب، فلا معنى للفصل. وإن فقد الدليل على التعليل، فلا سبيل إلى التعدية والتعميم. هذا هو التحقيق المغني عن الجملة والتفصيل. وما من طريق نذكره إن شاء الله تعالى، أنه صالح للدلالة على نصب العلة، إلا ونقرر وجهه على حسب الإمكان. والله المستعان.
ثم قال: (القول في تقاسيم النظر الشرعي) إلى آخره. فنقول: ما ذكره الإمام من تقاسيم النظر الشرعي، إنما ذكر هذه القسمة، بناء على ما اختاره، لا
стр. 1712
بمعنى أن هذه القسمة ثابتة عند جميع القائسين. بل من القائسين من زاد عليها، كالطاردين، (١٢/ب) ومنهم من نقص منها، كمن أنكر قياس الشبه الغريب، وإن استنبط من أصل معين، [ومنكروا] الاستدلال. وإنما هذا الذي ذكره هو انقسام المقبول عنده. وقد أخل هو ههنا بذكر المطرد المنعكس، ولكنه عنده يرجع إلى قياس الشبه، وإن كان بعض الناس يرى أن المطرد المنعكس يلتحق بأبواب الإيماء. ولذلك لم يذكر ههنا قياس الدلالة، لأنه أيضًا عنده
стр. 1713
يرجع إلى المعنى تارة، وإلى الشبه أخرى، فلم ير عده لذلك.
وأما تقاسيم ما يعلم من الأقيسة وما يظن، فلا يرشد العقل إلى ذلك أصلًا، وإنما يرشد إليه استقراء الشريعة، ومعرفة قصد الشارع إلى المعنى المجرد. والعلم بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع، مع القطع بحصر الفوارق، والالتفات إلى عادة الشرع في المقبول والمردود. هذا الطرق المفضي إلى ذلك.
وقد يعلم بالضرورة من الشريعة الإعراض عن الفروق، والقصد إلى بعض المعاني، وقد يعلم ذلك بنوع تأمل، وقد يذكر ذلك ظنًا في القسمين جميعًا.
стр. 1714
والنظر إلى آحاد المسائل، ليس من علم الأصول، وإنما تذكر الآحاد لضرب الأمثال. فالمثال الذي ذكرناه في البول في الماء الدائم مع صب البول فيه، [علم] ضرورة، وسريان العتق في الأمة بتشطير الحد على العبد، يعلم نظرًا.
وقول الإمام: إنه إذا وقع الاشتراك في الاسم الذي منه الاشتقاق، كان أقرب مع قوله: وقد يقال [عبد] للأمة. لا يقال للأمة على انفرادها عبد،
стр. 1715
وإنما يتناولها الاسم تبعًا مع الذكور. وإن كان الاسم يتناولها على الانفراد، فلا معنى للإلحاق في ذلك، إذ يتلقى من نفس اللفظ. فهو إن التفت في الوضوح إلى تناول الاسم، بطل باب القياس، وإن التفت إلى القياس بطل باب الإشعار. اللهم إلا أن يقول: إن اللفظ إذا أشعر بالعلة]، ووجدت في الفرع، كان الإدراك أسرع. فهذا قد يكون له وجه، ولكن إذا علمت العلة مقترنة بسماع اللفظ [بالإدراك] لحكم الفرع على ذلك النحو، فلا يكون أقرب بحال.
وأما خروج أهل الظاهر عن أن يكونوا من أهل الإجماع، فهذا غير صحيح عندنا على الإطلاق، بل إذا كانت المسألة المنظور فيها مما يتعلق بالآثار والتوقيف واللفظ اللغوي، وليس للقياس [فيها] مجال، فلا يصح أن ينعقد الإجماع دونهم، إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد قضية واحدة لا تتجزأ. فعلى هذا يخرجون من أهل الإجماع بلا إشكال. وأما على القول بالتجزؤ، فلا يمنع أن يقع النظر في نوع هم فيه محقون، كما لو وقع النظر في مسألة كلامية، [فإن] (١٣/أ) للمتكلمين مدخل فيها. وكذلك في مسألة أصولية، فللأصوليين [مدخل فيها]. وكذلك أهل الظاهر في غير [المسائل] القياسية، يعتد بخلافهم ووفاقهم.
