Полный текст (2 928 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ونتائجها طويل، وله فن مخصوص به، فلم نر التطويل به.
وقولهم: قد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية، إن أريد بذلك الضروري الذي يلازم أنفس العقلاء، فهذا محال. إذ كيف يكون هذا ملازما لأنفس لعقلاء، وهو لا يحصل إلا بعد النظر في تحصيل مقدمته؟ وإن أريد به أن المقدمتين إذا علمتا، وعلم الازدواج، وتنبه الذهن لاشتمال المقدمتين على النتيجة، فلابد من حصول العلم بها، فهذا صحيح. وتقدم في أثناء الكلام القول في الاستدلال بالمتفق على المختلف، وأنه يرجع إلى القياس، وشرط صحته الجوامع المقتضية للتسوية، على ما ذكرناه.
وأما السبر والتقسيم، فإذا لم ينحصر في نفي وإثبات، لم يصح لإثمار العلم. ويصح أن يستعمل في غلبات الظنون، إن كان الحصر مظنونا. وإن انحصر في النفي والإثبات، فلا يكون نفس الحصر دليلا، فإن الإنسان يعلم أن
стр. 212
العالم لا يخلو من وصف الحدوث والقدم، (٢٨/ب) ولكن لا يكون هذا دليلا على معرفة وصفه. فعد السبر والتقسيم من الأدلة لا يصح، إلا أن يراد أن التقسيم إذا دل على بطلان أحد القسمين تعين الثاني، فهذا صحيح. والاعتماد على الدليل في التعيين، لا على نفس التقسيم.
قال الإمام: (فصل- يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم) إلى قوله
стр. 213
(فيستحيل اعتقاد ترتيبها). قال الشيخ: الأمر على ما ذكره الإمام من استحالة تفاوت العلوم. وقد سبق الدليل على ذلك. والضروريات في سرعة الحصول والاستمرار، مقدمة على النظريات من غير إشكال. وما ذكره الكعبي من كون العلم بخبر التواتر نظريا، سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله.
واختلف أصحابنا في العلوم بالحرف والصناعات، هل هي مكتسبة أم ضرورية؟ فقال قائلون: إنها مكتسبة، وهو الظاهر، ولذلك افتقر إلى تعلمها.
стр. 214
وقال آخرون: هي ضرورية، وهو ظاهر هذا الكلام. والظاهر عندنا الأول.
وأما من قدم المعقول على المحسوس، من جهة أن الحواس عرضة للآفات والتخييلات، فخيال باطل، فإن الإدراك القائم بالحاسة لا يتصور الخطأ
стр. 215
فيه. نعم، قد يتخيل للإنسان شيء على خلاف ما هو به، وليس بمدرك على الحقيقة، ما يتوهم المتوهم أمرا ويعتقد معقولا، ولا يكون كذلك.
وأما قول من قدم البصر لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه، فهذا ليس هو الواقع، فلئن قال: كل موجود يجوز أن يرى، وما لم ير، إنما لم ير لمانع. فكذلك عندنا كل موجود يجوز أن يسمع، وما لم يسمع، إنما لم يسمع لمانع. وتقرير ذلك في فن الكلام.
وما اعتمده القتبي في التقديم من الترتيب في الذكر، فلا يخفى سقوطه.
стр. 216
وما احتج به أيضا من أن الله تعالى لن يبعث أصم، وفي الأنبياء عميان، فذلك أن الأنبياء بعثوا لإرشاد الخلق، واستماع أقوالهم وجوابهم عن سؤالهم، والصمم يخل بذلك دون العمى.
وأما تفاوت طرق العلم، فمحال أيضا، فإنها كلها قصاراها العلم، فلا يتصور دليل أشد ارتباطا من دليل. وسننبه على وجه تفاوت النظر.
وما ذكره الإمام [من] منع التفاوت في العلم على كونه ضروريا، كلام صحيح، وسواء قلنا إن العلم ضروري أو مقدور، فلا تفاوت فيه، لما
стр. 217
[مر] من البرهان.
