Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
ينتصب عدمه علمًا لحكم آخر]) إلى قوله (فقد وهت هذه الطريقة). قال الشيخ: هذا الذي ذكره هؤلاء القوم كلام صحيح، وإنما وقع الغلط في إطلاق لفظ الحكم على نفي الحكم. والمقصود أنه إذا انتصب علم على ثبوت حكم، لم يلزم أن ينتصب نفيه علمًا على نفيه، إذ قد ينتفي الدليل ويبقى المدلول، وهي الطريقة الأولى بعينها، وإنما حصل هنا زيادة، وهي إطلاق القول بأن نفي الحكم حكم، وهي عبارة مخيلة، لا حاجة إليها في تحصيل عرض المسألة، [في] أنه لا يشترط عكس العلامة.
قال الإمام: (ومما تمسك به بعض من نفي اشتراط الانعكاس، [ما قدمناه في أدراج الكلام في الأدلة العقلية، فإنها إذا دلت بوجودها على [مدلولاها]، لم يدل عدمها [على عدم المدلول]) إلى قوله (والمطلوب
стр. 1857
بعد من حقيقة المسألة بين أيدينا]). قال الشيخ: (٣٥/ أ) أما كون العلوم كلها ضرورية، فإن الإمام يطلقه عل معنيين:
أحدهما-[أنه] يرى أن العلوم كلها ليست مقدورة بالقدرة الحادثة،
стр. 1858
[بل] واقعة بقدرة الله تعالى. هذا مذهبه في العلوم، وقد تقدم ذلك. وليس المراد هذا ههنا.
الثاني- أنه يرى أن العلوم ليست منقسمة إلى نظري، بمعنى أن النظر في الدليل يوصل إليه، وإنما العلوم مرتبة عنده، فلا يحصل الثاني عنده إلا إذا حصل الأول. فلما توقف بعض العلوم على شرط، وهو سبق بعضها، سمي الثاني نظريا والأول ضروريا. هذا معنى تسميته نظريا.
فأما المصير إلى أن بعض العلوم يكون النظر في الدليل يفضي إلى العلم
стр. 1859
بالمدلول، فهذا محال عنده. وقد تقدم الكلام على هذا في مقدمة الكتاب، ووجهنا الاعتراض عليه. من جهة أن العلوم لو كانت كلها ضرورية، وأن الدليل لا يفضي إلى شيء [منها]، للزم إذا حصل المعلوم الأول، أن [لا يستريب] الإنسان في المعلوم الثاني، بعد حصول شرطه. ولما كان المعلوم الأول يحصل ويتوقف الإنسان في المعلوم الثاني، حتى تتضح له جهة الربط، تبين بذلك أنها ليست كلها ضرورية.
وما قاله من [التنبيه] بما [ينأى] عن [الناظر] البصير بعض النأي، فإنه يفتقر إلى تحديق النظر في جهة المطلوب. التحديق في هذا المكان هو (٢٧/ أ) الذي أراده الأصوليون بتجريد الفكر من جهة الربط. وهذا
стр. 1860
كله قد تقدم. نعم، في العلل الشرعية [ذوق] المصالح زائد على محض العلامة. فهذا هو الفرق بين الدليل العقلي والعلة الشرعية. وأما الاقتضاء العقلي، فهما جميعا مستويان فيه، والدلالة أيضًا ثابتة لهما، إلا أن أحدهما يدل عقلًا، والآخر يدل وضعًا، إما قطعًا وإما ظنًا، والإشعار الفقهي تختص به العلة الشرعية دون مجرد الدليل، عقليًا كان أو سمعيًا. نعم، [وزان] الأدلة العقلية العلامات الشرعية، التي لا اقتضاء فيها، كزوال الشمس [الذي] جعل علمًا على وجوب الصلاة. وإذا سلم الإمام ما قصده بهذا الكلام، من إشعار العلل
стр. 1861
الشرعية من جهة الفقه بالأحكام، فمن أين يلزم إشعار عدمها بدم الأحكام؟ هذه دعوى مجردة من غير برهان.
قال الإمام: ([وقد] قالوا: إذا كانت العلامات الشرعية لا تقتضي أحكامها لأعيانها) إلى قوله (فهذا صدر الكلام). قال الشيخ: قد قدمت الكلام أن [العلة] الشرعية في التحقيق علامة، إذ ليس فيها باعتبار ذاتها اقتضاء. وقد قدمت أيضًا أن الدليل وإن كان عقليًا (٣٥/ ب)، فإنه لا يدل عدمه
стр. 1862
على عدم المدلول، والأمارات الشرعية بذلك أولى.
وأما ما ذكره الإمام من إشعار العلة بالحكم، فهو صحيح، ولكنه لا يفيد فائدة فيما يتعلق باقتضاء النفي الانتفاء. وسيقرر هو بعد ذلك، أن المعنى المشعر بالثبوت، [قد] لا يشعر بالعدم بحال. وهذا هو الصحيح من القول.
وأما ما ذكره من أن [الصفات]، إما أن تذكر على صيغة شرط، أو على قضية تعليل. قال: فإن ذكرت على قضية شرط، فقد حققت أن انتفاء الشرط يشعر بانتفاء المشروط في قاعدة المفهوم. وقد بينا نحن خلاف قوله في ذلك، وأن الشرط لا يتضمن إلا تخصيص المشروط بشرطه، وأنه يصير عند
стр. 1863
عدم الشرط غير متكلم [به]. وهو كما مثلناه في اللفظ العام في قوله: (اقتلوا المشركين)، فإنه يتناول كل مشرك. فإذا قال: الحربيين، اقتصر اللفظ عليهم، ولم تبق له دلالة على أهل الذمة، بل لا يكون ناطقًا إلا بذلك القدر خاصة.
