← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

[هذا] [فات] علم الاجتهاد، ولم يبق إلا المقلدة خاصة. فإذا حصلت هذه الأمور معلومة، [وتعرض لحفظ الجزئيات من الآيات والأخبار، وضبط ما أجمعوا عليه]، فقد حصل منصب الاجتهاد. هذا يشترط في المجتهد المطلق. وهل يجوز أن يتجزأ منصب الاجتهاد، [حتى] يكون مجتهدًا في مسألة واحدة؟ هذا فيه نظر، وقد جوزه أبو حامد، وهو عندي بعيد، وكيف يتفق أن يكون مجتهدًا في المسألة الواحدة عند الظفر بدليلها؟ وقد قدمنا أنه لا يجوز الحكم بالدليل حتى تحصل غلبة الظن بفقدان المعارض من الشريعة، فإن لم يكن [الناظر] بصيرًا بما اشتملت عليه الشريعة، كيف يجزم أو يظن نفي المعارض؟ اللهم إلا أن تجمع الأمة في مسألة على ضبط مأخذها، ويكون الناظر المخصوص محيطًا بالنظر في تلك المآخذ، فيصح أن يكون مجتهدًا فيها على الوجه المذكور. وإذا ثبتت هذه الأمور، فعليه في الترتيب وظيفة: وهي أن يجعل نفي الأحكام مستندة إلى البراءة الأصلية، مقدمًا في نظره، ثم ينظر فيما استثنته الأدلة، فما وجد فيها دليلًا يقتضي انتقالًا، انتقل به، وما لم يجد فيه دليلًا، أبقاه على النفي الأصلي. ثم الناقل لا يخلو: إما أن ينتقل مطلقًا أو مشروطًا، فإن نقل

стр. 1962

مطلقًا، اكتفى بالاطلاع، كالإجماع، ولم يبحث عما رواءه على حال. وإن كان ينقل مشروطًا، يبحث بعد اطلاعه على شرط نقله، كما تقدم بيانه. ومعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون: علم الأصول، وعلم الحديث، وعلم اللغة. وقد قلنا: إنه لابد من تحصيل المعرفة بالمرسل والرسول الصادق، بالاطلاع على وجه دلالة المعجزة. وإذا قلنا: لابد من معرفة اللغة، فإن بنينا على أن الشرع [لم يتصرف] في اللغة العربية- وهو اختيار القاضي- اكتفينا في معرفة الأحكام بمعرفة اللغة العربية. وإن قلنا: إنه تصرف، لم نكتف بذلك (٣٥/ ب)، [وقلنا: ] لابد من معرفة لغة الشرع. وإن طلبنا- على هذا الرأي- معرفة اللغة العربية، فلكونها في أكثر أحوالها موافقة للغة الشرعية، وإلا فلا خفاء على هذا، بأنا لابد أن ننظر في كل لفظة، هل تصرفت الشريعة فيها أم لا؟ ولو جعل- على هذا الرأي- الاعتماد على فهم لغة [الشرع]، لكان حسنًا، بل لا يقال غيره. وبيانه: أنا إذا فهمنا معنى الكلمة عند أهل الغلة، لم نكتف به، حتى ننظر ما مدلولها في الشرع؟ وإن فهمنا مدلولها في الشرع، اكتفينا، ولم ننظر في مدلولها في اللغة أصلًا، لأجل فهم الحكم. فلا وجه على رأي من أثبت التصرف، إذا قال: لابد من فهم اللغة، أن يكون مراده: إلا لغة الشارع ﵇. هذا تمام الكلام على ما يفتقر المجتهد إلى تحصيله من العلم. وهو تمام الركن الثاني.

стр. 1963

الركن الثالث- المجتهد فيه: وهو كل حكم شرعي لم نتعبد فيه [بالعلم]. واحترزنا بقولنا: كل حكم شرعي، عما يتعلق بالكلام في المعقولات، كقدم الصانع، وحدث العالم، (٤١/ ب) وثبوت الصفات [القديمة]، وما يتعلق بجواز بعثة الأنبياء، وجميع ما يتعلق بالكلام على الحقائق، فإن تلك الحق فيها واحد، لا يتصور [فيها]، [لا] التبديل ولا التغيير، وأما الأحكام الشرعية فوضعية، يجوز أن يثبتها الله تعالى، ويجوز أن لا يحكم على الخلق، ويجوز بعد الحكم أن يكلفهم تحصيل العلم، ويجوز أن يكتفي منهم بظن الإصابة. وإنما نعني بالمتجهد فيه، ما لا يكون المخطئ [آثمًا، ونعني بغير المجتهد فيه من الأحكام الشرعية، ما يكون المخطئ] فيه آثمًا، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة، وما اتفقت عليه الأمة، وعليها أدلة قطعية، يأثم فيه المخالف، فليس ذلك محل الاجتهاد. هذه هي الأركان. فإذا صدر الاجتهاد من أهله، وصادف محله، كان المكلف مأجورًا، [سواء] أصاب الحكم أم لم يصبه، على ما سيأتي بيانه بعد ذلك. وقد ظن قوم أنه يشترط في الاجتهاد أن لا يكون في زمن الرسول

стр. 1964

[ ﷺ ]. وقال قول: يشترط في المجتهد أن لا يكون رسولًا، فلم يجوزوا للرسول الحكم بالاجتهاد. فلنفرض في ذلك مسألتين: مسألة: اختلفوا في جواز التعبد بالاجتهاد في زمان رسول الله ﷺ -، فمنعه قوم، وأجازه [آخرون]. وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته، لا في حضوره. والذين جوزوا، منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله ﷺ ، ثم اختلف (٥٤/ أ) المجوزون في وقوعه، والنظر في الجواز والوقوع. أما الجواز العقلي، فإنه يشمل المذاهب كلها، إذ ليس في تجويزه مناقضة عقل، إذ ليس محالًا في نفسه، ولا يفضي إلى محال. وجهات الاستحالة مضبوطة عند العقلاء، والمستحيل لا يتصور تقديره بحال. ونحن باضطرار [من عقولنا، نعلم] أن الله تعالى لو أمر خلقه بشيء من هذه المذاهب، لم يتناقض، ولتلقته العقول بالقبول، والمستحيل لا يتصور بحال. فإن قيل: تلقي الحكم من النص ممكن، ولا مصلحة للعباد في العدول عن النص الممكن إلى الاجتهاد، فهذا باب [من أبواب] الاستفساد. قلنا: قد [بينا] بطلان ما يتعلق بالصلاح والأصلح، فإن [جميع] ذلك مبني

стр. 1965

على التحسين والتقبيح بالعقل. وقد تقدم بطلانه، على أنا [لسنا نسلم] أن ذلك لا صلاح فيه، بل لعل الله تعالى علم صلاح عباده في ذلك. وكيف ينكر [هذا]، [وقد] كان تعميم [الأحكام] بالنص ممكنًا ولم يفعله الله تعالى؟ وشرع القياس، فليكن الاجتهاد [في زمان الرسول] كذلك. فإن قيل: الاجتهاد مع النص محال، لأنه إنما يجتهد ليصادف النص، فكيف يجتهد مع وجدان النص؟ قلنا: المضاد للاجتهاد نفس النص [لا إمكان النص]، كيف وقد أمر رسول الله ﷺ بالحكم بشهادة الشهود، وإن كان تلقى [الحكم من الوحي] ممكنا له، حتى قال: (إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم [أن يكون] ألحن بحجته [من بعض] فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا [يأخذ منه] شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار).

