Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
فقال قائلون: إنما ذلك لأجل الإخلال بالأبعاض. ولو سها ثم [تيقن] أنه [لم يخل] بشيء، فلا سجود عليه. وهذا هو الصحيح.
وقال قائلون: ذلك لأجل السهو، مع أن هذا عندهم لا ينفك عن نوع من المناسبة، إذ المقصود نفي السهو عن الصلاة. وهذا ضعيف، لأن مقتضاه أن يسجد كل من [ليس] حاضر القلب من أول صلاته إلى آخرها. وهذا لا ذاهب إليه.
[فإذًا] العلماء متفقون على أن الإيماء إذا أشار إلى وصف لا مناسبة فيه، وبحث عن المحل فصودف فيه وصف مناسب للحكم، اعتمد عليه، وترك ما أشار [الإيماء إليه]. هذا تنبيه. واستقصاء القول فيه يتعلق بأبواب التأويل، وقد سبقت.
стр. 1787
فإذًا من أقر الوصف الذي أرشد الإيماء إليه، فهو متمسك بظاهر. ومن أراد التعويل على وصف غيره، فهو متأول يفتقر إلى دليل يعضد به التأويل، ثم تقع المقابلة بين الدليل العاضد للتأويل مع جهة الاحتمال، وبين ما دل عليه الظاهر، فأيهما كان أرجح وجب الاعتماد عليه. وليس كل تأويل بوسيلة كل دليل، بل ذلك يختلف، فإن قوي الاحتمال، لم يشترط قوة الدليل، وإن ضعف الاحتمال، افتقر إلى قوة الدليل. [وقرب] الوصف الذي دل الإيماء عليه من المناسبة، وظهورها في وصف [يقارنه] [أو يتضمنه]، أحد الأدلة الدالة على قبول التأويل، والمصير إليه. وقد بينا وجهه، [واستوعبنا الكلام فيه، فلا معنى لإعادته ههنا. والله المستعان].
قال الإمام: (فإن قيل: قد علل رسول الله ﷺ وجوب الوضوء على
стр. 1788
المستحاضة [بكون الخارج دم عرقٍ]) إلى قوله (كالسرقة والزنا وغيرهما). قال الشيخ: قوله: (توضئي فإنه دم عرق). ليس هذا من ألفاظ العموم، فمن أين يقتضي هذا وجوب الوضوء بكل دم خارج؟ فإن الضمير في قوله: (إنه)، إنما هو يعود على نكرة، وهو قوله: (دم عرق). والنكرة إنما تعم إذا كانت في سياق نفي، ولا نفي ههنا. ولا يكون هذا أيضا من المطلق، لأن النكرة إنما تكون مطلقة إذا اتصل بها أمر أو مصدر، والفعل غير واقع، كقوله: (أعتق رقبة)، أو (عليك عتق رقبة). وليس هذا هكذا، فإنه أمر بالوضوء بعد خروج خارج. فلا يفهم من هذا الكلام: [إذا] خرج منك دم عرق، وكان العرق عرقا مخصوصًا.
فالصواب إذًا ما قاله الأصحاب، لبطلان [تلقي] العموم (٢٤/ ب) من الإطلاق، واختصاص الخارج الذي رتب الوضوء عليه. نعم، قد يقاس غير هذا الدم عليه، أما أن يكون ذلك [الاعتقاد] تعميم أو إطلاق فلا. وقد يفهم
стр. 1789
التعليل والتعميم نظرًا إلى التنكير، وذلك نظر قاصر. فلا وجه إلا اختصاص التعليل بذلك الدم. إلا أن [يدل] دليل على مساواة (١٨/ ب) غيره له. وقد قلنا لو قال: حرمت الخمر لإسكارها، [لما] كان هذا لفظا عاما يتناول تحريم كل مسكر بحال. هذا تمام هذا السؤال.
قال الإمام: (والجواب المرضي عندنا) إلى قوله (وهذا بين من فحوى كلامه [ ﷺ ]). قال الشيخ: هذا الذي قاله الإمام من أن النبي ﷺ لم يقصد إيجاب الوضوء، وإنما قصد نفي الغسل، لا يصح لوجهين:
أحدهما- هو أنه لا يتناقض أن يقصدهما جميعًا. وهذا بناه الإمام على أصله، من أنه إذا ظهر للعموم مقصد آخر سوى الاستغراق، لم يتعلق به في جهة الاستغراق. وقد تقدم له، [وسيأتي أيضا]. وهو كقوله ﵇: (فيما
стр. 1790
سقت السماء العشر). ونحن إنما نعترف بذلك، إذا كان بين المفهوم المقصود وبين العموم تناقض، بحيث لا يتأتى قصدهما جميعا.
أما إذا صح اجتماعهما، فيجب إثباتهما. أحدهما- نظرًا إلى عموم اللفظ. الثاني-[نظرًا] إلى قصد الفصل مع دلالة اللفظ. فكذلك إذا اعترف بأن قوله: (توضئي فإنه دم عرق). عام، فلابد من نفي الغسل، ووجوب الوضوء من كل دم عرق.