فأما أن يقال: إن مفهوم هذا اللفظ النهي عن قتل أهل الذمة، فهذا غلط. ففرق بين أن لا يدل على القتل، وبين أن يدل على منعه. وكذلك [إن] قال: اضرب زيدا مطلقا، اقتضى هذا أن يضربه على أي حالة كان عليها. فإذا قال: إن كان قائما، تقاعد اللفظ عن أن يدل على القاعد. فلا دلالة له عليه بحال. فليس الشرط إلا مخصصا للكلام ببعض ما كان يتناوله عند الإطلاق، فتقتصر دلالته على بعض الأحوال، ولا تبقى له دلالة على الحال الأخرى. وهذا كله مما تقدم
стр. 1864
القول فيه في المفهوم.
قال الإمام: ([ولكنا] مع ذلك [لا نبعد] أن [تعلق] المعلق [مشروط] بأفراد شرائط، [بحيث يستقل ذلك المشروط بكل واحد منها]) إلى قوله (والتقدير: أكرمك [إن] جئتني أو لم تجئني). قال الشيخ: هذا الكلام ظاهر الفساد، وذلك أنه جعل للشرط دلالتين، إحداهما مصرح بها، والأخرى ضمنية. فأما المصرح بها، فإثبات المشروط عند ثبوت الشرط. وقد اتفق [ذوو] التحقيق من أهل الأصول أن الشرط لا دلالة له في جانب الإثبات بحال، سواء كان عقليا، كالحياة للعلم، أو شرعيا (٢٧/ ب) كالطهارة للصلاة، أو عاديا كالبنية لقيام العمل بالمحدث. فكيف يجعل دلالة الشرط
стр. 1865
على الإثبات مصرحًا [بها]؟ [هذا] محال.
وأما المثال الذي ذكره، فقد وقع فيه غلط، فإن القائل إذا قال: إن جئتني أكرمتك، فنحن لا ننكر أنه إذا جاء استحق الإكرام، ولكن هل لوجود الشرط، أو لأجل الالتزام [المتوقف] على الشرط؟ وكذلك نقول إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنها (٣٦/ أ) إذا دخلت وقع الطلاق، لا لاقتضاء الشرط ذلك، ولكن للالتزام والإيقاع من قبل المطلق. هذا بالنظر إلى وضع اللغة وحقيقة الشرط. وأما بالنظر إلى الفقه، فدخول الدار ليس هو سبب الطلاق، إذ لا يناسب ذلك، وإنما السبب تطليق الزوج الموقف على الدخول.
وأما قوله: إنه يدل على الإيتاء ضمنا، فهو غلط أيضا، بل لا دلالة للشرط إلا في جانب الانتفاء، إذ حقيقة الشرط: هو الذي يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، وإن لم يلزم من وجوده وجوده. فيا ليت شعري إذا جعلت دلالة الشرط في النفي ضمنية، ودلالته على الإثبات مصرح بها، أي فرق بين الشرط والعلة؟
стр. 1866
فإن قيل: إذا قلتم إن الشرط يدل على النفي عند الانتفاء، ولا دلالة [له] إلا على هذا الوجه، حصل غرض الإمام في إشعار العلم المذكور على صيغة الشرط بالنفي، إلا أنه يقول ضمنا، وأنتم تقولون صريحا، فقد حصل مقصوده على وجه أبلغ. قلنا: ليس كذلك، فإنه معنى دلالة الشرط على النفي عندنا: أن الشرط يقتضي تخصيص الكلام المطلق، حتى يمنعه من الدلالة على غير تلك الصورة، التي يثبت الشرط بالإضافة إليها، فلا يكون متكلما بغيرها. [وهو] يريد إنه متكلم فيها بالنقيض، وذلك غير صحيح.
وأما توقفه عن القطع بالنفي عند الانتفاء، من جهة أنه قد يصح تعليق المشروط بأفراد شرائطه، وإذا صح ذلك، فلا يمتنع أن ينتفي [شرطه] ويبقى المشروط [متعلقا بشرط آخر، فهذا أيضا غير صحيح، بل نقطع نحن بانتفاء المشروط] عند انتفاء الشرط. وأما تعليق المشروط بآحاد شرائطه على البدل، فلا نسلم أنه يفوت شرط ويوجد آخر، بل الشرط أحدهما لا بعينه، فأي واحد وجد، لم ينتف الشرط أصلا. وهذا كما قال في خصال [كفارة اليمين]: إن
стр. 1867
الواجب واحد لا يعينه. وكذلك ههنا الشرط واحد لا بعينه، فلم يثبت قط المشروط مع فقدان شرطه، ولو ثبت مع [فقدان] [شرطه]، لم يكن شرطًا فيه، فلا وجه لعدم القطع بانتفاء المشروط عند عدم الشرط.
وأما تمثيله النقض بالخلف في المشروط عند وجود الشرط، فقد تقدم أن ذلك لم يكن للشرط، وإنما كان للكذب في الالتزام الثابت عند وجود الشرط.
