← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

هذه الأمور: [فهو] مصلحة. وما تضمن تفويتها: فهو مفسدة، ونفيه مصلحة. وقد حفظ الشرع الدين بقتل الكفر، وكذلك المبتدع المضل. وحفظ النفوس بشرعية القصاص. وحفظ [الفروج] بشرعية الحدود. وحفظ الأموال بشرعية قطع السارق ومعاقبة الغاصب. وحفظ العقل بتحريم المسكرات وإثبات الحدود. هذا بيان حقيقة المناسب، وبيان متعلقاته في نظر العلماء. ثم ينقسم (١٨/أ) أقسامًا أخر، باعتبار قوته وضعفه. فمنه ما يقع في رتبة الضرورات، و [منه] ما (١٣/ب) يقع في رتبة الحاجات، ولا ينتهي إلى رتبة الضرورات. و [منه] ما يقع في رتبة التحسينات والتزيينات.

стр. 1752

فأما الواقع في رتبة الضرورات، [فكحفظ] القواعد الخمسة التي ذكرناها، فلا تنفك شريعة أريد بها صلاح الخلق من حفظها، فلابد من حفظ الدين، وهو الأصل، قال الله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾. وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله). وحفظ الله تعالى النفوس [بشرعية] القود، قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب﴾. وحفظ الله تعالى الفروج بشرعية الحدود، وتغليظ الأمر فيها، فشرع الرجم تارة، والجلد أخرى، مع الوعيد العظيم في الآخرة. وكذلك حفظ الأموال بقوله: ﴿[والسارق] والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله﴾. وحفظ العقول بقوله ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم

стр. 1753

العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾؟ وأما يقع [منه] في رتبة الحاجات، ولا ينتهي إلى أبواب الضرورات، فمثاله: تسليط الولي على تزويج الصغير، فإنه لا ترهق إليه ضرورة النكاح، ولكن قد تدعو إليه الحاجة إلى اشتباك العشائر، وحصول التظاهر بالقرابات. [وكذلك] عندي شرعية المساقاة والقراض، فإنه من أبواب الحاجات، فإنه لا يتأتى لكل أحد تثمير ماله بيده، إما لعجزه أو لجهله. ولو أثبت للمنصوب للتجارة حق، [وهو] يستحقه، ربح أو خسر، فقد لا يجد جده، فدعت حاجة التجر إلى تجويز ذلك، وإن كان فيه نوع من الغرر.

стр. 1754

وقد عد بعض العلماء من مراتب الحاجات شرعية الإجارات، وليس كذلك عندنا، فإن الضرورة تدعو إلى ذلك، ولو منع الخلق الإجارات، لتداعي إلى جميعهم الفساد، فهو كالبيع الذي لابد للخلق منه. وسيأتي لهذا مزيد تقرير بعد هذا. [الرتبة] الثالثة: ما يقع في مرتبة التزيينات والتحسينات، ولا ينتهي إلى أبواب الحاجات. وهذا بمثابة رد شهادة العبد، وسلب المرأة منصب الولاية في النكاح، فإن هذا لا يظهر التحاقه بقواعد الحاجات. ولكن يظهر وقوعه في قسم التحسينات [والتزيينات]، إذ تولي المرأة عقد النكاح [مشيرٌ] إلى قوة الشبق وشدة الشهوة، وذلك يناقض (١٨/ب) ذات الخفرات. وكذلك سلب العبد منصب الشهادة، بناء على خسة حاله ونقصان درجته، فلا يليق به أن يعطى المناصب السنية. هذا من باب التحسين. ومن هذا القبيل منع بعض العلماء بيع النجاسات، لأن النجس مستخبث مستقذر، وجواز بيعه يدل على إقامة وزنٍ له. ولا يليق ذلك بالعادات.

стр. 1755

والمرتبتان السابقتان يتعلق بأذيال كل واحد منهما ما هو كالتتمة والتكملة. ومن هذا القبيل شرعية التماثل في القصاص، فإنه لا تدعو إليه ضرورة، ولا تلوح فيه شدة حاجة، ولكنه [مكملي]، إذ المقصود منه التتمة، وحظ مستحقه [منه] شفاء الغليل، وذلك يحصل بالمماثلة من غير زيادة ولا نقصان، حتى قال ﷺ : (المرء مقتول بما قتل به). فقد راعى الآلة في المماثلة، وكذلك في صفة القتل. كل ذلك تتمة لحكم القاعدة، ولو فقد ذلك لم (١٤/أ) [تبطل] القاعدة بحال. وأما التتمة في قاعدة الحاجات، فقولنا: لا تزوج الصغيرة إلا من كفء ومهر المثل. فإنه لا يظهر وجه الحاجة لذلك، كما ظهر في أصل التزويج. ولا يمكن تعليل منع المرأة عقد النكاح بالإضافة إلى فتور رأيها ونقصان بصيرتها فإنه لو أمكن ذلك لوقع في رتبة الحاجات، ولكنه لما بطل العقد عندما تزوج نفسها من كفء، دل على بطلان ذلك. وكذلك اشتراط الشهود في النكاح يظهر منه أنه من تتمة القاعدة، وليس من أصلها. فإن قيل: فلعله إنما اشترط الشهود للثبوت عند النزاع. قلنا: ليس كذلك، فإنه لو كان هكذا، لجاز الإشهاد على الإقرار [لسبق] العقد. وهذا لا يصح عند الشافعي وأبي حنيفة

