← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

أحسنه﴾. قلنا: اتباع أحسن ما أنزل إلينا، اتباع الأدلة، فبينوا أن هذا مما أنزل إلينا، فضلا عن أن يكون من أحسنه؟ وهو كقوله: ﴿[واتبعوا] أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾. ثم نقول: نحسن نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون لنا شرع إلا الأدلة المتلقاة من المصدق بالمعجزة. ثم إنه يلزم من ظاهر هذا استحسان العامي، ومن ليس من أهل النظر، إذا كان الحكم (٥٣/ أ) يترتب على مجرد ميل النفوس وهو [الطباع]. وذلك (٦٩/ أ) محال قطعًا، فلا سبيل إلى القول بذلك، للعلم بإضراب الشريعة عنه. الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله ﵇: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".

стр. 2032

وهذا لا حجة فيه من أوجه: أحدها- أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون بجملتهم حسنًا، فهو حسن، [والأمة] لا تجتمع على باطل. فإذا أجمع المسلمون على حسن شيء، فهو حسن، وهو الإجماع، وهو من الأصول، من غير إشكال. الثاني- أن هذا خبر واحد، فلا [يصلح] لإثبات القواطع. ثم أنه يلزم من ظاهره، إذا لم يرد به استحسان أهل الإجماع، وحمل على استحسان [الآحاد والاستحسان] العوام، وليسوا من أهل النظر والاجتهاد، فهو معرض عنه بالإجماع، فلئن قيل: المراد استحسان من هو من أهل الاجتهاد. فهذا ترك للظاهر، فيبطل الاستدلال. ثم إذا كان المستحسن [لا يحتكم] إلى الأدلة، فأي حاجة إلى اشتراط منصب الاجتهاد؟ فلئن قيل: اشتراط ذلك حذرًا من مخالفة الأدلة. قيل في مقابله: المراد استحسان ينشأ عن الأدلة، كيف والصحابة ﵃ قصروا تصرفهم على الكتاب والسنة، والرأي الناشئ منهما، وإن لم يظن بهم استفتاح أمرٍ من تلقاء أنفسهم، وإنما كانوا [يحومون] على فهم مقاصد الشرع من أدلته.

стр. 2033

الشبهة الثالثة: أنهم قالوا: إن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة عوض [الماء]، ولا تقدير مدة اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك إلا أن المضايقة في مثل ذلك قبيحة في [العادة]، فاستحسن تركه. فهذا يدل على أن ما جرت العادة بكونه حسنًا عند [العقلاء]، فهو موافق لمقصود الشرع. وهذا الوجه هو أقرب الوجوه من ذوق الشريعة أيضًا، فإن النبي ﷺ قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). واستقراء الشريعة أيضًا يرشد إلى طلب مكارم الأخلاق بأمور كلية، والنهي عن سفسافها. ولأجل ذلك حرم الكذب وغيره من مذام الأخلاق. [وخضت] الشريعة [على الصدق] والمروءة

стр. 2034

وحفظ المناصب. فبالنظر إلى هذه [الجهة]، قد يغلب على الظن أنه إذا ثبت كون الشيء حسنًا عند أهل العادات، فهو مطلوب الشرع، ولكن لما كان في الأمر انقسام في هذا النوع إلى الواجب والمندوب، [عسر القضاء] بذلك على العموم. وهذا أيضًا بشرط السلامة عن المعارض، ولا يكاد أن يكون للذاهبين إلى القول بالاستحسان أمثل من هذا التقدير على حال. وأما مسألة دخول الحمام من غير [ذكر] العوض، (٦٠/ ب) فالعرف قدره، فلا يفتقر إلى تعيين التقدير. وأما مدة اللبث، وقدر الماء المستعمل، فيسقط ذلك للضرورة إليه، وعدم [المضايقة] فيه، فلا غرر [يحذر في ذلك]. [كالزوج] إذا تزوج لا يجد للزوجة نفقة. ولننبه ههنا على أصل من الفقه، وذلك أن نفي جميع الغرر [في] العقود، لا يقدر عليه، وهو يضيق أبواب المعاملات، ويحسم جهات المعاوضات. ونفي الغرر إنما يشترط تكميلًا للقواعد، وإزالة لما يتوقع من

стр. 2035

خصام ونزاع. فهو إذًا من التكميلات، والتكميلات إنما تراعى إذا لم يفض اعتبارها إلى إبطال المهمات. فإذا أفضى إلى ذلك، وجب الإعراض عن التتمة، تحصيلًا للأمر المهم. ولذلك نظائر من الشريعة، سنذكرها عندما نأتي عليها، إن شاء الله تعالى. فكل تتمة أفضى اعتبارها إلى (٥٣/ ب) إبطال الأصل المقرر، وجب الإعراض عنها. إذ في مراعاتها إبطال أصلها، وفي إبطال أصلها رفعها، وقاعدة الشرع ضرورية، لا غنية للخلق عنها. فلو اشترط انحسام [الغرر] بالكلية، لتعطلت القاعدة على الضرورة، فوجبت المسامحة في [الأغرار] التي [لا انفكاك] عنها، إذ يشق فيها، فسومح بيسير [الأغرار]، لضيق الاحتراز، مع حقارة ما يفوت، أو يحصل من الأغراض، ولا يسمح بكثرتها، إذ ليس [هو] في [محل] الضرورة بحال، ولعظيم ما يترتب عليه من الأخطار. والفرق بين القليل والكثير غير منصوص [عليه] من قبل الشارع في كل

стр. 2036

الأمور. ولكن قد نهى عن أنواع يعظم فيها الغرر، فجعلت أصولًا، واعتبر بها غيرها، فقد صار القليل أصلًا في العفو، والكثير أصلًا في المنع، ويدور بين الأصلين فروع [تجاذب] العلماء النظر فيها، فمن مائل إلى جانب العفو والترخيص، ومن صائر إلى جانب المنع والتضييق. حسب ما يظهر لأهل التحقيق. فإذا قل الخطب، وسهل الأمر، وقل النزاع، ومست الحاجة إلى المسامحة، فلا إشكال. ومن هذا القبيل: مسألة التقدير في ماء الحمام، ومدة اللبث فيه. [وقد] بالغ مالك ﵀ في ذلك، وأمعن النظر فيه، فجوز أن يستأجر الأجير بطعام، ون كان لا ينضبط مقدار أكله، ليسارة أمره، وخفة خطبه، وعدم المضايقة فيه. فرحمه الله ما أجراه على قواعد الشريعة، ولقد قال في ذلك: فالزوج إذا تزوج، لا يجد للزوجة نفقة [من هذا القبيل].

