← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقد بينا أن العلم لا [يتفاوت] في نفسه، وطرقه أيضا لا [تفاوت] فيها، إذ لا يتصور أن يكون دليل قاطع أقوى من دليل. وقد [استقصينا] القول في ذلك.

стр. 1927

وانقسام المظنون إلى المعنى [والشبه]، التقسيم على رأي الإمام الذي رأى الطرد والعكس من أبواب الأشباه، وردد الدلالة بين الأشباه والمعاني. وأما نحن إذا رأينا قياس الدلالة [قسمًا] آخر، فلا ينحصر المظنون في المعاني والأشباه.

стр. 1928

وأما قوله: إن آخر رتبة [من مراتب] [المعاني]، لاستفتاح الأشباه إلى آخره، فغير مطرد ولا صحيح. أما كونه [غير] مطرد، فسيأتي [له] في كتاب الترجيح تقديم أشباه على أقيسة المعاني، كالقول في تقدير أروش أطراف العبيد مع تضمين القيمة. فالذي (٤٦/ ب) يقتضيه القياس المعنوي تضمين ما نقص، والذي (٣٦/ أ) يقتضيه التشبيه التقدير، اعتبارًا بالحر. وكذلك ضرب قليل العقل وكثيره على العاقلة، [مع تخصيص الضرب بالكثير]. والقياس المعنوي يقتضي أن لا ضرب على العاقلة، والقياس

стр. 1929

الشبهي يقتضي الضرب. وقد [قدم] هو في هاتين المسألتين الشبه على المعنى. فهذا يبين أنه لم يطرد القول.

стр. 1930

وأما كون المعنى لا يقتضي التقديم على الإطلاق، فمن جهة أنه جعل الأشباه تترتب ترتب المعاني المظنونة، بالإضافة إلى العلل المنصوص عليها، ثم فرض النزول قليلا قليلًا عن المعلوم في [البابين]. فإذا فرضنا أنا نزلنا في درجة الأشباه عن القياس المسمى ما في معنى الأصل رتبة واحدة، ونزلنا في أبواب المعاني عن المعاني المنصوصة خمس

стр. 1931

رتب مثلا، فكيف يتصور على هذا التقدير أن يكون المعنى الواقع بعد خمس رتب مثلا، من المعاني المعلومة مقدمًا على الشبه الواقع في الرتبة الثانية مثلا، من القياس الذي سمي في معنى الأصل؟ [هذا] لا يصح أن يقال بحال. نعم، قد يقال: إذا فرض تساوي الرتبتين أن يكون المعنى مقدما. وهذا على التوسع، وإلا فإذا فرض تحقيق الاستواء بالنسبة إلى مراتب القطع في الموضعين، فلا وجه إلا التوقيف. أما [إذا كان الأمر] على خلاف هذه القضية، ولم ينظر إلى هذه النسبة، وناط [الناظر] حكما بمعنىً مناسب، وعورض بشبهٍ يوهم الاشتمال على مناسب، فالترجيح للمناسب على هذا التقدير. قال الإمام: ([وقد] قدم الأصوليون أشباه الأحكام [على الأشباه

стр. 1932

الحسية، وليس الأمر على هذا الإطلاق] إلى قوله (من جهة إشعاره بالمعنى). قال الشيخ: وهذا أيضا يناقض ما سبق، فإنه يرى أن قياس الدلالة تارة يكون معنى، وتارة يكون شبهًا، وهو في طوريه لا يخلو من أن يكون معنى أو شبها، فيا ليت شعري [كيف] يقدمه على الشبه؟ هل [ذلك] في الحال التي يكون فيها شبها، أو في الحال التي يكون فيها معنى؟ فإن كان في الحال التي يكون فيها شبها، فمعنى الكلام أنه يقدم الشبه على الشبه. وإن كان في الحال التي يكون فيها معنى، فمعنى الكلام أنه يقدم المعنى على الشبه. وقد مر الكلام على ذلك.

стр. 1933

قال الإمام ﵀: (وما [يثبت] بالطرد والعكس مقدم على الشبه الذي لا يتصف بذلك، فإن الطرد والعكس يجريان في مجال الظنون [والحسبان] مجرى ظهور لفظ [ليس نصا من] الشارع، والشبه يبعد من هذا). [قال الشيخ: وهذا الذي قاله أيضا ضعيف، فإن تنزيل الطرد والعكس منزلة ظهور لفظ الشارع]، فقد بينا بطلانه، ولا سبيل إلى اعتماده في (٤٧/ أ) التقديم، [مع] ظهور البطلان. ولئن صح تنزيله منزلة ظهور لفظ الشارع، فهذا يقتضي تقديمه [أيضا] على المخيل. فليس لهذا الكلام تحصيل. قال الإمام ﵀: (فليتخذ الناظر هذه المراسم قدوته [وإمامه، ولو قيس المخيل السديد بالمطرد المنعكس]) إلى قوله (ملتحق بظواهر ألفاظ

стр. 1934

الشارع). قال الشيخ أيده الله: هذا الذي ذكره الإمام ههنا ظاهر الفساد، فإنه [قال: ] إذا قوبل المطرد المنعكس بالمخيل السديد، قدم المخيل، فأين هذا من قضائه بأن المرد المنعكس، ملتحق بظواهر ألفاظ الشارع؟ وجميع العلل الثابتة بالظواهر، مقدمة (٣٦/ ب) على ما يتلقى من الاستنباط. وقد اعتل هو في تقديم المخيل، بتحققه أن الصحابة كانت تعتمده، وقال: لتكلفنا [إلحاق] المطرد المنعكس [به]. فهذا اعتراف منه بأنه ليس يتنزل منزلة ظواهر الألفاظ. ثم قال: فإن خفي المعنى، وظهر المطرد المنعكس، [ورأى الناظر تقديم المطرد المنعكس، فلا بأس. قال: والسبب