стр. 1756

بحال. ولا يصح عند مالك بعد الدخول. دل ذلك على أنه طلب لتفخيم أمر النكاح، والميز بينه وبين السفاح. إذا المعتاد في السفاح الاستسرار به والإخفاء، فقصد الشرع أن يكون النكاح على خلاف ذلك. ولهذا قال: (اجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالغربال). (ونهى عمر عن نكاح السر)، لأنه يفوت فيه مقصد الفرق بينه وبين السفاح، فقد: (أتى بنكاح لم يشهد فيه إلا واحد، فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه، ولو كنت [قدمت] فيه لرجمت). هذا بيان حقيقة المناسب ومراتبه ومتعلقاته. وهو ينقسم أيضًا باعتبار الشهادة: إلى ما شهد الشرع بقبوله، وإلى ما شهد برده، وإلى ما سكتت شواهد الشرع عنه. فأما ما شهد [بقبوله]، فلابد من إعماله، و [إلا كان] (١٩/أ) [في] ذلك مناقضة للشريعة فيه. ومثاله: ما ذكرناه في القصاص، أنه شرع صيانة [للنفوس]، وكذلك في القطع في السرقة، والزنا وغيره، وسائر ما

стр. 1757

دلت النصوص عليه تصريحًا [وإيماء]. وأما ما شهد [برَّده]، فلا سبيل إلى قبوله، فإن المعنى لا يقتضي الحكم لنفسه، ولكن إذا ظهر المعنى على شرطه، أرشدنا إلى ملاحظة الشرع له. [فإذا أعرض] الشرع عنه، فلا خلاف في رده. وأما ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فهذا لا يخلو: إما أن يستنبط من أصلٍ معين، أو لا يصادف نص على وفقه. فإن لم يصادف نص على وفقه، فهذا هو الاستدلال المرسل. وسيأتي الكلام عليه. وإن وجد نص على وفقه، فهذا هو المقصود الآن، وهو ينقسم إلى ملائم وغريب. أما ما دل النص أو الإجماع على اعتباره، فهو المؤثر. وهذا مقبول من جميع القائسين. ولا فرق بين أن يكون التأثير ثبت بنص أو ظاهر أو إجماع. وسيأتي هذا القسم إن شاء الله بعد هذا. ولكن حق هذا القسم أن يتقدم، ولكن الإمام أخره فأخرناه حتى نذكره حيث ذكره. أما الملائم [لجنس] تصرف الشرع، إذا وجد حكمٌ على وفقه -بحيث تجتمع فيه الملاءمة وورود الحكم على الوفق -أكثر [علماء الأمة] على قبوله، وذكر عن أبي زيد أنه قال: لا يقبل إلا المؤثر. فإذا رد الملائم،

стр. 1758

فهو يرد الغريب. ولكنه أورد للمؤثر أمثلة عرف بها أنه يقول به، وإنما سماه مؤثرًا. والمؤثر على وجهين: أحدهما -متفق عليه، أعني على تسميته مؤثرًا، وهو ما ظهر تأثير عينه في عين الحكم، وهو كتأثير الصغر في ولاية النكاح، فإنه ظهر تأثير الصغر في إجبار الذكر على النكاح، فليطرد ذلك في الصغيرة، فقد ظهر تأثيره في عين (١٤/ب) الحكم، [لكن] في محل آخر. فأما إن ظهر تأثير عينه في الجنس، فهل هو ملائم أو مؤثر؟ فيه خلاف يتعلق باللفظ، وهو كتأثير الشقوقة في التقديم في الميراث. فإذا قلنا: إن الشقيق يتقدم في النكاح، كان هذا متنازعًا فيه، هل هو مؤثر أو ملائم؟ أما إذا ثبت التأثير بالنص أو الإجماع، فلا خلاف في القبول، [إذ] لا يبقي إلا تعدد المحال. وهذا غير مضرٍ في الإلحاق، بدليل شرعية القياس. فإن قال قائل: [ما] المانع من أن يختص المعنى بمحله، وإن ظهر تأثيره فيه؟ قلنا: إذا خص ذلك، بطل القياس بالكلية. فكل معنى ثبت اعتباره شرعًا، فلابد من طرده وإثبات الحكم على وقفه حيث وجد. وإن وجد منعٌ في

стр. 1759

بعض الصور، فما ذاك إلا لتخيل فرق أو معارض يمنع من الإعمال، لا لأجل رد الوصف على حال. أما الملائم: فهو الوصف الذي ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم أو عينه. ومثاله: القضاء بأن [قليل] الخمر حرمت [لأنها] تدعو إلى الكثير. لأنه قد (١٩/ب) عهد من الشرع إقامة المظنة مقام ما يوصل إليها، إذ حرم الخلوة بالأجنبية، لأنها داعية إلى الزنا. وكذلك إذا قلنا: يصح الجمع ليلة المطر، للمشقة اللاحقة. فهو ملائم لجنس تصرف الشرع، إذ ورد الشرع بالقصر في حق المسافر، للمشقة [الداخلة عليه] في إدراك الرفقة. وكذلك جوز للمريض الصلاة جالسًا، لمشقة القيام عليه. وأسقط عن الحائض قضاء الصلاة، لمشقة التكرار، فقد صار التخفيف بالأعذار ملائمًا لتصرفات الشريعة. فإذا ورد الحكم واستبط [منه المعنى] الملائم، أشارت العقول إلى إسناده إلى السبب الملائم. وأما أبو زيد، فقد قلنا إنه رده في ظاهر لفظه، وتحقيق [أمثلته] تدل على قبوله. فإن قدرنا موافقته، فقد حصل إطباق القائسين. وإن بقي على مخالفته، فقد قال: إن المصلحة التي يسند المعلل الحكم إليها، أمرٌ يرجع إلى

