Полный текст (2 928 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
فلئن قيل: فيها نص. قلنا: ذلك النص يمكن الوصول إليه أو لا يمكن؟ (٦١/ ب) فإن أمكن الوصول إليه، [فقد تحقق التكليف، ولزمت المعصية بالمخالفة. وإن لم يكن الوصول إليه]، فليس بحكم في حق من لم يمكنه ذلك. ولئن قيل: أخطأ، فعلى سبيل تجوز، معناه: أخطأ ما سيصير عليه حكمًا عند بلوغه إياه. قالوا: والحاصل [أن] ما لا دليل عليه، فلا تكليف علينا فيه، وما عليه دليل قاطع، يتأتى للمكلف الوقوف عليه. فإذا لم يقف عليه، كان مقصرًا عاصيًا.
فإن قيل: سقط العصيان عنه للغموض. قلنا: إن انتهى الغموض إلى حدٍّ يحيل الاطلاع، فلا تكليف. وإن كان غامضا مع إمكان العثور، فالمشقة لا تنهض سببًا لسقوط التكليف. ولئن قيل: عليه دليل ظني، فالأمارات الظنية ليست أدلة على الحقيقة؛ (٤٧/ ب) وهي تختلف باختلاف النفوس والطباع، فرب شيء يحرك ظن زيد، وهو بعينه لا يحرك ظن عمرو، وهو بمثابة استحسان الأصوات والألوان، فرب شيء حسنٍ عند زيد، قبيح عند عمرو. وليست الأدلة القطيعة كذلك. قالوا: فسبب هذا الوهم الاعتقاد بأن الأمارات الظنية أدلة على الحقيقة، وليس كذلك.
فلو قيل: فيها أدلة قطيعة، ولكن حط الإثم عن المجتهد لغموضها، [لكان] ذلك باطلًا قطعًا، فإنا نعلم بالضرورة أن [أكثر] مسائل الشريعة ليس فيها أدلة قطعية، فإن الأدلة القطعية [نصوص] كتاب، أو [نصوص]
стр. 1997
سنة متواترة، أو إجماع، وقل ما يصادف ذلك في المسائل الفقهية. قالوا: والحاصل أن الإصابة محال أو ممكن، ولا تكليف بالمحال. وإن كان ممكنًا، فمن أمر [به] فتركه، عصى وأثم. قالوا: ومحال أن يقال هو مأمور به، لكن إذا خالف لم يعص ولم يأثم، وكان معذورًا، لأن هذا يخالف حد الأمر والإيجاب، إذ الواجب: ما يتعرض تاركه للعقاب واللوم. قالوا: وهذا التقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف. هذه عيون كلام القوم.
وقد تمسكوا أيضا [بقريب] مما ذكرناه، وذلك أنهم قالوا: إذا قضيتم بأن الحكم متعين، وهو الجواب مثلًا، ثم أدى المجتهد اجتهاده إلى التحريم، فهو لو أقدم على الفعل، لكان فاعلًا واجبًا على التقدير، فينبغي ألا يكون عاصيًا، إذ قدر أنه صادف واجبًا، وينبغي إذا ترك، أن يكون عاصيا، التفاتًا إلى المقدر، وفي إطباق الأمة على وجوب الانكفاف عما يظن تحريمه، وعلى وجوب الإقدام على ما يظن وجوبه. ولو انكف عن الواجب في ظنه، لعصى على قطع، ولو أقدم على المحرم في ظنه، لعصى أيضًا قطعًا، [دليل على ما قلناه]. وهو سؤال غامض على مذهب من يقول المصيب واحد. وإذا أجيب عن هذين السؤالين، اندفع الإشكال (٦٢/ أ).
أما السؤال الأول، وهو أنه: هل عليه دليل أو لا دليل عليه؟ فنقول: الكلام مفروض فيما إذا أُبت الله الحكم، ونصب للمكلفين أمارة ظنية عليه، وهو بمثابة ما إذا روى العدل عن [رسول الله ﷺ ] أنه حكم بكذا، فالحكم
стр. 1998
من الرسول معين، وهو ثابت في نفسه، ومتعلق بأفعال المكلفين، على حسب شرعيته، والعدل المخبر عن ثبوته، مظنون صدقه، فمن صادف ذلك الحكم، وعثر عليه من قول المخبر، فقد أصاب حكم الله . ومن ثبت عنده عدالة الشخص، ولم يعثر على الحكم، ولم يظنه، فلا إثم عليه في ذلك، لبذله المجهود.
وقولهم: إنه مأمور أو غير مأمور، [هو مأمور] بطلب حكم الله ، وواجب عليه ذلك.
وقولهم: إذا ثبت الوجوب، لم يكن بد من المعصية، والذم عند المخالفة. وقد كنا قدمنا في حد الواجب: أنه الذي يذم تاركه بوجه ما. وحققنا أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت، وأن من مات في وسط الوقت لا يموت عاصيا، ولم نرتض قول من يجعل العزم بدلا عن الواجب. وهذا الذي نحن فيه من ذلك النوع. نعم، يتوجه الذم على تارك ذلك الواجب عندما يثبت عنده وجوبه، فقد تحقق نعت الوجوب في حقه، وامتاز عن غيره الواجب بذلك.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: وهو أنه إذا ظن الوجوب، وجب الإقدام قطعا، بإجماع (٤٨/ أ) المسلمين، فكيف يقطع بوجوب الإقدام مع احتمال أن يكون الشيء غير واجب؟ وهذا من أغمض الأسئلة. وسبيل الجواب أن نقول: إذا ظن المكلف الوجوب مثلا، قطع في حقه بوجوب التعظيم، وتحريم الاستهانة. والإقدام على المخالفة بعد ظن الوجوب، استهانة، [وهو محرم]، وهي محرمة على وجه مقطوع به، لا على مظنون، فإن من ظن أن
стр. 1999
زيدا سيده ومالكه مثلا، ثم استهان بأمره، وأعرض عن موافقته، استحق [التقريع] من مالكه، وإن كشف الغيب أن ذلك الآمر ليس هو المالك. فمن هذه الجهة يعصي من ظن الوجوب، ولم يقدم على العمل.
فأما النظر إلى خصوصية العمل، فلا يقطع بوجوبه على حال، وكيف يقطع بوجوبه من جهة خصوصيته، [وقد] يجوز أن يكون [حراما عليه فعله]؟
فإن قيل: فعلى تقدير تحريمه باطنا، كيف يتصور أن يقطع بكونه مطيعا مع تجويز التحريم؟ [فنقول]: لم نقطع بكونه مطيعا بالنظر إلى خصوصية الفعل، بل نظن ذلك [ظنا]، وإنما نقطع بالطاعة، بناء على الأمر الكلي الذي قررناه.