стр. 1966

فإن قيل: إذا أثبتم الجواز من جهة العقل، فكيف الواقع من ذلك؟ قلنا: قال أبو حامد: الصحيح أنه ثبت الحكم [بالاجتهاد] في غيبته، بدليل قول معاذ حيث بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال [له]: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله). وفي [الحديث] [قال]: (فإن لم [تجد]؟ قال: أجتهد رأيي). فزكاه رسول الله ﷺ في ذلك، ولم يقم دليل الاجتهاد في حضرته. قلنا: الأمر عندنا على خلاف ما قال أبو حامد، وقد قدمنا أن قول معاذ ليس [بصحيح] (٤٢/ أ) عند المحدثين، وإنما يرويه بعض أهل حمص عن بعض أصحاب معاذ، فهو من المراسيل، وأكثر المحدثين على ردها. ثم العجب بأنه قال: تلقته الأمة بالقبول. نعم، قام الدليل على الاجتهاد في حضرته، والحديث الصحيح: (أن بني قريضة نزلوا على (٥٤/ ب) حكم سعد بن معاذ، ورضي رسول الله ﷺ بذلك، فحكم سعد بأن تقتل المقاتلة،

стр. 1967

[وأن] تسبى الذرية. فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى، أو بحكم الملك). فهذا [حديث]. صحيح، لا شك في ذلك. وقد جاء أيضًا من حديث [صحيح]. أنه قال لبعض أمرائه: (إن سألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تفعل، فإنك لا تدري هل تصيب حكم الله أو لا، وإن سألوك أن [تنزلهم] على حكمك فافعل). هذا معنى الحديث دون لفظه. والصحيح عندنا أن الحكم بالاجتهاد في غيبته كثير، فإنه كان يرسل الحكام والقضاة يحكمون بين الناس، والعادة وأهلها على التداني، ومعظم الوقائع لا نصوص فيها، فيفضي الأمر إلى القضاء بالاجتهاد، أو الوقوف في أكثر الأحكام. وقد ذكر الأصوليون أخبارًا غير هذه، فنقلوا أنه قال لعمرو بن العاص: (اجتهد). قال: أجتهد وأنت حاضر؟ قال: (اجتهد، فإن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر [واحد]). وقال لعقبة بن عامر ولرجلين من

стр. 1968

أصحابه: (اجتهدوا، فإن أصبتم فلكم عشر حسنات، وإن أخطأتم فلكم حسنة). وهذا هو الصحيح عندنا. مسألة: اختلفوا في جواز تعبد النبي ﷺ بالاجتهاد فيما لا نص فيه . والاختلاف في الجواز والوقوع. أما الجواز فواضح، وطريقة ما تقدم في المسألة السابقة حرفًا حرفًا، فلا معنى لإعادته. فإن قيل: المانع [من ذلك] أنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح والنص الحق، فكيف يتلقاه [بحكم الظن]؟ قلنا: فإذا استكشف فقيل له: [حكم الله] عليك ما أدراك إليه اجتهادك، فهل له أن ينازع [الله]؟ أم يجب عليه تلقي ذلك بالقبول؟ وما كان له أن يخالف أمر [الله] المتوجه عليه. فإن قيل: قوله نص قاطع يضاد الظن، والظن يتطرق إليه إمكان الخطأ، فيفضي إلى أن يكون الخطأ ممكنًا محالًا. قلنا: أما من يقول كل مجتهد مصيب، فإنه يمنع الخطأ في اجتهاد غيره، فكيف في اجتهاده؟ وأما من يقول المصيب واحد، فإن أهل التحقيق منهم [قد] منعوا أن يخطئ في اجتهاده، بل عينوا

стр. 1969

الحق فيه. وكذلك كل اجتهاد تجمع الأمة عليه، لتحقق عصمة الأمة والرسول جميعًا. ومنهم من جوز عليه الخطأ، ولكن لا يقر عليه. فإن قيل: فإذا جاز أن يحكم بالاجتهاد، وخالف اجتهاده اجتهاد غيره، فإن منعتم المجتهد من اتباع اجتهاده، فقد خالفتم (٥٥/ أ) قاعدة الاجتهاد، وإن سوغتم المخالفة، فذلك يمنع الانقياد والقبول، ويوجب المخالفة [للنبي]، وذلك ممنوع. قلنا: إذا عرفهم على لسانه أن حكمهم ما غلب على ظنهم، وإن خالف اجتهاد [رسول الله ﷺ ]، فلا مناقضة، والمطاع هو الله تعالى على الحقيقة. وقد [بينا] أنه لا حكم إلا لله تعالى، وأن الرسول أو غيره، إذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيئا بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم. ألا ترى أنه لو شهد عند رسول الله ﷺ شاهد لا يعرف فسقه، [فيقضي] بشهادته، ثم يشهد ذلك الشاهد عند حاكم يعلم بفسقه، (٤٢/ ب) لم يقض بشهادته، ولا يكون في ذلك غض من منصب [رسول الله ﷺ ]، ولا قدح في النبوة، إذ إنما عمل العامل بحكم الله تعالى الموجه عليه. فإن قيل: فلو قاس على أصلٍ، أتجوزون القياس على فروعه أم

стр. 1970

[تمنعون]؟ فإن منعتم، فهو باطل، إذ صار [أصلًا] بالنص من الرسول ﵇. وإن جوزتم كان باطلا، إذ القياس على فرع العلة ممنوع عند المحققين. قلنا: قد قال بعض الأصوليين: يجوز القياس على فرع العلة مطلقًا. وقال قائلون: يجوز القياس على فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بأصله. وكذلك الفرع الذي ألحقه الرسول [ ﷺ ] بأصل. أما الذين جوزوا القياس على فرع العلة مطلقًا، فإنهم زعموا أن الحكم بالقياس حكم بالتوقيف المحض. لاسيما إذا رد الأمر إلى ما قررناه من أن القياس إثبات معقول الألفاظ، يضاهي المفهوم عند أهل اللسان. ولا فرق في القياس على الحكم الثابت بالمنظوم أو المفهوم، فكذلك الحكم الثابت بالمعنى المعقول وإذا كان هذا مذهبهم في فرع غير الرسول، فما القول في فرع الرسول ﵇؟ وقال قائلون: هذا إنما يسوغ بشرط أن يكون الفرع ثابتًا بطريقٍ توقيفي؟ أما أن يكون [بقياس] الرسول [﵇]، أو أهل الإجماع، فإنه إذا كان كذلك، فقد صار أصلًا بالنص أو الإجماع، وخرج عن كونه فرعًا. والسؤال أيضًا ساقط على هذا المذهب.

стр. 1971

والصحيح عندنا أنه لا يجوز القياس على فرع العلة بحال، سواء كان فرعًا للرسول، أو لأهل الإجماع، والدليل عليه هو الدليل على منع القياس على الفرع مطلقًا. وطريق تقرير الدليل أن نقول: لما قاس على فرع العلة، [أيراعي] في الإلحاق جامع الأصل، أو لا يراعيه؟ فإن راعى جامع الأصل، فالقياس على الحقيقة إنما هو على الأصل، وتوسط الفرع الأول تطويل (٥٥/ ب) طريقٍ من غير فائدة، [فليلحق] الفرع الثاني بالأصل الأول. وإن أضرب عن جامع الأصل، واستنبط جامعًا آخر، كان ذلك باطلًا، فإن الحكم في الفرع إنما يثبت مقيدًا بوجود الجامع، [وإن] لم يوجد الجامع الذي يقيد الحكم به، فالحكم في معنى المنفي على الحقيقة. وبيان ذلك بالمثال: أنه إذا قال: الخمر حرام، وفهم أن العلة الإسكار، فتحقيق الكلام: الخمر المسكرة حرام. وإذا ألحقنا النبيذ بالخمر بجامع الإسكار، جعل الإسكار قيدًا للتحريم، فيكون تقدير التوقيف: النبيذ المسكر حرام. وإذا ألحقنا غير النبيذ به بغير الإسكار، كان ذلك حيدًا عن معنى القياس والاعتبار. فلا يجري الحكم على حقيقة التوقيف اللغوي، ولا التقدير الشرعي. فلا سبيل إلى الجمع بين الفرع الثاني والفرع الأول بغير جامع الأصل. وإن وقع الجمع بينهما بجامع الأصل، فالمعتبر على الحقيقة هو الأصل.