стр. 1760

قبول القلب وسلامة النفس، يتعذر تقريرها بالأدلة، ولا يمكن إثباتها على الخصم بالحجة، فيجب أن تكون مردودة. وهذا الذي ذكره غير صحيح، فإن المناسبة أمر معقول، إذا عرض على العقول أذعنت له بالقبول، بحيث ينسب [الخصم] إلى العناد إن جحد ذلك. فليس المراد بالمناسب ما ذكره بحال. وقال أيضًا: إن المعنى إذا دل النص أو الإجماع على اعتباره، لم يبق إلا تعدد المحال. وهذا الافتراق هو الذي أعرض عنه أهل الإجماع، بدليل شرعية القياس. أما إذا [لم] تثبت الشهادة لعين المعنى، لكن ثبتت لما يقاربه، فما المانع من اعتبار [شيء]، وترك اعتبار ما يدانيه؟ والأمر المجمع عليه وليس هذا النوع، وإنما ذلك عند تحقق المماثلة. ولكنا نقول: إذا ظهر التقارب بين المعاني، [وقلت] جهة الافتراق، وغلب على الظن غلبة قوية أن الحكم [لذلك] ثبت، فلابد من الاعتبار. وهو أولى من تنزيل الأمر على [التعبد] مع ظهور المصلحة [المعتبر] جنسها. هذا ظاهر لا شك فيه. وأما المناسب

стр. 1761

الغريب، فهو في محل الاجتهاد. وقد اختلف الأصوليون فيه. اعلم أن المعاني إذا ظهرت، فيبعد أن لا يوجد لها نظير ولا مدانٍ، بل لا يكاد المعنى المناسب ينفك عن نظير بحال. وقد قلت أمثلة الغريب. وقد ذكر العلماء له أمثلة: أحدها -قضاؤنا بأن المطلقة في مرض (١٥/أ) الموت ترث، إلحاقًا بالقاتل الممنوع من الميراث، تعليلًا بالمعارضة بنقيض المقصود، فإن المناسبة ظاهرة. ولكن هذا النوع من المصلحة لم تعهد معتبرة في غير هذا الموضع، فكانت غريبة لذلك. ولو قيل: القتل جناية، والحرمان عقوبة فيعلل به، لكان (٢٠/أ) في قسم الملائم، لا في قسم الغريب. المثال الثاني -تحريم بيع الأشياء النجسة، قياسًا على الميتة المحرم بيعها لنجاستها، بناء على الخسة. وهذا معنى غريب، لم يعهد تأثير الخسة في منع البيع، ولا له نظير في الشرع. [المثال] الثالث -تعليل تحريم التفاضل في الأشياء الستة لشرفها، فإن الاشتراط يقتضي تضييق الطرق، والشريف ينبغي أن تسهل طرق الوصول إليه، وقد منعت المناسبة فيه. وقيل: إذا كانت الحاجة داعية إليه، فينبغي أن يسهل

стр. 1762

على المكلفين، حتى تندفع الحاجة. وقيل: إنه من قسم الملائم، فإن الأبضاع لما كانت شريفة في نظر الشرع، ضيق الشرع طرق التحصيل، حتى لا تستباح إلا بعقد نكاح، أو بملك يمين على الجملة. وإن ثبتت الملاءمة مع ورود الحكم على الوفق، فقد اختلف الأصوليون فيه. والمسألة اجتهادية، لا قطع فيها على حال. والإمام قد قطع بالقبول، مستندًا إلى إجماع الصحابة. وهذه الدعوى شديدة، والنقل على هذا التفصيل بعيد [عن التحصيل]. نعم، كانوا يحكمون بالمصالح، فأما أن يقع القطع باعتبار المعنى الغريب، فلا سبيل إلى ذلك بحال. فإن قيل: إذا لم [تتحققوا] الإجماع، ورأيتم المسألة في محل الاجتهاد، فما [الذي] تختارون؟ قلنا: نحن نختار القبول والتعليل به. فإن قيل: وما الذي دل على ذلك؟ وليس كل محتمل علمًا، وليس كل استصلاح وجهًا [مرتضى]؟ وإذا ثبت الانقسام، وجب الوقف إلى [قيام] دليل التمييز. قلنا: نحن بتصفح الشرع، واستقراء أحكامه نتبين أن أكثر الأحكام أجري على المصالح، والتعبدات قليلة جدًا. فتشير العقول عند ظهور المصالح إلى إحالة الأحكام عليها. وهو بمثابة ما لو رأينا من [يشتم] رجلًا، وأمر المشتوم بضربه وعقوبته، لغلب على ظننا أنه لذلك، وإن أمكن أن يكون ضربه لسبب آخر، مع صفحه عن قضية الشتم. [كذلك إذا حكم الشرع] في محل

стр. 1763

بحكم، وقد ظهر وجهٌ من المصالح تشير العقول إلى إضافة الحكم إليه، غلب على الظن أنه له، وإن أمكن أن يكون [تعبدًا]، أو لسبب آخر لم نطلع عليه. فإن قيل: إنما ثبت ذلك في المشتوم الآمر بالضرب، لأن الشتم يؤلم الطباع، والناس في ذلك متفاوتون، [فدل] الضرب على [الغيظ] المعروف من العادة، بخلاف الأحكام الشرعية، فإنه لا يقتضي المناسب الحكم لعينه. والمناسب وغير المناسب بالإضافة إلى الله [ ] على حدٍّ واحد. ألا ترى أنه لو عرف من المشتوم مقابلة الإساءة بالإحسان، لم (٢٠/ب) يصح تعليل الضرب بالشتم السابق بحال، وإنما عرف ذلك من العادات. قلنا: الأمر كذلك، واستقراء عادة الشرع تعرِّفُنا [مقصوده]، إذ العادة الغالبة في الشريعة ملاحظة المعاني دون التعبدات. ولقد قال بعض العلماء: إن الشرع لا يحكم [إلا] لمصلحة. وهذا لعمري هو الظاهر من الاستقراء، وإن جوزنا [خلاف] ذلك، فهو قليل جدًا. وذلك عندما لا تظهر المصالح. فأما إذا ظهرت، فالتعليل أولى. هذا كلام الأصوليين. وعندي فيه تفصيل آخر، وهو الذي يقتضيه مذهب مالك ﵀ (١٥/ب)، وهو أنا لا ننظر في جميع الشريعة نظرًا واحدًا، بل ننظر إلى كل