стр. 2037

ومن هذا القبيل: تفرقته [﵀] بين تطرق يسير الغرر (٧٠/ أ) إلى الأجل، ومنعه من ذلك في مقدار الثمن، قال ﵀: يجوز أن يشتري الإنسان سلعة إلى الحصاد، وإن كان اليوم بعينه لا ينضبط، ولو باع السلعة [بدرهم] أو ما [يقاربه]، لم يجز ذلك. والسبب فيه أن المضايقة في تعيين الأثمان وتقديرها، ليست في العرف كالمضايقة في الأجل وتعيين يومه، إذ يسامح البائع في التقاضي الأيام، ولا يسامح في مقدار الثمن على حال. ويعتضد هذا المعنى بما جاء عن النبي ﷺ : روى عبد الله بن عمرو بن [العاص]: (أن النبي ﷺ أمر بشراء الإبل إلى خروج [المصدق)]. وذلك لا ينضبط يومه، ولا تتحرر ساعته، ولكنه على

стр. 2038

التقريب والتسهيل. فلابد من التنبه لهذا الأصل، فهو أصل عظيم في فهم مقاصد الشرع، المرتبة على أغراض العقلاء. فهذا هو الجواب عن تقدير الماء، ومدة اللبث في الحمام. فهذا أحد تأويلات الاستحسان. التأويل الثاني: [قولهم]: المراد به: دليل في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على إظهاره وإبرازه. قال القاضي وغيره: وهذا باطل، لأنه لو فتح هذا الباب، لبطلت الحجج، وتقاومت الأدلة، وادعى كل من شاء ما شاء، [واكتفى] بمجرد القول، وألجئ الخصم [إلى الإبطال]، وهذا [يجر] خبالًا لا خفاء به. والأمر- لعمري- ظاهر على قول القاضي، [ولكن] قد تقدم في قياس الشبه أن العلماء اختلفوا، هل يجب على المناظر أن يبين الوجه الذي يثير الشبه منه [غلبة] الظن، أو لا يجب ذلك؟ [وقد] ذكرنا وجه كل واحدٍ من القولين، وبينا أن أبا حامد [ينقل] عن المتقدمين الاكتفاء بمطلق الجمع، ويكلفون الخصم الاعتراض. فإذا أمكن ذلك في قياس الشبه، أمكن في غيره.

стр. 2039

ومن هذا القبيل [عندي] اشتراط (٥٤/ أ) الملاءمة في الاستدلال المرسل، فإنه لا يقدر على بيان [أن] المناسب من قبيل الملائم بحال. فإن اشتراط التماثل بين الوصف وبين الأوصاف المعتبرة، هو التأثير بعينه، والاكتفاء بمجرد المناسبة هو الغريب. وبين الرتبتين درجات لا تنحصر، [فرجوع] الملاءمة إلى بعضها دون بعض عسير، فليخرج بيان الملاءمة في الوصف على بيان التشبيه في الوصف الذي لا يناسب. فإن أراد من قال بالاستحسان هذين، فقد قال بقول قاله جماعة من الناس، فلا ينبغي أن ينكر عليه ذلك. التأويل الثالث للاستحسان: ذكره الكرخي وبعض (٧٠/ ب) أصحاب أبي حنيفة، قالوا: ليس هو عبارة عن قول من غير دليل، ولكنه حكم مستند إلى دليل. وهو أنواع: منها- العدول بالمسألة عن نظائرها بدليل [الكتاب، مثل] قوله تعالى:

стр. 2040

﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، [فإنه يختص بأموال الزكاة، فلو قال قائل: مالي صدقة]، فظاهر لفظه يعم كل مال، ولكنا نحمله على مال الزكاة، لكونه ثبت الحمل عليه في الكتاب. وكأن هذا يرجع إلى تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن. ومنها- العدول بالمسالة عن نظائرها بدليل [السنة]، كالفرق في سبق الحدث والبناء على الصلاة، [فبناء] السبق والتعمد على خلاف قياس الأحداث. وهذا مما يجوز اعتباره على الجملة، وهو نوع من الاستدلال، فإن حاصله راجع إلى مخالفة القياس، لدليل اقتضى ذلك. فإن سمى مسم ذلك استحسانًا، فلا يناقش فيه. هذا ما ذكره الأصوليون في تفسير الاستحسان. والذي يظهر من مذهب مالك ﵀ القول بالاستحسان على غير [هذه] التأويلات، ولكنه يرجع حاصله إلى استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي، فهو كتقديم الاستدلال المرسل على القياس. فلنذكر مثاله، ثم نحقق دليله.

стр. 2041

أما مثاله: فقد قال أشهب من أصحابنا: إذا اشترى رجل سلعة بخيار، ثم مات وله ورثة، فاختلفوا، فقال بعضهم: نرد، وقال بعضهم: بل نختار الإمضاء. قال: والقياس الفسخ، [ولكن أستحسن] لمن أراد الإمضاء أن يأخذ [نصيبه] ممن لم يمض، إذا امتنع البائع من قبول نصيب الراد. قال: وإنما قلنا: القياس الفسخ عند رد بعضهم، لأن الذي ورثوا عنه الخيار، لم يكن له رد بعض السلعة وقبول بعضها، بل إذا رد البعض تعين عليه رد الجميع، وهم في ذلك بمنزلة موروثهم. فمقتضى القياس عند رد بعضهم أن ينفسخ البيع في الجميع. أما وجه الاستحسان، فهو [أنه] إذا تعارض الحقان، ووجد أحد الفريقين طريقا إلى دفع الضرر [عنه، ولم يجد الآخر طريقًا، فليدفع ضرر من لا يجد طريقا إلى دفع الضرر] عن نفسه، تقديمًا لأشد الضررين على أخفهما. وهذا أمر ثابت في الشريعة. وبيان تفاوت الضرر [في المسألة] أن البائع متمكن من أخذ نصيب الراد، بحيث لا يكره على شيء، والمتمسك لا قدرة له على إلجاء شريكه إلى