قال الإمام: (فصل- فيما يدرك بالعقل لا غير) إلى قوله (لا يمتنع اشتراك السمع والعقل فيه). قال الشيخ: قوله: أما ما لا يدرك إلا بالعقل، فحقائق
стр. 218
الأشياء. كلام ليس على عمومه، وقد تعرض لتخصيصه بعد ذلك بقوله: كل مدرك. إلى آخره. فالمراد من العمومات: ما يتقدم ثبوته على الكلام الصدق.
والضابط فيما يجوز إدراكه بهما جميعا هو: كل أمر من المعقولات يصح الكلام مع الغفلة عنه. فهذا هو الذي يجوز إدراكه بهما جميعا.
وأما قولهم: إن كلام الله تعالى لا يجوز أن يدرك بسمع، فهذا ينبني على خلاف المتكلمين في مدلول المعجزة، هل مدلولها كون الرسول (٢٩/أ) صادقا أو مصدقا؟ ذهب الإمام في هذا الكتاب إلى أن المدلول كونه صادقا.
стр. 219
فيعلم صدق الرسول ﷺ من هو غافل عن ثبوت الكلام لله سبحانه. وقد مال الإمام إلى هذا في (الإرشاد). وضرب في ذلك [مثالا] للملك المتصدي للرعية، المخالف للعادة، على حسب سؤال المدعي. قال: فيحصل للحاضرين العلم، مع الغفلة عن كلام النفس. بل لو كان في المجلس من يعتقد نفي كلام النفس، لحصل له العلم. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (فصل- يشتمل على مقدار من مدارك العقول) إلى قوله (على الألوان بحكم الأكوان من غير بصيرة). قال الشيخ: قوله: لا يجول العقل في كل شيء. الشيء: هو الموجود عندنا. فإن أراد أن بعض الموجودات لا
стр. 220
يصح علمه، فهذا غير صحيح. ومن أصول أهل الحق أن كل موجود يجوز أن يرى. والرؤية إما علم خاص، وإما إدراك زائد على العلم، فالعلم أعم تعلقا. فإذا كان كذلك، صح أن يعلم كل موجود. وأيضا فإن العلم لا يصحح لتعلقه، فإنه يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل.
وإن أراد [أن] بعض الموجودات لا يصح الاستدلال عليها، فهذا قد تقدم الكلام عليه عندما تكلمنا على أن الضروريات، هل يصح أن تكون مستدلا عليها؟
وقوله: (فالنظر عندنا: عبارة عن المباحثة في أنحاء العلوم الضرورية). وأراد بالمباحثة: الفكر، لكنه تجوز بإطلاق لفظ (المفاعلة) في غير موضعها، فإنها تستدعي تعددا في غالب الأمر. والعبارة السديدة ما قاله المتكلمون،
стр. 221
فإن النظر عندهم: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن.
وقوله: (في أنحاء الضروريات وأساليبها)، يعني الطرق، ثم العلوم الحاصلة على إثرها كلها ضرورية، يعني أنها ليست مقدورة على ما مر. وقد تقدم الكلام على السبر والتقسيم، وأنه غير مكتفى به في حصول العلم، بلا لابد من إقامة الدليل على التعيين.
وقوله: (وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر). كلام غير معقول، فإنه لابد للفكر من متعلق، فإذا لم يكن متفكر فيه، كيف يتصور الفكر لحصول
стр. 222
العلم؟ وقوله: (إذا استد النظر) إلى قوله (فهو الذي يسمى نظرا ودليلا). فقد جعل في هذا المكان أن النظر هو الدليل، وليس الأمر كذلك؛ فإن الدليل قد
стр. 223
قررنا: أنه مرتبط بالمدلول، سواء نظر الناظر أو لم ينظر. وههنا أربعة أمور متعددة: فالدليل مرتبط بالمدلول، والنظر في الدليل إذا تم على سداده يتضمن العلم. وعلى ما نراه ههنا يسقط من الأقسام، ولا يبقى إلا النظر والعلم والمعلوم. والعلم غير منظور فيه، وكذلك المعلوم، فلا يبقى للنظر مورد. فإذا بطل متعلق النظر، بطل النظر. فإما أن تصير الأمور كلها معلومة، وإما أن يتعذر علم شيء منها ليس بضروري. وهذا يشير (٢٩/ب) إلى مذهب منكري النظر.