وأما قوله: لو جرى إكرامه من غير مجيء، كان [هذا] مخالفًا لحكم الشرط من باب الضمن. فهذا أيضا غلط، بل نقول في هذا الإكرام الملتزم: هو الإكرام الذي يترتب على المجيء، وليس في الالتزام الإكرام في حالة، ما يقتضي (٣٦/ ب) منع الإكرام في غيرها. ومن توهم ذلك، فقد غلط غلطًا فاحشًا. فليس الإكرام عند عدم المجيء هو الملتزم بحال. ألا [ترى] أنه لو أكرمه من غير مجيء، ثم اتفق مجيئه، لزمه بحكم التزامه [إكرامه]، اللهم
стр. 1868
إلا أن يكون قد التزم إكرامه بشيء معين، [ثم أعطاه] له، فإنه لا يلزمه إعطاء غيره. وما ذاك إلا لفوات (٢٨/ أ) الملتزم. وهو بمثابة ما لو قال: إن جئتني أعطيتك عبدي ميمونا. فاتفق موت العبد ثم جاءه، فإنه لا يستحق عليه إعطاء غيره، بحكم شرطه والتزامه، ولا يمكن إعطاؤه بعد موته، فيسقط الالتزام لفوات محله.
ومثال ذلك: الرجل إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم طلقها قبل دخول الدار، فلا أحد من العقلاء يقول إن هذا التطليق مناقض لما سبق من التعليق، ولا أنه هو الطلاق المعلق، بل هو طلاق آخر. فإذا ألزم ذلك، ثم اتفق دخولها، طلقت أيضًا بمقتضى [ذلك] الطلاق الملتزم. إلا أن ما سبق من الطلاق أوجب البينونة الكبرى، فينزل ذلك منزلة موت العبد في المثال السابق، فلا تطلق إلا بمعنى أن الطلاق المعلق على الدخول قد سبق، ولكن لفوات المحل [بالبينونة].
وأما قوله: إن جئتني أكرمتك، وإن لم تجئني أكرمتك إلى آخره. فهو عندنا من باب الشرط على حقيقته، ولكنه عدل عن اللفظ المختصر إلى اللفظ الطويل، وذلك أنه لما قال: إن جئتني أكرمتك، اقتصر اللفظ في الدلالة على التزام الإكرام عند المجيء، وصار الإكرام عند [عدم] المجيء مسكوتًا عنه، ثم عبر عنه بعبارة تخصه، أعني المسكوت عنه، فقال: إن لم تجئني أكرمتك.
стр. 1869
ونظير ذلك أنه لو قال: اقتل الحربيين، كان هذا كلامًا صحيحًا [ونعتًا] معتبرًا. فلو قال مع ذلك: والذميين، لم يخرج النعتان عن كونهما نعتين على حقيقة اللغة، ولكنه عدل عن اللفظ المختصر إلى اللفظ [الطويل]، إما لعدم فصاحة، أو لغرض من الأغراض. فقول الإمام: إنه خارج عن باب الشرط باتفاق أهل اللسان. ليس على ما قال بحال. والله المستعان.
قال الإمام: (ونحن الآن نقول: من حكم كل ما يثبت علة أن ينعكس، [وأن يكون لوجوده على عدمه مزية]) إلى قوله (فهذا الآن يستدعي مقدمة في النقض). قال الشيخ: قوله: من حكم كل ما ثبت علة أن ينعكس، وأن يكون لوجوده على عدمه مزية. هاتان الجملتان إحداهما ممنوعة، والأخرى يقع فيها استفسار. أما الممنوعة، فهو قوله: إن كل علة لابد أن تنعكس. وهو يريد بذلك
стр. 1870
أن يقتضي انتفاؤها انتفاء الحكم. وهذا غير مسلم، وهو محل النزاع، وقد بينا مختارنا فيه.
وأما قوله: (٣٧/ أ) وأن يكون لوجوده على عدمه مزية. إن أراد الاكتفاء بإبداء مزية من حيث الجملة، فنحن نسلم ذلك. وإن أراد بالمزية الإشعار بالنفي، فهو الكلام الأول. وأما المزية التي نسلمها، فهو أن العلة إذا وجدت، لزم ثبوت الحكم، وإن انتفت، لم يثبت الحكم، لا لأن نفيها اقتضى النفي، ولكن لقصور الإثبات على وجدان السبب. فلسنا نسوي بين وجود العلة وعدمها على حال. ولكنها إذا عدمت، لم يثبت الحكم المعلق عليها.
هذا هو الصوات عندنا في ذلك. والكلام مفروض فيما إذا وقع التعلق بمحض نفي العلة. وإن قدر مقدر أن نفيها يشعر بنفي الحكم، أو بثبوت نقيضه، فهذا أمر زائد على مطلق العكس. فليتأمل الناظر هذا، فهو من لطيف الكلام.
وقوله: [فإن] لم يصح تعليل الحكم بعلتين، فيتعين العكس. [هو كما قال، ولكنه عندنا يرجع إلى امتناع ثبوت الحكم، لا بتوقيف ولا بعلة. فإذا
стр. 1871
عدما جميعا، لم يثبت الحكم، وعنده المقتضي لذلك عدم العلة المنفردة. قال: ولكنه لو امتنع العكس لخبر أو (٢٨/ ب) إجماع، فهذا الآن يستدعي مقدمة في النقض.
قال الإمام: (فلو اطردت العلة على صور المعاني، وتلقتها [علة] تخالف حكمها في مقتضى الطرد، وكان حكمها غير معلل) إلى قوله] (أن هذا غير مبطل للعلة). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام [هنا] صحيح، ولكنه لم يبين وجهه على مقتضى قاعدته إلا بقوله: فإن العكس في حكم الوارد على ضمن العلة، ويقول: إذا فات الأمر الضمني، لم يقتض ذلك اختلالا بالأصل. وأين هذا من قوله: إن جئتني أكرمتك، وإن لم تجئني أكرمتك؟ فقد قال هو: إن هذا خارج عن باب الشرط باتفاق أهل اللسان.