стр. 2042

التمسك [ببعض السلعة]، فكان الأقرب إلى دفع الضرر عن الفريقين، تخيير البائع في قبول [نصيب] الراد، أو إلزام التمسك بالجميع، ويصير الذي لم يقبل- لهذه الضرورة- (٧١/ أ) كالمعدوم. فهذا حكم بالمصالح المرسلة، وليس يعري عن ملاءمة قواعد [الشريعة]. فهذا تفسير الاستحسان على هذا قول. ولابن القاسم في الاستحسان قول غير هذا. قال في رجل مات وترك دارًا، ولم يترك في الظاهر إلا ولدًا واحدًا، فسكن الولد الدار، ثم جاء أخ له وطلب من الساكن أجرة نصيبه. قال غير ابن القاسم: له ذلك. وقال ابن القاسم أستحسن أنه لا شيء له على أخيه، لكن بثلاثة شروط: (٥٤/ ب) أحدها- أن يكون الساكن لم يعلم بالأخ. الثاني- أن يكون في نصيبه من الدار ما يكفيه لسكنه، وليس فيه ضرورة إلى سكن نصيب أخيه. الثالث- أن لا يكون أخذ في النصيب [مالًا] بإجارة. فإذا اجتمعت هذه الشروط، فلا يطالب بشيء. وكأن [حاصله] راجع إلى أنه لم ينتفع بنصيب الأخ على الحقيقة. ولو كان كذلك، لكان هذا حكمًا بالقياس، ولكنه لما لم يكن انتفاعه مخصوصًا بنصيبه، فما من جزء إلا وللأخ فيه حق، فكان القياس من هذه الجهة يقتضي الرجوع، [ولكن] التفت إلى عدم المنفعة في التحقيق عند كون الساكن غير متعد. والتفت إلى شياع الانتفاع عند [العدوان].

стр. 2043

وهذا التفصيل من أدق تفريع، وهو أن يكون للشيء جهات تقتضي كل واحدة حكما في جميع الصور على التناقض، فيرجح العالم بعض تلك الجهات بالإضافة إلى بعض الأحكام، ويرجح الجهة الأخرى بالإضافة إلى غير تلك الأحكام. وكذلك فعل ابن القاسم في هذه المسألة، رجح جهة كونه غير محتاج إلى الانتفاع بنصيب الشريك عند عدم العلم. وهذا مناسب للتخفيف عنه، ورجح الالتفات إلى عدم اختصاص [الانتفاع عند] العدوان، وهو مناسب للضمان. فليس هذا الاستحسان خروجًا عن الأدلة بحال. [بل هو] تمسك بنوع من المصالح في مقابلة أقيسة كلية. وقد قال [مالك] ﵀ بالاستحسان في مسألة أخرى، قال ابن القاسم: قلت لمالك: لم قضيتم بالشاهد واليمين في جراح العمد وليست بمال؟ قال: إنه لشيء استحسناه، وما سمعت [من مالك] فيه شيئا. ولم يزد على ذلك، ولم يبين وجه الاستحسان [فيه]. ولكن الظاهر أنه ﵀ ألحق ذلك بالشهادة في الأموال بالقياس، فإن سر الاكتفاء بالشاهد واليمين في الأموال، تعذر الاحتراز بكمال البينة [عند] كثرة وقوع المعاملات، مع تعذر الاستظهار بشهادة البينات، وجراح العمد أشد خفاء من المعاملات المالية (٧١/ ب)، فهي بالاكتفاء بالشاهد واليمين أولى.

стр. 2044

ووجه آخر، وهو أنه قد ثبت دخول [الأيمان] في أمر الدماء، بناءً على مجرد اللوث، وظهور الشبهات، حتى قدم المدعون في ذلك، وإن كان لا يجري هذا في المعاملات. فلما [تقررت] هذه الجهات، أمكن قياس جراح العمد على الأموال. والله الموفق للصواب. هذا تقرير الاستحسان عند العلماء. وأما قضاء أبي حنيفة بالاستحسان، فلنذكر المسألة، ولننبه على وجه الكلام فيها. قال أبو حنيفة: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحدٍ جهة غير التي عينها الآخر، قال أبو حنيفة: القياس [أن لا] يحد، ولكن أستحسن حده. أما قوله: القياس [ألا يحد، فنعني بالقياس أنه ثبت في الشرع] أنه لا يحد إلا من شهد على زناه أربعة، فإن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء [فاجلدوهم ثمانين جلدة]﴾ [فيفتقر] الرامي بالزنا إلى أن يأتي على [ما] [قذف بأربعة] شهداء، فإذا عين كل واحدٍ دارًا، فلم يأت

стр. 2045

على كل زنية أربعة. فهذا لا يحد عند مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقال ابن الماجشون [من أصحابنا]: يحد إذ [وقع اجتماع] الأربعة على كون زانيا، والأول أصح. ولو كان الأمر على [ما قال]، للزم إذا شهد [واحد] على الزنا [أن يحد]. وهذا قول الشافعي، ومالك لا يقوله. وظاهر [القرآن] يرده، فإنه من لم يأت بأربعة شهداء، فهو قاذف محدود. وقد [جلد] عمر أبا (٥٥/ أ) بكرة وصاحبيه في الشهادة على المغيرة عند عدم جزم

стр. 2046

[زياد] بالشهادة، لأنهم لم يأتوا قذفة، وإنما جاءوا شهداء. وإذا تبين أنه لابد من اجتماع الأربعة على الزنا الواحد، فإذا عين كل واحدٍ دارًا، امتنع الاجتماع. [وإذا عينوا زنية] واحدة، فقد حصل الشرط، فإذا عين كل واحد زاوية، فالظاهر تعدد الفعل، وامتناع الاجتماع على الزنا الواحد، ومن الممكن [التزحف] كما قدره الخصم. فمعنى قوله: القياس أن لا يحد، أي الأمر الظاهر أنه لم يجتمع الأربعة على زنًا واحدٍ، والأمر البعيد: التقدير الذي ذكرناه. ولكنه يقول: في المصير إلى الأمر الظاهر تفسيق العدول، فإنه إن لم يكن محدودًا، صار الشهود فسقة، ولا سبيل إلى تفسيقهم ما وجدنا إلى العدول عن ذلك طريقًا، فيكون وجوب الجريان على مقتضى العدالة عند الإمكان [عين] ذلك الاحتمال. فليس ذلك حكما بقياس على حال، ولكنه تمسك باحتمال تلقي الحكم فيه من القرآن. فإن

стр. 2047

القرآن (٧٢/ أ) أرشد إلى حد [الزنا]، وهذا يرجع إلى تحقيق مناط كونه زانيًا، فأين هذا من الحكم بالقياس، والرجل يقول: حددته بشهادة العدول؟ فهذا [عندي] من التحامل على الخصم من غير نقضٍ على التحقيق. نعم، هل يصلح [ذلك] الدليل [لعضد] هذا الاحتمال؟ فيه نظر يتعلق بالفروع من غير نقض قواعد الأصول. وأما الشافعي ﵀، فلا يرى [ربطًا بين] رد [الشهادة] على الزاني والحد، فإنه إنما يحد من أتى قاذفًا لا شاهدًا، فيقول: لا يحد المشهود عليه، تمسكًا بالظاهر، ولا يحد الشهود، إذ ليسوا قذفة. فهذا هو سبب اختلاف العلماء في حد الشهود. والظاهر عندنا خلاف قول [الشافعي] في كون الشاهد لا يحد، وظاهر القرآن من خلافه، وفعل عمر أيضا يرد عليه. وأما قوله: إن الكفارات [قد] كثرت أقيستهم فيها، وقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع. فهذا موضع لطيف، يفتقر إلى إمعان نظر. أما