الوجه الثاني- أنه إذا كان المقصود نفي الغسل على الخصوص، فكأنه قد قال: لا غسل عليك، فما كان ينبغي أن يجب الوضوء على المستحاضة بحال. ولم يأت في وجوب الوضوء على المستحاضة إلا هذا الحديث. فإذا كان لا يتعرض لوجوب الوضوء، فلا يجب، وإن كان يتعرض لوجوب الوضوء، مع صلاحية اللفظ للعموم، فلا سبيل إلى القصر على البعض. فإنه يرى أن جهة
стр. 1791
الإيماء [لا تترك] بالقياس، فكيف إذا كان الأمر محالا على التعبد؟ فما ذكره ضعيف، والوجه الأول هو الصحيح.
قال الإمام: (فإن قيل: لم تركتم تعليل رسول الله ﷺ تخيير المعتقة بملكها نفسها)؟ إلى قوله: ([فهذا غاية ما أردناه في هذا الفن]). قال الشيخ: هذا أولًا من الإمام [مناقض] لما سبق، فإنه يرى أنه إذا ظهر من لفظ الرسول [﵇] تعليل بوصف، فلا سبيل إلى ترك ذلك [بقياس]
стр. 1792
(٢٥/ أ) مستنبط، على حسب ما قرره. والإيماء يدل على تعليل الخيار بملك النفس. وقوله: (إن ملكت) غير مورد النكاح، لم يشعر ذلك بخيرة في مورد النكاح، أي لا مناسبة لذلك. فقد عدل عن ظاهر التعليل المتلقى من الإيماء واللفظ عند فقد المناسبة. وهذا هو الذي كنا اخترناه. ومعنى كلام القاضي: إن ملكت مورد النكاح، معناه: إن كان العتق يقطع ملك الزوج عن الزوجة، فلا شك أنها لا تبقى له خيرة، إذ العقد قد انحل ببطلان عصمة الزوج. وإن ملكت غير مورد النكاح، لم يشعر ذلك بخيرة في مورد النكاح. وهذا صحيح من جهة الفقه، إذ تتنزل منزلة السيد [إذا] نقل إليها ما كان له. وهو كان ملكه بمعزل
стр. 1793
عن ملك الزوج، وهو الذي نقله إلى الزوجة [الأمة]. فما كان ينبغي من جهة الفقه أن يثبت لها خيار، ولكن قد دل الإيماء على أن علة الخيار العتق، وهو لعمري لا ينفك عن (١٩/ أ) مناسبة، إذ بعتقها يلحقها الضرر ببقائها تحت [الرقيق]. وهو الذي يفصل بين كونها عتقت تحت عبد أو حر. فمعنى قول القاضي: هذا على معنى التكرير، فكأنه قال: ملكت الخيار فاختاري، فخرج اللفظ على هذا عن التعليل، ويرجع إلى أبواب عطف الجمل، كقوله:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم .... .... .... ...
أي: هذه خولان فانكح فتاتهم. وهذا تأويل سلط عليه عدم المناسبة في الوصف المومأ إليه. فتبين بهذا أن قول الإمام: إذا دل الظاهر على التعليل بوصف، لم تسع مدافعته بقياس، أن ذلك ليس على الإطلاق.
قال الإمام: (ومما أجراه القاضي وغيره من الأصوليين) إلى قوله (فلا حاصل على هذا التقدير للسبر والتقسيم في إثبات علل الأصول). قال الشيخ: السبر يرجع إلى اختبار أوصاف المحل وضبطها، والتقسيم يرجع إلى
стр. 1794
إبطال ما يظهر إبطاله منها. فإذًا لا يكون السبر والتقسيم من الأدلة [بحال]، وإنما الأصوليون يتسامحون بذلك ويتجوزون. والمراد إذًا بالدليل: هو الذي دل على أن العلة في جملة الأوصاف. والدليل الثاني دل على التعيين، وإلا فالسبر والتقسيم ليس هو الدليل. وإذا فهم ذلك، فهذا يستعمل في المعقولات، وقد تقدم في المقدمة، فلا نعيده.
وإنما نذكر الآن ما يليق بالشرعيات. ولابد قبل الخوض في البيان من التعرض لأصل، وهو أنا [قد] قلنا: إنما يفيد السبر إذا كان الإنسان يتبين المطلوب في الجملة، ثم تنحصر الجملة عنده، ويقوم الدليل على أنه ليس واحد مما بقي، فيتعين أن يكون هو المبقى إن بقي [واحد]، أو في الجملة إن بقي أكثر من واحد. وإذا (٢٥/ ب) كان كذلك، فلابد من إثبات ثلاثة أمور:
стр. 1795
أحدها- المطلوب في الجملة. والثاني- سبر [حاصر]. والثالث- إبطال ما عدا المختار. وهذه الثلاثة الأمور، إن كانت معلومة، حصل العلم بالمطلوب. وإن كانت مظنونة أو بعضها، لم يحصل العلم، وحصلت غلبة الظن. فإن كان الموضع يكتفي فيه بغلبة الظن، [يقع] السبر على هذا الوجه فيه. فإن كان يشترط فيه العلم، لم يكتف بذلك فيه.
[وهذا] الذي قررناه لا خلاف فيه، ولا يتصور غيره، ولا يصلح أن يكون نزاع الأئمة لمخالفة هذا الأصل. ومن قال: لا يعتمد السبر والتقسيم، لأنه لا يحصل منه إلا ظن التعليل، فهو [بمعزل] عن التحصيل. وإنما سبب الاختلاف: المنازعة في إثبات بعض المقدمات، على ما سنبين.