فإن كان إنما فات الأمر الضمني، فكان ينبغي على هذا [التقدير]، إذا
стр. 1872
ثبت الحكم مع زوال العلة، وإن كان بتوقيف أو غيره، أن يكون ذلك خارجًا عن أبواب التعليل، كما كان إثبات المشروط عند فقدان الشرط يخل بأبواب الشرط، ويفوت معقوله. نعم، نحن نقول: إذا ثبت الحكم مع فقدان العلة، إما بعلة أخرى، أو بتوقيف أو بإجماع، لم يقدح ذلك في العلة بحال، لأنا قد بينا أن ما وراء محل التعليل، انتفاء الحكم فيه، لا لحقيقة العلة، ولا لاقتضائها النفي، ولكن [لانتفاء] الحكم، لتعذر ثبوته بغير دليل، فإذا وجد دليل يقتضي الثبوت، لم يتعرض هذا الدليل للعلة على حال. أما في حال وجودها، فقد ثبت حكمها.
وأما في حال عدمها، فلا دلالة لها، حتى يقع في ذلك مناقضة توجب ضعفًا أو بطلانًا. نعم، الذين ذهبوا إلى أنها تبطل على كل حال، هم الذين طردوا أصل الإمام في قوله: إذا قال: إن جئتني أكرمتك، وإن لم تجئني أكرمتك. فهذا قد قال الإمام: إنه خارج عن باب الشرط. وكذلك يلزم هذا القائل أن يقول: إذا قال: إن (٣٧/ ب) أسكر الشراب، فهو حرام بعلة الإسكار، وإن لم يسكر، فهو حرام. فهذا خلاف التعليل. والتقدير: هو حرام على كل حال، أسكر أو لم يسكر.
стр. 1873
قال الإمام: (ولكن ينشأ من هذا الموضوع فصل جدلي [ممتزج بأمر ديني]) إلى قوله (إيضاح الغرض في هذا الفن). قال الشيخ: الأمر الممتزج من الدين والجدل، هو الانعكاس. أما ما يتعلق بأمر الدين، فهو أن المجتهد إذا علل الحكم بعلة، وانتفت ولم يثبت سبب آخر يقتضي استمرار الحكم، فلابد له من النفي. أما عندنا، فلتعذر بقائه غير مرتبط بسبب. وأما عند الإمام، فلإشعار العدم بالعدم، فلابد على الرأيين جميعا من الالتفات إلى انتفاء العلة على هذا التقدير.
وأما الأمر الثاني [الجدلي]، فهو إذا ثبت أن امتناع الانتفاء لخبر أو إجماع، فهل يقدح هذا في صحة العلة أو لا يقدح؟ أو يفرق بين تخلف الطرد وتخلف العكس؟ هذا مختلف فيه، والناس فيه على ثلاث فرق: فرقة ذهبت إلى الإفساد في الموضعين، وفرقة ذهبت إلى الصحة في الموضعين، وفرقة ذهبت إلى الفرق، فقالوا [بالإفساد] في البعض، ولم يقولوا ذلك في تخلف
стр. 1874
العكس. وقد حققنا أنه لا وجه للإفساد في العكس بحال. وكذلك المذهب الصحيح، أنه لا يضر ذلك في باب النقض، إذا كانت المسألة الناقضة مستثناة، [أو ثبت] الحكم فيها بعلة راجحة على علة المعلل. واستقصاء القول في ذلك يأتي في باب النقض. فأما على ما اخترناه (٢٩/ أ) من أن الانعكاس ليس من مقتضى العلة بحال، فلا يكون بيان كونها لم تنعكس، اعتراضًا عليها، فلا يلزم الجواب في الجدل.
وأما على ما اختاره الإمام من أنه يكون ذلك من ضمن العلة، فقد يتخيل أنه إذا بطل ما هو من ضمنها، لم تثبت صحتها في نفسها، ويكون [ذلك] على [هذا] تخلف الانعكاس في بعض الصور يقتضي فسادًا في العلة، وفي بعضها لا يقتضي ذلك، كما أن النقض تارة يكون قادحا، وتارة لا يكون قادحا،
стр. 1875
والناقض يقول: هذا النقض من قبيل النقض المبطل، والمستدل يقول: بل من الصنف الآخر.
وكذلك يتنازعون هذا النزاع في العكس المقدر، فهل يصار إلى قول المعلل في الموضعين، أو إلى قول المعترض فيهما، أو يقع التفضيل؟ ذهب طائفة إلى أن المعلل لابد أن يذكر العذر في الموضعين جميعا، وإن لم يفعل ذلك، كان (٣٨/ أ) منقطعا. وهؤلاء هم الذين يرون أن بعض صور تخلف العكس، لا يتبين منها فساد العلة.
وأما الذين ذهبوا إلى أن العكس شرط على الإطلاق، فلا يمكنون من العذر على حال.
وقالت طائفة: يفتقر إلى بيان عذر النقض دون العكس. فهذا هو اختيار الإمام، وقد ذكر هو شيئا يتعلق بآداب الجدل، فقال: سر الجدل قصر الكلام على محل النزاع، حتى يجدي [ويثمر] على قرب. وإذا ثبت أن تعذر
стр. 1876
العكس في بعض الصور لا يضر، أمكن المعلل أن يقول: هذا العكس من هذا القبيل. فإذا انتقلت إلى [تقريره] وإبداء السبب المانع من الانعكاس، كان ذلك خروجا على حكم المسألة.