стр. 224
وما ذكره من الأمثلة لا [يدفع] هذا التحقيق. وقد بينا أن الأدلة ترجع إلى أمور مرتبطة بأمور على جهات من الارتباط، فمن اطلع على جهة ارتباط الدليل بمدلوله، حصل له العلم بالمدلول.
وحصره جولان العقول في التقسيم المنضبطة التي يهتدي العقل إلى تعيين بعضها، غير صحيح. فإن البرهان ينقسم إلى البرهان المستد وإلى برهان الخلف. فالبرهان المستد: هو الذي يفضي بالناظر إلى العثور على عين المطلوب، كالإحكام الدال على العلم، أو على كون العالم عالما عند المعتزلة. وكذلك القول في الإيجاد والتخصيص. وبرهان الخلف: هو الذي لا يهجم على المطلوب بنفسه، ولكن يريد الناظر المطلوب بين قسمين، نفي وإثبات، ثم يقوم البرهان على استحالة الثبوت، فيتعين النفي أو بالعكس من ذلك.
стр. 225
والكلام في استحالة العرو عن الألوان مشكل، وهو مما استخير الله فيه. وطرق المتكلمين فيه مشهورة، فلم نر الإكثار بذكرها.
وأما ما ذكره في منع القياس إلى آخره. فقد سبق الكلام على مثله عند كلامنا على إلحاق الكاتب بالشاهد.
قال الإمام: (ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق) إلى قوله (يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى). قال الشيخ: ما ذكره في هذا المكان من أن الأحكام الإلهية تستحيل الإحاطة بها، وإنما يتعلق العلم بأمور جميلة منها. اختلف المتكلمون في جواز تعلق العلم بمعلوم على الجملة دون التفصيل. فذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.
стр. 226
واختلف في ذلك قول ابن الجبائي، وقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه منع من ذلك، وله أيضا كلام يقتضي التجويز. وقد تمسك المنكرون بنكتتين نذكرهما ونذكر الكلام عليهما:
إحداهما- أنهم قالوا: حقيقة العلم الكشف، ونحن لا ننكر أن يعلم المعلوم من وجه، ويجهل من وجه. والوجه الذي علم منه منكشف، ليس فيه إجمال بحال. بل ذلك الوجه مفصل عند العالم به.
[الثانية]: أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا يتصور اجتماع العلم بالجملة مع العلم بالتفصيل، فلا يتصور أن يعلم الباري تعالى معلوما أو معلومات على الجملة. فاستحال تعلق العلم على الجملة، ولا يتصور أن يتعلق العلم الحادث به، فإن العلم الحادث مخلوق لله ، وتعلقه بالمعلوم لنفسه، فلابد أن يكون فاعل العلم عالما بمتعلقه، فيقتضي ذلك أن يكون الباري تعالى يعلم المعلومات على الجملة، وهو عالم بها على التفصيل، وذلك متناقض على ما قررناه.
стр. 227
وأما المجوزون، فقد قالوا: لا ننكر العلم على الجملة، فإنا إذا علمنا أن معلومات الباري تعالى لا تتناهى، فقد علمنا أمرا لا محالة، إذ يستحيل علم لا معلوم له، ومعلومة المعلومات غير المتناهية، وهي غير مفصلة عندنا قطعا، لاستحالة تعلق العلم الحادث بما لا يتناهى على التفضيل، وأن كل معلومين يصح (٣٠/أ) العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فإذا علما، فإنما يعلمان بعلمين مختلفين، فإنه لو تعلق بما علم واحد، لاستحال أن يعلم أحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكان يجب عقلا أن يعلما معا.