وأما قول الإمام: إن القاضي عد السبر والتقسيم من أقوى ما تثبت به العلل، ولم يبين جهة [القوة]. فهذا من عيوب هذا الكتاب، وهو التعرض
стр. 1796
للرد على القائلين من غير بيان مأخذهم. ووجه قول القاضي: إن السبر والتقسيم من أقوى ما تثبت به العلل، أن الذي يسند العلة إلى الإخالة مثلا أو الشبه، يكتفي منه في النظر بذلك، وإن أمكن أن يبدي الخصم معارضًا راجحا يمنع التمسك بما ظهر أولًا. وكذلك القول في الوصف الشبهي، حتى يفتقر المناظر [أولًا] إلى الإبطال أو الترجيح. وأما إذا استند إلى السبر والتقسيم، فقد وفى [الوظيفة] من أول الأمر، ولم يبق متوقعا ظهور ما يقدح (١٩/ ب) أو يضر.
يبقى أن يقال: ما المانع من كونك أغفلت قسما عليه التعويل؟ أما المجتهد، فلا ينبغي له أن يغالط نفسه، وهو يعلم من نفسه أنه أنهى البحث نهايته. وأما المناظر، فإنه يقول: هذا بحثي بحسب قدرتي وجهد مقدرتي، فإن شاركتني في عدم الإطلاع على غيره، لزمك ما ألزمتني. وإن كنت اطلعت على غيره، فاذكره حتى أنظر فيه. وإن قال: لا أذكره، ولا يلزمني ذكره، فهذا معاند، وقد كتم علما مست الحاجة إلى إظهاره. (ومن كتم علمًا يعمله ألجم [يوم القيامة] بلجام من نار).
стр. 1797
وأما قول الإمام في طريق القاضي: إنها مشكلة، من جهة أن من أبطل جهات [يعددها]، لم يتضمن إبطاله لها صحة ما سواها. فهذا الكلام إنما ينشأ الخلاف فيه من أصل لابد من التنبيه عليه، وهو أنه: هل يعلل كل حكم، أو لا يعلل كل حكم؟ وإذا قلنا: إنه لا يتعين تعليل كل حكم، فهل يثبت عليه [دليل] في جانب التعليل؟ فمن قال يتعين تعليل كل حكم، فقد ثبت قولنا: لابد من علامة تفصل مجرى (٢٦/ أ) الحكم عن موقعه، وقد انحصرت الأوصاف في أربعة مثلًا، وقد بطلت ثلاثة، فيتعين التعليل بالرابع، إذ لو بطل الرابع، بطل قولنا: إنه لابد من علامة تتعلق بالمحل.
فإن قال قائل: ما المانع من كون المحل غير مفتقر إلى علامة زائدة على اسمه؟ وهذا [هو] الذي بنى عليه الإمام فساد الطريق بقوله: فإنه لا يتعين تعليل كل حكم. ولهذا قال في آخر الفصل: إن دل دليل على وجوب التعليل
стр. 1798
كان السبر مفيدًا. فإذًا النزاع [في أنه]، هل يفتقر في المحل المعين إلى دليل خاص على كونه [معللا]؟ أو لا يفتقر إلى ذلك لوجدان دليل كلي يغني عنه؟ وإن صودف الدليل الجزئي، فهو حسن، ويرتفع خلاف الأصوليين، إلا ما يقدر من توهم من يتوهم أنه لا يصلح التمسك، لاحتمال معنى آخر. وهذا هوس، فإن الاحتمال لا يمنع من التعلق بالظاهر في محل يكتفي فيه بغلبة الظن.
وأما الجواب بأن المسألة المعروفة بين النظار إذ طال بحثهم فيها عن معانيها، ولم يطلعوا على معنى زائد إلى آخره. فهذا الكلام ضعيف، وهو يقتضي ألا يتمسك بالسبر والتقسيم إلا في مسألة طال خوض النظار فيها. فأما إذا وقعت المسألة ابتداء، فليس يصح التمسك فيها بالسبر والتقسيم. وهذا غلط [كبير]. [فما] تقرير القاعدة التي تغني عن طلب الأدلة الجزئية في تعليل الأحكام حتى يتمسك بالسبر والتقسيم؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه:
стр. 1799
أحدها- أن نقول- كل حكم لا يخلو عن مصلحة ظاهرة أو مقدرة، ويرشد إلى ذلك استقراء الشريعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. [أي] بإثبات ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم. ويحصل من استقراء الجزئيات علم بأصل القاعدة، حتى يعلم حكم ما لم يستقرأ، [لحصول] العلم من المستقرأ. وهذا بمثابة علمنا بأن [حز] الرقبة يعقبه الموت، ويقضي بذلك [على] من لم تحز رقبته، [لحصول] العلم من المستقرأ. فعلى هذا الوجه تكون الأحكام كلها معللة، فيصح قولنا: لابد لهذا [الحكم] من علة وعلامة. وهي لا تعدو أوصاف محله، وأوصاف المحل
стр. 1800
أربعة مثلًا، وقد بطلت ثلاثة، فيتعين أن يكون الرابع هو العلامة. هذا (٢٠/ أ) وجه يتمسك به في السبر والتقسيم مطلقًا.