هذا هو الذي لا يصح [عندنا] سواه (٦٢/ ب)، ولا يجري على الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة واختلاف أهل العلم في مسائل على التناقض في النفي والإثبات غيره. ومفرعو المسائل لم يفرعوها خاصة أصلا، بل وضعوها شاملا للكافة، كل يظن أن الله تعالى لم يحكم على عباده إلا بما ذكره المفرع أو المفتي، اللهم إلا في مسائل نادرة، تكون الأدلة من الجانبين متقاربة، فترجع الفتوى إلى التخيير، ويقع التعيين من باب التفصيل. وهذا كما يقال في السجود للسهو في النقصان والزيادة: أن سجود النقص قبل السلام، وسجود الزيادة بعد السلام، ولو عكس المكلف لكان في سعة، لأن الأمر في
стр. 2000
هذا الترتيب ليس بضيق على المكلفين. هذا تمام الكلام في حقيقة التخطئة والتصويب.
فلنتكلم بعد ذلك على حقيقة ثبوت الحكم المعين في المجتهدات. أما نحن إذا ذهبنا إلى أن المصيب واحد في المجتهدات، فلابد من حكم معين قبلة الطالب، وإليه يتوجه طلبه، فيصيب أو يخطئ.
وأما المصوبة، فقد اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى إثباته، وإليه تشير نصوص الشافعي، لأنه قال: لابد للطالب من مطلوب. والإمام ذكر هذا، ولم يصرح بأن المصيب واحد، ولا أن كل مجتهد مصيب. ولكن اللائق [بالمعممين] أن يقولوا المصيب واحد، وربما عبروا عنه: أن مطلوب المجتهد الأشبه، والأشبه معين عند الله . ومن العجائب في ذلك المصير إلى تعين حكم الله ، وأنه ليس له إلا حكم واحد، ثم القضاء بأن من حاد عنه، فهو مصيب لحكم الله تعالى. ولا معنى للإطناب في إفساد هذا، فإنه من الكلام الغث. ولا يتصور مع القول [بتعين] الحق أن يكون كل مجتهد مصيب، إلا أن يراد أنه مصيب باعتبار ما كلف من الطلب، وإن كان مخطئاً
стр. 2001
للحكم. فهذا هو الذي يقوله من يقول المصيب واحد، فإنه يقول: هو مطيع، وإن لم يكن مصادفًا للحكم.
مسألة: في وجوب الاجتهاد على المجتهد. وقد أجمعوا على أنه [إذا] تمم الاجتهاد وأنهاه نهايته، وحصل على ظن الحكم، فلا يجوز له أن يقلد غيره في هذه الصورة، بل عليه أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده. أما إذا لم يجتهد، فإنه ينظر، فإن لم يكن من (٤٨/ ب) أهل الاجتهاد في المسألة، وإن كان عنده نظر، وإنما يكون من أهل الاجتهاد فيها بشرط أن يحصل علما على سبيل الابتداء. [فهذا حكمه] التقليد، ولا يتوقف العمل عليه على استئناف تحصيل [علم]، وهذا مجمع عليه. وإن كان من أهل الاجتهاد (٦٣/ أ) في المسألة، بحيث لو نظر، لتمكن من الوقوف على الحكم مستندا إلى دليله، بحيث يستغني عن تعلم علم من غيره، فهل [يجب] عليه الاجتهاد، أو يجوز له التقليد؟
فقال قوم: انعقد الإجماع على أنه لا يجوز تقليد من بعد الصحابة. وقال قوم: الصحابة والتابعون. وكيف يصح دعوى الإجماع، وممن قال [بتجويز]
стр. 2002
تقليد العالم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؟ وقال محمد بن الحسن: يجوز أن يقلد من هو أعلم منه، ولا يجوز أن يقلد [من هو] دونه أو مثله.
وقال قوم: يجوز أن يقلد فيما يفتي به وفيما يخصه. وقال قوم: يجوز أن يقلد فيما يخشى فوات وقته، دون ما يتسع وقته. وقال القاضي: لا يجوز أن يقلد العالم العالم بحال، وسواء في ذلك ما يخصه، وما يفتي به، وسواء أيضًا في ذلك الصحابة وغيرهم. وهذا هو الأغلب على الظن عندنا.
والدليل عليه: أن تقليد من لم تثبت عصمته، ولم تتحقق إصابته، بل كان السهو والخطأ متطرقين إليه، لا يثبت إلا بنص، أو قياس على منصوص، ولا
стр. 2003
نص، ولا يمكن القياس على المنصوص، [إذ] المنصوص للعامي والمجتهد.
أما العامي، فيجب عليه التقليد، إذ ليس يمكنه غير ذلك، وهو مأمور ومنهي، ومن لا بصر له، فهو مفتقر إلى أن يستضيء ببصر غيره. وأما المجتهد، فإنه يعمل برأيه، وهو يعلم ظن نفسه، ولا يعلم ظن غيره، فكيف يصح قياسه عليه واعتباره به؟
فإن قيل: فهو لا يقدر إلا على تحصيل ظن، وظن غيره كظنه، لاسيما على القول بتصويب المجتهدين. قلنا: الذي نختاره أن المصيب واحد، وقد تقدم الكلام عليه. وأما كونه لا يقدر إلا على ظن، وظن غيره كظنه. قلنا: بينهما فرق: وهو أن المجتهد يعلم ظن نفسه، ويحق إمكان الغلط في ذلك، بخلاف ما إذا [قلد] غيره، فإنه يجوز أن لا يكون الغير ظانا أصلًا.
وإذا ثبت هذا الافتراق، بطل الإلحاق، ووجب الاقتصار على الشرع بالإجماع.
وأوضح الأدلة على ذلك، أنه إذا حصل له ظن بالحكم، امتنع أن يتركه لظن غيره، فيدل ذلك على أنه هو الأصل، وظن غيره بفي معنى البدل، ولذلك ترك ظن غيره لظن نفسه، فدل ذلك على أن ظن نفسه هو الأصل، وظن غيره] هو البدل.
وإذا تحقق ذلك، فالقدرة على الأصل، تمنع من البدل، كما في الماء
стр. 2004
والتراب، وكذلك في خصال كفارة اليمين، وجواز الصيام، وكذلك خصال كفارة الظهار، فإن القدرة على تحصيل عتق الرقبة، تتنزل منزلة ملك الرقبة. وهذا غالب في الشريعة في الأبدال والمبدلات.