стр. 2048

أبو حنيفة، فإنه لم يقل هذا بناءً على القياس بحال. [بل] قال: هذا يرجع إلى تنقيح المناط. [وقد قدمنا نحن ما يريده الأصوليون بتنقيح المناط]، وبينا مأخذه في اللغة، ومقصد الأصوليين منه. والغرض الآن بيان مقصود المسألة في ذلك، وآل الأمر هناك إلى [أن] التمسك بالتنقيح، يقع الحكم فيه باحتمال اللفظ، والقول بالقياس لا يستند إلى ظاهر اللفظ، [ولا إلى احتماله]، بل يستنبط من مورد اللفظ معنىً يتعدى إلى محلٍ آخر، لا يدل اللفظ عليه، لا ظهورًا ولا احتمالًا. فهذا هو المعتمد الأصولي في الفرق بين تلقي الحكم من القياس، أو تلقيه من التنقيح. وأبو حنيفة يزعم أنه نقح مناط واقعة الأعرابي، فتبين له أن المناط الإفطار لا الوقاع. ولو قال الأعرابي للشارع: أفطرت في نهار رمضان، فقال: اعتق رقبة، لم يكن الحكم على الأكل متلقى من القياس، بل من فتوى الرسول. ولو اقتصر النص بلا ريب على الجماع، لكان إلحاق الأكل بالجماع قياسًا، ولكن لما اشتملت الواقعة على ذكر [الهلاك]، فهم أن ذلك لسبب [الانتهاك]. ولما ذكر في الواقعة خصوصية ما وقع [الانتهاك] به، تردد

стр. 2049

العلماء، هل كان [ذكر] الوقاع حشوًا في الباب، والاعتماد [على] [الانتهاك]، أو جرى ذكر الوقاع مقصودًا؟ فإن لم يجر مقصودًا، وإنما أدير الحكم على الانتهاك، فالأكل منتهك، فلا يكون إثبات الحكم فيه قياسًا، ولكنه عدول عن الظاهر، وإسقاط بعض القيود، فيقع ذلك في أبواب التأويلات. والقوم وإن منعوا إثبات الكفارات (٥٥/ ب) (٧٢/ ب) بالقياس، فليسوا يمنعون [إثباتها] بمحتملات الألفاظ، عند العضد بالأدلة. هذا هو السبب عند أبي حنيفة في إثبات الكفارات على الأكل، وليس عنده قياس على حال. ولكن ننازعه في احتمال اللفظ لما ذكره، فيؤول النزاع إلى مسألة معينة، ولا يكون في ذلك نقض لقواعد الأصول. والذي يصح عندنا أن اللفظ لا يحتمل ما ذكره بحال، فإن الإفطار لم يجر له ذكر على حال، ولم يذكر سوى الوقاع، ولم يجعل واضع اللغة لفظ الجماع قط عبارة عن الإفطار، لا على طريق الظهور، ولا عن طريق الاحتمال. ولو كان اللفظ محتملًا للإفطار، لكان لفظ الخمر محتملًا للنبيذ، بناءً على فهم علة الإسكار، ويبطل القياس على الإطلاق، وترجع جميع الأحكام المتلقاة من الاستنباط إلى تنقيح المناط، وفي ذلك إبطال القياس رأسًا. وأما [قوله]: إنهم قاسوا قتل الصيد خطأ على قتله عمدًا، فلم

стр. 2050

يسلك أبو حنيفة في ذلك مسلك القياس، وإنما سلك فيه مسلك التأويل، وذلك أنه لم يجر ذكر العمد على طريق الاشتراك، وإنما ذكر لأنه الغالب، والتقدير عنده: ومن قتله منكم، [والغالب أنه لا يقتله إلا] [متعمدًا]، ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. ولو كانت التلاوة [على ذلك]، لكان الخاطئ يكفر بمقتضى التلاوة، ولكن هذا، وإن لم يكن [ظاهرًا]، فهو تأويل مستقيم، إن أمكن عضده بدليل. وقد قال الشافعي [﵀] مثل هذا، فإنه من القائلين [بالمفهوم]، ويرى أن تخصيص الشيء بالذكر على جهة مخصوصة، يدل على نفي الحكم عما عداه. قال: إلا أن يجري التخصيص على حكم العرف، فإن المسكوت عنه يساوي المنطوق به. وهذا [عندي] في معنى التأويل، إذ الظاهر عنده القصر على المذكور، ولكنه يقدر التقدير الذي قدره أبو حنيفة. فليس هذا من أبواب القياس بسبيل، فلا مناقضة على [الحقيقة] في شيء من ذلك،

стр. 2051

وإنما يطالب [القوم] بالدليل العاضد للتأويل. وأما كونه قاسوا في المقدرات في مسألة الدلو في البئر، فليس هذا بقياس أيضًا، وكيف يكون هذا قياسًا، وليس ههنا أصل يشهد لذلك. وإنما اعتمد القوم فيه أخبارًا، وإن لم تكن صحيحة، فيرجع النزاع إلى دليل مسألةٍ فرعية. وإذا انتهى الكلام إلى [هذا] [المقدار] [المتقدم]، فلنذكر ههنا أصلًا، وننبه على سره، فنقول: لا يخلو إما أن يرجع التقدير إلى بيان محل الحكم، وإما أن يرجع إلى تقدير الحكم، فإن رجع التقدير إلى محل الحكم، فلا تمنع الزيادة بالقياس، [وهو] كقوله [﵇]: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم). فإنه لا يقتصر على هذا العدد، بل (٧٣/ أ) [نقيس]- عند فهم المعنى- ما يساوي الخمس في المعنى. ولم يشرع القياس إلا لتوسيع مجاري الحكم، وهو بمثابة قوله: (لا تبيعوا البر بالبر) الحديث. إلى آخره. فإنه [قد عد]

стр. 2052

أقسامًا، وزاد العلماء عليها [بالإلحاق]. وأما إذا رجع التقدير إلى مقدار الحكم، فإنه تمتنع الزيادة على ذلك، فإنه في الزيادة على ذلك مخالفة نص التقدير في الحكم، وإنما يطلب بالقياس حكم ما ليس منطوقا به. مثاله: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. [فلا يجوز الزيادة على المائة بالقياس، إذا ثبت قصد الشارع إلى القصر على ذلك]. وقد اختلف العلماء في مسألة، وهي قوله ﵇ لبعض الصحابة: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، واشترط الخيار ثلاثًا). هل يجوز اشتراط الخيار أكثر من ثلاثة أيام؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك، وأجازه مالك ﵀. أما من منع، فق تمسك بما [قدمناه] في تقدير الحكم (٥٦/ أ). وأما من أجاز، فله مستندان: أحدهما- أنه يقول: ورد ذلك على بيوع [مخصوصة]، لا تفتقر إلى اشتراط أكثر من ذلك، فإن القضية كانت في حبان بن منقذ، وكان يخدع في