الوجه الثاني- أن لا نلتزم التعميم في التعليل بالإضافة إلى كل حكم، ولكنا نقول: الغالب التعليل، إما [في كل] الشريعة على قول، وإما في قواعد مخصوصة على قول. وإذا ثبتت [الغلبة]، فعند وجدان حكم في واقعة يغلب على الظن أنه من القسم الكثير، فينتفع بذلك في (٢٦/ ب) مسائل الظنون. فقد ثبت قولنا: لابد من علامة، بناءً على غلبة الظن المتلقاة من الكثرة.
الوجه الثالث- وهو عام، أن نقول: لا سبيل إلى قصر الحكم على الاسم عندما يوجد مماثل له على قطع. وهو كقولنا في تحريم الربا في البر، إن سلكنا مسلك السبر والتقسيم فيقال: ما المانع من الاقتصار على الاسم، ولا حاجة إلى طلب علامة؟ قلنا: ليس كذلك، فإنه إذا صار دقيقًا وخبزًا، فقد فات اسم البر، وبقي حكم الربا.
فإذًا ما من حكم من الأحكام إلا ويفتقر إلى علامة زائدة على الاسم، إلا التعبدات الجامدة التي تقتصر الأحكام فيها على نفس الصور، ولا يجري فيها
стр. 1801
إلحاق الشيء بما هو في معناه، كألفاظ التكبير والتسليم، واتحاد الركوع وتعدد السجود. وهذا من الندرة بحيث لا يعرج عليه.
وإذا ثبت أنه لابد من طلب علامة، وقد انحصرت الأوصاف، وقامت الأدلة على بطلان الجملة إلا [واحدًا]، تعين التعليل به، فإنه لو قدر باطلا، أفضى الأمر إلى محال في الظاهر، وهو إما [أن لا] يصح قولنا: لابد من طلب علامة، وإما أن [يصح] قولنا: ولا علامة إلا كذا، [بأن] تقدر علامة أخرى، لم نطلع عليها. وإما أن يبطل قولنا: وما سوى [هذه] [الأوصاف] باطل. هذا طريق تقرير كون السبر والتقسيم منتفعًا به على الإطلاق. وهذا كله قد ساعد الإمام عليه، فيما إذا قام دليل على وجوب طلب المناط. إلا أن الفرق بينه وبين القاضي، أن القاضي لا يشترط قيام الدليل الخاص، والإمام يشترطه. وقد بينا وجهه، وجميع ما وجهه الإمام من الاعتراضات، إنما تنحو نحوًا واحدًا، وهو أنه لا يتعين تعليل كل حكم.
стр. 1802
وأما قوله [أخيرًا]: لو انتصب على معنى ادعاه المستنبط [دليل]، فلا يضر أن يفرض لذلك الحكم علة أخرى. فيشير إلى أن المقسم سلك مسلك الإبطال، ليتلقى منه التصحيح. وقد [تبين]- على زعمه- أنه لا يتلقى منه تصحيح المبقى. فإذا قال القائل: ما أردت أن أجعل الإبطال دليل [التصحيح]، بل شرطه، فأنا أفتقر إلى أن أدل على صحة المعنى. قال الإمام جوابا عن هذا: هذا أمر لا يحتاج إليه، فإن المعلل إذا دل على صحة وصفه، فلا حاجة في انتصابه علة إلى إبطال غيره. فلزم من ذلك أن يكون تكلف سبرًا وتقسيمًا من غير فائدة، إذ لا يصلح الإبطال لتصحيح الباقي، ولا يشترط الإبطال في تصحيح الباقي، إن وجد دليل التصحيح، فقد صار تكلف سبرًا وتقسيمًا من غير فائدة.
وهذا أيضًا من المغالطات وطرق التمويهات، فإن الإمام لا يرى تعليل (٢٧/ أ) الحكم بعلتين، وإنما يتأتى أن يقول بهذا من يعلل الحكم بعلتين.
стр. 1803
[ولا يتأتى] أيضا أن يقال: لا حاجة به إلى إبطال بقية الأوصاف، فإنه قد لا تصلح الأوصاف عنده للتعليل، فيتعرض إلى إبطالها لأجل ذلك. نعم، لا يفتقر على رأي من يجوز تعليل الحكم بعلتين إلى إبطال بعض (٢٠/ ب) الأوصاف، لصحة الاعتماد على ما يدل عليه. وهذا هو غرض الإمام في هذا المكان. فأما أن يقال لا يفتقر المجتهد إلى إبطال بعض الأوصاف، فهذا محال.
قال الإمام: (والآن ينشأ من منتهى هذا الكلام أمور خطيرة [بالباب])
стр. 1804
إلى قوله ([فهذا ما انتهى إليه الكلام واتصل به]). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام [ههنا] غير صحيح، فإن أهل الظاهر طائفة كثيرة ينكرون القياس، وكيف يتفق تواطؤ الجم الغفير على الكتمان؟ ولو كان هذا متأتيا، [لبطلت] أخبار التواتر. فما قاله غير صحيح.
وقد أكد القضية بأمر آخر، وهو أنه لا يثق بأخبارهم عن مذهبهم مع
стр. 1805
كثرتهم. وقد قال هو فيما تقدم في الرد على من قال إن المعتقد غير مطمئن إلى عقده: أن من أنكر الطمأنينة منهم مع إخبارهم عن أنفسهم بالطمأنينة، وهم الجم الغفير، فقد خرق حجاب الهيبة واستأصل قاعدة العرف. فكيف لا يكون هذا مطردًا في أهل الظاهر ومن تابعهم من نفاة القياس؟ كيف يشك في مذهبهم مع كثرتهم وإخبارهم عنها؟ .