وإذا توجه النقض عليه فقال: يصح أن يكون هذا من قبيل النقض غير المضر، وأمكن أن يعكس هذا عليه. وإذا قال: إن انتقلت إلى إثباته وتقريره وبيان كونه غير مضر، كان ذلك خروجا عن حكم المسألة. قيل له: [ليس] كذلك، فإنك [إنما] تلقيت الحكم من عموم العلة، وقد ظهر أنها غير عامة، فثبت أن الدليل لم يتحقق، والكلام في تحقيقه غير خارج عن مقصود المسألة. ولا يمكن أن [يقول]: [إنما] تلقيت حكم مسألة النزاع من عدم العلة. فهذا هو الفرق عنده في مقام الجدل، بين إلزام العذر المانع من الطرد، وإبداء العذر المانع من العكس.
قال الإمام: (وإذا [تقرر] [أن الحكم الواحد لا يعلل بأكثر من علة واحدة، ] فالحكم الثابت [مع انتفاء العلة إن لم يستند إلى نص أو إجماع،
стр. 1877
فهو مساو للحكم الأول [في الاسم]، ومخالف له في المأخذ والحقيقة]) إلى قوله (وقد حان الآن أن نخوض في قياس الشبه). قال الشيخ: هذا الذي تكلفه [الإمام]، إنما هو لما قرره من امتناع تعليل الحكم بعلتين، ففرض مسائل يتأتى له الجواب عنها. وأما المسائل العسرة، كما صورنا في الخؤولة والعمومة، والبول والغائط، والمس واللمس، فإنه لم يتعرض له بالفرض.
وأما الولاية، فإنها تثبت [بالصبا] والجنون جميعا. وقوله: إحداهما استصلاحية، والأخرى ضرورية، يقال: له: هذا نظر في العلة، وأما حقيقة الولاية، فلا اختلاف فيها، ولا تعدد بحال، فإن معنى الولاية: منع استبداد الشخص بالتصرف وإقامة غيره ناظرا له.
стр. 1878
وأما قوله: إن كان لا يميز، يعني الصغير، فهو المجنون بعينه. هذا ليس كذلك عند الفقهاء، ولا الأطباء، فإن الجنون: حالة تثبت للشخص، وليس الجنون عبارة عن فقد العقل بحال، فإنه لو كان كذلك، لكان النائم والغافل [مجنونا]. [وإذا] رجع [المجنون] إلى صفة تثبت [للمحل]، فهذه الصفة لا تلزم الصبي الذي لا يميز، (٢٩/ ب) فإذا اتصف بها مع صغره وعدم تمييزه، فعلام يحال حكم الولاية؟ فلا تصح الحوالة على أحدهما دون (٣٨/ ب) الآخر، لظهور تأثيرهما جميعا. ولا يصح أن يجعلا [جزئي علة]،
стр. 1879
لثبوت الاستقلال لكل واحدة منهما. فكل ما ذكر في منع تعليل الحكم بعلتين غير صحيح.
وأما قوله: إن الشافعي لا يرى توريث ذي قرابتين أقرب من الأخرى، وما ذاك لاستحالة تعليل حكم بعلتين، وإنما ذاك لأن البعيد نزله الشرع منزلة [القريب] عند عدم القريب، وإذا نزل منزلته، لم يصح أن يرث معه. وهو كما قدمنا في امتناع الجمع بين الشبه والمشبه به في صورة واحدة. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في عدم التأثير. والصواب بعد كل [تقدير]، أنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين.
стр. 1880
قال الإمام ﵀: (القول في قياس الشبه-[ومن أهم ما يجب الاعتناء [به] تصوير قياس الشبه وتمييزه عن قياس المعنى والطرد]) إلى قوله (ولعلنا أن نأتي في ضبط مداركها بأقصى الإمكان، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ ﵁: قياس الشبه يعني به الأصوليون: الجمع بوصف لا يناسب الحكم، ولا يقبل النقيض. وهذا من باب التخصيص بالعرف، وقصر الاسم المشتق على بعض ما يقتضيه إطلاقه. فإن القياس الطردي [أيضا] [أشبه] الأصل والفرع [في] وصف أو أوصاف، فهما متشابهان باعتبار ذلك، ولكن يعبر عن الأمور بأخص أوصافها، فإن كان الوصف لا خاصية له سوى الاطراد، قيل طردي، لا بمعنى أنه يختص بذلك، لكن بمعنى أنه لم
стр. 1881
يوجد فيه سوى ذلك، وإلا فالمعنى المخيل أيضا مطرد، وكذلك الوصف الشبهي. ولما كانت الخاصية التي ثبتت للطرد الاطراد خاصة، فالخاصية التي تثبت للوصف الشبهي، يمتاز بها عن الشبه والطرد مشكلة. وقد قال القاضي في ضبط تلك الخاصية: هي إيهام الاشتمال على مخيل. وفي ذلك نظر من جهة أن الخصم قد ينازع في إيهام الاشتمال على مخيل، إما صادقًا وإما معاندًا. ولا يمكن [التقدير] عليه، فعضم الأمر من هذه الجهة، [وغمض] الفصل بينه وبين المخيل والطرد. ولست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض من هذه.
وقال قائلون: الجهة التي يمتاز بها الشبه عن الطرد، عبارة عن أوصاف بعدت عن أن تكون مقصودة للشرع في ورده وصدره، وعلم أو ظن بعدها عن الأحكام كالألوان وغيرها. فإن استقراء [الشريعة] وردًا وصدرًا يبين إضراب الشرع عنها. وهذا أيضًا عسر، فإنه (٣٩/ أ) إذا وقع النزاع، فهل هذا الوصف من قبيل ما أضربت الشريعة عنه أم لا؟ لم يقدر على الدليل، ويصار إلى دعوى الضرورة. وهذا قد يتفق في بعض الوصاف الطردية، فأما في جميعها، فلا يقدر
стр. 1882
عليه. فأما إذا قلنا: طهارة بالماء، فلم تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة، أعني على طريق أبي حنيفة. فإذا قلنا هذا طردي، منع الخصم ذلك. ودعوى الضرورة في هذا المقام غير ممكنة. والوجه النظري [للفرق] بين الطرد والشبه لم يذكر حتى يكون هو المحكم (٣٠/ أ).