стр. 1764

قاعدة على انفرادها. وإذا كان كذلك، فالغالب في القواعد المتعلقة بالأغراض العاجلة، من البيع والنكاح، وفصل [الخصومات]، وقضية الإجارات، والقصاص والحدود وغيرها، [الالتفات] إلى المعاني، والتعبدات في هذه الوقائع قليلة. فإذا ظهرت فيها المعاني المناسبة، وإن كانت غريبة، وجب اعتبارها، وذلك أن الاحتمالات ههنا، إما أن لا يكون المحل معللًا، وقد ظهرت المصلحة فيه، وهذا بعيد في القاعدة. وإما أن يكون [معللًا]، و [المعنى] لم يظهر لنا [فيه]، وهو بعيد في حق المجتهد الباحث، [إذ المصالح] أمور معقولة. فلم يبق إلا [التعليل] [بما] ظهر للعقل، بعد بطلان التعبد والخفاء جميعًا. وإذا فصل الأمر هذا التفصيل، وجب أن يفرق بين قواعد العبادات وبين المعاملات وغيرها. فلا يعلل في العبادات بالمعاني الغريبة، وإن كانت ظاهرة، لأنا لم [نعتمد] هناك على نفس المعنى حتى أضفنا إليه استقراء العادة في غلبة المعاني وقلة التعبدات. ولم تثبت لنا هذه العادة في قاعدة العبادة. لا جرم أن مالكًا ﵀ لم يلتفت في إزالة الأخباث ورفع الأحداث إلى مطلق النظافة، حتى اشترط النية. ولم يقم غير الماء مقامه، وإن حصلت

стр. 1765

النظافة. وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم مقامه في التحريم والتحليل. ومنع من إخراج القيم في الزكوات، واقتصر على مراعاة العدد في الكفارات. كل ذلك لأنه لم يتحقق في هذه [القواعد] التفات الشرع إلى محض المعنى. وأبو حنيفة ﵀ جعل الشريعة شيئًا واحدًا، ورأى الاعتماد على المعاني أكثر من التعبدات، وله وجه. والأول أجود، والنظر إليه أخص. وقد يتخيل من ذلك أن نقل الإجماع في الباب على الإطلاق. بل ثبت الانقسام إلى ثلاثة أقسام: مؤثر، ومقبول بإجماع، وغريب. [ومحل الاجتهاد عندما] يستنبط [من أصل] معين، وغريب استنبط من أصل (٢١/أ) معين. فالأكثرون على [قبوله]. وهو الصحيح. وقد ذكرنا دليله. والله الموفق للصواب.

стр. 1766

قال الإمام: (فإن قيل: فقد ثبت من رأيكم أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى) إلى قوله (وسنقرره على أحسن الوجوه، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: استشكل الإمام هذا السؤال، ولا صعوبة فيه. والتهويل بأن ما لا يتناهى، كيف يندرج تحت المتناهي؟ كلام لا حاصل له، فإنه يصح في اللفظة الواحدة أن تتلقى منها أحكام في آحاد لا تتناهى، كقوله: (من بدل دينه فاقتلوه). أو ما يجري مجراه من الألفاظ العامة المتعلقة بكل متجدد. وأما ما قرره ههنا من دوران الأمر بين قسمي نفي وإثبات، فليطلب الإنسان دليل الإثبات، وإن لم يجد ألحقه بقسم النفي، فهو كلام صحيح، ولكنه يضره في أمر آخر، وهو أنه قد قدم أن النصوص مضبوطة، ومواقع الإجماع محصورة، والمسائل التي يتوقع الحكم فيها لا نهاية لها. وإذا كان

стр. 1767

كذلك، فالأصل الذي يسترسل على جميع المسائل هو القياس. وإذا صح له ما ذكره من انضباط أحد القسمين، [وطلب] أدلة [المنضبط]، [استمر] له الحكم في الجميع، مع الاستغناء عن القياس (١٦/أ). فلا يكون ما ذكره أمرًا ملجئًا إلى إتباع القياس. لا جرم أن غير صالح للإثبات. وإنما المعتمد تصفح قضاء أهل الإجماع في إتباع الاعتبار في مجالس البحث والاشتوار. هذا هو الصحيح. والله الموفق [للصواب]. قال الإمام ﵀: (فأما ما اعتمده الشافعي [وارتضاه، ولا معدل عنه،

стр. 1768

ما وجد إليه سبيل]) [إلى قوله (ومعناه: إذا علمت ذلك فلا إذًا). فنقول: هذا الباب كان ينبغي أن يتقدم] على إثبات العلة بطريق الإخالة والمناسبة. و[إذا] وقع الكلام فيه يتعلق بالألفاظ، فالعلة إذا تلقيت من الألفاظ ينقسم الأمر فيها: إلى ما يتلقى من صريح الألفاظ، وإلى ما يتلقى من الإيماء والتنبيه؛ [وهو] أنواع: الأول: ما يتلقى من الصريح: [وهو قوله: ] لكذا، أو لأجل كذا، أو أجل كذا، أو لـ: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء [منكم]﴾، [أو] ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾، ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله

стр. 1769

ورسوله﴾. [وقوله ﷺ : ] (إنما نهيتكم [لأجل] الدافة)، و (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر). فهذه الألفاظ وما [يضاهيها] من [ألفاظ]، صريحة في التعليل عند أهل اللسان. ولسنا نعني بالصريح: النص الذي لا يقبل التأويل، وإنما نعني بأنه [منطوق] بالتعليل فيه، على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى. وقد قال القاضي ﵁: إنه للتعليل، إلا أن يدل دليل على غير ذلك. وهو بمثابة قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾.