стр. 1972

وإدخال الفرع الأول في الإلحاق تطويل الطريق من غير فائدة. ولا فرق على هذا بين فرع ألحقه الرسول [ ﷺ ] بالأصل، أو فرع أجمعت الأمة [عليه]. هذا هو الصحيح عندنا. هذا هو الكلام في [طرفي الجواز. أما الوقوع: فقد قال به [قوم]، وأنكره [آخرون]، وتوقف فيه فريق [ثالث]. والظاهر عندنا أنه كان ينتظر التوقيف. وإن حكم برأيه، فلا يكون ذلك إلا بتوقيف أيضًا. والقاطع في النفي (٤٣/ أ) والإثبات غير ثابت عندنا. وقد احتج القائلون بأنه كان يحكم برأيه، أنه عوتب في أسارى بدر، قال الله تعالى: ﴿ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾. وهذا ليس بقاطع في الدلالة، وللتأويل تطرق إليه. إذ يحتمل أن يكون [مخيرًا بين] القتل والأسر، فعين بعض الأصحاب وطلب الفداء، [فنزل] العتاب

стр. 1973

مع أولئك، وأضيف الأمر إلى الرسول تشريفًا. ولهذا قال لعمر: (لقد عرض علي عذاب أصحابك). ولهذا قال تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾. والنبي ﷺ منزه عن مثل هذا. وقال: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾. احتجوا أيضًا: بأنه لما (نهى عن قطع شجر الحرم، قال له العباس: إلا الإذخر [يا رسول] الله. فإنه لقينهم وقبورهم. فقال [ ﷺ ]: (إلا الإذخر). فلو كان توقيفًا، لم يستثن عند قول العباس. وهذا أيضًا ليس

стр. 1974

بقاطع، إذ يحتمل أن يكون التوقيف نزل عليه عند قول العباس: إلا الإذخر. وهو أيضًا، وإن قال باجتهاد، فلابد أن يكون ذلك الاجتهاد مأذونًا فيه (٥٦/ أ). وقد احتج المانعون من الاجتهاد، بأنه لو كان [يجتهد]، لما توقف في أمر اللعان والظهار وغيرهما من المسائل، التي لا يتأتى الانفكاك عنها، ولكان ينتظر الوحي فيها، ولما توقف، دل على انتظار التوقيف. وهذا أيضًا غير قاطع، بل ليس له دلالة ظاهرة، فإنه وإن حكم بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يجري في كل موضع، فلعله كان يتوقف في [الموضع] الذي لا مجال للاجتهاد فيه، وليس يتمكن [المجتهد] من الاجتهاد في كل موضع، بل لابد من مراعاة المحل واستيعاب الشروط. فالاجتهاد [قد] يتعذر في بعض الأمور، فلا يدل التوقيف [في] بعض المسائل على الامتناع على الإطلاق. احتجوا بأنه لو كان يحكم بالاجتهاد، لأفضى ذلك إلى أن يتغير اجتهاده، فيكون ذلك سببًا للنفرة [عنه]، وإدخال التهمة في الشريعة، وذلك قدح في أصل الدين. قلنا: هذا باطل من وجهين: أحدهما- أنه لا تهمة في ذلك، فإنه إنما يفعل ما يفعل بإذنٍ وشرعٍ، ولا تهمة على المجتهد إذا تغير اجتهاده، فليكن الرسول ﵇ كأحدهم. الوجه الثاني- إن التنفير غير ملتفت إليه في منع ورود الشرع بما يقتضي التنفير، وقد قال الله تعالى: ﴿وإذا بدلنا ءايةً مكان ءايةٍ والله أعلم

стр. 1975

بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر﴾. ولم يكن ذلك مانعا من ورود النسخ، فكذلك يصح أن يحكم بالاجتهاد، وإن أفضى ذلك إلى التنفير. فلا يلتفت إلى شيء من هذه الأوهام. ولا وهم بعد نصب الأدلة القاطعة. احتجوا بقوله تعالى: ﴿[قال] الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءانٍ غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾. قالوا: فهذا يدل على أنه لا يحكم بالاجتهاد. وهذا غير صالح للاستدلال من أوجه: أحدها- أن هذا إنما هو أمر يختص [بتغيير] القرآن، كالإتيان بقرآن آخر. وهذا لا يقدر عليه إلا الله سبحانه [وتعالى]، وبذلك يتحقق كونه معجزًا. فأين هذا من جواز الحكم بالاجتهاد وامتناعه؟ الثاني- إن قوله: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾، كلام غايته أن يكون عامًا، فيخصصه بما لا يقبل الاجتهاد [من الأحكام، ولا يكون طريق ثبوته إلا التوقيف. الثالث- أنا وإن جوزنا له الاجتهاد]، فلا يكون ذلك من تلقاء نفسه، بل لا يكون ذلك إلا بوحي وتوقيف، ويندرج تحت قوله: ﴿إن (٤٣/ ب) أتبع إلا ما يوحى إلي﴾. وإذا حكم بالاجتهاد، فقد حكم [بما أوحي إليه، وقد كنا قدمنا أن الحكم بالاجتهاد، حكم] بالتوقيف المحض.

стр. 1976

الرابع- إن هؤلاء القوم [إن] أرادوا القطع بما حكموا [به]، فالآية لا تدل دلالة القواطع، ويلتحق الظاهر (٥٦/ ب) في محل طلب العلم بالمجملات، ولا يصح التمسك به. وإن أرادوا أن ذلك مظنون، فقد بينا ما في الآية من الكلام، والله الموفق [للصواب]. قالوا: لو حكم بالاجتهاد، لأمكن أن لا يوافق الصلاح في البعض، وإن أصاب في البعض، ويمتنع أن يثبت [الحكم] إلا لمصلحة. قلنا: قد تقدم من أصولنا أن الأحكام لا ينبني إثباتها ورفعها على المصالح على حال، ولله [تعالى] أن يتعبد عباده بما شاء، وإن علم أنه لا صلاح لهم في ذلك. وقد عبد الله [تعالى] الكفار بالإيمان، مع علمه بأنهم لا يؤمنون، فلا صلاح لهم في تكليف يعرضهم إلى النار [وغضب] الله تعالى إلى غير نهاية. ويجوز أيضا أن يوفق الله تعالى رسوله في اجتهاده، بحيث لا يظهر له إلا ما فيه الصلاح في الدنيا والآخرة. كل ذلك ممكن من الله تعالى، فلا استحالة في ذلك أصلًا.