وقال قائلون: الوصف الشبهي: هو الذي يقتضي أن يكون الأصل والفرع- إذ اشتركا- في المعنى المناسب، وإن لم نطلع نحن على عين ذلك المعنى. وهذا هو اختيار أبي حامد، وهو تلخيص كلام القاضي حيث قال: هو الذي يوهم الاشتراك فيه الاشتراك [في] مخيل. وتحقيقه هو أنهم قالوا: كل حكم لابد له من مصلحة، ومصلحته لا تعدو أوصاف محله. وهذا قد تقدم الكلام عليه، وهو أنه إن لم يثبت ذلك على القطع في الجميع، فهو الغالب في الشريعة بلا ريب. فإذا ثبت ذلك كليا أو غالبا، فالمصلحة قد تكون مكشوفة، وقد تكون خفية، [فإن كانت مكشوفة، ووقع الجمع بها، فهو المناسب، وإن
стр. 1883
كانت خفية]، فبعض الأوصاف يدرك بعده عن المصلحة الخفية، إما قطعا، كاللون بالإضافة إلى تحريم التفاضل في البر، وإما ظنا، ككونه مقدرًا في مسألة تحريم التفاضل، بخلاف كونه مطعوما أو مقتاتا.
فإنا نقول: إنما حرم الشرع التفاضل في البر لمصلحة الله [تعالى] يعلمها. ويتبين بالاستقراء أن تلك المصلحة ليست ككونه [مدورًا] أو مستطيلًا. هذا مما يعلم ضرورة كونه مقدرًا قريبا من ذلك، إذ يرجع الأمر فيه إلى معرفة مقدار الشيء، وليس كذلك كونه مطعوما، إذ ربما يكون [السر] في كونه به [قوام الآدميين]. وإذا أضيف الحكم إلى ذلك الوصف انتظم، بخلاف الأول.
قال أبو حامد: وإن لم يرد الأصوليون [هذا] بقياس الشبه، فلست أدري ما الذي أرادوه، ولا [بماذا] فصلوه عن الطرد المحض وعن المناسب؟
стр. 1884
قال: وهذا هو الذي نريده نحن بقياس الشبه.
وقال قائلون: الوصف الشبهي: هو الذي يلائم الأوصاف التي عهد من [الشرع] إناطة الأحكام بها، فإنه كما عرف من [الشارع] ربط الأحكام بأوصاف مناسبة، ثبت تأثيرها بالنص والإجماع، ثم وجدت أصواف مناسبة قريبة منها، (٣٩/ ب) فسميت ملائمة. فكذلك عرف من الشرع ربط الأحكام بأوصاف لم تظهر مناسبتها، ثبت تأثيرها بالنص، كمنع بيع الرطب بالتمر، بالنقصان المتوقع عند الجفاف، وإيجاب الوضوء من مس الذكر، إلى غير ذلك من الأوصاف التي ظهر تأثيرها، ولم تظهر مناسبتها، قالوا: فالأوصاف الشبهية هي الملائمة لهذه الأوصاف المؤثرة التي لم تظهر مناسبتها، كما أن الاستدلالات المرسلة هي الأوصاف المناسبة الملائمة للمصالح التي ثبت اعتبارها، فالشبه يرجع إلى ملاءمة أوصافٍ لم تظهر مناسبتها، لأوصافٍ مؤثرة [لم تظهر مناسبتها].
هذا تلخيص قول هؤلاء القوم. وهو قريب من الطريق الأول، ولكن
стр. 1885
بينهما فرق، وهو أنه على الطريق الأول لا تثبت غلبة الظن بالوصف، إلا بعد ورود الحكم، فالنظر إلى إحدى الأوصاف يتضمن مصلحة. وعلى الطريق الثاني، قد تظهر مداناة الوصف للأوصاف غير المناسبة قبل ورود الحكم، كما تظهر المداناة في الأوصاف المناسبة قبل الحكم في الاستدلال المرسل.
[ولكن يبقى ههنا نظر دقيق، وهو أن الناس قد اختلفوا في الاستدلال المرسل]. فمن رده مع ظهور مناسبته، لعدم شهادة [الأصول] له، فلأن يرد الوصف الشبهي، إذا لم يرد [الحكم] على وفقه أولى. ومن [قبل] الاستدلال (٣٠/ ب) المرسل لأجل المداناة، فهل يقبل الوصف الشبهي حتى يترتب الحكم عليه ابتداء؟ هذا [غامض]، ولم أر [نصًا] على جوازه. ولم قيل به لم يبعد.
ومثاله: ما لو [لم] يرد الشرع بإيجاب النية في التيمم، وورد [بإيجابها
стр. 1886
في] الوضوء، تبينا أنه ليس له غرض عاجل، ولأمكن أن تثبت النية فيه، بناءً على استدلال كلي. هذا [نهاية] ما ذكره الأصوليون في تصوير قياس الشبه. وهذه الطرق كلها لا يمكن [تقريرها] على الخصم بالبرهان، لأنها كلها ترجع إلى أمر يقع في النفس من الاستقراء، فلهذا انقسم الناس من القبول والرد، والرادون قالوا: هذا يفضي إلى تكافؤ الأقوال، وسقوط الاستدلال والتحكم في المقال، وذلك يبطل أبواب الاحتجاج.