стр. 1770

قال: لا يصلح الدلوك لكونه علة، فهو بمعنى: عند الدلوك. وهذا (٢١/ب). إنما حمله على تأويل اللفظ، أنه استقر عنده أن العلل الشرعية لابد أن تكون مناسبة، أو مشتملة على معنى مناسب. وليس ميل الشمس من هذا [القبيل]. هذا كافٍ في هذا القسم، فإنه يرجع إلى فهم ظواهر اللغة. والذي ذكرناه يكفي في التنبيه على النوع. النوع الثاني: الإيماء والتنبيه، وهو يقع على أوجه: الأول -أن يرتب الحكم على الفعل] بـ (فاء) التعقيب والتسبيب، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا إيديهما﴾. و ﴿الزانية والزاني فاجلدوا [كل واحد منهما]﴾. ﴿وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا [وجوهكم]﴾. ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.

стр. 1771

﴿[فإذا] طعمتم فانتشروا﴾. ﴿[فإن] كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه [بالعدل]﴾، ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم﴾. [وقوله ﵇: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له). وقوله لبريرة: (ملكت نفسك فاختاري). وقوله ﵇: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)]. فكل ذلك تنبيه على إضافة الحكم لهذه

стр. 1772

الأسباب. ولا يظن أن ذلك لأجل المناسبة، بل لأجل [ظاهر اللغة ومقتضى اللسان]. حتى يقول في قوله: (من مس ذكره فليتوضأ). أن سبب الوضوء مس الذكر. وكذلك إذا قال: (من أكل شيئًا [مسته] النار فليتوضأ). فإن هذا يرجع إلى نفس الربط بالفاء. وقد كنا قدمنا في هذا الكلام على [معاني] الحروف. [وذكرنا] هناك أن (الفاء) لها وجهان: أحدهما -العطف. والثاني -التسبب. فإذا انحسمت جهة العطف، تعين التسبيب. والذي يمنع جهة العطف، أن يكون متى قدرت عاطفة، اختل الكلام وخرج عن الفائدة. [وهو] كقوله: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له). لا تصح أن تكون عاطفة. إذ لو كانت عاطفة، لنقصت

стр. 1773

الجملة، وبقي الشرط بلا جواب، [ويكون] التقدير: من أحيا أرضًا ميتة وهي له. وهذا لا يصح الاقتصار عليه. فلما وقع القصر عليه، تبين أنه الجواب. وإذا جاء موضع يقبل [الأمرين]، فالصحيح الإجمال، إلا أن يتبين من خارج أحد الوجهين. وهو كقوله: (زنى ماعز [فرجمه] رسول الله ﷺ ). (١٦/ب)، و ([سها فسجد]). يحتمل العطف والتعليل، فيتوقف إلى الدليل. وهل يجعل فهم الراوي مزيلًا للاحتمال، وموضحًا للكلام؟ وقد تقدم هذا. النوع [الثالث]: أن يعلم النبي ﷺ بفعل، فيحكم عقبه بحكم،

стр. 1774

فيظهر من هذا الترتيب أن الفعل الجاري هو علة الحكم. مثاله: أن يقول له قائل: فعلت كذا، فيقول: [كما] جاء حديث الأعرابي (٢٢/أ) أنه قال: (واقعت أهلي في [نهار] رمضان. فقال: اعتق رقبة). فهم أن فعله هو سبب القضاء عليه بالكفارة. وليس ذلك لأجل المناسبة. بل لو قال: لقيت زيدًا، فقال: اعتق رقبة، لفهم أن المذكور هو سبب الحكم. هذا فيما أعلم به الرسول [ ﷺ ]، وينزل هذا منزلة ما لو [رتب] [هذا] [الخبر] الثاني على كلام [بعينه]، فيصير بمثابة ما لو قال: إذا واقعت في نهار رمضان، فعليك [كفارة] رقبة. القسم الآخر: أن يعلم الرسول الفعل المتجرد، فيحكم [عقيبه]

стр. 1775

بحكم، فهل يكون علمه كإعلامه، حتى يكون الفعل المتجرد المعلوم سببًا؟ هذا فيه نظر. وللأصوليين في اضطراب. والصحيح عندنا أنه لا يصح إسناد التعليل إليه. على ما سيأتي في الطرد والعكس. وليس يتحقق فيه التعليل قطعًا، لأنه يحتمل أن يكون ذلك حكمًا مبتدأً، ولكن جرى ذكر الواقعة اتفاقًا. هذا احتمال، والظاهر ربط، فإنه أبعد عن اللبس وأقرب إلى الفهم. [النوع الرابع: ] أن يذكر الشارع في الحكم وصفًا لم يصرح بالتعليل به، ولكن لو قدر ذلك الوصف غير مؤثر في الحكم، ولا مرتبط به، لخرج الكلام عن كونه منتظمًا، ولنُسب المتكلم [به] إلى غير الجد. وهذا يقع على أوجه: أحدها -أن يذكر الوصف المعروف بعد [تبيين] الحكم. مثاله: أنه قال في الهرة: (إنها ليس بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات). فلو لم يكن التطواف سببًا لنفي النجاسة، لما كان [لذكره] معنى. لأنه قد علم أنه طوافة. ومن هذا قوله في النبيذ: (ثمرة طيبة وماء طهور، [ثم] توضأ به).