стр. 1935

في ذلك، أن المعنى إذا تناهى خفاؤه]، فيكاد أن يخرج عن كونه منصوب الصحابة. وهذا الكلام غير صحيح، فإنا قد بينا أن الصحابة ﵃ لم يضبطوا وجوهًا من الرأي لا تتعدى، وإنما كانوا يعلقون الأحكام على المصالح، مع انقسامها إلى القوي والضعيف، وكذلك القول في اعتماد أخبار الآحاد، مع تفاوت الرواة في العدالة. فلا يؤثر تفاوت الدرجات عند النظر [في المفردات، وإنما يلتفت إلى ذلك عند التعارض فيما يتعلق بالترجيحات. ثم] قال: [والمطرد المنعكس] ملتحق بظواهر ألفاظ الشارع. فيا ليت شعري، كيف قدم المطرد المنعكس على المخيل الضعيف؟ ألأنه يعد من ألفاظ الشارع، وألفاظ الشارع مقدمة على طرق الاستنباط، وأخر عن المخيل القوي، لأنه لم يتحقق المطرد المنعكس معمول الصحابة؟ وقد تحقق هو كون المخيل [معتبرًا]. هذا ظاهر التناقض. قال الإمام: (ثم لا ينبغي أن يظن ظان أن القول في هذا ينتهي إلى

стр. 1936

[القطع]، [بل هو موكول إلى نظر النظار، واجتهاد أصحاب الاعتبار، وكيف لا يكون كذلك، والتقديم والتأخير] مستنده الترجيح، [ومنشأ الترجيح] الظن)؟ قال الشيخ: [قوله]: لا ينبغي أن يظن الظان أن القول ههنا في التقديم ينتهي إلى القطع، وبين السبب في ذلك، أن الكلام يتعلق بالترجيح، ومستند الترجيح الظن. وهذا الكلام غير مستقيم، ونحن لا ننكر أن الترجيح: تغليب بعض الأمارات على بعض في سبل الظن، ولكن يلزم من هذا أن لا يقطع بترجيح مظنون على مظنون، وكيف ينكر ذلك، وهو قد حكم بأنه إذا تعارض خبر واحد وقياس، أو خبر واحد وعموم كتاب، وجب تقديم خبر الواحد قطعًا؟ وكذلك بتقديم ظاهر التعليل على استنباط المستنبط؟ ولسنا (٤٧/ ب) نقول إنا لا نقطع بتقديم باب من المظنونات على باب من الأمارات، [منها] ما يقطع بتقديمه على بعضها، ومنها ما يظن تقديمه من غير قطع. فبناء على عدم القطع بالتقديم على

стр. 1937

أن الترجيح ينشأ من تغليب الأمارات، لا يصح على الأصل الذي قرره في المواضع التي ذكرناها. فإن قيل: إذا كان الخبر المعين مثلا مظنون، وعارضه قياس مظنون أيضًا، كيف الحكم في ذلك؟ فإذا قضيتم بأن الخبر المعين مقدم، أتقطعون بذلك أم تظنون؟ فإن قطعتم بالتقديم، وهو كلام الأصوليين، كان ذلك مشكلًا، فإن ثبوت الخبر مظنون، والعمل به مظنون، فكيف تظنون استناد العمل إليه إذا كان مفردًا، وتقطعون بتقديمه على معارضه؟ وكيف يتصور هذا أن يكون الشيء إذا كان منفردًا ظن استناده إلى الشريعة، فإذا عارضه غيره، قطع بوجوب اعتماده، مع [كوننا] نظن ثبوته؟ هذا محال لا خفاء به. فإن قيل: فما الذي ترون في ذلك؟ قلنا: هذه المسألة عندنا تنبني على القول بأن كل مجتهد كانت مفردة، [وقد] يقطعون بالتقديم عند المعارضة، وقد يظنون (٣٧/ أ) ذلك ظنًا، على حسب ما يتأتى لهم وجدان الإجماع على التقديم، على حسب ما يدعون. وقد [أيضًا] يظنون العمل [عند الأمارة المنفردة، فإنه ليس كل أمارة يقطعون بوجوب العمل عندها]، فجرى الأمر في الإفراد والمعارضة عندهم على وجه واحد. فأما المصير إلى أن الأمارة إذا انفردت، يظن صحة استناد الحكم إليها، فإذا عارضتها أخرى، قطع بوجوب تقديمها عليها، ووجوب العمل بها، فهذا محال.

стр. 1938

وأما الصائرون إلى أن المصيب واحد، فإنهم لا يقطعون بوجوب العمل عند سبب مظنون، وإنما يظنون ذلك ظنا، فإذا عارضه سبب آخر، فترجيح أحدهما على الآخر مظنون أيضا، فلا يتصور من هؤلاء قطع بتقديم سبب مظنون على سبب مظنون، إذ في القطع بتقديمه عليه، وإسناد العمل إليه، قطع بكونه منصوب الشارع، [وأن] الحكم به، وقد بني الأمر على أنه مظنون نصبه، فالقطع بتقديمه على غيره في الحكم به، مع ظن نصبه في الشرع، تناقض بين. هذا هو الذي لا يصح عندي غيره. ولم أر هذا التقرير على هذا الوجه لأحد من الأصوليين. وبالله التوفيق. (٤٨/ أ). قال الإمام: (وعلى هذا، فقد [يفرض] [تقديم] الشبه الجلي على المعنى الخفي، [والغاية فيه، أنه إذا انتهى الخفي إلى مبلغ يحول الكلام في إخراجه عن جنس الإخالة، والشبه الذي فيه الكلام لا ينقدح في إخراجه عن قبيل الشبه قول، فإذ ذاك ينظر الناظر]، ويرى رأيه في تقديم ما يقدم،

стр. 1939

وتأخير ما يؤخر). قال الشيخ: ذكر الإمام أنه يصح أن يتقدم الشبه الجلي على المعنى الخفي. وقد ذكرنا نحن أنه لا ينبغي- على مقتضى ما قرره- أن يتوقف تقديم الشبه على المعنى، على هذا التقرير، فإنه جعل للمعاني أصولا معلومة تعرف قوتها بقربها منها، وضعفها ببعدها عنها. وجعل للشبه [أيضًا] رتبة معلومة، وهي إلحاق الشيء بما في معناه. ومقتضى هذا أن الشبه، إذا قربت نسبته من أصله المعلوم، بحيث لا يبقى بينه وبين إلحاق الشيء [بالشيء] بما في معناه إلا رتبة واحدة مثلا، وكان المعنى المخيل، [نسبته] إلى الأصل المعلوم تقد بعد خمس رتب مثلا، أن يتقدم الشبه القريب على المخيل البعيد. [وسأثبت] ذلك بالمثال على ما [ذكره]: وهو ضرب قليل العقل