стр. 1977

والظاهر عندنا أن جميع أحكامه كانت بالتوقيف عن وحي صريح ناصٍ على التفصيل. وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. النظر الثاني: في أحكام الاجتهاد ، والنظر في حق المجتهد؛ في تأثيمه وتخطئته وإصابته، وتحريم التقليد عليه، وتحريم نقض حكمه. فهذه أحكام. الحكم الأول: النظر في تأثيم المجتهد في الاجتهاد، والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين، والمجتهد إذا تمم الاجتهاد وصادف المحل، فهو غير آثم بحال، سواء أصاب أو أخطأ، والإثم عن المجتهد منتف. والذي نختاره أنه لا ملازمة بين الإثم والخطأ. وقد قال قوم: إن كل مخطئ آثم، وكل آثم مخطئ، وطردوا ذلك وعكسوه. فلنقدم حكم الإثم أولًا. نقول: النظريات تنقسم إلى قطعية وإلى ظنية، ولا إثم في الظنيات بحال، والإثم في القطعيات [على تقدير الخطأ ثابت]، والقطعيات ثلاثة أقسام: كلامية وأصولية وفقهية. أما الكلامية: فنعني بها العقليات، والحق فيها واحد، فمن أخطأ الحق فهو آثم، ويدخل [فيه] حدث العالم، وإثبات الصانع وصفاته، وما يستحيل عليه، وما يجوز في حكمه، وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وجواز الرؤية، وخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة والروافض والحشوية وغيرهم من أهل الأهواء. ولا يندرج المطلوب من

стр. 1978

الكلام تحت حد. وقد تقدم هذا في أول الكتاب. فهذه المسائل الحق فيها واحد، وإن أخطأه فهو آثم، فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر، وإن أخطأ فيما لا يمنع من معرفة الله [سبحانه]، ومعرفة رسوله، كما في مسألة (٥٧/ أ) الرؤية، وخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وأمثالها، فهو آثم من حيث عدل عن الحق، [وضال] ومخطئ من حيث أخطأ الحق [المتيقن]، ومبتدع من حيث قال قولا مخالفًا لمذاهب السلف الصالح، ولا يلزم الكفر. وأما الأصولية: فنعني بها كون الإجماع حجة، وكون خبر الواحد والقياس حجة، ووجوب العمل بالظواهر والعمومات، وكون صيغة (افعل) تقتضي الطلب ظاهرًا. وقد تقدم بيان تفصيل مسائل الأصول. وكذلك القول بالترجيح بين (٤٤/ أ) الأمارات عند التعارض. وكل ذلك عليه أدلة قطعية، يأثم من أخطأ فيها. وكذلك تفاصيل مسائل الإجماع، من اعتبار إجماع من بعد الصحابة، وكذلك المصير إلى إحداث قول ثالث، وكذلك اشتراط انقراض العصر، وانعقد الإجماع عن اجتهاد. ولا معنى للإطناب في التعداد واستقصاء التفصيل في ذلك. وما تقدم في الكتاب يبين مواقع القطع من مظان الاجتهاد. ومن جملة ذلك عندنا اعتقاد كون الحق واحدًا في الظنيات على ما سنبينه. فإن هذه المسائل فيها أدلة قطعية، والمخالف فيها آثم.

стр. 1979

وأما السمعيات: فالقطعيات منقسمة إلى: ما علم ضرورة من دين الأمة، فجاحد ذلك كافر، كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج، وتحريم الربا والغصب وشرب الخمر. فإن هذه ضرورية في الدين، وجاحد وجوبها [ومحلل] المحرم منها مكذب للدين، فيكون بذلك كافرًا. وإلى قطعية ثبتت بالنظر، فيكون جاحدها آثما لا كافرًا، وهو كل حكم [شرعي] علم بالإجماع، فجاحد مخطئ وليس بكافر، إذ إثبات الإجماع، وكونه حجة في الشريعة نظري، لا ضروري. فإن قيل: وكيف يكون وجوب الصلوات معلوم ضرورة، وإنما يتلقى من أخبار الرسول [ ﷺ ]، وصدق الرسول إنما يعلم نظرًا، وقد ذكرتم فيما تقدم أنه لا يتصور ترتب العلم الضروري على مقدمات نظرية، وهذا ضد ذلك؟ قلنا: نعني به أنه علم ضرورة، أن الرسول ﷺ أخبر بوجوبه، فمن جحد الوجوب، فهو مكذب للرسول [ ﷺ ]، من كذب الرسول، فهو كافر. فأما ما عدا هذين القسمين من الفقهيات الظنيات، فليس فيها دليل قاطع، فلا إثم فيها بحال. وهل يتصور فيها الخطأ أم لا؟ [فيه] خلاف بين أهل الأصول، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى.

стр. 1980

وقد ذهب بشر المريسي إلى إلحاق [الفروع بالأصول، فأثبت التأثيم في المجتهدات. وذهب الجاحظ والعنبري إلى إلحاق] الأصول بالفروع (٥٧/ ب)، فأسقطوا] التأثيم في القطعيات. وقد تقدم الرد على الفرق الثلاث فيما سبق، فلا معنى [لإعادته]. والذي نذكره الآن إقامة الدليل على أنه لا إثم في المجتهدات، عند من [يقول] كل مجتهد مصيب، وعند من يقول المصيب واحد. والدليل القاطع في ذلك: الإجماع المنقول تواترًا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا يجتمعون ويتشاورون ويختلفون، مع إكرام بعضهم بعضا، وإجلاله والاعتراف بفضله ودينه، وتمكينه من الفتوى وتحسين الظن، وعرف منهم: (أقول برأيي وتقول برأيك). وهذا متواترًا لا [يشك] فيه بحال. وليس عندي في مسائل الأصول مسألة أظهر من هذه. وكذلك ما جرى لهم في مسائل الفرائض، وكانوا لا يعترض بعضهم على بعض، ولا يتعرض لنقض قضائه، وقد بالغوا في تخطئة الخوارج، وقتال مانعي الزكاة. وكذلك من رأى نصب [إمامين] في [صقع]. بل لو أنكر منكر

стр. 1981

وجوب الصلاة والصوم، وتحريم الربا والسرقة، لبالغوا في الإنكار والتغليظ عليه، لأن فيها أدلة قطعية. ولو كانت المسائل كلها على هذا الوجه، لعظم الأمر واشتد النكير، ولأوشك أن ينقل ذلك تواترًا، والنقل على خلاف ذلك، كما ذكرناه. (٤٤/ ب). وكما علم أنهم لم يوجبوا على العوام النظر والبحث عن أدلة المسائل، كذلك علم أنهم مكنوا العوام من تقليد من رأوا من المفتين. وكيف لا يكون كذلك، والحكام في آحاد البلدان يحكم كل واحد بما يراه، ولا يعترض عليه غيره، ولا يتعرض لتتبع أحكامه؟ والأمر على خلاف ذلك ضرورة، فثبت بهذا أنه لا إثم في المجتهدات على حال. فإن قيل: إنما سكتوا خوف ثوران الفتنة، وإقامة الحروب وعظم المحذور. قلنا: هذا محال، فإن القوم مع صلابتهم في الدين، وتعظيم أمر الشرع، لا يتوقفون لمثل ذلك، ما بالهم لم [ينكفوا] عن تخطئة [مانعي] الزكاة، مع قرب وفاة رسول الله ﷺ ، وحصول الارتداد، وانتقاض أمر الإسلام؟ بل كان القوم لا يخافون في الله لومة لائم. هذا مع كثرتهم، فكيف يتفق من الجم الغفير التواطؤ على باطل، وأن يكونوا مع صفة [الصلابة] في الدين والغضب [له]؟ هذا مما تحيله العادة قطعًا. فإن قيل: فقد نقل الإنكار والتشديد والتأثيم من بعضهم على بعض، حتى قال ابن عباس: (ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل

стр. 1982

أب الأب أبًا). وقال: (من شاء باهلته، إن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين). وقالت عائشة ﵂: (اخبروا زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب). وقالت لأبي سلمة بن عبد الرحمن: (فروج يصرخ مع الديكة). قلنا: ما تواتر إلينا من تعظيم بعضهم بعضًا، وتسليمهم له القضاء والفتيا، وتمكين العامة من الاستفتاء والانقياد إلى الوالي في الأحكام، وإلى القضاة في الشرع، معلوم ضرورة. وأما الإنكار، فمنقول على جهة الآحاد، فكيف يترك ما علم ضرورة إلى نقل آحاد يتطرق إلى السند الاحتمال، وإلى المتون التأويل؟ فلا سبيل إلى [التشكك] فيما علم ضرورة. [ثم] هذه الوقائع [القليلة] التي نقل فيها الإنكار، فلعل المنكر أن يكون توهم فيها أدلة قطعية، وهو ظاهر قول ابن عباس في قوله: (إن الله (٥٨/ أ) لم يجعل في المال النصف والثلثين). ولعل عائشة ﵂ رأت أن حسم الذريعة قطعي، ولا بعد في [التنازع] في مسألة معينة، هل هي قطعية أو ظنية؟ فلا تترك لذلك القواعد المعلومة الكلية. وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن، فالظاهر أن عائشة أنكرت عليه الفتوى، من جهة أنها لم تره بلغ مبلغ المجتهدين، ولذلك قالت: (فروج يصرخ مع

стр. 1983

الديكة). أو يكون وضع عندها الاجتهاد في غير محله، بأن يكون اجتهد في موضع توقيف. ونحن لا ننفي الإثم في المسائل على الإطلاق، وإنما ننفيه إذا صدر من الأهل مستوفى الشروط، مصادف المحل، فحينئذ ينتفي التأثيم فيه. هذا هو الكلام على التأثيم. وأما التخطئة: وهو الحكم الثاني، فقد اختلف الناس فيه، واختلف الرواة عن الشافعي وأبي حنيفة. وبالجملة فقد ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في الظنيات مصيب. وقال قوم: المصيب واحد. واختلف الفريقان جميعا، هل في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين لله تعالى، هو مطلوب المجتهد؟ فالذي ذهب إليه محققو المصوبة، أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن، [بل الحكم يتبع (٤٥/ أ) الظن]، وحكم الله [تعالى] على كل مجتهد ما غلب على ظنه. وإليه ذهب القاضي. وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكما معينا يتوجه إليه الطلب، إذ لابد للطلب من مطلوب، ولكن لم يكلف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيبا، وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، الذي لم يؤمر بإصابته، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وأما الذي ذهبوا إلى أن المصيب واحد، فقد اتفقوا على أن فيه حكما معينا لله تعالى، ولكن اختلفوا هل عليه دليل أم لا؟ فقال قوم: لا دليل عليه (٥٨/ ب)، وإنما هو مثل [الدفين]، يعثر الطالب عليه بالاتفاق، فلمن عثر

стр. 1984

[عليه] أجران، ولمن حاد عنه أجر واحد، لأجل تعبه وطلبه. والذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا، اختلفوا [هل عليه دليل] قاطع أو ظني؟ فقال قوم: هو قاطع، ولكن الإثم محطوط عن المجتهد، لغموض الدليل وخفائه. ومن هنا تمادى بشر المريسي فقال: إذا كان في كل مسألة دليل قاطع، وجب أن يكون المخطئ آثما، كما في سائر القطعيات. وهذا تمام القول بثبوت الدليل القاطع في آحاد المسائل الاجتهادية. ومنهم من قال: عليه دليل ظني، [ثم] اختلفوا في أن المجتهد، هل أمر بإصابة ذلك الدليل؟ فقال قوم: لم يكلف المجتهد إصابته، لخفائه وغموضه، ولذلك كان معذورًا مأجورًا. وقال قوم: أمر بطلبه، وإذا أخطأ لم يكن مأجورًا، لكن خط الإثم عنه تخفيفًا. هذا تفصيل المذاهب. والمختار عندنا، وهو الذي نقطع به، ونخطئ المخالف فيه، أن المسائل الاجتهادية لا يتصور أن تثبت الإصابة للمختلفين على حال، فإنه إن كان في المسألة حكم، فلا يكون إلا حكمًا واحدًا معينًا. وإن قلنا: إنه لابد أن يثبت في كل واقعة حكم، فلا يتصور أن يكون الحكم إلا واحدًا [معينًا]، هذا في الواقع.

стр. 1985

وأما الجواز العقلي، فلا يشترط فيه ذلك. ولا يحيل العقل أن يجعل الله تعالى الحكم على كل مجتهد ما غلب على ظنه. ويتحقق ما قلناه بفرض الكلام في طرفين: أحدهما- في الجواز العقلي، والثاني- في الوقوع السمعي. أما الجواز العقلي: فإنه يجوز [عندنا] أن يجعل الله تعالى في مسالة حكمًا معينًا يطلبه العلماء، فقد يصادفونه أجمعين، وقد يصادفه بعضهم، وقد يجوز أن يخطئه الجميع، لولا عصمة الله هذه الأمة. وكيف ينكر ذلك من جهة العقل، والمسألة القطعية وجدت في الشرع [على] هذه الصفة، [والأحكام] ثابتة معينة، والخلق مأمورون بالطلب؟ ولم تجعل الأحكام فيها تابعة للمعتقدات أصلًا، بل الحكم ثابت، فقد يصادفه المعتقد، [وقد لا] يصادفه، [فيجوز] من الله [سبحانه] وتعالى أن يجعل الأحكام كلها على هذه الصفة، ولم يبق الفرق باعتبار ذات الحكم [ووصفه] [وتعيينه]، وإنما يرجع الفرق إلى نصب الدليل القاطع وعدم نصبه. وقد قررنا فيما تقدم أن الصحيح عندنا من جهة العقل، تجويز التكليف مع فقدان الدليل. وإنما توقف التكليف على نصب الأدلة من فضل الله [ ] على عباده رحمة [بهم]. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى

стр. 1986

نبعث رسولًا﴾. هذا هو الكلام على المسألة من جهة التجويز العقلي. (٥٩/ أ) أما المصير إلى أن الشيء الواحد [من وجه واحد على شخص واحد] يختلف المجتهدان فيه، فيقول أحدهما: (٤٥/ ب) هو حلال، مخبرًا عن الله ، ويقول الآخر: هو حرام، مخبرًا عن الله تعالى، فمحال أن يكونا صادقين. مثاله: قليل النبيذ، إذا سئل عنه الشافعي مثلًا، فقال: حرمه الله [ ] على جميع خلقه غير مختص ببعض الناس. وسئل عنه أبو حنيفة فقال: أحله الله [تعالى] للجميع على ذلك التقدير، فمحال أن يكون صادقين بلا ريب، إما استحالة ذلك عقلًا عند قوم، وإما استحالته شرعًا عند آخرين. وهذا أمر يعلم استحالته بلا إشكال. وقد قال مالك ﵀ في هذه المسألة: يختلفان فيقول أحدهما: هذا الشيء حلال، ويقول الآخر: هو حرام، وهما مصيبان، وهذا والله ما لا يكون أبدًا. وصدق ﵀، كيف يقبل [الفعل] على الوجه الواحد في وقت واحد حكمي متناقضين؟ هذا مستحيل، لا يستريب فيه ذو تحصيل. [وهو] البرهان القاطع على أنه لا يتصور أن يكون المختلفان [مصيبين] جميعًا. بل هذا المذهب عين السفسطة، إذ يكون الشيء ونقيضه