وقد شذت مسألة مواحدة، وهي مسألة: من ملك خمسا وعشرين من الإبل، فإنه (٦٣/ ب) يجب عليه بنت مخاض، وإن لم تكن، فابن لبون ذكر، فوجدان بنت المخاض، يمنع من إخراج ابن اللبون. وليس التمكن من تحصيله، يمنع من ذلك، ولكن غالب الشريعة وأكثرها على خلاف ذلك، فلزم تنزيل الأمر على [الأعم] الأغلب، ولا [تنزيل] على الأقل الأندر.
فإن قيل: يدل على جواز تقليد العالم العالم ظواهر من الكتاب (٤٩/ أ). منها: قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وقوله: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. وقوله: ﴿فسئلوا أهل الذكر﴾ كلام عام، يتناول سؤال كل سائل.
قلنا: أما قوله ﴿فسئلوا أهل الذكر﴾، فهذا خطاب مواجهة، وخطاب المواجهة لا عموم له عندنا، فإنه [قد] يقول [الملك] [لبعض] من حضر من غلمانه: اركبوا ولا يريد جميعهم. ولا يكون اللفظ مجازا على تقدير مخاطبة البعض، وإنما يفهم من قصده بالخطاب بقرينة الحال والمقال، فلا
стр. 2005
يثبت العموم للخطاب في هذه الصورة. ثم الظاهر أنه أراد سؤال العوام للعلماء، ولهذا قال: ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾. أما من هو قادر على علم المسألة، فهو بمثابة المسؤول. وسياق الآية يرشد إلى فرق بين السائل والمسؤول.
وأما قوله: [﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم﴾]، فيحتمل أن يكون المراد بأولي الأمر: الأمراء، فيكون الخطاب متوجها إلى الرعية، أي في الانقياد والطاعة، وبذل النصيحة، وعدم الخروج على الأئمة. وإن كان المراد بأولي الأمر: العلماء، فيكون ذلك خطابا للعوام الذين لا يدرون الشرع، ولا يعرفون طرق الاستنباط، فهؤلاء يلزمهم مراجعة جميع العلماء. إذ ليس لهم آلة هذا الشأن.
وقد جاءت عمومات تعارض هذه، وهي أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يأولي الأبصار﴾. وقوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. وقوله ﴿أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها﴾. فهذا أمر [بالتدبر] والاستنباط والاعتبار، وليس خطابا على العوام، فلم يبق مخاطبا إلا العلماء، والمقلد تارك [للتدبر] والاعتبار والاستنباط. وكذلك قوله تعالى: ﴿[اتبعوا]
стр. 2006
ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾. وهذا بظاهره يوجب الرجوع إلى الكتاب، لكن دل الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع، والإجماع على القياس. وأما اتباع أقوال بعض [الناشئة]، فلم يتلق من شيء من هذه الأدلة، فلا يجوز التمسك به. والمسألة ظنية يقوى فيها التمسك بهذه الأدلة وبأمثالها.
ويدل (٦٤/ أ) على ذلك سيرة [الصحابة ﵃] فإنهم كانوا يجتمعون ويتشاورون، ولا يكفي بعضهم من بعض بمجرد ذكر الحكم، حتى يبحث عن الدليل. وهذا أيضا ليس بقاطع، لأن الذي يقول: يقلد العالم العالم لا يوجب ذلك، بل يجوزه. فلعل الذين سلكوا هذا المسلك، إنما سلكوه [بناء] على أنه أحسن، لا على أنه حتم لازم. وقد [تباهلوا] في مسائل كثيرة، كمسألة الجدة والعول، والمفوضة، ولم [يركن] بعضهم فيه [إلى] تقليد بعض، بل سلكوا مسلك الاستدلال. هذا هو الأمر الواضح عندنا.
فإن قيل: لم ينقل عن طلحة والزبير و [سعيد] بن زيد تعرض
стр. 2007
للفتوى، مع أنهم [مجتهدون]. والظاهر أنهم كانوا يقلدون. قلنا: هذا خيال باطل، ووهم بين، فمن أين يلزم إذا لم يكونوا يشتغلون بالفتوى، أنهم كانوا يقلدون غيرهم؟ بل الظاهر أن المجتهد الذي له في نفسه بصر، لا يرد أمره إلى غيره بحال.
فإن قيل: فما تقولون في تقليد العلم؟ قلنا: إذا ثبت أن نظر غيره في معنى البدل، وأن نظره هو الأصل، لزم أن ينظر أولًا، فإن وافق نظره نظر الأعلم، [فذاك]، وإن خالف نظره نظره، فأي فائدة لكونه أعلم، [وهو] قد ظن خلاف (٤٩/ ب) رأيه، وظنه خاص به؟ وكون ذلك أعلم، لا يمنعه من حصول ظن المخالفة، فلا التفات إلى كونه أعلم بحال. وقد كان أصاغر الصحابة يخالفون الأكابر منهم. وكثيرا ما خالف ابن عباس [عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من جملة الصحابة، وإن كان ابن عباس] معترفا بأن عليا أعلم منه. وقد صرح بذلك.
والذي نراه وجوب الاجتهاد على المجتهد، ولا يقلد غيره بحال. فإن قيل: فهل من فرق بين ما يخصه وبين ما يفتي به؟ قلنا: يجوز أن ينقل للمستفتي مذهب الشافعي وأبي حنيفة، لكن لا يفتي من نفسه بتقليد غيره، إذ لو جاز ذلك، لجاز للعوام الفتوى. وأما ما يخصه وضاق الوقت، وكان في البحث تفويت، فهذا هل يلحق بالعاجز في جواز التقليد؟ فيه نظر فقهي، وهو يشبه العدول إلى التيمم عند ضيق الوقت، وتناوب جماعة على بئر. والصحيح عندنا
стр. 2008
[فيها] العدول إلى التيمم. وفيه قول: إن [المتيمم] [يعيد] بعد الوقت، والمشهور خلافه. فكذلك هذا يقلد، لضرورة فوات الوقت.
ويتصدى النظر أيضا في مسألة، [وهي] إذا كان صاحب الواقعة قد حصل أكثر مما تحتاج المسألة إليه، وبقي عليه تحصيل بعض المواد، فهذا فيه نظر، فهل يلتحق بالعالم أو بالعامي؟ (٦٤/ ب) والصحيح عندنا التحاقه بالعامي في جواز التقليد، وكونه قادرا على تحصيل علم تلك المادة، كذلك العامي قادر على تحصيل كل المواد. فإذًا إنما يمنع التقليد على المجتهد، وهو الذي قد حصل مدارك المسألة، ولم يبق إلا تصفح الجزئيات.
مسألة: في نقض الاجتهاد بالاجتهاد . إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، فنكح امرأة خالعها ثلاثا، ثم تغير اجتهاده ورآه طلاقا، لزمه فراقها، ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده. [ولو] حكم بصحة النكاح بعد أن خالع الزوج ثلاثا، ثم تغير اجتهاده، لم يفرق بين [الزوجين]. ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح، لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لنقض النقض أيضا، والتسلسل، واضطربت الأحكام، ولم يوثق بها.