стр. 1940

على العاقلة. هذا عنده من أبواب الشبه القريب من مراتب العلم، فإذا قوبل ذلك بالمخيل، وهو اختصاص الجاني بالجناية، قال هو: يقدم الشبه في هذه الرتبة. وليس هذا المعنى من المعاني التي يحول الكلام فيها عن جنس الإخالة، بل هذا المعنى كلما قرر، اتضح وجهه، وظهرت مناسبته. وأما كونه جعل الشرط في تقديم الشبه، أن يكون المعنى إذا حقق النظر فيه، خرج عن قبيل المعاني، والشبه لا يتأتى ذلك فيه. فهذا كلام عجيب، وحاصله راجع إلى أنا كنا نتخيل معنىً، فلما سلطنا البحث عليه، تلاشى واضمحل، فكأنا لم نقدم على الحقيقة شبهًا على معنى، وإنما تجرد الشبه للعمل، فحكم به. فأين هذا من قضايا الترجيح والتقديم والتأخير؟ ولننبه ههنا على أصل، وهو أن من المناسبات مناسبات تسمى الإقناعيات، وهي أمور تظهر أولًا على ذوق المصالح، ولكنها إذا حقق النظر فيها، لم تصبر صبر (٣٧/ ب) غيرها على السبر، ولكن أدار الشرع الأمر على ما يظهر منها، وإن كان ضعيفًا. ففرق بين أن يقول: إذا حقق النظر فيها ضعفت، [وبين] [أن يقول: ] إذا حقق النظر فيها بطلت. ومن هذه المناسبات: القضاء بمنع بيع النجاسات عند بعض العلماء،

стр. 1941

والمناسبة فيه من جهة أن البيع إثبات مالية للمبيع، وتقدير حرمة له، لما أثبت الشرع للأموال [من الاحترام]. وقد قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم [قيامًا]﴾. وقال ﵇: (إن الله ينهاكم (٤٨/ ب) عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وقال: (حرمة مال المسلم كحرمة دمه). فإذا ثبت للأموال هذه الشرفية، فإثباتها للجنس الخبيث المبتعد، يظهر فيه نوع من التناقض. هذا [الكلام] معقول، [وليست] مناسبته كمناسبة شرعية القوض في القصاص، والقطع في السرقة، والحدود في الزنا، فتلك مناسبات جلية. ومن المناسبات الإقناعية: الحكم برد شهادة العبد، بناء على أنه خسيس القدر، نازل المرتبة، وأهلية الشهادة درجة نفيسة، فإعطاء الخسيس المنصب النفيس، لا يليق بمكارم الأخلاق عند ذوي العادات. قالت عائشة ﵂: (أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نرفع الرجل الوضيع فوق منزلته، ولا نحط الرجل [الشريف] عن درجته، وأن نعطي كل ذي حق حقه). هذا معنى

стр. 1942

الخبر دون لفظه. فهذا وقبيله من المناسبات، تسمى الإقناعيات. فإن كان الإمام أراد تقديم الشبه على هذا النوع، فهذا الكلام فيما يتخيل كونه مخيلًا، ولكن إذا بحث عنه، ظهر غير مخيل. فهذا لا وجه له عند ذوي التحصيل. وحاصله إعمال الشبه الذي لا معارض له. هذا الكلام كله في ترتيب الأقيسة، على ما رآه الإمام. والأمر عندي في الترتيب على وجه أبلغ من هذا وأخصر، وهو أن القياس، كما ذكر، ينقسم إلى المعلوم والمظنون. فأما المعلوم، فلا ترتيب [فيه]، لا في نفس العلم، ولا في الطرق كما تقدم. وأما المظنون، فالنظر في أمرين: أحدهما- المعاني ذوات الأصول. والثاني- المعاني الراجعة إلى الأصول. أما المعاني في أنفسها، فإنها تنقسم ثلاثة أقسام: مؤثر وملائم وغريب. أما المؤثر: فهو الذي دل النص والإجماع على كونه علة، ولسنا نعني ههنا بالنص، الذي لا يتطرق إليه التأويل، بل نعني به: ما تلقي كون الوصف علة من التوقيف، حتى يتناول ذلك الصريح والإيماء، وهو باعتبار عين العلة وجنسها، وعين الحكم وجنسه أربعة أقسام. فإنه إما أن يظهر تأثير عين العلة في عين الحكم، أو تأثير عينها في جنس الحكم، أو تأثير جنسها في عين الحكم، أو تأثير الجنس في الجنس. فإن أثر عين العلة في عين الحكم، فهو المخصوص [باسم المؤثر]، وهو مقبول باتفاق القائسين. ونقل عن أبي زيد الاقتصار عليه، ورد ما سواه]. وإن أثر جنس العلة في عين الحكم، فهو [ملائم. وإن أثر جنس العلة في جنس الحكم، فهو]

стр. 1943

[غريب]، [إذ الجنس الأعم] للمعاني، كونها مصلحة، والجنس الأعم للأحكام، كونها حكما، فقد ظهر تأثير (٤٩/ أ) جنس المعاني في جنس (٣٨/ أ) الأحكام. هذا تقسيم المعاني باعتبار شهادة التوقيف. أما باعتبار شهادة الأصل، فإن [جمع] [المعاني] الملائمة وشهادة الأصل، فهو مقبول بإجماع، إلا ما يحكى عن أبي زيد، وأمثلته تدل على أنه يقبله. وغريب لم يستنبط من أصل معين، هذا فيه غموض كثير، ويضاف إلى مالك ﵀ أنه يقول به. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا. وملائم لم يستنبط من أصل معين، أكثر الفقهاء على قبوله، وقد رده القاضي أبو بكر ﵀، والكلام عليه يطول، وهو الاستدلال المرسل. وأما الوصف الشبهي، [فإنه] لا يعتمد [إلا] على [شريطة] ورود حكم على وفقه. [وهل] يكتفي في اعتماده بورود الحكم على وفقه، أو تشترط فيه زيادة؟ اختلف الأصوليون في ذلك، فقال الأكثرون: يكتفي بذلك [فيه]، كما يكتفي بظهور الإخالة عند ورود الحكم على الوفق. وقال قائلون: لابد من

