Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
يقوم عليه، ثم ورد بنص متواتر أن: (من أعتق شركًا له] في عبدٍ قوم عليه). ولم يظهر من قصد الشارع قطع الإلحاق، فإنه ينسخ النص الأول بالقياس على هذا المنصوص. [ولذلك] قال الفقهاء: من قضى على خلاف القياس الجلي نقض قضاؤه، وإن كان لا ينقض القضاء في مسائل الاجتهاد، دل ذلك على أنهم أرادوا بالجلي المقطوع به. فالصحيح أن القياس لا ينافي جريانه كون الحكم معلومًا، على ما قررناه.
مسألة: ينشأ النظر فيها من قولنا: إن الحكم الذي يصح إثباته بالقياس، يشترط [فيه] أن يكون شرعيًا: اختلفوا في النفي، هل يجوز أن يتلقى من القياس؟ هذا إنما يرد اعتراضًا، مع المصير إلى أن نفي الحكم الشرعي ليس حكمًا شرعيًا. أما من ذهب إلى أنه حكم شرعي، فلا إشكال عنده في صحة إثباته بالقياس.
والذي يصح عندنا في ذلك [أن نفي الحكم ليس بحكم على حال، وهذا عندي من أمحل المحال، أعني من يقول: ] إن نفي الحكم حكم، وكيف يعقل ذلك؟ وبيان فساده من وجهين:
أحدهما- أن النفي قط لا يكون إثباتًا، ولا يعقل ذلك، وتوهم من توهم أن نفي السكون حركة، غير صحيح، بل السكون ضد الحركة، فإذا انتفى
стр. 2067
السكون ثبتت الحركة. وكذلك القول في البياض والسواد، فليس في نفي السواد بياضًا، ولا [لونًا] آخر سواه.
الوجه الثاني- إن الذي نفى الحكم الشرعي، هل نفى [كل] الأحكام أو بعضها؟ فإن نفى بعضها، فالحكم الشرعي الذي لم ينتف ثابت، فلا يكون النفي [حكمًا]، بل الحكم هو الثابت. وإن نفى الأحكام الشرعية بجملتها، فكيف يتصور [مع] هذا أن يكون مثبتًا بعضها، [وهو] قد نفى [جميعها]؟
فإذا تقرر بهذا أن نفي الحكم ليس بحكم، فهل يجوز أن يعلم بالقياس؟ هذا مما اختلفوا فيه، فقال قائلون: يصح أن يتلقى من القياس.
وقال قائلون: لا يجوز أن يثبت بالقياس. وفرق مفرقون بين النفي المسبوق [بإثبات]، وبين النفي الأصلي، فقالوا: ما كان من النفي المسبوق بإثبات، فإنه يصح أن يثبت بقياس العلة، وما كان من النفي الأصلي، فلا يجوز إثباته بقياس العلة على حال، ويجوز إثباته بقياس الدلالة. والصحيح [عندنا] أنه لا فرق بين النفي المسبوق بإثبات، [وبين النفي الأصلي.
стр. 2068
وبيانه: (٧٦/ ب) هو أن النفي المسبوق بإثباتٍ]، يرجع إلى أن أدلة الإثبات متقاصرة عن الدلالة في حالةٍ من [الحالات]، فتبقى تلك الحالة على ما قبل ورود الشرع.
[ومثاله: أن الخمر كان تحريمها منتفيا قبل ورود الشرع]، فلما جاءت الشريعة، أثبتت التحريم مخصوصًا بحالة الاختيار، فبقي (٥٨/ ب) شربها [عند] الاضطرار على ما كان عليه قبل ورود الشرع. وهذا نفي مسبوق بإثبات. [فإذا] لم يصرح الشرع في حالة الاضطرار بجواز الشرب وإباحته قبل، وقع الاقتصار على نفي التحريم. وإذا تقيدت أدلة التحريم بحالة عدم الاضطرار، فليس لها تناول لهذه الحالة على حال. فلا حكم عند الاضطرار بحال.
فإذا ثبت ذلك، امتنع أن يتلقى هذا النفي من قياس العلة لأمرين:
أحدهما- أن النفي لا مقتضى له.
الثاني- أن العلة إنما كانت علة بنصب الشارع إياها، والمعلول لا يتقدم على العلة. وقد كان نفي الحكم معقولًا قبل ورود الشريعة. هذا بعد ما استقر عندنا أن الحكم: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. نعم، لا يمتنع أن يجري في ذلك قياس الدلالة، فإن الأدلة لا اقتضاء فيها، ولا يمتنع أن تتقدم مدلولاتها عليها.