стр. 1776

إن صحت الحكاية. ومن هذا القبيل، قوله ﵇: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها). فإنه أخبر عن [لعنتهم]، وذلك معروف عندنا، فتكون الفائدة في اعتبار هذا الوصف، لأجل الفعل المذكور بعده. ومن هذا [القبيل] الاستنطاق بوصف يعلمه المسؤول، ثم يرتب الجواب عليه، فإنه لو لم يكن للتعليل، لما كان للاستنطاق عن المعلوم والسؤال معنى. ففهم أن المراد تنبيه السائل عن سبب الحكم. ومن هذا القبيل أن يجيب عن محل السؤال بذكر نظيره، فيما عرف حكمه، فيدل على أن جهة المشابهة بينهما هي السبب، وهو كما: (سئل عن القبلة [للصائم] فقال: (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته)؟ وكذلك (سئل عن قضاء الحج [عن الميت] فقال: (أرأيت لو كان على أبيك دين)؟

стр. 1777

النوع الخامس: أن يقتطع الشارع نوعًا من قاعدة، وعلق الاقتطاع [عى لوصف]، فيظهر أن الوصف هو سبب الاقتطاع. وذلك كما اقتطع القاتل من الميراث (٢٢/ب) بعد أن تقرر التوارث [بين] القرابات. فلما قال: (القاتل لا يرث)، فُهِم أن ذلك لأجل كونه قاتلًا. ولا يظن أن ذلك [بسبب] المناسبة، فإنه لو قال: الأبيض لا يرث، الطويل لا يرث، لَفُهِم أن المعنى لذلك، ثم ينظر في [السبر]. النوع [السادس]: (١٧/أ) النهي [عما] يمنع من [الإتيان] بالمطلوب، يفهم [منه] أن ذلك لسبب منعه. وهو كقوله: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، فهم أن المنع لأجل كون البيع يمنع من [الجمعة]. فهذا ونظائره مما يكثر في اللسان. وقد تقدم

стр. 1778

طرف منه في باب المفهوم، وقلنا: إن تعليق الحكم على كل وصف يظهر منه مدح أو ذم، أو ترغيب أو ترهيب يفهم التعليل. وإذا ثبت [تعرض] الشرع للعلة بعد أن ثبت أصل القياس، لزم إتباع المنصوب علة، سواء كان على وجه التصريح، أو على وجه الإيماء والتنبيه، إلا أن يدل دليل على أنه لم يذكر لمقصد التعليل، فيقع ذلك في أبواب التأويل. وأما الحديث الذي ذكره الإمام، ففيه تنبيه من ثلاثة أوجه: أحدها -الاستنطاق، وقد بينا وجهه. والثاني -الترتيب بالفاء المسببة. والثالث -قوله: إذًا، فإنه للتعليل. وكل واحد من الأوجه مستقل بالتعليل، ويقوى [الأمر] باجتماعها. هذا وجه تقرير [جهات] [الإيماء]. وأما ما ذكره الإمام من أن (إذًا) تتنزل منزلة (ظننت)، في أنها إذا تأخرت لم تعمل. الأمر كذلك في (إذًا)، وليس هو كذلك في (ظننت). وجهة [الفرق] بينهما: أن (إذًا) حرف، والحروف لا تعمل متأخرة، والأفعال يصح أن تعمل، وإن تأخرت. وقد بينا غلطة فيما سبق في (ظننت)، فلا نعيده. وما إذا تقدمت، فإنه لا يتحتم لها العمل كما زعم، بل إنما تعمل إذا

стр. 1779

تقدمت، بشرط أن يكون الفعل الذي دخلت عليه مستقبلًا. فأما إذا كان فعل حالٍ، فإنها لا تعمل على حال. والسبب في ذلك أن النواصب [كلها تخلص الفعل للاستقبال، فجعلت (إذًا) كغيرها من الحروف النواصب]. وأما ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من أن المراد: إذا نقص فلا يباع، فكلام فاسد، وتقرير فساده ما قرره الإمام، ولا مزيد عليه. وقد قال بعض أصحاب أبي حنيفة كلامًا آخر، [وهو]: ([إن الرسول ﵇ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب] إذا جف؟ قيل له: نعم. قال: فلا إذًا). وهذا الكلام ناقص، فلابد أن يكمل بشيء [مقدر]. فيمكن أن يكمل: بيحرم أو يباح. فعلى أحد التقديرين يفهم التحريم، وعلى التقدير الآخر يفهم لا ينقص عند الجفاف، أن يمنع البيع، حتى يكون الاستواء عند الجفاف مقتضيًا الحل. وإذا تردد الأمر على سواء، وليس للفظ ظهور أصلًا، لزم الإجمال، وبطل الاستدلال. وهذا خيال (٢٣/أ). وبيان كشفه: أنه لا يصح أن يكون الاستنطاق والنقصان في ثاني [الحال] سببًا لجواز البيع على حال. فإنه لو

стр. 1780

كان كذلك، [لزم إذا كان للمنع، والنقصان عند الجفاف سببًا للجواز]. وهذا محال لا خفاء به، فتعين بالضرورة أن يكون المقدم الذي دخل [عليه] النفي [علة] الجواز. وهذا الحذف يحتمل أن يكون نفيًا، ويحتمل أن يكون نهيًا، وكلاهما واحد فيما يتعلق بالمنع. فإنه يصح أن يقال: فلا يباع، أو لا تبيعوه. وغرض المسألة يحصل على كل واحد من التقديرين. فإن قيل: فهذه الجهات من الصريح والإيماء والتنبيه تدل على التعليل دلالة قطعية أو ظنية؟ قلنا: هذا عندنا يقع في أقسام الظواهر، إلا أن تظهر قرائن مقال أو حال تبين النصوصية. ولكن كل ظاهر لابد أن يقطع بأصل دلالته، [حتى] يحصل العلم بأنه لا يكون وجوده كالعدم، ولكن تعتبر جهة الظهور [مظنونة]. [فالذي] يتطرق إلى الظاهر التأويل، وإلى العام التخصيص دون التعطيل. فكذلك هذه الأوصاف التي دلت الألفاظ عليها، [لا] سبيل إلى إسقاط أثرها بالكلية. والظاهر أنها [للعلة]. ويحتمل أن تكون شرطًا لعمل العلة، ويحتمل أن تكون [مبهمًا لسبب] (١٧/ب) العلة