وقد صورنا جواز العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكل ما أفضى إلى استحالة المجوز، فهو باطل وانقلاب الجائز محالا محال. وما أفضى إلى المحال فهو محال. وإذا كان كذلك، فلو قدرنا كون الحادث يصح منه أن يعلم ما لا يتناهى، للزم أن يعلمها بعلوم لا تتناهى، وتوجد تلك العلوم قائمة بالعلم، وما حصره الوجود، فهو متناهٍ ضرورة، فاستحال أن يعلم المخلوق ما لا يتناهى على التفصيل، فإذا لم يعلم المعلومات غير المتناهيات، إلا من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل.
стр. 228
وأما الاستدلال الثاني، وهو قولهم: لو علم الواحد منا معلوما من حيث الجملة، للزم أن يكون الباري تعالى عالما به مع علم بالتفصيل، والعلمان متناقضان. إذ قد بينا أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل. فقد اختلف جواب أهل الحق عن هذا السؤال، فذهب القاضي أبو بكر إلى التزام ذلك، وقضى بأن الباري تعالى لا يتصور أن يعلم شيئا من حيث الجملة لإحاطته بالتفاصيل. والتزم أن قال: إذا خلق الله لعبده علما متعلقا من حيث الجملة، لم يكن عالما بمعلوم العبد، وإن كان عالما بعلمه، لأن خالقه ومبتدعه. قال: ولا بعد في خروج بعض المعلومات عن أن يتعلق بها العلم القديم. قال:
والمحقق هو الذي يدور مع الدليل ولا يجبن. وهذا يناظر ما ذهب إليه من أن القدرة الحادثة تؤثر في حال، والكسب، ولا تتعلق [بقدرة] القديم.
وهذا القول لا نراه ولا نرضاه، ومن المستحيل أن يخرج ممكن عن القدرة القديمة، مع عموم التعلق، وتحقق التماثل في المتجددات. وكذلك لا سبيل إلى أن يخرج معلوم عن العلم القديم، لما قررناه من استواء المعلومات بالإضافة إلى العلم، إذ ما تعلق بأحد المثلين، مع صحة تعلقه بالمعدودات التي يجوز افتراقها، وجب أن تستوي النسبة إلى الجميع. وقد أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، لا يشذ عن علمه معلوم.
стр. 229
وما ذكروه من أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا نسلم المضادة في ذلك، ولو قدرنا أن الإنسان علم جواهر جسم وعددها، وعلم أن غيره يعلم الجسم من حيث جملة الجسم، [لما كان في ذلك مضادة]. وهذا هو الذي لا يصلح عندنا غيره.
وقوله: وإفضاء العقل إلى أمور جميلة منها، اقتصار على الدعوى. وما ذكره من أن المتناهي يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى، دعوى ثانية غير مقترنة ببرهان. نعم، الذي يستحيل أن يعلم [معلومات لا تتناهى عددا، هو الحادث]، لما قررناه من الدليل. أما المتعلق بمطلق لفظ ما لا يتناهى، فلا يفيد. والباري تعالى غير متناه وجوده، بمعنى أنه لا آخر له، وذلك غير مانع من علم ذاته. ويعتقد أهل السنة أن الله تعالى يرى في الآخرة، والرؤيا أخص من العلم. على ما سبق تقريره.
قال (٣٠/ب) الإمام: (وعبر الأوائل عن ذلك) إلى قوله (سلطنة الكل على الجزء). قال الشيخ: ماذكره الإمام حكاية عن الأوائل، مبني على غير
стр. 230
أصول أهل الشريعة، فإنهم ينفون الصانع المختار، ويثبتون الفيض على الدوام. فلا منع ولا إعطاء، وإنما يرجع ذلك إلى اختلاف القوابل، وذلك يرجع إلى اختلاف التهيؤ للقبول. وهذه أصول باطلة كلها. وأدلة حدث العالم يسقط جميع هذا الهذيان.