стр. 2009
[أما] إذا نكح المقلد بفتوى مفت، وأمسك زوجته بعد دور الطلاق، وقد نجز الطلاق بعد الدور، ثم تغير اجتهاد المفتي، فهل على المقلد تسريح زوجته؟ هذا فيه نظر، والظاهر أنه يجب التسريح، كما لو تغير اجتهاد الناكح في نفسه، فإنه يلزمه التسريح. وهو إذا لم يكن من أهل النظر، فقد نزل مقلده منزلة. وكما لو تغير اجتهاده عن القبلة في أثناء الصلاة، فتحول إلى الجهة الأخرى، كما لو تغير اجتهاده في نفسه.
وإنما حكم الحاكم هو الذي لا ينقض، لكن بشرط ألا يخالف نصا ولا دليلا قاطعا، فإن أخطأ النص نقضنا حكمه. وكذلك إذا انتبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط الحكم أو تنقيحه، بحيث يعلم أنه لو نبه له، لعلم قطعا بطلان حكمه، فينقض حكمه.
وقد اضطربت العلماء في مسائل، لا للنزاع في هذه [القواعد]، ولكن للتردد في أن الحاصل من الحاكم حكم، أو كف عن الحكم؟
وتلك المسائل: ما إذا تزوجت بغير إذن الولي، فرفع ذلك إلى حنفي يرى صحته، فقضى بالصحة، فقال أكثر أصحابنا: يجب إمضاء الحكم، ورأوا ذلك حكما (٥٠/ أ). وقال ابن الماجشون: يفسخ [النكاح]، ورأى أن قوله: الحكم، [أي] كف عن التعرض لفسخه، وكذلك ما ضاهى ذلك.
فإن قيل: فإذا خالف النص لا لتقصير من قبله، بل لكونه لم يبلغه،
стр. 2010
فيقضي بخلافه، ثم اطلع [عليه] هو أو غيره، فهل ينقض حكمه أو لا ينقضه؟ فإن قلتم ينقضه، فهو كان مأمورا به، مأذونًا له في الحكم بسببه، فقد فعل ما أمر به. وإن قلتم يستمر حكمه، فكيف يستمر حكمه على مخالفة النص؟ قلنا: هذا إنما يلزم من يقول كل مجتهد [مصيب]، (٦٥/ أ) أما نحن، فلا نرى ذلك، ونثبت الخطأ في المجتهدات، فكيف فيما تحقق النص فيه؟
وقد اعتذر الأولون عن هذا بأن قالوا: إنما يكون مصيبا بشرط أن لا يطلع على النص، فإذا اطلع عليه، وجب التدارك. ويجوز أن يختلف الحكم بالعلم والجهل، كما يختلف بالسفر والإقامة، والطهر والحيض، والصحة والمرض. لكن بين هذه الأمور وبني الجهل والعلم فرق، فإن من سقط عنه الوجوب بعجز أو عدم، لم يجب على غيره إزالة عجزه أو عدمه. ولو سقط عنه الوجوب لجهله، وجب على العالم إزالة جهله، فإن تعليم العلم ونشر الشرع وإزالة الجهل واجب. ولذلك نقول: من صلى وعلى ثوبه نجاسة لا يعلمها، صحت صلاته ولا يقضيها. ومن رأى على ثوبه تلك النجاسة، يلزمه تعريفه. و [لو] تيمم ليصلي، وقدر غيره على أن يزيل عجزه بحمل الماء إليه، لم يلزمه. ففي هذه الدقيقة يختلف حكم العلم والجهل، وحكم سائر الأوصاف.
فإن قيل: فلو خالف العالم قياسا جليا، هل ينقض حكمه؟ قلنا: قال الفقهاء: ينقض [حكمه]، فإن أرادوا المقطوع به، فصحيح، وإن أرادوا به
стр. 2011
قياسا [مظنونا]، ولكنه جلي، فهذا مشكل، والفرق بين مظنون ومظنون عسر، وضبط درجة [للظن]، يتوقف عندها في الإمضاء والنقض، لا قدرة عليه. وقد قال الفقهاء: ينقض القضاء إذا خالف قياسا جليا أو خبرا صحيحا أو عملا مستمرا.
أما الأعمال المستمرة، فإن كانت أعمال أهل الإجماع، فالأمر فيها واضح، وإن كانت أعمال أهل المدينة، كما جرى في الأحباس والمد والصاع، فهذه الأعمال تدل على سنن ثابتة، فيتنزل ذلك منزلة الأخبار الصحيحة. قلنا: الصحيح عندنا أنه لا ينتقض الحكم، إلا في مواضع القطع بالغلط. والقضاء بتقديم خبر الواحد على جنس القياس، ليس [بمقطوع] به عندنا. وكيف يقطع بتقديم الخبر المعين الذي عارضه القياس، وكون الخبر المعين مستند العمل مظنونا؟ فكيف يقطع بتقديمه على غيره في استناد العمل إليه، مع كوننا نظن أن حكم الله على مقتضاه؟ وهذا قد سبق تقريره قبل هذا.
وعلى الجملة، المقطوع به كون أخبار الآحاد يستند إليها العمل على الجملة. وكذلك القياس من حيث الجملة. وكذلك القياس من حيث الجملة. وأما الحكم [بخبر] معين، فليس مقطوعًا به، [بل] مظنونًا، وليس [ترك] العمل به في صورة مخصوصة، تركًا للعمل بأخبار الآحاد على الإطلاق.
стр. 2012
فإن قيل: [فإن] حكم بخلاف اجتهاده، لكنه وافق اجتهاد غيره، فما الذي تقولون؟ (٦٥/ ب) ولو حكم حاكم مقلد بخلاف قول من يقلده، فهل ينتقض حكمه؟ قلنا: هذا في حق المجتهد لا يعرف يقينا، بل يحتمل تغير اجتهاده. نعم، هو في خاصة نفسه، إذا علم أنه حكم بخلاف اجتهاده، وجب عليه نقض حكمه، إلا أن تكون القضية تتعلق بغيره، فلا يقبل قوله على غيره، لمصلحة الحكم أيضا. و [لذلك] منع الحاكم [أيضا] من أن يحكم بعلمه، لمصلحة الخلق في ذلك. (٥٠/ ب) وأما المقلد، فلا يصح حكمه عند الشافعي، وهو ظاهر قول مالك ﵀، فإنه قال: إذا اجتمع في القاضي خصلتان، رأيت أن يستقضى، وهما: العلم والورع.