стр. 1781

[اعتيادًا]، كقوله في الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾. فظاهر [القرآن] يدل على أن قتل الصيد عمدًا هو السبب. ونحن نرى أن الخاطئ أيضًا يُكفِّر. ولكن نقول ذكر العمد، لأن القتل لا يقع غالبًا إلا عليه، فلم يخرج عن كونه له أثر على الجملة. قال الإمام: (ومما يجري تعليلًا: صيغة تتضمن تعليق الحكم باسم مشتق) إلى قوله (كما سيأتي في كتاب الترجيح، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: ما ذكره الأصوليون من أن تعليق الحكم بالاسم المشتق يتضمن تعليلًا. هذا في اللسان يختص بالصفة المناسبة، كقوله: [أكرم] العالم، [وأهن] الجاهل، وارفق باليتيم، إلى ما يضاهي ذلك. وأما إذا لم يكن مناسبًا، لم

стр. 1782

يفهم [منه] ذلك في وضع اللغة. فلو قال: [أكرم] الأسود أو الأبيض، لم يدرك [سر] ذلك، وافتقر إلى البحث عن السبب. ولهذا أنه لما: (أمر بقتل الكلب الأسود، قيل: ما بال الأسود من الأبيض والأحمر؟ قيل: كنا نتحدث أنه شيطان). وأما الإثنان فليسا من هذا القبيل. فإن الكلام اشتمل على (الفاء) التي هي [للتسبيب]، وإذا اشتمل الكلام على (فاء) التسبيب، لم يشترط (٢٣/ ب) ظهور مناسبة، بل يسبق [إلى الفهم] السببية، ثم يطلب بعد

стр. 1783

ذلك جهة المناسبة. ولا تدخل (الفاء) في هذا المكان إلا جوابًا لشرط، أو لتقدير شرط. وأما قوله: إذا ثبت بلفظ ظاهر قصد الشارع إلى تعليل حكم شيء، فهو أقوى متمسك به. وقرر ذلك ههنا على حسب ما جرى في كتاب التأويل. وحاصله راجع إلى أنه لو علم أنه يقدم الخبر على القياس، لزم أن يتقدم الظاهر على القياس. وقد كنا قدمنا أن الأمر ليس كذلك، فإن المتأول لا يسلم أنه خالف الخبر، بل يقول ما خالف الخبر إلا من تمسك بظاهره. على أن الإمام قد نقض ذلك، وقال: يصح أن يخصص العموم بالقياس إذا كان أظهر منه. ولا يكون المخصص معترفا بأنه قدم القياس على لفظ القرآن، بل القياس أرشده إلى أن هذه الصورة لم ترد بالقرآن. وكذلك إذا دل الظاهر على التعليل بشيء. فقصارى الإيماء والتنبيه أن يكون [كظواهر] الألفاظ. فإذا

стр. 1784

دل [القياس] على أن ذلك الذي دل عليه الظاهر ليس بعلة، وكان القياس أقوى في مراتب الظنون، مما دل عليه الظاهر من التعليل، وجب المصير إلى القياس. وهذا أمر معلوم، والغفلة وقعت من جهة اعتقاد أن القائل بالقياس مخالف للشرع. وهذا غير صحيح، وقد سبق هذا بعينه في كتاب التأويل. وإنما كررناه لأنه كرره، فلذلك ذكرناه. نعم، يبقى النظر فيما إذا دل الظاهر على التعليل، وكان الذي دل عليه الظاهر لا مناسبة فيه، لكن قارنه أمر مناسب، أو اشتمل على أمر مناسب، فهل تكون [عدم] [المناسبة] فيما دل عليه الظاهر، وظهورها فيما يقارنه ويجاوزه؟ أو تكون في ضمنه مزيلة للظاهر مقوية للتأويل؟ هذا فيه نظر، نصوره ثم نتكلم فيه. مثاله: قوله ﵇: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). قد دل الإيماء على مطلق الغضب، ولكن مطلق الغضب لا يناسب منع القضاء، ولكن الغضب

стр. 1785

يتضمن الدهش والحيرة، ومنع استيفاء الفكر، فيعلل به حتى يتعدى إلى الجوع المفرط والألم المبرح. وإنما قوي الاعتماد على المعنى في التأويل، وإسقاط ما دل عليه ظاهر الإيماء، لاستقراء الشريعة، وحصول العلم بالإعراض عن الطرديات غالبًا. والشيء [يذكر] (١٨/ أ) تارة لعينه، وتارة لما [يتضمنه] أو يقارنه. فكانت هذه الجهة تقوي [أمر] الاحتمال، وتمنع الاعتماد على الظاهر. ونظائر ذلك في الشرع كثيرة. فما [أدري] بأي وجه منع الإمام هذا، ورأى أن الاقتصار على ما دل عليه الإيماء أولى؟ وقد تردد العلماء في مسائل فيها إيماء إلى أوصاف (٢٤/ أ)، [أيكفي] الاقتصار على تلك الأوصاف، أو الإضراب عنها؟ منها: أنه روي أنه (سها فسجد). أعني النبي [﵇]. فقد رتب الراوي السجود على السهو، فهل ذلك لمطلق السهو، أو لما يتضمنه من الإخلال بأبعاض الصلاة؟