وأما ما يتعلق بنسبتهم إلى الجهل، فقد تقدم الكلام على ذلك قبل هذا. والعجب من تباين هذه المذاهب، حتى اعتبر بعض الناس في الإجماع قول العوام، وأخرج آخرون نفاة القياس من أهل الإجماع. وهذه أطراف متباعدة في الإفرط والتفريط.
قال الإمام: (ومما يتصل [القول فيه] بذلك: القول في اجتماع العلل للحكم الواحد) إلى قوله (وبالتعدية القاصرة المقتصرة على محل النص).
стр. 1806
قال الشيخ: الأمر على ما ذكره [الإمام] من أن مذهب من جوز تعليل الحكم بعلتين وضعا واستنباطا واضح، فإن علل الشارع علامات، ولا يمتنع اجتماع علامات لحكم واحد. وإن منع مانع الوقوع، فسنبينه فيما بعد.
وأما اعتماد من منع تعليل الحكم بعلتين، فإنه تعليق بالترجيح، وإنما ترجح العلل إذا تناقضت وعسر الجمع [بينها]، فحينئذ يفتقر إلى الترجيح. والتناقض تارة من جهة التضاد، وتارة من جهة ضيق المحل عن [قبول] الأمثال. وإذا كان الاستنباط من محل واحد، استحال التناقض باعتبار أنفس العلل. فلم يبق إلا ضيق المحل عن الوفاء بهما جميعًا. وهذا تناقض شرعي لا عقلي، فيدل هذا من المرجحين على اعتقادهم (٢٧/ ب) امتناع اجتماع العلل للحكم الواحد، ولكن هل سلكوا مسلك الترجيح في كل علتين بحكم واحد،
стр. 1807
[أو إنما] سلكوا مسلك الترجيح في البعض دون البعض؟ فإن ثبت الترجيح على الإطلاق، دل على المنع مطلقًا. وإن كان ذلك في بعض العلل، لم يقض على المرجحين بذلك على التعميم في كل التعليل. فلابد من البحث على هذا، وهو نكتة المسألة [عندي]، سنبينه إن شاء الله تعالى.
وأما صرف الإمام العناية على الاعتراض على مسألة الربا في التعليل والترجيح، فجدال محض، فإنه سيقول بعد هذا: إن خوض العلماء في مسألة
стр. 1808
الربا، كخوضهم فيما سواها من المسائل. ومن زعم أنها مختصة باتفاق على علتها، فقد أحال فيما قال. فقد تولى هذا الرد على نفسه، وأغنى غيره عن ذلك.
وأما ما [يصار] إليه من (٢١/ أ) أن ابن عباس لم يرد تحريم ربا الفضل، فهو منقول عنه، كما ذكر، ويتعذر التمسك بالإجماع مع مخالفة ابن عباس. وقد صار جماعة من الفقهاء إلى إثبات التحريم، والامتناع من التعليل. وهذا الذي طول به في هذا المكان خروج عن غرض الأصول، وصرف [الهمة] إلى مسألة فروعية مشكلة. وإلا فهو قد قال: إن نظر العلماء
стр. 1809
في مسألة الربا كغيرها من المسائل. وإذ قد تكلم فيها، فلنمش على غرضه.
فأما مصيره إلى أن المسألة غير معللة، وإنما يتلقى الحكم من التوقيف. فهذا لا نقول به، بل الصحيح أنها معللة، إما بمعان، أو أوصاف شبهية. وقد كنا قررنا جهة المعنى في بيان المناسب والغريب، [وهي] مناسبات إقناعية، فإحالة الحكم عليها أولى من إحالته على التعبد.
وأما المصير إلى أن العلة القاصرة لا فائدة فيها، ولا حاجة إليها، فالذي نختاره صحة الاعتماد على العلة القاصرة، وأنها معتمدة. وسيأتي الكلام عليها بعد هذا إن شاء الله تعالى. والقول في [النقدية]، كالقول في الطعم. إما أن يستند إلى المناسب أو إلى الشبه، وكلاهما يصح تعليل الحكم الثابت به.
قال الإمام: (وأنا الآن أبدي اختياري في منع تعليل ربا الفضل) إلى قوله (فلاح سقوط التعليل في النقدين). قال الشيخ: قول الإمام ههنا أوضح إبطال الوزن في النقدين، ولم يبين الوجه في ذلك. وله سببان:
стр. 1810
أحدهما- أن أصحاب أبي حنيفة وغيرهم يقولون: كل عينين اشتركا في علة الربا، أو في وصف من أوصاف علة الربا، لم يجز إسلام أحدهما في الآخر. وليس هذا مذهبًا فقط، بل ذلك مدلول عليه، متلقى من الخبر، فإنه ﵇ قال: (لا تبيعوا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح (٢٨/ أ) إلا مثلًا بمثلٍ، عينًا بعينٍ، يدًا بيدٍ). [ثم قال]: ([إذا] اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد).