وإن قضينا بصحة حكم المقلدين في وقتنا لضرورة الوقت، وفقدان المجتهدين، تصدى النظر في أمر [آخر]، وهو أنه: هل يتخير المقلد في تقليد من شاء، أو يجب عليه تقليد الأعلم؟ وهذه مسألة سيأتي الكلام عليها، إن شاء الله تعالى. فإن جوزنا، فهذا قد وافق مذهبنا من حيث الجملة، فلا ينقض قضاؤه. وإن قلنا: لا يتخير، بل يرجح- وهو الصحيح- أوجبنا عليه اتباع الأعلم عنده. فإذا قضى بخلاف قوله، فلم يفعل ما أمر به، فقد وقع الحكم في غير محله، فينبغي أن ينقض قضاؤه.
стр. 2013
قال الإمام [﵀]: (فصل- فيما يعلل وما لا يعلل) إلى قوله (فإن رأى في وجهه [تقطيعها وتكريها]] فهذا مثال الأشباه). قال الشيخ أيده الله: ابتدأ الإمام من هذا المكان على أركان القياس ، وبيان ما يعلل من الأصول، وما لا يعلل، وما يصح أن يتلقى من القياس، وما لا يصح. فلنتكلم على ذلك على الترتيب، ولنبين شروط كل ركن على وجه وجيز، ليحصل الغرض على الكمال، وبالله نستعين.
اعلم أن أركان القياس أربعة: الأصل والفرع والجامع والحكم. أما الأصل: فهو الذي ثبت حكمه، وكانت نسبة الفرع إليه والاعتبار [به]. وله شروط:
الأول: أن يكون [حكم الأصل] ثابتا، فإنه إن لم يكن حكمه ثابتا، خرج عن كونه أصلًا، ولم ينتفع به الناظر ولا المناظر، فعدم الحكم يخرج
стр. 2014
القياس عن حقيقته.
الثاني: أن يكون حكمًا شرعيًا، فإنه إن كان لغويا، لم يتأت القياس فيه عندنا، فكون الحكم لغويا، يمنع القياس أيضا. وقد نقلنا [اختلافا] في الأحكام العقلية، هل يجوز أن تثبت بالقياس أم لا؟ واخترنا جواز ذلك.
الثالث: أن يكون الطريق الذي ثبت به كون الوصف علة [سمعيا]، لأن كون العلامة أو الوصف (٦٦/ أ) الذي لا يقتضي لنفسه علة، أمر وضعي، ودعوى على الشرع، فلا يثبت إلا بطريق سمعي. وقد تقدم الكلام على
стр. 2015
[الطرق] التي تثبت بها علل الأصول. وهذا هو الذي قصده الإمام ههنا.
وقول الإمام: والكلام ههنا مخصوص بقياس المعنى والشبه، وليس الأمر كذلك، بل الحاجة ماسة في هذا المكان إلى جميع الطرق التي تثبت بها علل الأصول، سواء كان ذلك الطريق توقيفيا صريحًا، أو إيماء نصًا أو ظاهرًا، فإن جميعها يرشد إلى التعليل.
الرابع: أن لا يكون الأصل فرعًا لأصل آخر، فلا معنى لقياس الذرة على الأرز، ثم قياس الأرز على البر. وإن اعتبر الجامع الأول، فالاعتبار بالبر على الحقيقة، وإدخال الأرز تطويل الطريق من غير فائدة، وإن لم يلتفت إلى جامع الأصل، بطل الإلحاق. وقد قدمنا في ذلك قولًا بالغًا.
стр. 2016
ومما يحقق ذلك أن الأصل إن كان معللًا بمعنى مناسب غير مؤثر، فإنه عرف كون المعنى علة بشهادة الأصل له، وإن استنبط من الفرع غير ذلك المعنى، فقد [فقد ما] ثبت [به] كون وصف الأصل علة، وبطلت الشهادة، فيبقى الاعتماد على معنى مجرد، [لا أصل] له، فليستعمل [استدلالًا] لا قياسًا. وإن كان النظر في قياس الشبه، فربما يشبه [الأول] [الثالث] والرابع [خامسًا]، فينتهي الأمر بالآخر إلى وجهٍ لا يشبه الآخر الأول بوجه. (٥١/ أ) فثبت بهذا أن القياس على فرع العلة باطل.
الخامس: أن يكون دليل صحة [الأصل] مختصًا بالأصل، لا يتناول [الفرع] بحال، كما أن شرط تصور القياس، أن يكون حكم الأصل مختصًا به توقيفًا، فإنه لو كان اللفظ يتناول المحلين، خرج كل واحد منهما عن كونه
стр. 2017
أصلًا للآخر. فلو قال [﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام)، لاستحال أن يكون البر أصلًا للأرز على هذا التقدير، فكذلك إذا ألحق الأرز بالبر بجامع الطعم، واستدل على ذلك بقوله]﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام). من جهة أنه مشتق علق الحكم عليه، ودليل التعليل يثبت الحكم على التعميم في المحل الملحق، فهذا يخرج القياس عن حقيقته. وكذلك [إذا] فضل القاتل المقتول بفضيلة الإسلام، فوجب أن لا يقتل به، كما لو قتل الحربي. [ثم استدل] في منع قتل المسلم بالحربي بقوله ﵇: (لا يقتل مسلم بكافر). فهذا يخرج القياس عن حقيقته، وهو بمثابة قياس الشعير على البر، والدراهم على الدنانير، وذلك محال.
السادس: قال قوم: شرط الأصل المقيس عليه: أن يقول دليل على جواز القياس عليه. (٦٦/ ب) وقال قوم: على وجوب تعليله، ولم يكتفوا بقيام الدليل على أصل القياس. وأبدى أبو حامد في ذلك تفصيلًا فقال: أما قياس
стр. 2018
الشبه، فقد قال قوم: شرط جواز الاعتماد على الوصف الشبهي، دعاء [الضرورة] إلى التعليل، فلو لم يقم دليل وجوب التعدية في البر، في مسألة الربا، لما جاز القياس. والضرورة الداعية إلى طلب مناط زائد على الاسم، أنه إذا صار دقيقًا أو خبزًا، زال اسم البر، وبقي حكم الربا.
قال أبو حامد: وليس ذلك [بدعًا] عندي في أكثر الأشباه، فإنه إذا أمكن تعرف الحكم باسم المحل، فأي حاجة إلى طلب [محل] لا مناسبة فيه؟ وقد بينا نحن ضعف هذا القول، وقلنا إنما يعتمد الوصف الشبهي، بناءً منا على أنا نظن أنه قالب المصلحة الخفية. فإذا ظفرنا بالوصف في غير مورد النص، فيجب إثبات الحكم.