стр. 1987

[حقًا]. وقد أجابوا عن [ذلك] بأجوبة نذكرها: فقالوا: إنما لزم [هذا] من جهة اعتقاد أن الكلام أوصاف للأعيان، فاعتقاد الحل والحرمة، كالسواد والبياض، والصفات الحسية. وذلك وهم، [وهو] من أصول المعتزلة، ولا تنبني أصول أهل السنة عليه. قالوا: أما إذا كان الحكم يرجع إلى الخطاب، فلا يتناقض أن يحل لزيد ما يحرم على عمرو، [كالمنكوحة] تحل للزوج، [والأمة] للسيد، وتحرم على الأجنبي، والميتة [تحرم] على المختار دون المضطر، والصلاة تجب على الطاهر، وتحرم على الحائض. وإنما [المتناقض] اجتماع التحريم والتحليل في فعل واحد من وجه واحد. فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة، زال التناقض، حتى نقول في الصلاة في الدار المغصوبة: إنما تقع [صلاة] وقربة من وجه، [وتقع غصبًا] من وجه آخر. فاختلاف الأحوال ينفي التناقض، حتى نقول: يحرم ركوب البحر على من غلب على ظنه العطب، ويجوز لمن غلب على ظنه السلامة، فيختلف الشخصان باعتبار الشجاعة والجبن، وما ركب في القلوب من الجرأة والهلع، فيحل لأحدهما الركوب، ويحرم على الآخر. وكذلك الصلاة تجب على من

стр. 1988

غلب على ظنه أنه متطهر، وتحرم على [من] غلب على ظنه الحدث. قالوا: فكذلك يحل شرب النبيذ لمن غلب على ظنه حله، ويحرم على من غلب على ظنه (٥٩/ ب) أنه بيسير الخمر أشبه. قالوا: فهذا [الأمر] لا يتناقض بوجه. والجواب: أنا لسنا ننكر [شيئا] مما ذكروه، وإنما الكلام إذا عينت المسألة في استحقاق زيد مثلًا [مالًا]، فقضى أحد العالمين بأنه يستحق، وقضى الآخر بأنه لا يستحق، هل يتصور أن يكونا مصيبين؟ مثاله: اختلاف العلماء في المكاتب إذا [كاتب وعليه] ديوان، وقام الغرماء عليه، وكان للسيد نجم قد حل، فأراد المحاصة، فقال [أهل المدينة]: يختص الغرماء بالمال، ولا يدخل السيد في [المحاصة] بالنجم الحال على حال. وقال شريح: [يحاصصهم] بنجمه الذي حل. والفريقان يحكمان مسندين الحكم إلى ما فهموه من إخبار رسول الله ﷺ عن ربه، فإن كلًّا منهم يقول: هذا حكم الله، فيكون على قول من يقول كل مجتهد مصيب، حكم الله بأنه يحاص، وأنه لا يحاص، أعني السيد.

стр. 1989

وإنما فرضناه في مثل هذه (٤٦/ أ) الصورة، حتى يتحقق اتحاد المحل المحكوم فيه. وليس هذا بمثابة حل الميتة لزيد، وتحريم أكلها على عمرو. وهذا لا تنقاص فيه، ولا ننكر اشتمال الشريعة عليه، وعلى [أمثلةٍ] كثيرةٍ له. ونحن نقول: لم يختلف المجتهدون في المسائل إلا على هذه الجهة التي ذكرناها، فلا يتصور مع هذا التقدير المصير إلى تصويب الجميع بحال. وعلى هذا جرت أقضية العلماء، حتى قال الشافعي: (أحد الحنفي إذا شرب النبيذ). ثم إنه ينبني على المصير إلى تصويب كل واحد من المجتهدين أمور فضيعة: منها: أنه إذا تقاوم عند المجتهد الدليلان، تخير بين الشيء ونقيضه، ويقلد [العامي] من شاء من المفتين. فإذا نكح مجتهد مجتهدة، وقال لها: أنت بائن، ولم يقصد بذلك الطلاق، وكان شافعيًا يعتقد بقاء العصمة، وكانت هذه حنفيةً تعتقد انقطاعها، وكل مصيب، فيفضي إلى أن يكون وطأها حلالًا له، حرامًا عليها، وهو فعل لا يتصور إلا من اثنين، فيقع التناقض فيه حلًّا وحرمة. وأيضًا: فإنه لو صح تصويب المجتهدين، لجاز لكل واحد من المجتهدين، إذا اختلفا في جهة القبلة، أن يقتدي كل واحد منهما بصاحبه، وإن صلى إلى غير جهته، إذ صلاة كل واحد صحيحة. وكذلك إذا اختلف اجتهادهما في طهارة الماء ونجاسته.

стр. 1990

وقد نقل بعض العلماء الاتفاق على فساد هذا الاقتداء. وقد منع بعض المصوبة الإجماع في ذلك، وقال: يجوز الاقتداء مع الاختلاف في الجهة والطهارة والنجاسة. والعمدة على الحقيقة، إنما هي على الدليل (٦٠/ أ) الأول، وهو [تعذر] الصدق مع تحقيق التناقض. وقد تمسك الإمام ههنا بطرفين: أحدهما- أنه قال: الطلب للحكم واجب، والاجتهاد في الأحكام لازم، وكيف يتصور الطلب والأمر به من غير مطلوب محقق أو مقدر؟ فمن أقدم إقدام من لا يعتقد [شوفا] ومطلبا كيف يظن؟ تقديره: أن العلم [بالعدم] يمنع من الطلب. وإذا كان المصوبة يقولون: إنه لا يحكم أصلًا، وإنما يتبع [الحكم] الظن، [فكيف يتصور] أن يظن ثبوت الحكم من يعلم نفيه؟ هذا محال، ظاهر الاستحالة. والأمر على ما قاله: من أنه من علم بنفي أمرٍ، استحال أن يطلب وجوده. والقاضي وغيره لا ينكر هذا، [ولكن] النزاع في المطلوب ما هو؟

стр. 1991

فالإمام يرى أن المطلوب [الحكم]، [مباشرٌ] بالطلب، فيلزم سبق الحكم، ثم يتوجه الطلب نحوه، فقد تمكن الإصابة، وقد يمكن الخطأ. والقاضي وغيره يقولون: إنما يتوجه الطلب نحو أمور ثابتة، غير الحكم، وهو مثلا: أن يطلب ظن صدق الراوي، أو ظن استغراق العموم، أو ظهور صيغة (افعل) في الطلب. وهذه أمور ثابتة، فإذا ثبتت هذه الأمور في النفس ظنًا، ترتبت الأحكام الشرعية على الظان ثانيًا، فيكون الحكم يثبت تابعا لحصول غلبات الظنون في تحقيق تلك الإمارات. فأما المصير إلى توجه الطلب لحصول ما يعلم نفيه، فلا يتصور. يبقى أن يقال: فإذا كان المطلوب مثلا صدق الراوي، فإذا تناقض [الطالبان] في الصدق، فظن أحدهما صدق الراوي، وظن الآخر كذبه، هل يتصور أن يكونا مصيبين (٤٦/ ب) في ذلك أم لا؟ فيقال في النظر في الأمارات ما قيل في الأحكام. قلنا: محال أن يكونا مصيبين في الأمارات مع التناقض، لكن يجوز أن يجعل الله [تعالى] ظنه الصدق، سببا لثبوت الحكم عليه، فيكون مصيبا في الحكم، وإن غلط في الصدق، كما إذا قضى القاضي بشهادة من يظن أنه صادق، فالحاكم مصيب، وإن كان الشاهد كاذبًا. ولكن إذا حكم من صدق [المخبر] بمقتضى الخبر على العموم، وأضاف الحكم إلى الله تعالى، وحكم من ظن الكذب، أو لم يظن الصدق، بأن الحكم لم يوجهه الله تعالى على أحدٍ من عباده، استحال أن يكونا صادقين. هذا هو الذي يقوله من قال المصيب واحد.