стр. 1716
وأما الإلحاق في مسألة الربا، [فالظاهر] ما قاله القاضي، والزبيب غالب على بلاد، كما أن التمر غالب على بلاد، فهو مثله في التفكه وغيره.
وتحقيق هذا ليس من [علم الأصول].
قال الإمام: (مسألة: ما علم قطعًا بهذه الجهات التحاقه [بالمنصوص]
стр. 1717
[عليه]) إلى قوله: ([فهذا] القدر كافٍ في توطئة الكلام في هذا القسم). قال الشيخ: اختلف الأصوليون في السبب الذي لأجله امتنع من تسمية هذا النوع قياسًا. [وظاهر] كلام الإمام أن سبب الاختلاف كونه معلومًا. وعلى هذا الرأي، إنما يطلق لفظ القياس على المظنون دون المقطوع به. وهذا إذا كان المعلوم لا يفتقر إلى نظر وتأمل. على هذا ينزل كلامه. فأما
стр. 1718
المصير إلى أنه لا يطلق [لفظ] القياس على المعلوم بحال، فذلك غير صحيح، فإن العلماء متفقون على أن القياس ينقسم إلى مقطوع به ومظنون. هذا تأويل ظاهر لفظ الإمام. وعلى هذا الاصطلاح، لا فرق بين أن يكون الإلحاق لأجل فهم [العلة]، أو لأجل عدم الفرق على وجه مقطوع به.
وذهب أبو حامد إلى أن [سبب] الاختلاف مختص بما إذا كان طريق الإلحاق نفي الفارق، وعلله بأن قال: القياس في وضع اللغة: هو الاعتبار، وللاعتبار طريقان: أحدهما -بتعيين الجامع. والثاني -نفي الفارق. فإن كان طريق الاعتبار بتعيين الجامع، فهو قياسٌ [بالاتفاق]. وإن كان بنفي
стр. 1719
الفارق، فهذا موضع الاختلاف. لأن المقصود إليه في أول الأمر نفي الفارق، فيأتي الاتفاق في الجامع ثاني رتبة، فيحصل اعتبارٌ ضمني، فلا يطلق اسم القياس عليه، بل إنما يطلق اسم القياس إلى ما قصد فيه [إلى] التسوية، وهذا قصد فيه إلى نفي [الفارق]. والفريقان متفقان على أنه لا يتلقى من وضع اللغة، بل فهم [مستندًا] إلى اللفظ، من غير أن يكون اللفظ متناولًا له. والصواب أن يعد قياسًا، إذ الأحكام إما أن تستند إلى التوقيف، أو إلى الاعتبار والاستدلال.
وما قرره الإمام من صحة الفصل في الحكم بين الذكر والأنثى، صحيح، والتنصيص على الفرق -[إذا وجد]-لا يكون تناقضًا. فتحقق بذلك أن نفس اللفظ لا يكتفى به في هذا.
قال الإمام: (والقسم الثاني من أقسام النظر الشرعي) [إلى قوله (واختيار
стр. 1720
مسلك الحق فيه]). قال الشيخ: قوله: القسم الثاني من أقسام النظر الشرعي، (١٠/أ) يعني بذلك (١٣/ب) المظنون من الأقسية، وليس يقتصر هذا القسم على استنباط المعاني [المخيلة]. وإنما ذكره، [لأنه] الأمر الأعم الأغلب في هذا القسم، والشبه والطرد والاستدلال المرسل مرتب عليه. وعليه أيضًا ينبني رد الطرد عند الأصوليين، فلذلك ذكره مقتصرًا على ذكره في هذا الموضوع، وإلا فالأقيسة المظنونة [أوسع] من هذا بلا إشكال.
قال الإمام: ([مسألة]: الطرد: هو الذي لا يناسب [الحكم ، ولا يشعر
следующие страницы →