وفرق الإمام بين الأشباه، فقال في بعضها يكفي الإلحاق، الاطلاع على الوصف الشبهي، وفي بعضها لابد من دعاء الضرورة إلى التعليل. قال: فأما في الموضع [الذي] يكفي [في] الإلحاق الاطلاع على الوصف الشبهي، ففي الأشباه المعتضدة بالأمثلة، كالقول في حمل قليل العقل على
стр. 2019
العاقلة، وتقدير أروش أطراف العبيد، [بالسبب] الذي يتقدر به أروش أطراف الأحرار.
والموضع الثاني التعلق بمعان كلية، كإلحاق الوضوء بالتيمم. قال: ففي هذين الموضعين، يكفي في الإلحاق الاطلاع [على هذه الأوصاف]. وأما الشبه المتعلق بالمقاصد، فشرط الاعتماد عليه، إرهاق الضرورة إلى التعليل. ومثل ذلك بتعليل الربا في المطعومات بالطعم. قال: فلولا ضرورة إجماع القائسين على التعليل، [لم يجز التعليل] بالطعم. وسيأتي الكلام عليه في غير هذا الموضع [بأشبع] من هذا.
[فمعنى كلام] الإمام: إنه يتوصل إلى الكلي والجزئي بهذا النوع من النظر، فيكون الاطلاع على هذه الأوصاف، يتبين به الناظر كون المحل معللا، ويتبين [به] مع ذلك نفس العلة. إذ الاطلاع على عين العلة، أخص
стр. 2020
من كون المحل معللا، إذ قد ثبت كونه معللا، وإن لم تتعين العلة، ولا يتأتى أن يطلع على العلة، ولا يعرف كون المحل معللا، فإنه [يلزم من وجدان الأخص وجدان الأعم، وإن لم] يلزم من وجدان الأعم وجدان الأخص.
وهذا إنما يتحقق بعد تقرير أصل، وهو أن القياس ثبت دليلا في الشرع [في] العموم، وأنه متى ظهرت العلل، بطل الاقتصار على صور [المحال]. وهذا هو الذي ثبت عندنا في الشيعة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ خاضوا في القياس خوض من لا يعتقد حصرًا وضبطًا، تبين (٦٧/ أ) ذلك منهم (٥١/ ب) بكثرة أقيستهم واسترسالهم على اتباع المعاني، [والقضاء] في الوقائع المختلفة في قوة المعنى وضعفه بالقياس. وهذه الأمور لا يجمعها إلا الالتفات إلى بيان مناط الأحكام. فهذا [هو] الذي عرفنا أن المعاني إذا ظهرت، لم يقتصر على صور الأصول.
السابع: أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل. ومعناه: أن العلة إذا عكرت على الأصل بالإبطال، كانت باطلة. وإذا كان الجامع بين الأصل والفرع ينافي
стр. 2021
حكم الأصل، بطل القياس. [وهل] إذا كانت العلة المستنبطة تخصص اللفظ العام، هل تكون باطلة أم لا؟ هذا فيه تفصيل. فنقول: إن كان المعنى سابقا إلى الفهم عند سماع اللفظ من غير استئخار [عنه]، وافتقار إلى تأمل واستبناط، فهو المحكم في التخصيص والتعميم. فلنذكر مثاله ولنبين دليله.
أما مثاله: فكقوله ﵇: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). فإنا نجوز القضاء مع الغضب اليسير، ونمنعه مع الألم المبرح، والجوع المفرط. وذلك متفق عليه. وقد ذكرنا هذا فيما سبق.
والسبب فيه: أن المحذور من الاستنباط المغير، أن يثبت حكم من اللفظ، فيستنبط معنى يسقط ما ثبت من اللفظ. وهذا لا يتحقق في المعنى المساوق لسماع اللفظ، إذ لم يستقر حكم حتى يكون الاستنباط مزيلا له. أما إذا فهم حكم العموم أو مقتضى الظاهر، فاستنبط المعنى الذي يقتضي تخصيص العموم وإزالة الظاهر، فلا يصح أن سيتنبط من مورده ما يناقضه. بل لا يتصور أن يستنبط منه إلا ما يوافقه. فإن وافقه في جميع صوره، فهو حسن بالغ. وإن وافقه في بعض الصور، وفقد في بعضها، فذلك البعض الذي فقد [منه] المعنى المستنبط، وجد فيه اللفظ الدال، فيكون وجدان اللفظ يقتضي ثبوت الحكم، وقد فقد المعنى.
فإن قلنا: إن [فقدان] المعنى لا يقتضي شيئا أصلا، فكيف يتصور ترك اللفظ [لغير] دليل معارض؟ وإن قلنا: إن عدم المعنى [قد] يدل،
стр. 2022
فدلالة عدم المعنى على عدم الحكم دون دلالة ثبوت اللفظ على الحكم، بل ربما يقال دلالة اللفظ على الحكم أقوى من دلالة طرد المعنى على ضده. فإذا كان طرد المعنى لا يقف لظهور اللفظ، فكيف يتقدم عكس المعنى على ظهور اللفظ؟ لا جرم قال أبو حنيفة: يعتمد على عموم لحكم في الأصل، بناء على اللفظ العام، ويتبع خصوص المعنى [في الفرع].
ومثله تحريم الخمر لعلة الإسكار، قال أبو حنيفة: يحرم قليلها وكثيرها، فإن اللفظ المحرم لم يفصل بين القليل والكثير، ويحرم المقدار المسكر، تمسكًا بمقتضى التعليل. وعن هذا قالوا: إنما يضاف (٦٧/ ب) إلى العلة حكم الفرع. فأما حكم الأصل، فيضاف إلى النص دون العلة. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في العلة القاصرة.
[الثامن]: أن لا يكون الأصل معدولًا به عن [سنن] القياس. وهذا الشرط يتسع الكلام فيه. وقد ذكره الإمام بعد هذا، فلنؤخر الكلام عليه إلى الموضع الذي ذكره فيه.
قال الإمام ﵀: (وقد ينحسم [القياس الشبهي] وما يقال إنه في
стр. 2023
معنى الأصل) إلى قوله ([والمعلل] هو الذي ينقدح فيه معنى مخيل، أو شبه على شرط السلامة). قال الشيخ: قال الإمام: الناظر إذا فقد المعنى، رد نظره إلى [الشبه]، وهو أوسع الأبواب. وصدق ﵀، وذلك أن [التشبيه] ينقدح عند إمكان المعنى، وعند عدم فهم المعنى (٥٢/ أ) أيضا. ولا تنحسم الأشباه إلا في التعبدات الجامدة.