стр. 1992

وأما الوجه الثاني الذي تمسك به الإمام في الترجيح، وهو أنه: كيف يسنح للمجتهد مسالك، فيرى بعضها أرجح من بعض، مع المصير إلى أن الظنون لا تختلف؟ فهذا لعمري لازم، فإنه إذا تحقق في القلب الاستواء مع تصوير الترجيح مع تحقيق الاستواء. (٦٠/ ب) وهذا يظهر [أنه] متناقض. ولكن [جواب القوم] عنه أنهم يقولون: إنما يكون الترجيح في الأمارات التي تترتب الأحكام عليها. فإنا نقول: إذا تناقض قول العدلين، فمن هو أعدل، فالظن بصدقه أقوى، فيطلب الترجيح في هذه الأمارات، لا بالنظر إلى أقرب الأمرين في الحكم الثابت عند من لا يرى ثبوت الحكم. هذا ممتنع [عندي]، وإنما يصرف الترجيح إلى ما ذكرناه [من أنه أقوى]. فإذا قوي في النفس أحد السببين، ترتب الحكم عليه حينئذ، فيثبت الترجيح لذلك. وأما الترجيح على مذهب من يقول المصيب واحد، فلا يتصور الترجيح بين دليلين على الحقيقة، إذ ليس إلا حكم واحدٌ، ولا دليل على الحقيقة إلا واحدٌ، والترجيح بين فاسد وصحيح، غير صحيح. نعم، إذا ثبت أن أحد الأمرين أقوى في النفس، ظن أن الحكم على وفقه، [فيسمى] ترجيحًا من هذه الجهة خاصة، وإلا [فشرط] الترجيح الحقيقي أن يكون كل سبب، لو قدر منفردا صحيحًا. وقد جاءت أدلة توقيفية تدل على أن المصيب واحد، وليست قواطع، لأنها منقسمة إلى متواترات ظواهر، وإلى نصوص آحاد. أما الظواهر، [فمن]

стр. 1993

كتاب الله [قوله تعالى]: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾. يقول الله [تعالى]: ﴿ففهمناها سليمان وكلًّا ءاتينا حكمًا وعلمًا﴾. فأضاف الإصابة [إلى سليمان]، ولم يعنف داود ﵇. وقال [جل ذكره]: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. [فدل] أن الحكم ثابت يتوصل إليه بالاستنباط. وأقوى الأدلة قوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم وأصاب الحكم فله أجران، وإن أخطأ فله أجر [واحد). وقال ﵇ لبعض أمرائه: (إن سألك من تقاتلهم أن تنزلهم على حكم الله، [فلا تنزلهم]، لأنك لا تدري هل تصيب حكم الله أم لا. وإن سألوك أن تنزلهم على حكمك، [فأنزلهم على حكمك)].

стр. 1994

فهذه أخبار ناصة في الإصابة والخطأ، مع ثبوت الأجر للمخطئ. والأخبار صحيحة مجمع على صحتها. ولا أدري هل بلغت عند علماء الحديث مبلغ المتواترات؟ فإن بلغت مبلغ المتواترات، فهي قواطع في الأدلة. ومن الأدلة القوية في ذلك أقوال الصحابة [﵃]، فإنهم قد صرحوا بإمكان الخطأ في المجتهدات. جاء عن أبي موسى أنه قال في مسألة (٤٧/ أ) البنت وبنت الابن والأخت، لما حكم فيها بما حكم، قال هو والصاحب (٦١/ أ) الآخر للسائل: (وأت ابن مسعود [فإنه] سيتابعنا. فقال ابن مسعود بعد أن علم حكهما: لـ ﴿قد ظللت إذًا وما أنا من المهتدين﴾. وقضى فيها بما قضى. فلما رجع السائل إلى أبي موسى قال: (لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم). وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان). وكذلك قال أبو بكر ﵁ في مسألة الكلالة. وقال علي ﵁: (وإن اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن لم يجتهدوا فقد غشوا). في مسألة إجهاض الجنين، والخوف من الخطأ. ويجري الصواب فيما اتفق سلف الأمة عليه. وقد تبين بما ذكرنا أن المصير إلى الإصابة مع تحقيق التناقض محال. وترتيب حكم الشخص في خاصة نفسه على ظنه ليس بمحال. وأدلة السمع

стр. 1995

مصرحة بثبوت الحق وتعيينه، وتطرق الخطأ وإمكانه. هذا تمام الكلام ومجرى الدليل. فلنذكر [الآن] شبه المخالفين، وهي تنقسم إلى عقلية وإلى سمعية. فلنبدأ بالعقلية. قالوا: كشف الغطاء في ذلك، أن المسائل انقسمت إلى ما لا نص فيها، وإلا ما فيها نص. فإن فرض الكلام فيما لا نص فيه، استحال الخطأ في ذلك، إذ كيف يتصور أن يقال: أخطأ الحكم، ولا حكم في المسألة؟ هذا محال، لا خفاء باستحالته، فلا معنى للإطناب فيه. الطرف الثاني: مسألة فيها نص، فيقال: لا يخلو، إما أن يكون الاطلاع على النص ممكنا، وإما أن يكون مستحيلا، فإن كان مستحيلا، فلا تكليف علينا بالمستحيل، لاستحالة تكليف ما لا يطاق. وبيان ذلك بالمثال: أنه لما كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنة المتواترة، فإذا نزل جبريل [﵇] على رسول الله ﷺ بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ولم تطلع الصحابة على ذلك، ولا يصح أن يكون التكليف توجه عليهم بالأمر باستقبال الكعبة، وكيف يقدر ذلك وهم لو استقبلوا لعصوا؟ وكذلك لو بلغ رسول الله ﷺ أهل بيته أو أهل مسجده، فلم [يمكن] [وصول] التبليغ إلى غيرهم، لاستمر التكليف على من لم يبلغه الناسخ، ولو لم يفعل بمقتضى ذلك، [لكان] عاصيًا. وكيف يفرض وجوب الاستقبال عليهم، وهم لو استقبلوا لعصوا؟ فإذا كان هذا هو الحكم في مسألة فيها نص، [فالتي] لا نص فيها أولى.

стр. 1996

فلئن قيل: فيها نص. قلنا: ذلك النص يمكن الوصول إليه أو لا يمكن؟ (٦١/ ب) فإن أمكن الوصول إليه، [فقد تحقق التكليف، ولزمت المعصية بالمخالفة. وإن لم يكن الوصول إليه]، فليس بحكم في حق من لم يمكنه ذلك. ولئن قيل: أخطأ، فعلى سبيل تجوز، معناه: أخطأ ما سيصير عليه حكمًا عند بلوغه إياه. قالوا: والحاصل [أن] ما لا دليل عليه، فلا تكليف علينا فيه، وما عليه دليل قاطع، يتأتى للمكلف الوقوف عليه. فإذا لم يقف عليه، كان مقصرًا عاصيًا. فإن قيل: سقط العصيان عنه للغموض. قلنا: إن انتهى الغموض إلى حدٍّ يحيل الاطلاع، فلا تكليف. وإن كان غامضا مع إمكان العثور، فالمشقة لا تنهض سببًا لسقوط التكليف. ولئن قيل: عليه دليل ظني، فالأمارات الظنية ليست أدلة على الحقيقة؛ (٤٧/ ب) وهي تختلف باختلاف النفوس والطباع، فرب شيء يحرك ظن زيد، وهو بعينه لا يحرك ظن عمرو، وهو بمثابة استحسان الأصوات والألوان، فرب شيء حسنٍ عند زيد، قبيح عند عمرو. وليست الأدلة القطيعة كذلك. قالوا: فسبب هذا الوهم الاعتقاد بأن الأمارات الظنية أدلة على الحقيقة، وليس كذلك. فلو قيل: فيها أدلة قطيعة، ولكن حط الإثم عن المجتهد لغموضها، [لكان] ذلك باطلًا قطعًا، فإنا نعلم بالضرورة أن [أكثر] مسائل الشريعة ليس فيها أدلة قطعية، فإن الأدلة القطعية [نصوص] كتاب، أو [نصوص]