стр. 2069
وبيان ذلك بالمثال: أن نتردد في تحريم أمرٍ من الأمور، ويلتبس علينا ثبوت تحريمه أو نفيه، ثم يرد [الشرع] معرفًا انتفاء التحريم على مثله، فتبين بعد شرعية القياس، وجريان المتماثلات في الشرع على قضية واحدة، انتفاء التحريم [عن الأمر] الذي ترددنا فيه. فقد وضح بهذا التقدير، صحة جريان قياس الدلالة في النفي دون قياس العلة.
ومما يتعلق [بالنظر] في الحكم الذي يصح إثباته بالقياس، انتصاب الأسباب للأحكام أسبابًا، فإنه يجوز عندنا أن يثبت سبب الحكم، قياسًا على سببٍ آخر. وذا هو المقصود من الكلام، فإذا حكم الله برجم الزاني، جاز أن يطلب سبب ذلك، حتى يقف على سببه، وهو الزنا، فإذا ذكر أن الزنا علة الرجم، صح أن يعلله أيضا بعلة يعديها إلى غير الزنا، كما جاز أن يعلل [الحكم] الثابت على زيد، [ويعديه] إلى عمرو، عند فهم المعنى المقتضي للتعدية. وهذا القسم الأخير، هو قياس بالإجماع. أما الأول، ففيه النزاع.
وقد ذكرنا أن أبا زيد الدبوسي أنكر هذا النوع من التعليل، وقال: الحكم يتبع السبب دون حكمة السبب، وإنما الحكمة ثمرة، وليست بعلة، فلا يجوز أن يقال: جعل القتل سببًا للقصاص للزجر والردع، فينبغي أن يجب (٧٧/ أ) القصاص على شهود القصاص إذا رجعوا، [لمسيس] الحاجة إلى الزجر،
стр. 2070
وإن لم يتحقق القتل، إلى غير ذلك من تعليل الأسباب. وهذا الذي ذكره هؤلاء، يمكن أن ينزل على أحد ثلاثة [وجوه]:
إما أن يقولوا ذلك بناءً على توقيف ثابت، مانع من القياس في هذه [المحال]، فهذا إن ثبت فيه توقيف مانع، فلا قياس بحال. ولكنا نقول: لم يثبت ذلك متواترًا، ولا بنقل الآحاد، ويمتنع تقديره بالتحكم المحض.
وإما أن يقولوا: لم يثبت عندنا عموم شرعية القياس عند فهم المعاني. فهذا يجر أنواعًا من [الخبال]، ويقتضي منع القياس إلا في موضع الإجماع، وقل أن يصادف ذلك بحال. وقد قال أبو هاشم قريبًا من هذا، وقال: شرط الفرع الذي يتلقى حكمه من القياس أن يكون مما يثبت الحكم فيه على الجملة. وسنرد عليه بعد هذا، إن شاء الله.
فإن صار إلى ذلك صائر، فقد قدمنا في أول كتاب القياس ما هو المعتمد في إثباته، وبينا استرسال الصاحبة ﵃ في النظر [إلى المصالح]، استرسال من لا يرى لوجوه الرأي [منتهىً] وضبطًا، ثم كان اللاحقون يتبعون السابقين. فليراجع [الناظر] في هذا (٥٩/ أ) الكلام ما سبق من البرهان، ففيه كفاية وبلاغ.
стр. 2071
[وإما] أن يقول القوم: إن تعليل الأسباب تفوت معه حقيقة القياس، [إذا] شرط القياس على الأصول، تقديرها أصولًا، وفي تعليل الأسباب، ما يخرجها عن كونها أسبابًا.
وهذا- والعلم عند الله- هو [معتمد القوم]، ونحن نمثله ونزيده تقريرًا فنقول: إذا قلنا إن الزنا علة الرجم، واستنبطنا من إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعًا، إلى تمام القياس، واعتبرنا اللواط، فقد بان آخرًا أن الزنا لم يكن علة، وإنما العلة أمر أعم من الزنا، فقد علل الزنا في كونه سببًا بعلة أخرجت الزنا عن كونه سببًا، ويمتنع تعليل الأصول بما يخرجها عن كونها أصولًا. وكذلك يمتنع تعليل النصوص بعلة تزيل النصوصية.