стр. 1786

فقال قائلون: إنما ذلك لأجل الإخلال بالأبعاض. ولو سها ثم [تيقن] أنه [لم يخل] بشيء، فلا سجود عليه. وهذا هو الصحيح. وقال قائلون: ذلك لأجل السهو، مع أن هذا عندهم لا ينفك عن نوع من المناسبة، إذ المقصود نفي السهو عن الصلاة. وهذا ضعيف، لأن مقتضاه أن يسجد كل من [ليس] حاضر القلب من أول صلاته إلى آخرها. وهذا لا ذاهب إليه. [فإذًا] العلماء متفقون على أن الإيماء إذا أشار إلى وصف لا مناسبة فيه، وبحث عن المحل فصودف فيه وصف مناسب للحكم، اعتمد عليه، وترك ما أشار [الإيماء إليه]. هذا تنبيه. واستقصاء القول فيه يتعلق بأبواب التأويل، وقد سبقت.

стр. 1787

فإذًا من أقر الوصف الذي أرشد الإيماء إليه، فهو متمسك بظاهر. ومن أراد التعويل على وصف غيره، فهو متأول يفتقر إلى دليل يعضد به التأويل، ثم تقع المقابلة بين الدليل العاضد للتأويل مع جهة الاحتمال، وبين ما دل عليه الظاهر، فأيهما كان أرجح وجب الاعتماد عليه. وليس كل تأويل بوسيلة كل دليل، بل ذلك يختلف، فإن قوي الاحتمال، لم يشترط قوة الدليل، وإن ضعف الاحتمال، افتقر إلى قوة الدليل. [وقرب] الوصف الذي دل الإيماء عليه من المناسبة، وظهورها في وصف [يقارنه] [أو يتضمنه]، أحد الأدلة الدالة على قبول التأويل، والمصير إليه. وقد بينا وجهه، [واستوعبنا الكلام فيه، فلا معنى لإعادته ههنا. والله المستعان]. قال الإمام: (فإن قيل: قد علل رسول الله ﷺ وجوب الوضوء على

стр. 1788

المستحاضة [بكون الخارج دم عرقٍ]) إلى قوله (كالسرقة والزنا وغيرهما). قال الشيخ: قوله: (توضئي فإنه دم عرق). ليس هذا من ألفاظ العموم، فمن أين يقتضي هذا وجوب الوضوء بكل دم خارج؟ فإن الضمير في قوله: (إنه)، إنما هو يعود على نكرة، وهو قوله: (دم عرق). والنكرة إنما تعم إذا كانت في سياق نفي، ولا نفي ههنا. ولا يكون هذا أيضا من المطلق، لأن النكرة إنما تكون مطلقة إذا اتصل بها أمر أو مصدر، والفعل غير واقع، كقوله: (أعتق رقبة)، أو (عليك عتق رقبة). وليس هذا هكذا، فإنه أمر بالوضوء بعد خروج خارج. فلا يفهم من هذا الكلام: [إذا] خرج منك دم عرق، وكان العرق عرقا مخصوصًا. فالصواب إذًا ما قاله الأصحاب، لبطلان [تلقي] العموم (٢٤/ ب) من الإطلاق، واختصاص الخارج الذي رتب الوضوء عليه. نعم، قد يقاس غير هذا الدم عليه، أما أن يكون ذلك [الاعتقاد] تعميم أو إطلاق فلا. وقد يفهم

стр. 1789

التعليل والتعميم نظرًا إلى التنكير، وذلك نظر قاصر. فلا وجه إلا اختصاص التعليل بذلك الدم. إلا أن [يدل] دليل على مساواة (١٨/ ب) غيره له. وقد قلنا لو قال: حرمت الخمر لإسكارها، [لما] كان هذا لفظا عاما يتناول تحريم كل مسكر بحال. هذا تمام هذا السؤال. قال الإمام: (والجواب المرضي عندنا) إلى قوله (وهذا بين من فحوى كلامه [ ﷺ ]). قال الشيخ: هذا الذي قاله الإمام من أن النبي ﷺ لم يقصد إيجاب الوضوء، وإنما قصد نفي الغسل، لا يصح لوجهين: أحدهما- هو أنه لا يتناقض أن يقصدهما جميعًا. وهذا بناه الإمام على أصله، من أنه إذا ظهر للعموم مقصد آخر سوى الاستغراق، لم يتعلق به في جهة الاستغراق. وقد تقدم له، [وسيأتي أيضا]. وهو كقوله ﵇: (فيما

стр. 1790

سقت السماء العشر). ونحن إنما نعترف بذلك، إذا كان بين المفهوم المقصود وبين العموم تناقض، بحيث لا يتأتى قصدهما جميعا. أما إذا صح اجتماعهما، فيجب إثباتهما. أحدهما- نظرًا إلى عموم اللفظ. الثاني-[نظرًا] إلى قصد الفصل مع دلالة اللفظ. فكذلك إذا اعترف بأن قوله: (توضئي فإنه دم عرق). عام، فلابد من نفي الغسل، ووجوب الوضوء من كل دم عرق. الوجه الثاني- أنه إذا كان المقصود نفي الغسل على الخصوص، فكأنه قد قال: لا غسل عليك، فما كان ينبغي أن يجب الوضوء على المستحاضة بحال. ولم يأت في وجوب الوضوء على المستحاضة إلا هذا الحديث. فإذا كان لا يتعرض لوجوب الوضوء، فلا يجب، وإن كان يتعرض لوجوب الوضوء، مع صلاحية اللفظ للعموم، فلا سبيل إلى القصر على البعض. فإنه يرى أن جهة
следующие страницы →