ولو وقع التنزل على فاسد أصلهم، فقضاؤهم بأنه لا يبلغ النهى مبلغا يقبل من الفيض ما يحيط من الكل. فليس في هذا إلا اقتصار على محض الدعوى. وكذلك قولهم: وأما الاحتواء على الحقيقة، فهو سلطنة الكل على الجزء.
قال الإمام: (وأما ما يحمل على تبلد العقل) إلى قوله (في زمن ما مع تكرر المقتضيات). قال الشيخ: هذه الأمور كلها هي أصول الفلاسفة
стр. 231
المنكرين للخلق والإيجاد، الذاهبين إلى العلل والمعلولات. وقواعد أهل الإسلام على خلافها.
ثم أيضا هم متحكمون في قولهم: إنه من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في المغناطيس. فإن قالوا: يستحيل خرق العوائد، لاعتقادهم إياها عقليات، وليس في العقول صانع مختار ليخرق، فهو أيضا مبني على تلك الأصول الباطلة.
ثم نقول لهم: ما المانع من وصول بعض العقلاء إلى إدراك هذا؟ وبأي
стр. 232
طريق علمتم نفيه؟ وما كل من أحاط بعلم يكشفه لأهل الأرض. فلا يرجعون إلا إلى محض الدعوى العرية عن البرهان.
فأما ما يتعلق بالخواص وتأثيرها، فهو باطل عندنا، ولا فاعل إلا الله. والجواهر متماثلة والأعراض لا تنتقل. وكل ذلك مدلول عليه في إثبات الإلهية والوحدانية.
وإنما الغامض في هذا الفصل قول الإمام: (ولكن ينقدح عندي في ذلك أمر يحمل التعذر عليه) إلى آخره. لا يتصور أن يكون ما ذكره عذرا عند أهل الإسلام، ولكن الظن به أنه إنما أراد: أنه ينقدح عندي لبعضهم على بعض. فإن الأوائل اختلفوا في ذلك. فكأنه يقول: وينقدح عندي لهم أمر يحمل التعذر عليه على مقتضى قواعدهم.
стр. 233
ثم قوله بعد ذلك: (وعلى الجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا القسم بالمواقف) إلى آخره. هذا أيضا كلام صعب، فإنه إذا جعل استقراء العوائد دليلا على استحالة ما لم تجر به العادة، أفضى ذلك إلى جحد النبوات، وإنكار المعجزات، واستحالة بعث الأموات. وهذا كفر بلا إشكال.
ويعتذر أيضا عن هذا بأن يقال: لا يقوم لبعضهم برهان على بعض في أن ذلك موقف بالنظر إلى عد صلاحية تهيؤ المفيض إلى آخره. وإذا بطل التلقي من هذه الجهة، رجع إلى استقراء العوائد على أصولهم، في اعتقاد وجوب الأطراد، واستحالة الخرق عقلا. هذا هو الذي أراده الإمام ﵀، ولا يصح غيره.
قال الإمام: (وأما الميز بين الجواز المحكوم به، ويبن الجواز بمعنى (٣١/أ) التردد والشك، فلائح. ومثاله: أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن) إلى قوله (وإذا لاحت الحقائق، فليقل الأخرق بعدها ما شاء).
стр. 234
قال الشيخ ﵁: الجواز كما ذكر، قد يعبر به عن: قبول المعلوم لأمري على البدل، كقبول الجوهر أن يكن متحركا أو ساكنا. وهذا الجواز نقيض الاستحالة. وقد يعبر به عن: التباس المر بحيث لا يدري الناظر كيف الحال فيه، فيقول: يجوز أن يكون العالم قديما، ويجوز أن يكون حادثا. هذا هو الجواز بمعنى التردد.