هذا أعظم ما تمسك به القوم في منع تعليل الأسباب. وإذا كان كذلك، فخروج الأصل عن كونه أصلًا، يمنع معقول القياس، إذ الاعتبار بغير معتبر به محال. وقد تحير الأصحاب في الجواب عن هذا الكلام. ونحن بعون الله ندل أولًا على صحة ما نقول، ثم نحل الشبهة، مستعينين بالله وهو خير معين.
أما الدليل على أصل التعليل عند فهم معاني الأسباب، فهو الدليل الدال على أصل القياس، وذلك الدليل هو أنه لما علم من [الشريعة] إدارة الأحكام على المصالح، والإعراض (٧٧/ ب) عن صور المحال، وعرف ذلك باستقراء الشرع وردًا وصدرًا، وفهمت الإشارة إلى تعليل الأسباب، وأن الحكم لم يكن لأجل صورها، بل لما اشتملت عليه من المعاني، فلو وقع الاقتصار
стр. 2072
على صورها مع مشاركة غيرها لها في المعنى، [كان ذلك بعيدًا في اتباع المعنى]، وهو ضد فهم المعنى. فإن اعترفوا بإمكان فهم العلة، وإمكان تعديها، ثم توقفوا في الإلحاق، كان ذلك فاسدًا بما قررناه في إثبات أصل القياس، وثبت التحكم بالفرق بين حكم وحكم.
وقد تقرر أن الرجوع إلى المجمعين حتم، ولم يثبت في تخصيص المحال ضبط، وهذا بمثابة قول من يقول: يجري القياس في القصاص دون البيع، أو في الإجارة دون النكاح.
وقد قال بعضهم: [إنه] لا تلفي للأسباب علة مستقيمة، فيكون على هذا امتناع القياس لامتناع الجامع. ونحن نعترف بأنه لا يصح القياس دون تحقيق الجامع، ولكنا لسنا نسلم تعذر معرفة الجامع في الأسباب، فإن الطريق الذي يعرف أن الإسكار موجود في النبيذ وجوده في الخمر، يعرف أن أخذ مال الغير المحترم من [القبر]، كهو من البيت، على قطعٍ من غير فرقٍ. وكيف ينكر إمكان القياس وإلحاق النباش بالسارق، مع الاعتراف بكونه لا يسمى سارقًا، كإلحاق الأكل بالجماع في كفارة الإفطار، مع كونه لا يسمى جماعًا؟ وقد قال الأعرابي: (واقعت أهلي في نهار رمضان).
وقد اعتذروا عن هذا: بأنه ليس قياسًا، لأنا تعرفنا بالبحث أن الكفارة ليست كفارة الجماع، بل كفارة الإفطار. قلنا: كذلك نقول: ليس الحد حد الزنا، وإنما
стр. 2073
هو [حد] إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعًا، المشتهى طبعا، وكذلك ليس القطع قطع السرقة، بل قطع مال الغير من حرز مثله من غير [شبهة].
فإن قيل: إنما القياس أن يقال: علق الحكم في الأصل بعلة [كذا]، وهي موجودة في الفرع، وكذلك ينبغي أن يقال: علقت الكفارة بالوقاع لعلة [كذا]، وهي موجودة في الأكل، كما يقال أثبت التحريم في الخمر لعلة كذا، وهي موجودة في النبيذ، ونحن في الكفارة [نتبين] (٥٩/ ب) أن الكفارة لم تثبت [للجماع]، ولم تعلق [به]، فيعرف محل الحكم أولًا شرعًا أنه أين ورد؟ وكيف ورد؟ فليس هذا قياسا. فإن استمر مثل هذا في اللائط والنباش، فنحن لا ننازع فيه، فنقول: هذا بعينه جارٍ في النباش، فإنا نقول: تبينا من موارد الشرع أن القطع إنما كان في السرقة [لعلة] [أخذ] المال المحترم من حرز مثله، على جهة الخفية، وهو إلحاق (٧٨/ أ) لغير المنصوص بالمنصوص، من تعميم العلة التي هي مناط الحكم، فإن سمى مسم ذلك تنقيحًا، فلا ينازع في التلقيب.