وليس المراد: فإذا اختلف الجنسان على الإطلاق. [فإنه] لو كان كذلك، لبطل بيع الأجل والسلم جميعًا. وهذان النوعان مسوغان في الشريعة. فالمراد إذًا: فإذا اختلف الجنسان من هذه المذكورات، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد، فإن اتحد الجنس مع وجود العلة، حرم التفاضل والنساء جميعًا. وإن ثبت الاشتراك في العلة، ووقع الاختلاف في الجنس، جاز [الفضل] وحرم النساء. وإذا كان الوزن هو العلة، فينبغي أن يحرم إسلام الدراهم والدنانير في
стр. 1811
الموزونات، وهو خلاف الإجماع. فبطل الاعتماد على الوزن بهذا الطريق.
فإن قالوا: القياس يقتضي ذلك، ولكن في المصير إليه نوع من الضرورة، وسد لباب السلم، فإن النقدين هما الأثمان، فأجيز ذلك للضرورة مع خروجه عن القياس. قلنا: لا يقبل من المدعي عند توجه النقض عليه، أن النقض خارج عن القياس، حتى يبين ذلك، إما بإجماع على كونه مستثنى، أو بنص يقتضي ذلك. كما جرى في حق أبي بردة بن نيار. وتكون المسألة ترد نقضا على كل قياس، كمسألة العرايا، فإنها تنقض قياس القوت والطعم والكيل والمالية، فيعبر عن هذا بأنه خارج عن القياس، لأنه لا سبيل إلى [إبطال] كل قياس، ولا سبيل إلى تخصيص الإبطال بقياس (٢١/ ب) دون قياس، مع الاشتراك في حقيقة اللزوم واستواء النسبة.
[السبب] الثاني: الذي يبطل الاعتماد على الوزن؛ أنه واقع في أقسام الطرود، إذ يرجع إلى معرفة مقادير الأشياء، ولا يشم من ذلك رائحة مناسبة أصلا. هذا معنى قوله: ويصح إبطال الوزن.
стр. 1812
قال الإمام: ([وأما الأشياء الأربعة]، [فقد أوضحنا أن الطعم ليس مخيلا في التحريم) إلى قوله] (والترجيح باطل مع تجويز ارتباط الحكم بعلل). قال الشيخ: قوله: إن الطعم ليس مشعرًا بتحريم ربا الفضل، قد بينا فيه مناسبة، من جهة أن به [قوام] البنية، وله شرفية، [ولذلك حرمت] استهانته، ومنع الخلق من التلطخ بالنجاسات قصدًا، ولا [يسامح] بذلك أصلًا. ومن المناسب عند (٢٨/ ب) الاحترام، تضييق طرق التحصيل.
ووجه آخر: [وهو] أن هذه الأشياء [حرمت] لشرفها، فلا ينبغي أن تجعل بذلة، وما كانت المناسبة تقتضي إبقاءها على المالكين. ألا ترى أن الأبضاع لما ثبت احترامها، خرجت عن أن تبذل، وتعين النكاح طريقًا؟ فالمنع من التفاضل يحسم باب المعاوضة. إلا إذا اختلفت الأجناس، فتلجيء الضرورة
стр. 1813
إلى التنقل من الطعام [إلى طعام]، واكتفى الشرع- لما منع الفضل في الجنس الواحد- بذلك عن تحريم المعاوضة. إذ لا يبقى غرض في المعاوضة، إلا أن [يظهر] تفاوت في وجود رداءة، وقد أمر بالإعراض عن ذلك، فيدخل الأمر في هذا الوجه عند [التفاضل] في قسم المكارمة، فيقرب من أبواب السلف، فيغتفر لهذا إذا وقع البيع [نقدا]. فإن جاء الأجل، احتمل دخول أعواض المعاوضات فيمتنع، إلا أن يقصد السلف، فيفوت مقصد المعاوضة. فهذا وجه معقول من المناسبة، إذا ورد الحكم على وفقه أمكن التعليل به.
وأما قوله: السبر قصاراه إبطال ما يدعي الخصم، وليس في إبطال ما يدعيه الخصم تصحيح لغيره. فقد أجبنا عن ذلك، وقلنا: ذلك مكتفى به على تقدير وجوب طلب المناط. وحققنا ذلك، وبينا أنه لا يخالف إذا ثبت وجوب طلب المناط.
وإذا بطل ما يدعيه الخصم بعدد ثبوت التعليل، صح ما [ينفيه] السبر.
стр. 1814
وأما قوله: لم يثبت بالإجماع كون ربا الفضل معللا، فقد أجبنا عن هذا بثلاثة أوجه، فلا نعيدها.
وأما قوله: الترجيح باطل مع تجويز تعليل الحكم بعلل، لعمري إنه كذلك، ولكنه لا يقول به، فإنه يمنع تعليل الحكم بعلل وقوعًا لا عقلًا.
قال الإمام ﵀: (فلم يبق إلا طريقة تكلفتها في (الأساليب)) إلى قوله (وهو جارٍ في التقدير للنص فيهما). قال الشيخ: قال الإمام في طريقته: إذا دار الحكم مع وصف وجودا وعدمًا، أشعر [ذلك] بأنه السبب. [قال]: وقد رأينا إذا اتحد المقصود، حرم التفاضل، [وإن اختلف] المقصود، جاز التفاضل، [أشعر] ذلك بأن اتحاد المقصود هو السبب. قال:
стр. 1815
والمقصود من هذه الأعيان الطعم لا الكيل ولا الوزن، فإن هذه الأشياء لا تقتنى إلا لتؤكل لا لتكال ولا لتوزن. قال: وهذا إن صح، فهو من أبواب الدلالة. معناه: أنه وقع الاستدلال بالحكم على السبب. [وهذه هي] الخاصة التي يمتاز بها قياس الدلالة عن المعنى والشبه. وذلك أن المعنى يستدل به على الحكم [مباشرة، والوصف الشبهي يستدل به على الحكم] بواسطة ما يشتمل (٢٩/ أ) عليه من معنى. وقياس الدلالة يستدل فيه [بالحكم] [على المعنى] (٢٢/ أ).