стр. 2053

البيع، فقال ﵇ له ذلك. وكان الذي يبيعه هي اسلع التي تباع في الأسواق، وهي لا تفتقر إلى زيادة. وليس في الحديث عموم، وإنما هو حكاية حال. فإذا تطرق إليها مثل ذلك، امتنع التمسك بها في غير تلك الواقعة. الوجه الثاني- أن نقول: هل ذكرت الثلاث لأجل كونها ثلاثًا، أو لغرض يتحصل منها، وهو للاختبار والتروي؟ وفي الأول جنوح إلى التعبد عند فهم المعنى، وذلك [ممتنع]، فيجب المصير إلى مقتضى المعنى. ولكن في هذا مصير إلى جواز الزيادة في الحدود، نظرًا إلى حصول الزجر. ويجب عن هذا: بأن أمر الزجر لا ينضبط في العادة، لخفاء أحوال الناس، فأعرض عن الأمر الخفي، وناط الشرع الحكم بحد محدود، وعد معدود، بخلاف أحوال المشتريات، فإنها منضبطة في العادات، فالرد إلى العادة، تحصيلًا للغرض [أولى]، والأولى الطريقة الأولى. وأما قوله: وأما الرخص، فقد قاسوا فيها، وتناهوا في البعد، فإن الاقتصار على الحجارة في الاستنجاء من أظهر الرخص إلى آخره. فأبو حنيفة [﵀] قاس على محل النجو بلا إشكال، ولكنه لا يساعد أن الحكم في محل الاتفاق من الرخص، بل يقول إنه جارٍ على أقسام المعاني المعقولة، فإنه يزعم أن ذوي العادات يسامحون في يسير النجاسات،

стр. 2054

وإنما [يحترزون] عن الكثير منها. فقال: قد أدرك العقلاء فرقًا في المسامحة (٧٣/ ب) بين القليل والكثير، وإن كان يشق الوقوف على ضبط القليل، كما فرق بين التافه والنفيس في السرقة، وبين الغني والفقير في أموال الزكاة، ولكن لا ينص العقل على المقدار المرفق، لاختلاف أحوال الناس في ذلك، فجاءت الشريعة ببيان النصب، فتبين العقلاء أن ذلك غنيً شرعًا، ثم قاس الناس بعد فهم هذا المعنى. وكذلك القول في نصاب السرقة. وسيأتي تمام بيانه بعد هذا. فكذلك [وقعت] المسامحة في يسير النجاسة، [وتحاشت] النفوس كثيرها، وورد الشرع بالعفو عن محل [النجو با] لاستجمار، فعرف أن هذا المقدار يسير في النجاسة، فقاس عليه سائر النجاسات. والشافعي رأى [أن] العفو كان بسبب التكرار، وتعذر الاحتراز، فرأى ذلك رخصة. وأبو حنيفة لا يعترف بالرخصة على حال. وعلى هذا أسقط أبو حنيفة وجوب استعمال الأحجار، نظرًا منه إلى قلة النجاسة، وأنها ليست في محل الضيق، فلا نقض على الحقيقة. وأما قوله: مع قطع كل منصفٍ [بأن] الذين عاصروا رسول الله ﷺ فهموا التخفيف في نجاسة البلوى. وأبو حنيفة ينكر هذا الإجماع، ولا

стр. 2055

يعترف به بحال. والشافعي لا ينقل ذلك نقلًا صريحًا، بل يقول إنه فهمه من قصد الأولين. وهذا أمر لا يغني مع الخصم المطالب بالدليل. وأما قوله: ومن شنيع ما ذكروه في الرخص، إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع إلى آخره. فهذا من عجيب الأمر، وكيف [يمكن] دعوى ذلك، وأنه [مناقضة] [للقياس]، وهم إنما تمسكوا في ذلك بظاهر التوقيف؟ ومنع القصر في سفر المعصية، تارك للظاهر، مفتقر إلى الدليل. فيا ليت شعري، كيف أورد مثل هذا مناقضة، والله تعالى يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة﴾؟ فلم تثبت (٥٦/ ب) هذه الرخصة إلا بالتوقيف. [وهو] إنما منع إثبات الرخص بالقياس. فقد تبين أيضًا أنه لم يناقض. وأما قوله: إن القياس تقرير المنصوص على إقراره، وإلحاق غيره به. فالأمر على ما قال، وأبو حنيفة إنما يحرص على تقرير هذه القاعدة، [ويخاف] من الحيد عنها. أما قوله: وهذا الذي ذكره قلب لموضع النص في الرخص بالكلية. فهذا هو [مجرد] الدعوى، والرجل إنما يزعم أنه تمسك بالنص. ومن

стр. 2056

مذهبه أنه لا يجوز أن يستنبط من العموم [أو] الظاهر معنى يقتضي تخصيصًا أو تأويلًا، بل [يترك] الظاهر على ظهوره، والعام (٧٤/ أ) على عمومه. وأما قوله في المعدول عن القياس: إنهم قاسوا فيه، فاعتبروا غير المحل بالمحل، وغير الخارج بالخارج. فقد قدمنا أن الاعتبار عنده ثابت، ولكنه غير معترف بأن الأصل معدول به عن القياس، فلا مناقضة أيضا على أصله. وأما ما ذكروه من [أن] القهقهة تبطل الوضوء في الصلاة، واعتقدوا ذلك معدولًا به عن القياس، فلعمري إنه لكذلك، وقد صرح القوم بهذا. والقياس في قواعد الأحداث، أنه لا فرق أن يكون الحدث واردًا في الصلاة، أو في غيرها، ولما فرق في القهقهة بين الصلاة وغيرها، كان ذلك عدولًا عن القياس من غير إشكال. وأما إلحاق الصلاة ذات الركوع والسجود، فنعني به النافلة، لحصول العلم باستواء الفرض والنفل في شرط الطهارة. وأما صلاة الجنازة، فهي دعاء على الحقيقة، وإطلاق لفظ الصلاة [عليها] بالوضع اللغوي، ولذلك لا يقرأ عنده فيها بالفاتحة. وهي بمثابة الطواف بالبيت، وإن سمي صلاة، ولكنه على طريق التجوز، بالإضافة إلى العرف الشرعي، لا جرم حكم بصحة طواف المحدث. فالصلاة على الجنازة عنده كذلك.