[القسم الثاني]: أن نقول: إذا ساعد الخصم على ما قررناه، واتضح له
стр. 2074
ما [ذكرناه]، وهو صحة [فهم] معاني الأسباب، واتباع معنى السبب، [امتنع] الاقتصار على صورته عند فهم معناه. وهذا هو الذي يعبر عنه بالتنقيح. وما سلط على إزالة الظاهر إلا المعنى المفهوم، وهو كأنه معارض للظاهر ومزيل له، إذ الظاهر التعليل بنفس الجماع، فإذًا انضبط معنى الهتك، حتى عدل عن ظاهر الوقاع إلى معقول الإفطار. ولو لم ينضبط ذلك، لم يجز العدول عن الظاهر بحال. فكذلك يصح ضبط حكمة المعنى حتى يتعدى إلى محل غير مذكور أصلًا، اعتمادًا منا على فهم مقصود المعنى. وهذا هو الذي عبرنا عنه بتنقيح المناط، وقد سبق تمثيله وتحقيقه.
وكيف ينكر ذلك، وقد صار الجميع إلى فهم معنى قوله ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان)، أنه لم يرد به عين الغضب؟ وإنما أراد بذلك النهي عن القضاء في حالة دهش العقل وحيرته، حتى يلتحق به الجوع المفرط، والألم المبرح، وحتى يجوز القضاء مع الغضب اليسير. كل ذلك اعتمادًا منا على فهم أسرار العلل وبيان معانيها.
وكذلك نقول: الصبي يولى عليه، لمصلحة نفسه، لعجزه عن ضبط ماله وحفظه، [فالمجنون] بذلك أولى، فلينصب سببًا. هذا كلام معقول، لا يدفعه منصف، فكيف يقال: [إنه] لا يلفى للأسباب علة مستقيمة؟
стр. 2075
والدليل على صحة فهم المعنى، ووجوب اتباع حكم العلل، [أن الله تعالى] أوجب القصاص على القاتل بقوله: ﴿ولكم في القصاص حيوة﴾. وقوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾. وأجمع المسلمون على التعليل بذلك، فإنه من أجلى المناسبات. ثم اجتمع جماعة على قتل واحد، قال الصحابة ﵃: يقتلون. وهو إلحاق غير القاتل بالقاتل، نظرًا إلى فهم المعنى، وهو القصد إلى صيانة النفوس.
فهذا عين ما نحن فيه، فنقول: جعل القتل علة لكذا، وهو صيانة الدماء، وهو موجود في الشريك كالمنفرد، فليشرع القصاص على الشريك، وإن لم يكن قاتلا. ولكنهم قالوا: إنما وجب بالقصاص على القاتل، صيانة للدماء، فلو لم يقتص من الشريك، لبطلت الحكمة في ذلك، ولتطرق [الظلمة] إلى إتلاف الدماء على جهة الاشتراك. وفي ذلك إبطال [أصل] القاعدة. (٧٨/ ب) قال عمر ﵁: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به، حتى نزيد على ذلك).
فنقول: هذه الحكمة جريانها في الأطراف، كجريانها في النفوس، فنقطع المشتركين في الأطراف، قياسًا على المشتركين في النفوس، ونقول: ما صين
стр. 2076
بالقصاص [على] المنفرد، فليصن [بالقصاص] [على] المشتركين، إلحاقًا للأطراف بالنفوس.
وكذلك نقول: وجب القصاص [في القتل] بالمحدد، فنقيس عليه القتل بالمثقل، بناءً على فهم قاعدة الزجر. وهذا من أجلى أقيسة المعاني، وهو إلحاق غير الجارح [بالجارح]، اعتمادًا على فهم معنى القاعدة. فهذه تعديلات معقولة في هذه الأسباب، لا فرق بينها (٦٠/ أ) وبين تعليل تحريم الشرب بالشدة، وتعليل ولاية الصغر بالعجز، ومنع الحكم بالغضب.
وقد قال بعضهم: الزجر ثمرة وحكمة، وهي لا تحصل إلا بعد شرعية القصاص، فكيف يعلل القصاص بعلة لا تحصل إلا بعد القصاص؟ فنقول: هذا الكلام متجوز به، وإنما المراد: أن الحاجة إلى الصون هي علة شرعية القصاص، والحاجة إلى الصون متقدمة على شرعية القصاص. [وإذا] قال القائل: خرجت من البلد للقاء زيد، فهذا الكلام معقول، فظاهره أن لقاء زيد هو العلة الداعية إلى الخروج، ولا يلقاه إلا بعد الخروج، ولكن الحاجة إلى اللقاء هي الداعية إلى الخروج، أي احتياجي إلى لقاء زيد، هو الذي بعثني إلى الخروج. وكذلك احتياج الإنسان إلى أمور يستقبلها في أمر دنياه وآخرته،
стр. 2077
تحركه على تعاطي أمور يتوقع من حصولها حصول غرضه.