وأما قوله: قد ينحسم القياس الشبهي وما يقال إنه في معنى الأصل، حكاية حالية، وذكر المثال الذي صوره. وهذا الكلام غير صحيح، فإنه قد بان آخرًا أن القضية كانت في محل اللوث، فإذا أردنا إلحاق محلٍ لا لوث
стр. 2024
فيه [بها]، تعذر علينا ذلك. فمن كان قاصر النظر، لم ينظر [لقيد] الواقعة، فيتخيل الإعراض عن [المحل]، و [لا التفات] إلى محض] ما تعرض الذاكر لذكره. وهذا غلط بين، فإنه [قد] يستغني المفتي عن التعرض لقيد [الواقعة]، لاشتمال الحال [عليها].
[وهو] بمثابة ما لو سأل رجل فقير عالما عن حنثه في يمينه بالله تعالى، والعالم يعلم فقره، فإنه يقول له: صم ثلاثة أيام، لا بناءً على مطلق
стр. 2025
السؤال، بل بناءً على تنزيل الجواب على ما علم من قيد الواقعة، فكيف يقال على هذا التقدير: إن قياس الشيء على ما في معناه محسوم ممنوع؟ وقد بينا أن غيره لا يساويه بحال. دل هذا على أن الكلام أولًا، لم يجر على حقيقته، بل فيه بعض المسامحة، ويتحقق آخرًا ثبوت الاقتران في الأمور المعتبرة.
نعم، ينحسن القياس الشبهي، وما يقال إنه في معنى الأصل، بالتوقيفات التعبدية المتلقاة من النصوص، أو مواقع الإجماع، كما قال [﵇] لأبي بردة بن دينار، [وقد ضحى بعناق]: (تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك). وكذلك قبول شهادة خزيمة وحده. واختصاصه ﵇ بخواص في النكاح والمغانم. فإن الأقيسة لا جريان لها في هذه الأبواب، وإن كانت من أبواب [إلحاق] الشيء بما في معناه.
وقد ينشأ من هذا [الكلام] شبه لمنكري القياس، فقالوا: إذا كانت الأقيسة العلمية لا جريان لها في الشريعة، فالأقيسة الظنية بذلك أولى.
стр. 2026
قالوا: وقد رأينا الشرع أثبت أحكامًا لعلل، ثم اقتصرت (٦٨/ أ) تلك الأحكام [على] الأشخاص، ولم تتبع عموم المعاني. وتمسكوا بالصور التي ذكرناها. وقد أشرنا إلى شيء من هذا في إثبات القياس على منكريه. ولكنا نقول: لما مهد الشرع طريق الاعتبار بالأدلة القاطعة التي أقمناها، كان ﵇ إذا أراد قصر حكم على شخص نص على ذلك، أو [أرشد] إليه بقرائن أحواله، فقال لأبي بردة بن نيار: (تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعد). ولما بقي على اشتراط شاهدين في الخصومات، وقبل شهادة خزيمة وحده، علم المسلمون اختصاصه بذلك. فهذا هو الطريق الذي يعرفنا امتناع جريان القياس المعلوم في الفرع.
وأما قول الإمام: فخرج من ذلك أن المعلل هو الذي يتطرق إليه معنى أو شبه، والذي لا يعلل هو الذي لا ينقدح فيه معنى ولا شبه. هذا [الكلام]
стр. 2027
ناقص، فإنا قد بينا أن ألفاظ الشارع من أقوى ما تثبت بها العلل، وإن كان لا تظهر فيها معان مخيلة، ولا أشباه على شرط الأصوليين. لكنه- والله أعلم- إنما خص هذا الكلام، إذا أردنا أن نعرف كون الأصل معللًا بطريق الاستنباط دون التوقيف. ولهذا قال: [أو ليس] من الممكن أن يعرف بطريق الاستنباط كون الأصل معللًا من حيث الجملة دون الوقوف على عين العلة؟ نعم، إن انعقد [عليه] إجماع، أو ورد فيه نص، أمكن ذلك، كما إذا اجتمع العلماء على أن الربا معلل، علم التعليل دون التعليل، فينظر الناظر في عين العلة. فهذا- والله أعلم- هو الذي حمل الإمام على الاقتصار في المعلل على المعنى والشبه. والله الموفق.
قال الإمام: (مسألة: نقل أصحاب المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يرون إجراء القياس في الحدود (٥٢/ ب) [والكفارات والتقديرات والرخص،
стр. 2028
وكل معدول به عن القياس]) إلى قوله ([تناقض] عليه القول في تفصيل الفروع). قال الشيخ: ما ذكره الشافعي من المناقضات التي وجهها، أكثرها غير واردة على القوم، ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي، ثم ننعطف على بيان مرادهم، وتفسير مقصودهم، فإذا تعينت المآخذ، وقع الكلام عليها بعد ذلك.
أما ما ذكره الشافعي من [أنه] كثرت أقيستهم في الحدود، فإن أبا حنيفة لم يثبت حدًا بقياس على حال. وأما كونهم أثبتوها بالاستحسان، [فهذا] ليس بنقض على [الحقيقة]، وإنما هو إثبات حكم بمأخذ آخر عند القوم. فينبغي أن يبحث عن معنى الاستحسان وحقيقته، وبيان كونه دليلًا.
стр. 2029
في الشرع أو غير دليل، ولا يقضى بأن مستند الحكم إليه قياس، حتى تثبت [مناقضته] في إثبات (٦٨/ ب) القياس في الحدود.
وقد اختلف الأصوليون في تفسير الاستحسان، فقال قائلون: هو ما استحسنه المجتهد بفعله، ويميل إليه برأيه. وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد، وتميل إليه الطباع. قالوا: فيجوز الحكم بمقتضاه، [إذا] لم يوجد في الشرع ما [يرده]. وكان هؤلاء يرون ذلك من جملة أدلة الأحكام. ولا شك في أن العقل يجوز أن يرد الشرع بذلك، بل يجوز أن يرد بأن ما سبق إلى أوهام العوام مثلًا، فهو حكم الله [عليهم]، لقبل ذلك وعلم بمقتضاه. ولكن وقوع التعبد به، لا يعرف بضرورة العقل ولا بنظره، ولا بدليل قاطع من الشرع، بل لم يرد في ذلك [وجه يقتضي غلبة الظن]، فضلًا عن العلم، فلا يجوز إسناد الحكم إليه. فإن جعل هذا مأخذًا من مآخذ الأحكام، فلا يجوز الحكم به بحال.