стр. 2057

وأما النافلة، فصلاة شرعية كالفريضة، وقد جاء حديث: (من قهقه في صلاة فليتوضأ). وهذا دليل له، ويصرف لفظ الصلاة على الشرعي، وقد قال ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب). يريد الصلاة في لسان الشرع. ولو صح هذا الخبر، لكان تمسكًا بظاهر لفظٍ لا بقياس. ولكن الخبر عندنا غير صحيح، فيرجع النزاع إلى مسألة فروعية، ولا تنتقض قواعد الأصول بحال. والقصة وإن لم تجر في نفلٍ، [بل] كانت في فرضٍ، ولكن القول العام إذا ورد على سبب خاص لم يختص به. وأما قوله في الوضوء بنبيذ التمر: إنهم اعتبروا الغسل به، ولم يعتبروا نبيذ الزبيب بنبيذ التمر. فهذا أغمض ما في الأسئلة، فإنه قال ﵇: (ثمرة طيبة وماء طهور). فنبه على العلة، وهو طيب الثمر، وطهورية الماء، ولكنه قال: تمرة- بالتاء- ذات نقطتين مع سكون الميم، فكان ذلك مختصًا بالتمر دون الثمر. وقد يرى أن هذا لا يعقل معناه، فوجب الاقتصار على المنصوص، [فضعف] الإلزام من جهة اعتبار الغسل [بالوضوء]. ولكن الذي يلوح في العذر عن ذلك، حصول العلم باستواء أعضاء البدن، فيما يتعلق [بآلة]

стр. 2058

التطهير، ولا تعبد أصلًا في الفرق بين الأعضاء، وبين آلة وآلة، لحصول العلم بنفي التعبد (٧٤/ ب) في الفصل بين الأعضاء، بخلاف آلة التطهير في العبادات، فإنه قد ثبت تعبد في الآلة، حتى [جاز] الوضوء بالماء، منع بالورد، وإن كان يحصل كمال الوضاءة، مع صحة التوضؤ بالماء (٥٧/ أ) الكدر، ووجوب الوضوء على من خرج من الحمام، مع سقوط الوضوء [عن] [المتطلخ] بالطين. هذا تمام الكلام في الانفصال عن المتناقضات الورادة. وبالجملة لم ينقض أبو حنيفة شيئاً من أصوله في هذه المواضع. وإنما [وجهت] هذه [الاعتراضات] على غير قواعده، وليس هذا بلازم عند ذوي التحقيق. والله المستعان. قال الإمام ﵀: (ونحن [نرد] الكلام إلى الحجاج، [فنقول: لم منعتم إجراء القياس في هذه الأصول]؟ ) إلى قوله (وهي بمثابة سائر

стр. 2059

[المغارم]). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ضعيف كله. أما ما قرره عذرًا لأبي حنيفة من كون القياس لا يحصل علمًا، فهذا ليس مستند القوم على حال، وسننبه على ما يصح أن يكون مستندًا لهم. وأما إلزام القصاص على الحدود، فالقواعد مختلفة في الغرض الخاص، فإن القصاص بني على كمال الزجر في صون الدماء، حتى أثبت أيمان القسامة مرتبة على اللوث، [وبدأ فيه بأيمان] المدعين، ولم يشترط اجتماع الشهداء فيه على شهادة واحدة، فإلزام إحدى القاعدتين على الأخرى تعسف محض. وأما قوله: إنما كان يستقيم ما ذكروه، لو كانوا يثبتون الحد بمظنون، وهم قد أثبتوه بخبر الواحد. فقد ذكر الإمام العذر للقوم، وهو حصول اقطع [بوجوب] العمل بخبر واحد على العموم. وأما قضاؤه بمثل ذلك في القياس، فالإنصاف أنه ليس على هذا الضرب من القياس إجماع، وهو القياس في الأسباب، وسنبينه في إثر هذا الفصل.

стр. 2060

وأما ما [أورده] عليهم من الكفارات، وامتناعهم [من إجراء] القياس فيه، فهذا ليس بنقض، وإنما هو إلزام عكسٍ، إذ العلة منتفية، والحكم- وهو امتناع القياس- ثابت، فالعكس غير لازم في العلل الشرعية عند الأكثرين. على أنه إنما يلزم على تقدير أن لا تختلف علة أخرى. وقد أبدوا في الكفارات [سببًا] يقتضي منع القياس فيها، وذلك السبب هو الذي يتناول الحدود والكفارات جميعًا. قال الإمام: (وأما المقدرات، فقد قالوا [فيها: لا تهتدي العقول إلى معانٍ تقتضيها، فلا يجري القياس فيها. قلنا: إن كان ينحسم فيها المعاني المخيلة المناسبة]، فلم ينسد مسلك الأشباه). قال الشيخ: [هذا الذي ذكره

стр. 2061

الإمام]، إنما يلزم من يقول بقياس الشبه، وأكثر أصحاب أبي حنيفة لا يقولون به. (٧٥/ أ) ثم إن قيل بقياس الشبه، فإنما يقال به عند تخيل معانٍ، من حيث الجملة. وأما التعبدات المحضة، فلا يثبت فيها معنى ولا شبه. قال الإمام: (وأما الرخص، فقد قالوا: [إنها منح من الله تعالى وعطايا، فلا نتعدى بها مواضعها، فإن قياس غير المنصوص على المنصوص في الأحكام، احتكام على المعطي في غير محل إرادته ومنحته. فهذا هذيان، فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع، فهي] منح من الله تعالى، ولا تختص بها الرخص). قال الشيخ: ليس هذا معتمد القوم على الحقيقة، وإنما معتمدهم- فيما [يظهر]- أن الرخصة إنما [تفعل] بعد قيام سببٍ يقتضي المنع، فيعرض الشرع عن ذلك [المانع]، بالإضافة إلى محلٍ مخصوصٍ،

стр. 2062

على معنى المسامحة للخلق. وإذا خولف الدليل في موضع، تخفيفًا وتسهيلًا، لم تلزم المخالفة في غير ذلك المحل. وهذا في التمثيل بمثابة من مكن فقيرًا من شيء من ماله لحاجته، بعد أن ثبت ما يقتضي منع تناول الفقير له. فإنه لا يلزم من ذلك (٥٧/ ب) تمكين غيره [من مثله، ولا تمكينه في حالة أخرى] من مثل ما مكنه منه أولًا. وهذا كلام فيه نظر، وذلك أن الفرع الذي فيه النزاع، تجذبه القاعدة الكلية، من جهة المعنى العام، وهو المقتضي لضد حكم الرخصة، ويجذبه محل الرخصة بمعناه المفهوم، فيمتاز هذا المعنى بخصوصية الاعتبار، ويمتاز المعنى المانع بعموم الجدوى، وكثرة [الفوائد]. فمن الناس من يرى الاعتبار على المعنى الخاص المستنبط من محل الرخصة، ومنهم من يرى عكسه. وسنزيده تقريرًا في بيان المعدول به عن القياس. هذا تمام ما أورده الإمام في تتبع [قول] المخالفين]. قال الإمام ﵀: (فإن قيل: فما الذي ترون؟ [قلنا: قد [وضح] بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل، ونحن نتخذ تلك الأصول معتبرًا في النفي والإثبات. فإن [جرت] مسالك التعليل في هذه الأبواب، أجريناها، وإن