стр. 1944

إرهاق الضرورة إلى الاعتماد، بحيث تجب [التعدية] بدليل آخر، سوى الدليل على أصل القياس. وقال أبو حامد: [وليس] ذلك ببعيد عندي في أكثر الأشباه، وقرر ذلك بأن قال: إذا أمكن تعريف الحكم بالمحل، فأي حاجة إلى طلب علامة لا تناسب؟ . وهذا الكلام ضعيف، فإنا قد [قررنا] فيما تقدم، أن الحكم لا يخلو عن مصلحة، ومصلحته لا تعدو أوصاف محله. وإذا تبين أن أولى الأوصاف يتضمن المصلحة الخفية، هذا الوصف مثلًا، لزم اعتباره، ولم يفتقر إلى أمر آخر سوى هذا. وفرق الإمام بين مراتب الأشباه، فقال: ما [استند] من الأشباه إلى الأمثلة، كضرب قليل العقل على العاقلة، أو إلى معان كلية، كتقدير أروش أطراف العبيد، وافتقار الوضوء إلى النية، فإنه يكتفي بذلك من غير ضرورة، بل يكفي في اعتماده شرعية القياس. و [أما] ما كان من الأشباه يتعلق بالمقصود، كتعليل تحريم التفاضل في الربا بالطعم، فهذا لا يعتمد عنده، إلا أن ترهق ضرورة إلى التعليل. ولم يأت لهذا التقسيم بدليل. والذي نختاره خلاف ذلك، وهو أنه لا فرق بين هذه المراتب في الاعتماد. ويتعلق النظر ههنا بأمر، وهو التنبيه على خواص الأقيسة، إذ انجر الكلام إلى ذلك. اعلم أن الكلام في هذا المقام في طرفين، في الناظر والمجتهد. أما

стр. 1945

الناظر، فإنه إذا ادعى كون وصف مناطًا، ودل على ذلك بما يليق به، اكتفي منه بذلك، ولم يكلف البحث والسبر، وإبطال ما سواه باتفاق النظار. وقد نقل عن القاضي ﵀ أنه كان يرى ذلك، ويفعل في المناظرة ما يفعله المجتهد (٤٩/ ب)، من البحث والحصر والإبطال، حتى لا يبقى [لخصمه] كلام بحال. وهذا وإن كان منه اتساع في المقال، فهو أمر اتفق النظار على خلافه. [وأقام] الجدليون بانيا وهادما لمصلحة التهذيب والتمرين، وذلك أقرب إلى مصلحة الفريقين. وإذا استقرت قدم المستدل بتحقيق دعواه بما يعضدها، بما يكون من الأدلة، اكتفي منه بذلك. فإن كان خصمه لا اعتراض عنده، لزمه الانقياد إليه، فإن كان عنده غيره، فليبده ليتكلم عليه. وأما المجتهد، فلا يكتفي بذلك، ونقل القاضي وغيره في ذلك الإجماع. غير أني رأيت لبعض الأصوليين نقل الخلاف فيه، وإن [كان] من الناس من ذهب إلى الاكتفاء بذلك، وسلك بالمجتهد مسلك المناظر، وربما تمسك في ذلك بقول معاذ حيث (٣٨/ ب) قال: (أحكم بكتاب الله، فإن لم أجد، حكمت بسنة رسول الله ﷺ . الحديث. فلم ينظر في السنة إلا بعد فقدان الكتاب، وإن أمكن أن يكون في السنة معارض للكتاب. وهذا القول باطل قطعا،

стр. 1946

ولست أعدها مقالة معتدًا بها. وكيف يتفق أن يجد الإنسان ظاهرا في الكتاب، فيحكم به من غير بحث، هل ثم سنة متواترة [تخالفه] أو إجماع؟ هذا باطل لا خفاء ببطلانه، وإضراب الأئمة عن [نقل] مثل هذه المقالة صواب. فإذا ثبت هذا، فنقول: إن اطلع المجتهد على علة، ثبت كونها علة بالتأثير، فهو مستغنٍ عن السبر في صحة الاعتماد عليها، لأنه عندما يسبر، لا يخلو من أمرين: إما أن لا يجد غيرها، وإما أن يجد غيرها]، فعلى تقدير أن لا يجد غيرها، فهي متعينة للعمل. فإن وجد غيرها، لم يقدح ذلك في صحتها، ولم يمتنع من الاعتماد عليها. وكل أمر يكون وجوده و [عدمه] على حد [واحد]، بالإضافة إلى أمر من الأمور، فطالب ذلك الأمر يستغني عن البحث عن وجوده وعدمه. ومثال ذلك: أن الشرع إذا [قضى بتحريم] وطء الحائض، وثبت تأثير الحيض في تحريم الوطء بالنص، فلا حاجة في الاعتماد على الحيض إلى السبر، فإنه لو ظهرت العدة [أو الإحرام]، [لم يمتنع] التعليل [بالحيض]. وأما المناسب الذي ثبت كونه علة بشهادة الحكم له، فلابد فيه من السبر، لأنا قد حققنا فيما تقدم، أن الشهادة إنما تثبت على تقدير الاتحاد،

стр. 1947

وعند التعدد تضعف الشهادة، وقد مضى في ذلك قول شاف كاف. وأما الشبه، فمن خاصيته أنه يفتقر إلى نوع ضرورة إلى طلب المناط عند بعض الأصوليين، [وهو] الذي قدمنا الكلام عليه. وقد كنا أيضا قدمنا أن السبر والتقسيم، قد يستعمل طريقًا إلى إثبات (٥٠/ أ) العلة، وقد يستعمل طريقا إلى نفي المعارض، فإن استعمل طريقا، افتقر إليه الناظر والمناظر، إذ هو الدليل، فإذا فقده المناظر، فبم يتمسك؟ وإنما الذي يستغنى عنه، هو السبر الذي يشترط في التعيين، فهذا يفتقر إليه المجتهد في بعض الأحايين دون المناظر على الإطلاق. هذا تمام الكلام في الطرق التي تثبت بها علل الأصول. ونحن نذكر بعد ذلك القول في تصويب المجتهدين. قال الإمام: (مسألة: قال القاضي أبو بكر: ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير) إلى قوله ([وهو على الجملة، هفوة عظيمة]، وميل عن الحق واضح). قال الشيخ: هذه المسألة يتعلق القول فيها بتصويب [المجتهدين]، وتصور الخطأ في المجتهدات، واستحالة ذلك، وما حقيقة