стр. 2030
وأيضًا فإنا نعلم قطعًا من الصحابة [﵃] أنهم حصروا نظرهم في الوقائع التي لا نصوص فيها في الاستنباط، والرد على ما فهموه من [الأصول] الثابتة، ولم يقل أحد منهم: إني حكمت بكذا، لأن طبعي مال إليه، وأنه لموافق لمحبتي ولرضاي. ولو قال ذلك، لاشتد عليه النكير، وقيل له: من أين لك أن تحكم على عباد الله بمحض ميل نفسك وهوى قلبك؟ هذا مقطوع ببطلانه لا شك فيه، بل كانوا يتناظرون، ويتشاورون، ويعترض بعضهم على مأخذ بعض، وينحصرون إلى ضوابط الشرع.
ولو رجع الحكم إلى الاستحسان، لم يكن للمناظرة مجال، فإن الناس تختلف أهواؤهم وأغراضهم في الأطعمة والأشربة، ولا يناظر بعضهم بعضا على أن هذا: [لم] كان عندك أطيب من هذا؟ لبناء الأمر على الأغراض. وليس الحكم في الشريعة من هذا [القبيل] على حال.
وقد تمسكوا بشبه قررت لهم، وما أظن ذلك إلا تكلفًا من المصنفين، وتقرير مذاهب واعتراضات عليها، وإلا فلا شك أن أحدًا من العلماء لا [يجيز] الاستناد في الحكم إلى مثل هذا.
فلنذكر ما ذكروه، وقالوا: قال الله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون
стр. 2031
أحسنه﴾. قلنا: اتباع أحسن ما أنزل إلينا، اتباع الأدلة، فبينوا أن هذا مما أنزل إلينا، فضلا عن أن يكون من أحسنه؟ وهو كقوله: ﴿[واتبعوا] أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾. ثم نقول: نحسن نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون لنا شرع إلا الأدلة المتلقاة من المصدق بالمعجزة.
ثم إنه يلزم من ظاهر هذا استحسان العامي، ومن ليس من أهل النظر، إذا كان الحكم (٥٣/ أ) يترتب على مجرد ميل النفوس وهو [الطباع]. وذلك (٦٩/ أ) محال قطعًا، فلا سبيل إلى القول بذلك، للعلم بإضراب الشريعة عنه.
الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله ﵇: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
стр. 2032
وهذا لا حجة فيه من أوجه:
أحدها- أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون بجملتهم حسنًا، فهو حسن، [والأمة] لا تجتمع على باطل. فإذا أجمع المسلمون على حسن شيء، فهو حسن، وهو الإجماع، وهو من الأصول، من غير إشكال.
الثاني- أن هذا خبر واحد، فلا [يصلح] لإثبات القواطع. ثم أنه يلزم من ظاهره، إذا لم يرد به استحسان أهل الإجماع، وحمل على استحسان [الآحاد والاستحسان] العوام، وليسوا من أهل النظر والاجتهاد، فهو معرض عنه بالإجماع، فلئن قيل: المراد استحسان من هو من أهل الاجتهاد. فهذا ترك للظاهر، فيبطل الاستدلال. ثم إذا كان المستحسن [لا يحتكم] إلى الأدلة، فأي حاجة إلى اشتراط منصب الاجتهاد؟ فلئن قيل: اشتراط ذلك حذرًا من مخالفة الأدلة. قيل في مقابله: المراد استحسان ينشأ عن الأدلة، كيف والصحابة ﵃ قصروا تصرفهم على الكتاب والسنة، والرأي الناشئ منهما، وإن لم يظن بهم استفتاح أمرٍ من تلقاء أنفسهم، وإنما كانوا [يحومون] على فهم مقاصد الشرع من أدلته.
стр. 2033
الشبهة الثالثة: أنهم قالوا: إن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة عوض [الماء]، ولا تقدير مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك إلا أن المضايقة في مثل ذلك قبيحة في [العادة]، فاستحسن تركه. فهذا يدل على أن ما جرت العادة بكونه حسنًا عند [العقلاء]، فهو موافق لمقصود الشرع.
وهذا الوجه هو أقرب الوجوه من ذوق الشريعة أيضًا، فإن النبي ﷺ قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). واستقراء الشريعة أيضًا يرشد إلى طلب مكارم الأخلاق بأمور كلية، والنهي عن سفسافها. ولأجل ذلك حرم الكذب وغيره من مذام الأخلاق. [وخضت] الشريعة [على الصدق] والمروءة
стр. 2034
وحفظ المناصب. فبالنظر إلى هذه [الجهة]، قد يغلب على الظن أنه إذا ثبت كون الشيء حسنًا عند أهل العادات، فهو مطلوب الشرع، ولكن لما كان في الأمر انقسام في هذا النوع إلى الواجب والمندوب، [عسر القضاء] بذلك على العموم. وهذا أيضًا بشرط السلامة عن المعارض، ولا يكاد أن يكون للذاهبين إلى القول بالاستحسان أمثل من هذا التقدير على حال.
وأما مسألة دخول الحمام من غير [ذكر] العوض، (٦٠/ ب) فالعرف قدره، فلا يفتقر إلى تعيين التقدير. وأما مدة اللبث، وقدر الماء المستعمل، فيسقط ذلك للضرورة إليه، وعدم [المضايقة] فيه، فلا غرر [يحذر في ذلك]. [كالزوج] إذا تزوج لا يجد للزوجة نفقة.
ولننبه ههنا على أصل من الفقه، وذلك أن نفي جميع الغرر [في] العقود، لا يقدر عليه، وهو يضيق أبواب المعاملات، ويحسم جهات المعاوضات. ونفي الغرر إنما يشترط تكميلًا للقواعد، وإزالة لما يتوقع من
стр. 2035
خصام ونزاع. فهو إذًا من التكميلات، والتكميلات إنما تراعى إذا لم يفض اعتبارها إلى إبطال المهمات. فإذا أفضى إلى ذلك، وجب الإعراض عن التتمة، تحصيلًا للأمر المهم. ولذلك نظائر من الشريعة، سنذكرها عندما نأتي عليها، إن شاء الله تعالى.
فكل تتمة أفضى اعتبارها إلى (٥٣/ ب) إبطال الأصل المقرر، وجب الإعراض عنها. إذ في مراعاتها إبطال أصلها، وفي إبطال أصلها رفعها، وقاعدة الشرع ضرورية، لا غنية للخلق عنها. فلو اشترط انحسام [الغرر] بالكلية، لتعطلت القاعدة على الضرورة، فوجبت المسامحة في [الأغرار] التي [لا انفكاك] عنها، إذ يشق فيها، فسومح بيسير [الأغرار]، لضيق الاحتراز، مع حقارة ما يفوت، أو يحصل من الأغراض، ولا يسمح بكثرتها، إذ ليس [هو] في [محل] الضرورة بحال، ولعظيم ما يترتب عليه من الأخطار.
والفرق بين القليل والكثير غير منصوص [عليه] من قبل الشارع في كل
следующие страницы →