وما ذكره في المثال، وهو انحصار الأجناس، واستدلاله على ذلك بأنها معلومة على التفصيل، وذلك مستحيل في غير المتناهي، كلام باطل، وقول غير صحيح. والذي عليه أهل الإسلام أن الله تعالى عالم بالمعلومات
стр. 235
على التفصيل. فاقتصر على الدعوى في مثل هذا الأمر العظيم. ولم يأت بدليل بحال.
وقوله: فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم. دعوى، ما الدليل على ذلك؟ ومن أين يلزم من كون
стр. 236
الموجود متناهي العدد أن يكون المعلوم متناهيا، وقد حصل موجوداً؟ فقد
стр. 237
هجم على أمر عظيم، وخالف أدلة العقول، وراغم إجماع المسلمين.
وأقرب ما يدل على كون الباري تعالى عالما بما لا يتناهى على التفصيل، أن نقول: ما من معلوم إلا ويصح من الباري تعالى أن يخلق لعبده علما متعلقا به، ولا يختص هذا بموجود أو معدوم، محقق أو مقدور. وإذا جاز أن يخلق علما بمعلوم، وعلما آخر بمعلوم آخر، امتنع الانتهاء إلى حد يستحيل معه تقدير خلق علم آخر، وكذلك إلى غير نهاية. فوجب لذلك كونه عالما بالمعلومات غير المتناهية على التفصيل. وللمتكلمين في ذلك أدلة كثيرة. والذي ذكرناه مقدار غرضنا، وقواطع السمع على تأبيد نعيم أهل الجنان، وعذاب أهل النار
стр. 238
إلى غير نهاية، والله تعالى عالم بتفصيل ذلك.
قال الإمام ﵀: (فصل- مدارك العقول في الدين ثلاثة) إلى قوله (العقل المحض في الديانات). قال الشيخ: قد سبق في أول الكتاب أن صفات الله تعالى واجبة لا جائز فيها، وأفعاله جائزة لا واجب فيها، فإنه يستحيل عليه كل ما قام بالحوادث، فدل على حدثها، وأفعاله دالة على صفاته. ولما ثبت للعالم الحدث، دل على جوازه. وهذا يستقصى في علم الكلام.
قال الإمام: (والمدرك الثاني- هو المرشد) إلى قوله (مقنع في غرض هذا الفصل). قال الشيخ أيده الله: أما المدرك الثاني، فسيأتي الكلام عليه [بعد
стр. 239
هذا]. أما المدرك الثالث، وهو أدلة السمع، فقد تقدم الكلام عليها.
وقوله: (والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين). إما يفتقر إلى تقديم، لأنه لا يرى أن المعجزة تدل من جهة نزولها منزلة التصديق بالقول، فيفتقر حينئذ إلى إثبات العلم بصدقه، ليعلم صدق من صدقه. وأما من رأى أن المعجزة يحصل بها العلم بصدق المدعي، فلا يفتقر إلى تقديم هذا الأصل. نعم، (٣١/ب) لابد من تقديم الكلام على الأصل الثاني، وهو بيان اقتضاء المعجزة صدق من ظهرت على يديه، فإنه إذا لم يثبت صدقه، لم نتحقق الأحكام المتوجهة علينا أنها من عند الله.
стр. 240
قال الإمام: (ولكن القدر الذي يتفطن له العاقل أن [العالم] لا يخلو عن [نطق نفسي]، ثم النطق النفسي لا يكون إلا على حسب تعلق العلم. وإذا كان كذلك، لم يكن إلا صادقا). قال: (فإن فرض فارض إجراء شيء في النفس على خلاف العلم، فهو وسواس وتقديرات، ولا يتصور فرضها إلا حادثة. وهذا لقدر على إيجازه مقنع في غرض هذا الفصل). قال الشيخ: الباري تعالى متكلم بكلام أزلي، قائم به، ليس حرفا ولا صوتا، وخبره سبحانه صدق، لا يتصور الخلف فيه والكذب، ولابد من دليل على الأمرين جميعا. أما إثبات كونه متكلما، فقد ذكر الأئمة في ذلك طرقا:
منها- أن الحي إما أن يتصف بالكلام، وإما أن يتصف بأضداده، وأضداد الكلام آفات، وهي مستحيلة على القديم .