стр. 1948

الاجتهاد؟ ومن له أن يجتهد؟ والمحل الذي يقبل الاجتهاد، والمحل الذي لا يقبله، وما يتعلق بالتقليد. ولم يذكر الإمام هذا الكتاب في البرهان. وأحرى المواضع بذكره هذا الموضع. وقد رأينا أن نستوعب القول فيه، ليكون الكتاب محتويا على جملة أصول الفقه، مستعينين بالله. وهو خير معين. القول في الاجتهاد والبداية به أولى، إذ هو المصدر، وبه يعرف المجتهد والمجتهد فيه. أما الاجتهاد في وضع اللغة: عبارة عن بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال (٣٩/ أ). فيقال: اجتهد في حمل صخرة، ولا يقال: اجتهد في حمل

стр. 1949

نواة أو برة. ولكنه صار بعرف العلماء عبارة عن: بذل المجهود في طلب الأحكام الشرعية. وهذا الاجتهاد، إنما يكون على شرط صدوره من أهله، مصادفًا محله، تامًا لا تقصير فيه، بحيث يدرك المجتهد من نفسه أنه لم يبق فضلة في الطلب. فهذه ثلاثة أمور لابد من النظر فيها: الاجتهاد، والمجتهد، والمجتهد فيه. أما الاجتهاد: فلا يجوز أن يقدم الإنسان على الحكم ببادئ الرأي، وأول مصادفة الدليل، إذا أمكن أن يكون لذلك الدليل معارض أو مسقط، بل لابد من البحث على وجود شرطه، ونفي معارضه. هذا واجب في كل دليل تتوقف دلالته على شرط، أو يصح أن يعارضه [معارض]. وجميع الأدلة الشرعية على ذلك، إلا دليل واحد، وهو الإجماع، فإن الصحيح عندنا أنه لا يشترط فيه، إذا وجدت حقيقته، ولا يتصور له معارض، إذ لا يتصور أن يتعارض الإجماعان، إذ يصير أحدهما خطأ، وقد ثبتت العصمة، (٥٠/ ب) ولا يصح نسخة، إذ الإجماع إنما يكون حجة بعد موت رسول الله ﷺ ، ولا نسخ بعد انقطاع الوحي. فمتى وجد المجتهد في مسألة الإجماع، بادر [إلى الحكم]

стр. 1950

من غير بحث ولا طلب أمر آخر. وأما النص المتواتر، فلا يجوز الحكم به عند أول الاطلاع عليه، بل لابد من البحث، هل له ناسخ أم لا؟ فيجب التوقف حتى يثبت هذا الشرط. وإذا كان هذا قولنا في النص المتواتر، فلأن نقول ذلك في الظواهر وأخبار الآحاد أولى. وقد كنا نقلنا عن بعض الأصوليين أنه نقل عن قوم: أن ذلك غير مشترط، وله الحكم بالدليل عند مجرد الاطلاع عليه، ورددنا على صاحب هذه المقالة، فلا معنى للإعادة. وقد نقل أبو حامد الإجماع على خلاف ما قال هذا القائل. وذلك لأن الدليل [المشترط علمه]، مشروط بانتفاء أمرٍ أو وجوده، فإذا شك في الشرط، فقد شك في المشروط، فكيف يجوز له أن يعمل بما يشك في كونه دليلا؟ فلابد إذًا من البحث عن وجدان [الشروط] واندفاع الموانع، في كل دليل يكون له شرط، أو يصح أن يمنعه مانع. فإذا وجب ذلك، فإلى أي حد يبحث؟ وإلى أي وقت يجوز له الحكم؟ وقد اختلف الناس في هذا على أربع فرق: فقالت فرقة: يجب البحث إلى

стр. 1951

أن يظن سلامة الدليل عن المعارض، وأن شرطه حاصل، أي لا يقدر على أكثر من ذلك في مسائل الظنون، كما لا يصح له أن يعتمد العموم مثلا، وإن كان لا يقطع بالاستغراق، فكذلك يحكم بالعموم، إذا ظن انتفاء المخصصات، وكذلك القول في أخبار الآحاد، إذا ظن نفي المعارض، جاز له إثبات الحكم. وهم جرًا إلى كل دليل مشروط. وقال قائلون: لابد أن يبحث إلى أن يحصل اعتقاد جازم، وسكون نفس، بحيث لا يجوز وجدان مخصص، ولا معارض لدليل، وأما الظن، فلا يكتفى به. وكيف يحكم بدليل، وهو يحدث نفسه بإمكان كونه ليس بدليل؟ وقال القاضي [﵀]: لابد أن يبحث حتى يحصل له علم بوجود الشرط ونفي المانع، [فإن الاعتقاد] من [غير] [علم] سلامة قلب و [سكون نفس]، بل [العالم] الكامل تشعر نفسه بالإمكان وتجويز الإجمال. وهذا القول قريب من الذي قبله، فإن المعتقد أيضا لا يجوز النقيض بحال، (٣٩/ ب) ولو جوز النقيض، لكان ظانًا أو مترددًا. لكن الفرق

стр. 1952

بين هذا وبين قول القاضي، أن المعتقد على هذا [الرأي] يكون مصيبًا في الحكم، وإن تبين له الغلط بعد ذلك. والقاضي يرى أن الاعتقاد من غير علم لا يكون مطلوبًا في الشريعة. وسيأتي لهذا تحقيق في مسألة التقليد. وقال أبو حامد: يشترط في حقه قطع وظن، أما القطع فبالإضافة إلى نفسه بالعجز. قال: ويعلم أن سعيه ذلك ضائع. قال: وهذا أمر يتأتى للمكلف علمه. وأما الظن، فبانتفاء الدليل على نفسه، فلا يكفيه أن يعلم عجز نفسه مع كونه [يجوز] أن يكون المخصص عنده غيره إمكانًا مستويا. وهذا الذي قاله لم يدل عليه، وهو أيضا غير صحيح، إذا لا يتصور أن ينتهي إلى حالة يعلم أن سعيه في مستقبل الزمان ضائع، إلا بأن يعلم انتفاء المخصص في نفسه. أما إذا كان جوزًا له، [فهو] يجوز أن لو بحث أو طلب العلماء، لأمكنه الوصول إليه، فيكف يعلم عجز نفسه في مستقبل أمره، مع تجويزه ثبوت المخصص في نفسه، مطلعا عليه بعض المجتهدين؟ فهذا القول ضعيف. وأما ما ذكره القاضي من أنه يشترط في حقه البحث إلى حد يحصل له العلم بنفي المخصصات، فهذا القول عسير، وحاصله تعطيل العمل بأكثر الأدلة والأمارات، فإن هذا لا يتأتى اعتيادًا أن يعلم نفيها. وقد ذكر القاضي مسلكين زعم أنهما يفضيان إلى العلم:

стр. 1953

أحدهما- أنه إذا نظر في مسألة قتل المسلم بالذمي مثلا، متمسكا بقوله ﵇: (لا يقتل مسلم بكافر). وقال: هذه مسالة طال خوض العلماء فيها، مع بحثهم عن المعارض والمخصص، والذي صح عندهم مخصص كذا، وجميع ما ذكروه لا يصح أن يكون مخصصا عندي، فيحصل له العلم بانتفاء المخصصات. فهذا طريق ذكره القاضي. والذي ذكره من باب التقدير، [لا من باب] التحقيق، فإنه لم تتفق قط مسألة في الشريعة اجتمع أهل الإجماع على البحث عن مخصصات العموم [فيها وحصرها]، فكيف تدار أحكام الاجتهاد على المقدرات والمجوزات عقلا، الممنوعات وقوعا؟ ولو قدرنا أن العلماء بجملتهم بحثوا عن مخصصاتها، فمن أين انحصرت له المخصصات عندهم؟ وما المانع من اطلاع بعضهم على غير هذه المخصصات، ولم يذكره [الإنسان]، أو لم [يضمنه] كتابا، أو ذكره لمن لم يتفق للقاضي الاجتماع به؟ فمن أين اجتمع هو بجميع العلماء؟ أو من أين وقف على جميع ما قالوه؟ أو كيف اطلع على ما في نفوس الجميع؟ وهذا محال التصوير والتقدير، وليس فيه سوى التقدير. المسلك الثاني: قال القاضي: لا يبعد أن يدعي (٥١/ ب) المجتهد

стр. 1954

اليقين، وإن لم [يبلغ] الإحاطة بجميع [المدركات]. [إذ] يقول: لو كان الحكم خاصا، لنصب الله تعالى للمكلفين دليلا على تخصيصه، ولما خفي عليهم ذلك. وإذا لم يبلغهم دليل التخصيص، دل على أنه لا مخصص. وهذا قريب من الأول. وما المانع من اطلاع بعض العلماء على المخصص، ويعود جدعا كما في الطريقة الأولى؟ اللهم إلا أن يكون القاضي بنى الأمر على أن كل مجتهد مصيب، فيكتفى بظن فقدان المخصص، كما اكتفي بظن وجدان خبر الواحد. وينتهض ظن انتفاء المخصص علمًا على تكليف القطع بانتفائه، كما قام ظن صدق الواحد علمًا على وجوب (٤٠/ أ) العمل، [على مقتضى] قوله، فهو يقطع بانتفاء المخصص بالإضافة إليه، لا [بانتفائه] باعتبار كل الخلق. هذا عندنا هو الصحيح، أعني أنه لا يشترط علم انتفاء المخصص بالإضافة إلى كل الخلق، ويكفي ظن الانتفاء من الشريعة، [ثم تختلف] المذاهب بعد ذلك. فمن قال كل مجتهد مصيب، فإنه يقطع بأن الله تعالى [لم] يجعله مخصصا بالإضافة إليه، فيعلم [أن] الله تعالى [كلفه] إجراء اللفظ على عمومه. ومن يقول المصيب واحد، لا يقطع بهذا، بل يظن

стр. 1955

شمول التكليف في العموم، ويظن إسناد العمل إلى الخبر الصحيح، ولا يقطع بذلك على حال. هذا أحد الأركان الثلاثة، وهو بيان الاجتهاد التام، وما الذي يشترط في تمامه. الركن الثاني- المجتهد: ويشترط فيه [شرط] لكونه مجتهدًا، [وشرط] لجواز تقليده. أما الشرط الذي يكون عند حصوله مجتهدًا، فهو أن يكون محيطًا بأدلة الشرع في غالب الأمر، متمكنًا من اقتباس الأحكام منها، عارفًا بحقائقها ورتبها، عالمًا بتقديم ما يقدم منها، وتأخير ما يؤخر أيضًا. وقد عبر الشافعي [﵀] عن هذا بعبارة وجيزة جامعة فقال: (من عرف كتاب الله [تعالى] نصا واستنباطا، استحق الإمامة في الدين). لأنه [﵀] في مراتب البيان رد الرتب كلها إلى البيان. وليس من شرط المجتهد [بالاتفاق] أن يكون عالمًا بكل مسألة ترد عليه. فقد سئل مالك [﵀] عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري. وكثير ما يقول الشافعي: لا أدري. وقد توقف كثير من الصحابة في بعض المسائل،

стр. 1956

وقال بعضهم: (من أفتى في كل ما سئل عنه فهو مجنون). بل الشرط أن لا يفتي إلا فيما يدري، ويقف [عما] لا يدري، ويميز بين ما يدري، وبين ما لا يدري، فيفوض ما لا يدري لمن يدري. (٥٢/ أ) والشرط الثاني: وهو [أن] الذي يشترط في جواز الاعتماد على قوله أن يكون عدلًا، وليس هذا شرط في حصول الاجتهاد، بل إنما يشترط لقبول القول خاصة، وإلا فنحن نجوز أن يكون الكافر مجتهدًا. ومن مسائل الأصول: المجتهد إذا كفر [ببدعته]، لم يعتبر قوله في انعقاد الإجماع، ولا ينخرق بمخالفته، فقد سوغوا أن يبلغ مرتبة الاجتهاد مع كفره، ولكنهم أخرجوه من أهل الإجماع في اعتبار الموافقة، والإضراب عنه في حال المخالفة. هذا تحقيق القول في صفات المجتهد، وما يعتبر في تحصيل المنصب، وما يعتبر في [اعتماد] القول، [وبالله التوفيق]. فإن قيل: وما القدر الذي يفتقر إلى تحصيله في نيل منصب الاجتهاد؟ [قلنا]: ذلك القدر هو معرفة أدلة الأحكام الشرعية، وجهة دلالتها جملة

стр. 1957

وتفصيلًا. وأدلة الأحكام أربعة: كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع، ودليل العقل [المقر] على النفي الأصلي. فإنه يصح أن نتلقى منه نفي الأحكام، وإن لم نتلق [منه] ثبوتها. وسيأتي الكلام عليه في استصحاب الحال، إن شاء الله تعالى. والعلم هذه الأصول على الوجه المذكور، لا يحصل إلا بعد تحصيل العلم بأمور: أحدها- معرفة أشكال البراهين الصحيح، ووجه دلالتها، وكيف تتلقى المدلولات منها. والفرق بين البرهان والشبهة، والعلم والاعتقاد. وهذا لابد من تحصيله بالإضافة إلى [تحصيل] كل علم نظري. فليس الافتقار إليه من خواص منصب الاجتهاد، بل من لا يحسن [ذلك]، [فلا طريق] له إلى حصول علم نظري. وقد قصدنا ههنا إلى بيان ما يفتقر المجتهد إلى تحصيله،