стр. 1816
وتقريره في هذا المكان: هو أنه استدل بتحريم التفاضل عند اتحاد الجنس، وإباحته عند اختلافه على السبب، وهو [المقصود]. وهذا معنى قوله: إنه [من] قياس الدلالة.
ومعنى قوله: وهو عندي من أبواب الشبه. هو أنه يرى أن قياس الدلالة ليس جزءًا على انفراده، وسببًا على استقلاله، ولكنه يدور بين المعنى تارة، [وبين] الشبه أخرى. وقال في هذا: إنه من قياس الشبه، لعدم ظهور المعنى له فيه. ثم اعترض على ذلك بأن قال: هذا إنما يستقيم لو جرى [في] الباب
стр. 1817
سليمًا. وهذا الذي قاله ينبغي أن [يصغى] له، وذلك أن من يقول بتعليل النقض، لا يقول به إذا كان الطريق إلى إثبات العلة الاطراد والانعكاس.
وسبب الفرق أن العلة إذا استندت إلى الإخالة والمناسبة مثلا، فهي ثابتة وإن وجدت مسألة ناقضة، إذ المناسبة لا تنخرم بجهة المعارضة، بخلاف ما إذا كان الطريق في إثبات العلة الاطراد والانعكاس ثم وجد النقض. [فتبين أن] الدليل قد فقد، ويتعذر إثبات الحكم بلا دليل. وإذا قلنا: إذا اتحد المقصود حرم التفاضل، وإذا اختلف المقصود جاز التفاضل، فهذا طريق الاطراد والانعكاس. فإذا وجدنا المقصود [مختلفا]، والتفاضل محرما فسد الطريق. هذا هو الاعتراض الذي وجهه على [طريقه]، ثم قال: وربا النساء فرع ربا [الفضل]. فكأنه يقول: إذا أسلم القمح في الشعير، فقد اختلف المقصود،
стр. 1818
فلم حرم الربا الذي هو الفضل والزيادة؟ [وتخيل] اعتراضًا لم يذكره، وقدر جوابا عنه، فكأن قائلًا يقول له: ليس تحريم النساء [مبنيًا] على تحريم الفضل. فقال هو جوابا عن هذا: وباب تحريم [ربا] النساء فرع ربا الفضل. وإذا ثبت تعليل في ربا الفضل، وجب أن يناسب ربا النساء فيما يليق به.
وهذا الذي قاله غير صحيح، ولم يحرم ربا النساء عند العلماء في الجنسين، بناء على الفضل على حال. أي كيف يحرم ربا [النساء] في الجنسين تقديرًا، والربا المحقق مسوغ؟ فلسنا نسلم أن تحريم ربا النساء فرع ربا الفضل، بل لنا طريقان:
أحدهما- أن نجنح إلى التعبد في ربا النساء، ولا يلزم من علل ربا الفضل أن يعلل ربا النساء. وعلى الخصم أن يبين المماثلة، وذلك محال ههنا، فإن الجنسين المختلفين يجوز بينهما حقيقة الفضل، فكيف يبنى النساء عليه؟ وفي الحديث إرشاد إلى التقاطع، وأن كل واحد منهما أصل بنفسه. ولذلك أنه لما حرم التفاضل عند مقابلة الجنس (٢٩/ ب) بجنسه قال: (فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد). هذا وجه.
стр. 1819
الوجه الثاني في الجواب: أنا قد قررنا أن شرفية هذه الأعيان ينبغي لأجلها أن تعد للانتفاع دون الابتياع، إلا أن تدعو الحاجة على حسب ما قررناه. فعندما يكون عند الإنسان الطعام المجانس لطعام صاحبه، يمنع من البيع منه، إذ لا غرض له في ذلك. فإن قصد تفاضلًا، فهو محرم، فإن قصد قرضا، فهو معروف مسوغ، وإن بادل بزيادة صفة، فهي من باب المعروف في أحد الجانبين. فإذا كان عنده طعام يخالف جنس طعام صاحبه، فقد تدعو الحاجة إلى التبادل ناجزًا، فلا يشترط التماثل لتباين المقاصد.
أما إذا أعطاه سلمًا، فحاجته غير منقضية، لكونه لا يتعجل ما صرف طعامه فيه، فيمنع ربا النساء لذلك، [لا] لأجل الفضل الذي يقوله الإمام. ولما بطل التعليل عنده جنح إلى التعبد. وقد صار هو إلى خلاف (٢٢/ ب) ذلك بعد هذا، وذكر أن التعلق بالمقصود آخر مرتبة الأشباه، ومثل له بمسألة الربا. ويحتمل أن يكون ذلك جرى على طريق التمثيل، لا عن طريق التحقيق.