стр. 241
الثاني- أن الكلام له، إما أن يكون مستحيلا، وإما أن يكون جائزا. ونعلم نفي الاستحالة ضرورة، إذ حاصله راجع إلى أن العالم بالشيء يستحيل أن يخبر عن معلومه. وهذا ظاهر البطلان. فإذا بطلت الاستحالة، فمن المحال أن يكون جائزا، إذ الجائز لا يتصور قيامه بالقديم، وهذا يفتقر إلى بيان أن المتكلم من قام به الكلام. وهذا واضح، كما أن العالم من قام به العلم. فإنا لو سمعنا متكلما يتكلم، لعلمنا كونه متكلما، من جهة قيام الكلام به، وإن لم يخطر ببالنا، ل هو خالق الكلام أم لا؟ ولو كان حقيقة المتكلم من فعل الكلام، لم يعلم كونه متكلما إلا من أحاط بذلك علما.
الثالث- أن الأمة مجمعة على أن الله تعالى متكلم بكلام حق. وهذه الدلالة لا تستمر إلا على [القول] بأن المعجزة تدل على الصدق.
стр. 242
وأما الدليل على كون الكلام صدقا، فإن الصدق: هو الخبر على وفق العلم. والله تعالى عالم بالمعلومات على ما هي عليه. وكلامه قائم به وفق علمه، فوجب أن يكون حادثا. أما الكذب الذي هو كلام النفس على الحقيقة، فلا يتصور إلا من الجاهل الذي يعتقد على نقيض ما هو عليه، فيخبر عنه على ذلك.
قال الإمام: (والأصل الثاني- في اقتضاء المعجزة) إلى قوله (يكفي من
стр. 243
غير حاجة إلى رابط). قال الشيخ وفقه الله: قد اختلف الناس في حد المعجزة، وجهة دلالتها، وفي مدلولها.
فأما أحدها: فقد ذكر الإمام حده. وقد ذكر غيره غيره. وقال أبو الحسن: فعل أو ما يقوم مقامه. وإنما افتقر إلى هذه الزيادة، لأنه يصح [عنده] أن تكون المعجزة عدما خارقا، كما لو تحدى بأن ينعدم جبل فينعدم، كان ذلك خارقا، وصح أن يكون معجزة، وإن كان العدم ليس بفعل. ولا فرق في التحقيق بين الإعدام والعدم، إن ذلك يرجع إلى نفي محض. ويعترض أيضا على الحد (٣٢/أ) [بما] إذا ظهر الخارق مكذبا، فإنه لا يكون معجزة. وهذا له صورتان:
стр. 244
إحداهما- أن يدعي أن آيته أن تنطق يده، فتنطق مكذبا له.
والصورة الثانية- أن يتحدى بإحياء ميت، فيحيا قم يكذبه. فأما الصورة الأولى، فمتفق على أنها لا تكون معجزة، لأن الخارق خرق للصدق، فإذا كان الخارق مكذبا، لم يصح أن يكون مصدقا. وهذا في التمثيل بمثابة ما لو قال المدعي: أنه رسول الملك، وأن آية صدقه أن يكلم الملك رعيته على خلاف عادته، ثم يستدعي ذلك من الملك، فيقول: هو كاذب فيما قال، فلا يستريب الحاضرون في كونه لم يصدقه بنطقه، وإن كان خارقا لعادته.
وأما الصورة الثانية، ففيها نظر، إذ يمكن أن يحتج المدعي بأن الخارق قد وجد، ولما حيي هذا، صار من جملة المعاندين المكذبين. والذي نختاره
стр. 245
أنه لا يكون صادقا في ذلك أيضا. فإن الحاضرين إذا شاهدوه حيي وكذب، ثم مات على الفور، لا يحصل لهم العلم بالصدق على حال.