стр. 1958

لا إلى ما ينفرد (٤٠/ ب) هو بالحاجة إليه. واستقصاء القول في ذلك يطول. وقد اشتملت مقدمة الكتاب على كثير من هذه الأبواب، والمقصود أن يكون على بصيرة مما يسنده إلى المأخذ، فيعرف حقيقة الحكم، والحاكم والمحكوم عليه، والمحكوم فيه، ويعرف حقيقة الدليل والشرع، كما [ذكرناه جملة] فيما مضى من الكتاب. قال الأصوليون: ولابد أن يعرف حقيقة العالم والصانع، و [إثبات حدوث العالم]، والأفعال الاختيارية. [ويصير] بذلك عالما بالحكم، غير مقلد فيه. وقد تقدم أيضا الكلام على هذا في أول الكتاب، حيث تكلمنا على استمداد أصول الفقه من الكلام، ونقلنا في ذلك خلاف أبي حامد، وأنه جوز في حق المجتهد التقليد في القواعد، (٥٢/ ب) وبينا أن ذلك يمنعه من علم الأحكام. فإذا استقرت هذه الأدلة في نفسه، من حيث الجملة، وعرف الطريق الموصل إلى ذلك، فعليه أن يحصل علم اللغة والعربية، بحيث يفهم مدلول الألفاظ، ويفرق بين النص والظاهر، والمجمل، والعام والأعم، فإن الشريعة عربية، ولا يتصور أن يحيط بفهم الأحكام من لغة العرب من لا يفهمها. وليس يشترط أن يكون في ذلك كالخليل وسيبويه، وأبي عبيدة والأصمعي،

стр. 1959

الباحثين عن دقائق الإعراب، ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها ما تتيسر معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة. فإذا أحاط بهاتين المادتين، افتقر إلى علمين: أحدهما- معرفة الناسخ والمنسوخ، فإن في الكتاب والسنة ما هو منسوخ، يحرم العمل به، وإن كان متلوًا ومرويًا. وإن لم يحصل علم ذلك، حرم عليه الفتوى. وهو راجع إلى ما قررناه من معرفة حصول شرط [العلم]. الثاني- علم الرواة، من تجريح وتعديل، وطرق الأحاديث، من إسناد وإرسال، فلا يجوز له الحكم دون تحصيل هذه الشروط. وليس أيضًا يلزمه معرفة ذلك في جميع الأخبار المروية عن الرسول ﷺ ، [بل] يفتقر إلى ذلك بالإضافة إلى الأخبار المتعلقة بالأحكام. أما [ما] يتعلق بالقصص والمواعظ، وأمر الآخرة، فغير مشترط في حصول درجة الاجتهاد، وإن كان من العلم الشرعي المعين على العمل إعانةً بينة. ثم أحوال الرواة منقسمة، فمنه: ما تعلم عدالته وضبطه بالضرورة، فهذا الصنف من الناس يستغنى عن البحث في أحوالهم، لظهور عدالتهم، واستقامة حالتهم. وهذا كما يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، فإن هؤلاء القوم، قد

стр. 1960

تواتر عند أهل الإسلام [حسن] أحوالهم، واستقامة طريقهم، وشهرتهم في العلم والورع. وما لم يكن على هذا الوجه، وكان أمره مستورًا عن المطلع على روايته، امتنع عليه الحكم بها، حتى يبحث عن حاله، وذلك بأن يسأل عن طريقته، ويستبين أمر سيرته، فيستدل [بذلك على ما] يثبت عنده. وهذا شديد في زماننا مع كثرة الوسائط، واندراس نقل الطرق، وتراخي الأزمنة. وقد صار بعض الأصوليين لأجل هذه الضرورة، إلى جواز الاكتفاء بتعديل الأئمة، كما ثبت عند الكافة، الانقياد إلى تعديل من روى عنه البخاري ومسلم في (الصحيحين)، وإن كان أكثر الرواة عند أهل العصر مستورون. هذا هو الذي اختاره أبو حامد، لأجل (٥٣/ أ) الضرورة، والإمام أيضا يشير إلى هذا، فإنه قال: ويبعد في حق الراوي أن يعرف حالة (٤١/ أ) كل من يروي له خبرًا، فيكتفي بتعديل الأئمة بعد أن يعرف أن مذهبهم في التعديل مذهب مستقيم، فإن كان الناس أيضًا قد اختلفوا فيما يعدل به ويجرح. والصحيح عندنا خلاف ذلك، وهذا تقليد محض، ولا يكون المجتهد على بصيرة في علم الحديث على هذا التقدير، بل لا يكون مقلدًا في بعض المواد. وإذا تطرق التقليد على المادة، لم يكن المقلد مجتهدًا فيما ينبني عليها. وأما قوله: إن ذلك عسير، فهو لعمري كذلك، ولأجل

стр. 1961

[هذا] [فات] علم الاجتهاد، ولم يبق إلا المقلدة خاصة. فإذا حصلت هذه الأمور معلومة، [وتعرض لحفظ الجزئيات من الآيات والأخبار، وضبط ما أجمعوا عليه]، فقد حصل منصب الاجتهاد. هذا يشترط في المجتهد المطلق. وهل يجوز أن يتجزأ منصب الاجتهاد، [حتى] يكون مجتهدًا في مسألة واحدة؟ هذا فيه نظر، وقد جوزه أبو حامد، وهو عندي بعيد، وكيف يتفق أن يكون مجتهدًا في المسألة الواحدة عند الظفر بدليلها؟ وقد قدمنا أنه لا يجوز الحكم بالدليل حتى تحصل غلبة الظن بفقدان المعارض من الشريعة، فإن لم يكن [الناظر] بصيرًا بما اشتملت عليه الشريعة، كيف يجزم أو يظن نفي المعارض؟ اللهم إلا أن تجمع الأمة في مسألة على ضبط مأخذها، ويكون الناظر المخصوص محيطًا بالنظر في تلك المآخذ، فيصح أن يكون مجتهدًا فيها على الوجه المذكور. وإذا ثبتت هذه الأمور، فعليه في الترتيب وظيفة: وهي أن يجعل نفي الأحكام مستندة إلى البراءة الأصلية، مقدمًا في نظره، ثم ينظر فيما استثنته الأدلة، فما وجد فيها دليلًا يقتضي انتقالًا، انتقل به، وما لم يجد فيه دليلًا، أبقاه على النفي الأصلي. ثم الناقل لا يخلو: إما أن ينتقل مطلقًا أو مشروطًا، فإن نقل