وأما قوله: وكذلك ما يكال ويوزن. فليس هذا لفظ الخبر، ولكن الثابت في كتاب مسلم: (وكذلك الميزان). والمعنى يؤول إلى ما ذكره القوم، وبقية الكلام [مفهوم].
стр. 1820
قال الإمام: (وسبيل [المسؤول] في المسألتين أن يذكر الحكم [ويستمسك] بالخبر) إلى قوله (فهذا منتهى المطالب في النفي والإثبات).
стр. 1821
قال الشيخ: تعلق من تعلق بتحريم المرأة بالحيض والإحرام تعلق صحيح، إن لم ينظر إلى تعدد الجهات. وأما إذا نظر إلى تعدد الجهات، فلا يقوى؛ وذلك أنا نقول: وإن كان الفصل واحدًا، إلا أنه إذا تعددت الجهات فيه، كان كتعدد الذوات، ولذلك قضينا بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، مع تحقيق المعصية، إذ الواجب الصلاة، والمحرم الغصب. وكذلك يقال في هذا المكان: حرم عليه إفساد العبادة، وحرم عليه مخامرة الأذى. ففعله وإن كان واحدًا، إلا أن له جهتان: إفساد ومخامرة، فصح أن يثبت عليه تحريمان. وأما وجوب قتلين
стр. 1822
فمحال، إذ لا يصح [ثبوت] قتلين.
وأما قول الإمام: إن الواجب قتلان، ولكن المحل يضيق عنهما، فكيف يصح أن يثبت في محل حكم يضيق المحل عنه؟ هذا تكليف ما لا يستطاع، وإضافة الحكم إلى غير فعل، وذلك غير معقول.
قال الإمام: (والذي يتحصل عندنا في ذلك، (٣٠/ أ) أن الحكم إذا ثبت في أصل [ولاح] للمستنبط منه معنى مناسب للحكم) إلى قوله (ولا يمتنع
стр. 1823
ترجيح أحدهما على الثاني). قال الشيخ: قول الإمام: إنه إذا اتحد معنى الأصل، وجب المصير إليه، فليس هذا موضع خلاف، وإنما الكلام إذا تعددت المعاني.
وقوله: ولا بعد عند التعدد من وقوع أحدهما خارجا عن ضبط الشرع. هذا الكلام لا يتصور وروده على المعاني المؤثرة، لأن النص والإجماع [دلا] على اعتبارها.
وأما قوله: لا يتعين أحدهما للإسقاط دون الثاني. هذا الكلام يريد به أنه إذا اتحد المعنى، لزم القضاء به، لأنه لم يضف الحكم إليه، و [إذا] لم يظهر غيره، [نزل] على التعبد. وهذا باطل فيما ظهر المعنى فيه، على حسب ما قررناه فيما سبق.
فأما إذا تعدد المعنى، لم يلزم من إسقاط التعليل [بواحد]، رجوع
стр. 1824
الأمر إلى التعبد، لصحة التعليل بالباقي. وإنما تعين التعليل بالمفرد، لرجوعنا عند امتناع التعليل به إلى التعبد. وقد تبين [بطلان] المصير إليه، وهذا مفقود عند تعدد [المعنى] مع الاستواء.
فإن قيل: أليس يمكن أن تكونا علتين؟ قلنا: ويمكن أن تكون إحداهما علة والأخرى وفاقية، ولا يتعين لهذا [التقدير] [إحداهما].
فإن قيل: فإذا ظهر رجحان [إحداهما]، فما تقولون؟ قلنا: نقول إنه لابد من الاعتماد [على الراجحة، إذ الاحتمالات ثلاثة: إما أن تكون علتين، فيصح] الاعتماد على كل واحدة. وإما أن تكون الراجحة علة، والأخرى وفاقية، فيصح الاعتماد على العلة الراجحة.
يبقى أن يقال: ما المانع من أن تكون المرجوحة هي العلة، والراجحة
стр. 1825
مقترنة بها؟ وهذا ضعيف. إذ كيف يعتمد [الأضعف]، ولا يعتمد الأقوى؟ وهذا كله إنما يجري في المعنى الذي لا يستقل بالتعليل إلا بشهادة الأصل، فإنا إذا رأينا رجلًا أعطى رجلًا شيئًا، فبحثنا عنه (٣٠/ ب)، فوجدناه صالحًا، ولم (٢٣/ أ) نظفر بغير ذلك، ظننا أنه أعطاه لصلاحه، وإذا أعطى شخصا آخر، فوجدناه عالمًا، ولم نجد غيره، غلب على ظننا أنه أعطاه لعلمه. فإن أعطى شخصًا ثالثًا، فبحثنا عنه فوجدناه عالمًا صالحًا، تعذر علينا أن نظن أنه أعطاه لجهة معينة أو لهما جميعًا. هذا كله إنما يكون في المعاني المفتقرة إلى شهادة الأصول.
وأما المعاني المستغنية عن شهادة الأصول، فليس ظهور الثاني بالذي يمنع من حصول الظن بنصب الأول. ولا يزيد وجود الحكم على [وفقهما] [على] عدمه. والحكم لو لم يوجد، لجاز الاعتماد على معنى على انفراده. فإن لم يكن وجوده على الوفق مقويًا، فلا أقل من أن لا يكون مبطلًا. هذا هو التحقيق في ذلك.
وأما قوله: إن الحذاف ردوا الاستدلال. فهو ممن يقول بالاستدلال.
следующие страницы →