وقال قائلون: يقبل ذلك، فإن في منعه إبطال أمر يظنه [المعلل] ظنًا لا يغالط فيه نفسه. وسلكوا أيضا مسلك إثبات القياس في كثرة الأحكام وقلة المعاني. وقالوا: لا يجري على الإخالة الصحيحة [العشر] من المسائل.
وهذه الطريقة الغامضة، إنما يدريها من توغل في مسائل الشريعة، وترقى عن رتبة الشادين فيها، فيفتقر (٤٠/ أ) إلى حصر الأقضية عن أهل الإجماع، وتصفح وجوه المصالح على الإطلاق، ثم عرض المسائل، فلا يصادف المناسبة في كثير من المسائل، وتوجد الأحكام الكثيرة المختلفة، فيتبين مأخذًا آخر سوى المصالح.
стр. 1887
وهذا غامض جدًا، فإن جهات المصالح قد تختلف باختلاف الطباع والنفوس، والنظر في العواقب، وما يتعلق بالسياسات. [فرب] أمر لا يرى فيه شخص مصلحة، ويرى غيره فيه مصالح. وكذلك يقال في جانب المفاسد، لا جرم كان هذا الطريق لا ينتفع به إلا [المجتهدون]. فإنه قد يحصل من كثرة الاستقراء، ما يزيل هذا الاحتمال، ورب احتمال ينقدح، فإذا وقعت الكثرة [انمحى] أثره [من القلب] بالكلية، فإنا إذا رأينا [إنسانا] لازمه المرض فشرب له شيئاً فسكن، احتمل أن يكون لأجل ما تناوله، واحتمل أن يكون زال بغير ذلك. فإذا تعوطي مرة ثانية، وزال الألم، قوي في النفس أنه لأجله. فكلما ازداد كثرة، كلما ازداد الظن قوة، حتى ينتهض الأمر إلى حدٍّ يحصل العلم به.
ومن هذا القبيل حصول العلم مرتبا على خبر التواتر. واعترف الإمام ﵀ بأن التحديد لا يتأتى، وإنما يرجع الأمر إلى التمثيل. وهذا أمر مشكل، فإن الأمثال لا تستقل حججا على الخصوم، وللخصم أن ينازع في المثال الذي نقول نحن إنه شبهي، ويقول [هو]: هو الطردي، وليس عندنا حقيقة كلية تعرض الآحاد عليها، لا جرم لما فهم ذلك، قال في المثال: إنه لا [ينتهي] إلى مقدار غرضنا.
стр. 1888
والمثال الذي ذكره [ذكر أنه] اشتمل على الشبهي المعلوم، وعلى المظنون، وعلى الطرد المردود. فأما المعلوم: فكإلحاق الوضوء بالغسل، والمظنون: كإلحاق الوضوء بالتيمم، والطرد كإلحاق الوضوء بإزالة النجاسة. أما إلحاق الوضوء بالغسل، والغسل بالوضوء فمعلوم، وعلم ذلك من استقراء الشرع وردًا وصدرًا، وأنه لم يفرق بين هاتين الطهارتين، ولا نظر في (٣١/ أ) الشرع إلى العموم والخصوص فيما يتعلق بالنيات والآلات، [فإنا] على قطعٍ نعلم أنه لم يفرق الشرع بين [محل] اليد التي عين فرضها إلى المرفق، وبين الرجل التي جعل فرضها منتهيا إلى الكعب. وأما الوضوء والتيمم، فقد يتأتى النزاع في ذلك، وقد يكون لكونه ماء [وترابا] أثر في الفرق والاستغناء عن النية، ولكن يظهر تقاربهما لغلبة التعبد.
وقول الإمام: فإذا لم يحصل علم، وعارض العلم المطلوب نقيضه من ظن أو شك، فهذا مما يغلب على الظن. عبارة مختلفة، فإنه إذا حصل شك (٤٠/ ب)، لم تبق غلبة الظن، فإن الظن والشك يتناقضان. فلئن قال: يطلق الشك ويراد به غلبة الظن تجوزًا. قلنا: يمنعه من ذلك حرف العطف بـ (أو)، فإنه قال: وعارض العلم المطلوب نقيضه من ظن أو شك. والعبارة ليست [جيدة] بحال، والمراد: إذا تعذر العلم وحصلت غلبة الظن.
وأما [ما] مثل به [للطردي] من إلحاق الوضوء بإزالة النجاسة،
стр. 1889
فلا يظهر أن هذا من الطرديات المعلومة بحال، ولا لعمري- إذا وقع الإنصاف- من [المظنونة] قويًا، وقد [يظن] أن المراد بالوضوء النظافة من حيث الجملة، كما في إزالة النجاسة. ولما تخيل الإمام هذا قال: فإن [تأصل للخصم تشبيه]، رددنا الكلام إلى الترجيح، كما [سننبه] على مأخذه. فلم يتحقق عنده أي طردي ولابد.
[وقول الإمام]: (ونحن نزيد [فنقول] إلحاق الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه، [متقبل مقطوع به]) إلى قوله ([فيما يبغيه الطارد
стр. 1890
ويدعيه، والشبه متميز عن هذا]). [ثم أخذ يذكر المثال الذي قدمناه، وقدمنا الكلام عليه.
ومقصود الإمام بهذا الكلام، أنه لا يقتصر القياس على ظهور المعنى، فإنه قد يعلم الإلحاق مع عدم المعنى، فكيف يمتنع أن يثير غلبة الظن مع فقدان المعنى؟ وهذا الذي ذكره لا يغني في هذا المقام، فإنه لا ينكر الإلحاق مع عدم ظهور المعنى، وإنما المشكل تعيين وصف للجمع، مع كونه لا تظهر مناسبته.