стр. 1962

مطلقًا، اكتفى بالاطلاع، كالإجماع، ولم يبحث عما رواءه على حال. وإن كان ينقل مشروطًا، يبحث بعد اطلاعه على شرط نقله، كما تقدم بيانه. ومعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون: علم الأصول، وعلم الحديث، وعلم اللغة. وقد قلنا: إنه لابد من تحصيل المعرفة بالمرسل والرسول الصادق، بالاطلاع على وجه دلالة المعجزة. وإذا قلنا: لابد من معرفة اللغة، فإن بنينا على أن الشرع [لم يتصرف] في اللغة العربية- وهو اختيار القاضي- اكتفينا في معرفة الأحكام بمعرفة اللغة العربية. وإن قلنا: إنه تصرف، لم نكتف بذلك (٣٥/ ب)، [وقلنا: ] لابد من معرفة لغة الشرع. وإن طلبنا- على هذا الرأي- معرفة اللغة العربية، فلكونها في أكثر أحوالها موافقة للغة الشرعية، وإلا فلا خفاء على هذا، بأنا لابد أن ننظر في كل لفظة، هل تصرفت الشريعة فيها أم لا؟ ولو جعل- على هذا الرأي- الاعتماد على فهم لغة [الشرع]، لكان حسنًا، بل لا يقال غيره. وبيانه: أنا إذا فهمنا معنى الكلمة عند أهل الغلة، لم نكتف به، حتى ننظر ما مدلولها في الشرع؟ وإن فهمنا مدلولها في الشرع، اكتفينا، ولم ننظر في مدلولها في اللغة أصلًا، لأجل فهم الحكم. فلا وجه على رأي من أثبت التصرف، إذا قال: لابد من فهم اللغة، أن يكون مراده: إلا لغة الشارع ﵇. هذا تمام الكلام على ما يفتقر المجتهد إلى تحصيله من العلم. وهو تمام الركن الثاني.

стр. 1963

الركن الثالث- المجتهد فيه: وهو كل حكم شرعي لم نتعبد فيه [بالعلم]. واحترزنا بقولنا: كل حكم شرعي، عما يتعلق بالكلام في المعقولات، كقدم الصانع، وحدث العالم، (٤١/ ب) وثبوت الصفات [القديمة]، وما يتعلق بجواز بعثة الأنبياء، وجميع ما يتعلق بالكلام على الحقائق، فإن تلك الحق فيها واحد، لا يتصور [فيها]، [لا] التبديل ولا التغيير، وأما الأحكام الشرعية فوضعية، يجوز أن يثبتها الله تعالى، ويجوز أن لا يحكم على الخلق، ويجوز بعد الحكم أن يكلفهم تحصيل العلم، ويجوز أن يكتفي منهم بظن الإصابة. وإنما نعني بالمتجهد فيه، ما لا يكون المخطئ [آثمًا، ونعني بغير المجتهد فيه من الأحكام الشرعية، ما يكون المخطئ] فيه آثمًا، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة، وما اتفقت عليه الأمة، وعليها أدلة قطعية، يأثم فيه المخالف، فليس ذلك محل الاجتهاد. هذه هي الأركان. فإذا صدر الاجتهاد من أهله، وصادف محله، كان المكلف مأجورًا، [سواء] أصاب الحكم أم لم يصبه، على ما سيأتي بيانه بعد ذلك. وقد ظن قوم أنه يشترط في الاجتهاد أن لا يكون في زمن الرسول

стр. 1964

[ ﷺ ]. وقال قول: يشترط في المجتهد أن لا يكون رسولًا، فلم يجوزوا للرسول الحكم بالاجتهاد. فلنفرض في ذلك مسألتين: مسألة: اختلفوا في جواز التعبد بالاجتهاد في زمان رسول الله ﷺ -، فمنعه قوم، وأجازه [آخرون]. وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته، لا في حضوره. والذين جوزوا، منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله ﷺ ، ثم اختلف (٥٤/ أ) المجوزون في وقوعه، والنظر في الجواز والوقوع. أما الجواز العقلي، فإنه يشمل المذاهب كلها، إذ ليس في تجويزه مناقضة عقل، إذ ليس محالًا في نفسه، ولا يفضي إلى محال. وجهات الاستحالة مضبوطة عند العقلاء، والمستحيل لا يتصور تقديره بحال. ونحن باضطرار [من عقولنا، نعلم] أن الله تعالى لو أمر خلقه بشيء من هذه المذاهب، لم يتناقض، ولتلقته العقول بالقبول، والمستحيل لا يتصور بحال. فإن قيل: تلقي الحكم من النص ممكن، ولا مصلحة للعباد في العدول عن النص الممكن إلى الاجتهاد، فهذا باب [من أبواب] الاستفساد. قلنا: قد [بينا] بطلان ما يتعلق بالصلاح والأصلح، فإن [جميع] ذلك مبني

стр. 1965

على التحسين والتقبيح بالعقل. وقد تقدم بطلانه، على أنا [لسنا نسلم] أن ذلك لا صلاح فيه، بل لعل الله تعالى علم صلاح عباده في ذلك. وكيف ينكر [هذا]، [وقد] كان تعميم [الأحكام] بالنص ممكنًا ولم يفعله الله تعالى؟ وشرع القياس، فليكن الاجتهاد [في زمان الرسول] كذلك. فإن قيل: الاجتهاد مع النص محال، لأنه إنما يجتهد ليصادف النص، فكيف يجتهد مع وجدان النص؟ قلنا: المضاد للاجتهاد نفس النص [لا إمكان النص]، كيف وقد أمر رسول الله ﷺ بالحكم بشهادة الشهود، وإن كان تلقى [الحكم من الوحي] ممكنا له، حتى قال: (إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم [أن يكون] ألحن بحجته [من بعض] فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا [يأخذ منه] شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار).
следующие страницы →