стр. 2063

[انسدت]، حكمنا بنفي التعليل]، ولا يختص ذلك بهذه الأبواب). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام جملي، لا يتحصل منه مقصود في هذه الأبواب، والخصم يقوم إن القياس غير مستقيم في هذه القواعد. وإن سلم له ذلك، فقد حصل مقصوده. ولم يقم الإمام دليلًا على الجواز، ولا على الامتناع. ونحن بعون الله وتوفيقه نعتني ببيان ذلك وتحقيقه، فإنه محل غامض، وأمر ملتبس يشتد مسيس الحاجة إليه. وليعلم الناظر في هذا الكتاب، أن المواضع التي حكم فيها القوم بمنع القياس، [انقسمت إلى جهات، منها: أن القياس] قد يمتنع في بعضها، من جهة الأصل الذي به الاعتبار، وقد يمتنع القياس في بعضها، باعتبار الفرع المعتبر بالأصل، وقد يمتنع القياس في بعضها، لأجل الحكم الذي يراد إثباته بالقياس، وقد يمتنع القياس، لخلل [الجامع] بين الأصل والفرع. ونحن نبين كل واحد [منها] بعون الله وتوفيقه. أما ما ينشأ [من (٧٥/ ب) اعتبار] الحكم الثابت بالقياس، فصحة القياس في نصب الأسباب أسبابًا للأحكام، فإذا [أضيف] حكم [لسببٍ]، فيجوز عندنا أن يطلب علة السبب، فإذا وجدت في وصف آخر، جاز أن ينصب سببًا. ومنع أبو حنيفة ذلك، [وقال]: الحكم يتبع العلة دون

стр. 2064

حكم العلة. وقد قال أبو زيد: إنما يشرع القياس [لتعدية] [حكمٍ] ثبت بوصفه وشرطه، مناطًا بعلة مضبوطة، حتى لا ينصرف القياس إلا في توسيع مجاري الحكم، فأما [إذا] وقع النزاع في أصل الحكم، أو وصفه، أو شرطه، أو في أصل السبب، أو في وصفه، أو شرطه، لم يجز إثبات شيء من ذلك بالقياس. وعنى بذلك أنه لا يجوز أن يجعل اللواط سببًا، بالقياس على الزنا، ولا النبش سببًا للقطع، قياسًا على السرقة، ولا الأكل سببًا للكفارة، قياسًا على الوقاع. فلنتكلم على بيان شروط الحكم الثابت بالقياس. وشروطه: أن يكون شرعيًا: زاد بعض الأصوليين: لم يتعبد فيه بالعلم. ونعني بكونه شرعيًا، احترازًا عن الحكم اللغوي، فإن الصحيح عندنا أن اللغة لا تثبت قياسًا، على ما تقدم القول فيه. وهل يجوز إجراء القياس العقلي في العقليات؟ فيه خلاف سبق [أن] أشرنا إليه. وإنما المقصود ههنا القياس المنصوب من قبل الشرع، وهذا لا خلاف في امتناع جريانه في العقليات. أما الأسماء اللغوية الخارجة عن أسماء الفاعلين والمفعولين، فلا تثبت بالقياس أصلًا، فلا يعرف كون النبيذ خمرًا

стр. 2065

[بالقياس]، ولا كون النباش سارقًا، ولا كون اللائط زانيًا. وكذلك لا يعرف كون [الغاصب للماشية] غاصبًا للنتاج بالقياس، بل بالبحث (٥٨/ أ) عن حقيقة الغصب وحده. وكذلك النظر في كون المكره قاتلا لا يعرف بالقياس، وكذلك كون الشريك قاتلًا. فمن طلب تحقيق القتل في هذه الصورة بالقياس، فقد غلط. نعم، يجوز أن يقال: حرمت الخمر لشدتها، فيحرم النبيذ وإن لم يكن خمرًا، بالقياس على الخمر. هذا هو حقيقة القياس، [وهو] راجع إلى إلحاق ما ليس بخمر في التحريم، وهو معقول القياس، إذ القياس تقرير المنصوص على قراره، وإلحاق غيره به، وإن لم يكن مسمى باسمه. مسألة: قال بعض الأصوليين: ما تعبد فيه بالعلم، لم يجز إثباته بالقياس، كمن يريد أن يثبت خبر الواحد بالقياس على الشهادة. وهذا الذي قالوه ضعيف عندنا، بل ما تعبد فيه بالعلم، جاز أن يثبت بالقياس الذي يفيد العلم. وقد قسم المحققون القياس قسمين: (٧٦/ أ) أحدهما- ما يحصل العلم، وقد قالوا في حكم ذلك: إنه يصح أن ينسخ به نص القرآن، وإن كان قاطعًا متواترًا. وقد تعبدنا بأن لا ينسخ النص المتواتر إلا بقاطع. ومثاله: لو ثبت بنص القرآن: [أن] من أعتق شركًا له [في أمة، لم

стр. 2066

يقوم عليه، ثم ورد بنص متواتر أن: (من أعتق شركًا له] في عبدٍ قوم عليه). ولم يظهر من قصد الشارع قطع الإلحاق، فإنه ينسخ النص الأول بالقياس على هذا المنصوص. [ولذلك] قال الفقهاء: من قضى على خلاف القياس الجلي نقض قضاؤه، وإن كان لا ينقض القضاء في مسائل الاجتهاد، دل ذلك على أنهم أرادوا بالجلي المقطوع به. فالصحيح أن القياس لا ينافي جريانه كون الحكم معلومًا، على ما قررناه. مسألة: ينشأ النظر فيها من قولنا: إن الحكم الذي يصح إثباته بالقياس، يشترط [فيه] أن يكون شرعيًا: اختلفوا في النفي، هل يجوز أن يتلقى من القياس؟ هذا إنما يرد اعتراضًا، مع المصير إلى أن نفي الحكم الشرعي ليس حكمًا شرعيًا. أما من ذهب إلى أنه حكم شرعي، فلا إشكال عنده في صحة إثباته بالقياس. والذي يصح عندنا في ذلك [أن نفي الحكم ليس بحكم على حال، وهذا عندي من أمحل المحال، أعني من يقول: ] إن نفي الحكم حكم، وكيف يعقل ذلك؟ وبيان فساده من وجهين: أحدهما- أن النفي قط لا يكون إثباتًا، ولا يعقل ذلك، وتوهم من توهم أن نفي السكون حركة، غير صحيح، بل السكون ضد الحركة، فإذا انتفى