[فقد] يدعي الجامع أنه من قبيل الأشباه المتضمنة للمعنى الخفي، ويقول الخصم إنه من قبيل [الطرود]، والتي لا تغلب على الظن بحال. هذا هو الأمر الغامض الذي لم يتحرر انفصال عنه. وأكثر الأصوليون في هذا المقام
стр. 1891
من ذكر الأمثال، وهذا لا يفيد شيئا، وللخصم أن ينازع في كل مثال. فإما أن يبدي المعنى، وإما أن يقول هو من الطرود، وغاية الأمر التسليم، فأين الدليل على الأصل؟
стр. 1892
وقول الإمام: (ومما ذكره القاضي في تمثيل تعارض الأشباه، القول في العبد المملوك) إلى قوله] ([بأقصى الإمكان، إن شاء الله تعالى]).
فنقول: قد قدمت أن الأمر الغامض في قياس الشبه، ربط الحكم بوصف لم تظهر مناسبته في الشريعة، ولم تدل النصوص على النصب فيه، [ولكنا] نتخيل أنه قالب مصلحة خفية لم تنضبط لنا حقيقتها. هذا هو السبب الغامض، الذي لأجله تحيرت الناس في هذا القسم.
فأما إذا ظهر كون الوصف مناطًا بظهور [مصلحة] [أو تأثير]، فليس من أبواب قياس الشبه، وليس المخيل معتبرًا لعينه، بل اعتبر لقيام الدليل على أنه مناط الحكم. فإذا ثبت كونه مناطًا بالنص أو [بالإجماع]، فهو أولى من ظهور الإخالة (٣١/ ب) من غير نزاع. فإذا تقرر هذا، فقد توهم قوم في أنواع أنها من الشبه المتنازع فيه، وليس منه، وهي ثلاثة أقسام:
стр. 1893
الأول- ما عرف المناط منه بالنص على الجملة، ورد المجتهدون فيه إلى تحقيق المناط بالرأي، ولم يعين لهم المناط، فردوا [فيه] إلى الاجتهاد. مثاله: الحكم بالمثل في جزاء الصيد، قال الله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. ولم ينص على المثل تعيينا، ويعلم أنه ليس في النعم ما يماثل الصيد من كل وجه، فعلم أنه أراد ما تدرك مماثلته إياه بنوع من الاجتهاد. وكيف يكون هذا من الشبه المختلف فيه، وضرورة كل شريعة المصير إلى هذا الجنس؟ وكذلك مهر المثل، ونفقة المثل في المتلفات. فإنا إذا أوجبنا مهر المثل، لم ينص لنا على ذلك، بل رددنا إليه بنوع من الاجتهاد. وكذلك جميع أبواب تحقيق المناط.
وقد فسر بعض (٤١/ أ) الأصوليين الشبه بهذا. فإن أراد أن هذا النوع هو المتنازع فيه، والذي عظم الخطب بسببه، فليس كذلك، وإن أراد أنه
стр. 1894
[يسمى] هذا شبهًا، فلا يناقش [فيه]، وإنما الغموض [في] قاعدة الشبه، جعل الوصف الذي لم تظهر مناسبته مناطًا، من غير أن ترشد النصوص إليه، ولا حملت الضرورة [عليه].
القسم الثاني: ما ذكره القاضي [﵀] في أن العبد هل يملك أم لا؟ على الوجه الذي قرره. وهذا أيضًا لا يصح أن يكون من أبواب الشبه المختلف فيه، لأنا على علم أن الحر يملك، وأن البهيمة لا تملك، والعبد إنسان كالحر، ومال كالبهيمة، فإذا تعارض المناطان وجب الترجيح، فإذا ثبت رجحان أحد المناطين، وجب الاعتماد عليه، ويكون هذا من باب قياس العلة، لا من أبواب الشبه بحال، فإنه إن ترجح جانب الإنسان، انتفت علة منصوص عليها، ومجمع عليها. وكذلك إن ثبت رجحان شائبة المالية، فليس هذا من قبيل قياس الشبه المتنازع فيه.
стр. 1895
القسم الثالث: أن توجد شائبة من كل مناط، ولا يوجد كل مناط على كماله، فهذا نمثله ثم نتكلم عليه. ومثاله: أن اللعان مركب من الشهادة واليمين، وليس بيمين محض، لأن يمين المدعي لا تقبل، والملاعن مدعٍ، وليس [بشاهد]، [لأن] الشاهد يشهد لغيره، [وهو] إنما يشهد لنفسه، وفي اللعان لفظ اليمين والشهادة، فإذا كان العبد من أهل اليمين، لا من أهل الشهادة، وترددنا في أنه هل هو من أهل اللعان؟ وبان لنا غلبة إحدى الشائبتين، فينبغي لنا أن نتبع الحكم الشائبة الغالبة. وليس هذا من الشبه المختلف فيه. وكذلك الظاهر لفظ محرم، وهو كلمة زور، فتدور بين القذف والطلاق، وزكاة الفطر مترددة بين المؤنة والقربة، والكفارة تتردد بين العقوبة والعبادة، [ففيه تشابه بينها]. [وإذا] تناقض حكم الشائبين، فإن الحكم يعلق على الشائبة الغالبة، وهذا فيه غموض كثير، وهو إقامة بعض المناط مقام المناط الكلي، حتى [يعلق] الحكم عليه. وكان من الممكن أن تقدر هذه مسألة أخرى، ويطلب لها حكم آخر، ولا يلتزم [ترتيب] أحد حكمي المناطين.
следующие страницы →