стр. 1997

سنة متواترة، أو إجماع، وقل ما يصادف ذلك في المسائل الفقهية. قالوا: والحاصل أن الإصابة محال أو ممكن، ولا تكليف بالمحال. وإن كان ممكنًا، فمن أمر [به] فتركه، عصى وأثم. قالوا: ومحال أن يقال هو مأمور به، لكن إذا خالف لم يعص ولم يأثم، وكان معذورًا، لأن هذا يخالف حد الأمر والإيجاب، إذ الواجب: ما يتعرض تاركه للعقاب واللوم. قالوا: وهذا التقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف. هذه عيون كلام القوم. وقد تمسكوا أيضا [بقريب] مما ذكرناه، وذلك أنهم قالوا: إذا قضيتم بأن الحكم متعين، وهو الجواب مثلًا، ثم أدى المجتهد اجتهاده إلى التحريم، فهو لو أقدم على الفعل، لكان فاعلًا واجبًا على التقدير، فينبغي ألا يكون عاصيًا، إذ قدر أنه صادف واجبًا، وينبغي إذا ترك، أن يكون عاصيا، التفاتًا إلى المقدر، وفي إطباق الأمة على وجوب الانكفاف عما يظن تحريمه، وعلى وجوب الإقدام على ما يظن وجوبه. ولو انكف عن الواجب في ظنه، لعصى على قطع، ولو أقدم على المحرم في ظنه، لعصى أيضًا قطعًا، [دليل على ما قلناه]. وهو سؤال غامض على مذهب من يقول المصيب واحد. وإذا أجيب عن هذين السؤالين، اندفع الإشكال (٦٢/ أ). أما السؤال الأول، وهو أنه: هل عليه دليل أو لا دليل عليه؟ فنقول: الكلام مفروض فيما إذا أُبت الله الحكم، ونصب للمكلفين أمارة ظنية عليه، وهو بمثابة ما إذا روى العدل عن [رسول الله ﷺ ] أنه حكم بكذا، فالحكم

стр. 1998

من الرسول معين، وهو ثابت في نفسه، ومتعلق بأفعال المكلفين، على حسب شرعيته، والعدل المخبر عن ثبوته، مظنون صدقه، فمن صادف ذلك الحكم، وعثر عليه من قول المخبر، فقد أصاب حكم الله . ومن ثبت عنده عدالة الشخص، ولم يعثر على الحكم، ولم يظنه، فلا إثم عليه في ذلك، لبذله المجهود. وقولهم: إنه مأمور أو غير مأمور، [هو مأمور] بطلب حكم الله ، وواجب عليه ذلك. وقولهم: إذا ثبت الوجوب، لم يكن بد من المعصية، والذم عند المخالفة. وقد كنا قدمنا في حد الواجب: أنه الذي يذم تاركه بوجه ما. وحققنا أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت، وأن من مات في وسط الوقت لا يموت عاصيا، ولم نرتض قول من يجعل العزم بدلا عن الواجب. وهذا الذي نحن فيه من ذلك النوع. نعم، يتوجه الذم على تارك ذلك الواجب عندما يثبت عنده وجوبه، فقد تحقق نعت الوجوب في حقه، وامتاز عن غيره الواجب بذلك. وأما الجواب عن السؤال الثاني: وهو أنه إذا ظن الوجوب، وجب الإقدام قطعا، بإجماع (٤٨/ أ) المسلمين، فكيف يقطع بوجوب الإقدام مع احتمال أن يكون الشيء غير واجب؟ وهذا من أغمض الأسئلة. وسبيل الجواب أن نقول: إذا ظن المكلف الوجوب مثلا، قطع في حقه بوجوب التعظيم، وتحريم الاستهانة. والإقدام على المخالفة بعد ظن الوجوب، استهانة، [وهو محرم]، وهي محرمة على وجه مقطوع به، لا على مظنون، فإن من ظن أن

стр. 1999

زيدا سيده ومالكه مثلا، ثم استهان بأمره، وأعرض عن موافقته، استحق [التقريع] من مالكه، وإن كشف الغيب أن ذلك الآمر ليس هو المالك. فمن هذه الجهة يعصي من ظن الوجوب، ولم يقدم على العمل. فأما النظر إلى خصوصية العمل، فلا يقطع بوجوبه على حال، وكيف يقطع بوجوبه من جهة خصوصيته، [وقد] يجوز أن يكون [حراما عليه فعله]؟ فإن قيل: فعلى تقدير تحريمه باطنا، كيف يتصور أن يقطع بكونه مطيعا مع تجويز التحريم؟ [فنقول]: لم نقطع بكونه مطيعا بالنظر إلى خصوصية الفعل، بل نظن ذلك [ظنا]، وإنما نقطع بالطاعة، بناء على الأمر الكلي الذي قررناه. هذا هو الذي لا يصح [عندنا] سواه (٦٢/ ب)، ولا يجري على الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة واختلاف أهل العلم في مسائل على التناقض في النفي والإثبات غيره. ومفرعو المسائل لم يفرعوها خاصة أصلا، بل وضعوها شاملا للكافة، كل يظن أن الله تعالى لم يحكم على عباده إلا بما ذكره المفرع أو المفتي، اللهم إلا في مسائل نادرة، تكون الأدلة من الجانبين متقاربة، فترجع الفتوى إلى التخيير، ويقع التعيين من باب التفصيل. وهذا كما يقال في السجود للسهو في النقصان والزيادة: أن سجود النقص قبل السلام، وسجود الزيادة بعد السلام، ولو عكس المكلف لكان في سعة، لأن الأمر في

стр. 2000

هذا الترتيب ليس بضيق على المكلفين. هذا تمام الكلام في حقيقة التخطئة والتصويب. فلنتكلم بعد ذلك على حقيقة ثبوت الحكم المعين في المجتهدات. أما نحن إذا ذهبنا إلى أن المصيب واحد في المجتهدات، فلابد من حكم معين قبلة الطالب، وإليه يتوجه طلبه، فيصيب أو يخطئ. وأما المصوبة، فقد اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى إثباته، وإليه تشير نصوص الشافعي، لأنه قال: لابد للطالب من مطلوب. والإمام ذكر هذا، ولم يصرح بأن المصيب واحد، ولا أن كل مجتهد مصيب. ولكن اللائق [بالمعممين] أن يقولوا المصيب واحد، وربما عبروا عنه: أن مطلوب المجتهد الأشبه، والأشبه معين عند الله . ومن العجائب في ذلك المصير إلى تعين حكم الله ، وأنه ليس له إلا حكم واحد، ثم القضاء بأن من حاد عنه، فهو مصيب لحكم الله تعالى. ولا معنى للإطناب في إفساد هذا، فإنه من الكلام الغث. ولا يتصور مع القول [بتعين] الحق أن يكون كل مجتهد مصيب، إلا أن يراد أنه مصيب باعتبار ما كلف من الطلب، وإن كان مخطئاً
следующие страницы →