стр. 2067

السكون ثبتت الحركة. وكذلك القول في البياض والسواد، فليس في نفي السواد بياضًا، ولا [لونًا] آخر سواه. الوجه الثاني- إن الذي نفى الحكم الشرعي، هل نفى [كل] الأحكام أو بعضها؟ فإن نفى بعضها، فالحكم الشرعي الذي لم ينتف ثابت، فلا يكون النفي [حكمًا]، بل الحكم هو الثابت. وإن نفى الأحكام الشرعية بجملتها، فكيف يتصور [مع] هذا أن يكون مثبتًا بعضها، [وهو] قد نفى [جميعها]؟ فإذا تقرر بهذا أن نفي الحكم ليس بحكم، فهل يجوز أن يعلم بالقياس؟ هذا مما اختلفوا فيه، فقال قائلون: يصح أن يتلقى من القياس. وقال قائلون: لا يجوز أن يثبت بالقياس. وفرق مفرقون بين النفي المسبوق [بإثبات]، وبين النفي الأصلي، فقالوا: ما كان من النفي المسبوق بإثبات، فإنه يصح أن يثبت بقياس العلة، وما كان من النفي الأصلي، فلا يجوز إثباته بقياس العلة على حال، ويجوز إثباته بقياس الدلالة. والصحيح [عندنا] أنه لا فرق بين النفي المسبوق بإثبات، [وبين النفي الأصلي.

стр. 2068

وبيانه: (٧٦/ ب) هو أن النفي المسبوق بإثباتٍ]، يرجع إلى أن أدلة الإثبات متقاصرة عن الدلالة في حالةٍ من [الحالات]، فتبقى تلك الحالة على ما قبل ورود الشرع. [ومثاله: أن الخمر كان تحريمها منتفيا قبل ورود الشرع]، فلما جاءت الشريعة، أثبتت التحريم مخصوصًا بحالة الاختيار، فبقي (٥٨/ ب) شربها [عند] الاضطرار على ما كان عليه قبل ورود الشرع. وهذا نفي مسبوق بإثبات. [فإذا] لم يصرح الشرع في حالة الاضطرار بجواز الشرب وإباحته قبل، وقع الاقتصار على نفي التحريم. وإذا تقيدت أدلة التحريم بحالة عدم الاضطرار، فليس لها تناول لهذه الحالة على حال. فلا حكم عند الاضطرار بحال. فإذا ثبت ذلك، امتنع أن يتلقى هذا النفي من قياس العلة لأمرين: أحدهما- أن النفي لا مقتضى له. الثاني- أن العلة إنما كانت علة بنصب الشارع إياها، والمعلول لا يتقدم على العلة. وقد كان نفي الحكم معقولًا قبل ورود الشريعة. هذا بعد ما استقر عندنا أن الحكم: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. نعم، لا يمتنع أن يجري في ذلك قياس الدلالة، فإن الأدلة لا اقتضاء فيها، ولا يمتنع أن تتقدم مدلولاتها عليها.

стр. 2069

وبيان ذلك بالمثال: أن نتردد في تحريم أمرٍ من الأمور، ويلتبس علينا ثبوت تحريمه أو نفيه، ثم يرد [الشرع] معرفًا انتفاء التحريم على مثله، فتبين بعد شرعية القياس، وجريان المتماثلات في الشرع على قضية واحدة، انتفاء التحريم [عن الأمر] الذي ترددنا فيه. فقد وضح بهذا التقدير، صحة جريان قياس الدلالة في النفي دون قياس العلة. ومما يتعلق [بالنظر] في الحكم الذي يصح إثباته بالقياس، انتصاب الأسباب للأحكام أسبابًا، فإنه يجوز عندنا أن يثبت سبب الحكم، قياسًا على سببٍ آخر. وذا هو المقصود من الكلام، فإذا حكم الله برجم الزاني، جاز أن يطلب سبب ذلك، حتى يقف على سببه، وهو الزنا، فإذا ذكر أن الزنا علة الرجم، صح أن يعلله أيضا بعلة يعديها إلى غير الزنا، كما جاز أن يعلل [الحكم] الثابت على زيد، [ويعديه] إلى عمرو، عند فهم المعنى المقتضي للتعدية. وهذا القسم الأخير، هو قياس بالإجماع. أما الأول، ففيه النزاع. وقد ذكرنا أن أبا زيد الدبوسي أنكر هذا النوع من التعليل، وقال: الحكم يتبع السبب دون حكمة السبب، وإنما الحكمة ثمرة، وليست بعلة، فلا يجوز أن يقال: جعل القتل سببًا للقصاص للزجر والردع، فينبغي أن يجب (٧٧/ أ) القصاص على شهود القصاص إذا رجعوا، [لمسيس] الحاجة إلى الزجر،

стр. 2070

وإن لم يتحقق القتل، إلى غير ذلك من تعليل الأسباب. وهذا الذي ذكره هؤلاء، يمكن أن ينزل على أحد ثلاثة [وجوه]: إما أن يقولوا ذلك بناءً على توقيف ثابت، مانع من القياس في هذه [المحال]، فهذا إن ثبت فيه توقيف مانع، فلا قياس بحال. ولكنا نقول: لم يثبت ذلك متواترًا، ولا بنقل الآحاد، ويمتنع تقديره بالتحكم المحض. وإما أن يقولوا: لم يثبت عندنا عموم شرعية القياس عند فهم المعاني. فهذا يجر أنواعًا من [الخبال]، ويقتضي منع القياس إلا في موضع الإجماع، وقل أن يصادف ذلك بحال. وقد قال أبو هاشم قريبًا من هذا، وقال: شرط الفرع الذي يتلقى حكمه من القياس أن يكون مما يثبت الحكم فيه على الجملة. وسنرد عليه بعد هذا، إن شاء الله. فإن صار إلى ذلك صائر، فقد قدمنا في أول كتاب القياس ما هو المعتمد في إثباته، وبينا استرسال الصاحبة ﵃ في النظر [إلى المصالح]، استرسال من لا يرى لوجوه الرأي [منتهىً] وضبطًا، ثم كان اللاحقون يتبعون السابقين. فليراجع [الناظر] في هذا (٥٩/ أ) الكلام ما سبق من البرهان، ففيه كفاية وبلاغ.
следующие страницы →