فإذا الصحيح في حدها أن يقال: المعجزة معلوم خارق للعادة ظاهرا على حسب سؤال مدعي النبوة، غير مكذب، مع امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره، إذا كان يبغي معارضة.
وقد نوزع في كون ما ظهر خارقا. وقالوا: ما المانع من كون ذلك ما
стр. 246
وقع في العادة؟ واتفق لبعض الناس، ففرق بين النادر والخارق. وهذا هوس، فإن من تخيل أن انقلاب العصا حية، وانقلاب البحر أطوادا، وإحياء الموتى، مما جرى بصفة الندرة، فقد خرج عن حكم المعقول بالكلية.
وأما وجه دلالتها: فقد ذهب ذاهبون إلى أنها تجري مجرى أدلة العقول، فلا يتصور عقلا إظهارها على أيدي الكذابين. وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق، والإمام في (الإرشاد) يشير إليه.
واستدل على ذلك بأن قال: لو دلت من جهة العادات، لأمكن خرقها، وأن توجد غير دالة، وإذا خرجت عن أن تدل لنفسها، لم يتوصل الباري سبحانه إلى تصديق رسله بالمعجزات، والعجز عليه محال. وهذا الكلام فيه نظر، وإنما يصح العجز، لو كان نصب دليل عقلي للصدق ممكنا،
стр. 247
وعجز عنه الباري تعالى، فحينئذ يقضى بالاستحالة.
وأما الخصم فإنه يقول: ليس في الإمكان دليل يدل على الصدق لنفسه، لأن المقدور إنما يكون معتادا أو غير معتاد، فإن كان معتاداً، فلا اختصاص له ببعض المتحدين. وأما غير المعتاد، فهو الذي يقول الخصم: إنه يدل لنفسه.
وقال كثير من المتكلمين: إنها تدل على جهة العادات، ولا تتنزل منزلة أدلة العقول. وذا القول والصحيح عندنا.
стр. 248
ودليله أنه لو [كانت] الدلالة على الصدق من صفة نفس الخارق، لما تصور خارق إلا دالا على الصدق، وهذا باطل بالاتفاق.
فإن قيل: الخارق المقترن بالدعوى هو الذي يدل لنفسه. قلنا: لا يصح ذلك، إذ ما يدل لنفسه، لا يتصور فيه الشرط، وليس الاقتران بالدعوى مما يغير صفة الخارق ويجعل له صفة نفسية لم تكن له.
قال الإمام: (فإن قيل: أيتصف (٣٢/ب) الرب تعالى [بالاقتدار] بأن
стр. 249
يظهرها) إلى قوله: (لانسلت العلوم عن الصدور، كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال). قال الشيخ: هذا هو الصحيح، على ما اختناه من دلالتها من جهة العادات. فإن العادات يصح خرقها، وتجويز الخرق لا يمنع من حصول العلم.
وما ذكره الإمام من كونه يعرض لسبب إنكار العلم بصدق الرسل تقدير
стр. 250
اعتراض، فإنه لما قال: تتنزل منزلة قرائن الأحوال، قيل له: العلم المترتب على قرائن الأحوال ليس نظريا حتى يتصور اختلاف العقلاء فيه، بل الحاصل على إثرها ضروريا. فلو كانت المعجزات تدل من جهة العادات، لاشترك المطلعون عليها في حصول العلم، وقد وقع الاختلاف- بعد الاطلاع- من الخلق الكثير. وهذا سؤال مخيل.
فأجاب ﵀ بأن قال: إنما يحصل العلم للمشتركين في كمال السبب، فلا يترتب العلم عليه. وهذا بمثابة ما لو سمع بعض الناس أخبار التواتر، فإن العلم يحصل لهم، ولا يدل ذلك
следующие страницы →