فإذا تقرر ما ذكرنا، [فالظاهر من مذهب أبي حنيفة أنه منع من إجراء القياس في الحدود والكفارات، بناء على ما ذكرناه] من امتناع إجراء القياس في الأسباب.
وما اعتذروا به من أن ذلك يرجع إلى تنقيح مناط الحكم دون تخريجه، فقد قال بعض الأصحاب: إن الإنصاف يقتضي مساعدتهم على ذلك. وزعم أن الجاري في تعليل الأسباب، تنقيح المناط دون تخريجه. وهذا هو الذي اختاره أبو حامد، وقال: لا وجه غيره، قال: هذا هو الحق. وذلك أنه تقرير عنده أن القياس الذي لا يرجع إلى تأويل اللفظ، هو إثبات حكمٍ في الفرع، لا يتعرض له اللفظ بحال، لا على ظهور، ولا على تأويل.
قال: ونحن إذا عللنا الزنا [بالإيلاج]، بان أن الزنا ليس مناطًا، بل المناط أمر أعم من [الزنا]، فكيف [يعلل] الزنا بعلة تخريجه عن كونه علة؟ بل سنبين آخرًا أن الزنا ليس مناطًا، فتعليل الأسباب يخرجها عن [كونها] (٧٩/ أ) أصولًا. فأما إذا ألحقنا الجنون بالصبا، بان لنا أن الصبا لم يكن مناطًا، بل أمر أعم منه.
[وكذلك إذا عللنا الغضب بأنه مدهش للعقل، بان لنا أن نغضب لم يكن مناطًا، بل أمر أعم منه]، وهو الدهش المانع من الفكر واستيفاء النظر، وعند
стр. 2078
ذلك يظهر الفرق للفطن بين تعليل الحكم وتعليل السبب، فإن تعليل الحكم يقتضي تعدية الحكم من محله، وتقريره في محله. فإنا نقول: حرم الشرع شرب الخمر، والخمر محل الحكم، ولكن يطلب مناط الحكم وعلته، فإذا برزت لنا الشدة، عديناها إلى النبيذ، فضممنا النبيذ إلى الخمر في التحريم، ولم يغير في الخمر [شيئًا].
أما ههنا إذا قلنا: علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا، فيلحق به غير الزنا، ناقض آخر الكلام أوله، لأن الزنا إن كان مناطا [للحكم] من حيث إنه زنا، فإذا ألحقنا به شيئا ليس بزنا، فقد أخرجنا الزنا عن كونه مناطا، فكيف يعلل كونه مناطا بما يخرجه عن كونه مناطًا؟ والتعليل تقرير لا تغيير، ومن ضرورة تعليل الأسباب تغييرها، فإنك إذا اعترفت بكونه سببًا، ثم أثبت ذلك الحكم بعينه عند فقدان ذلك السبب، فقد نقضت قولك الأول: إنه سبب.
فإذا ألحقنا الأكل بالوقاع، بان لنا بالآخرة أن الوقاع لم يكن هو السبب، بل معنى أعم منه، وهو الإفطار، وإنما يكون هذا تعليلا، لو بقي الجماع مناطًا، وانضم إليه مناط آخر شاركه في العلة، كما بقي الخمر محلًا للتحريم، وانضم إليه محل آخر، وهو النبيذ، فلم يخرج المحل الذي طلبنا علة حكمه عن كونه مناطًا، فكيف يحلل الجماع بما يخرجه عن كونه مناطا؟ بل وجب إضافة الحكم إلى معنى، حتى يصير الجماع حشوًا زائدًا. (٦٠/ ب) وكذلك يصير وصف الزنا حشوًا، وهو إيلاج فرج في فرج.
قال أبو حامد: فإذًا مهما فسر مذهبهم على هذا الوجه، اقتضى الإنصاف المساعدة عليه. هذا تمام كلامه. وهو على التحقيق اعتراف بامتناع إجراء القياس في الأسباب، لا لخصوصٍ في التعبد، ولا لتعذر فهم المعنى، ولكن لاستحالة وجدان الأصل عند تعليل السبب، فيفوت القياس، لفوات بعض
стр. 2079
أركانه، ولا يبقى للقياس حقيقة على هذا الوجه.
و[نحن] نقول: هذا القول غير صحيح عندنا، بل الصحيح إجراء القياس على حقيقته في الأسباب، ولا فرق في تصور القياس بين تعليل الأسباب وتعليل الأحكام.
وبيانه: هو أنه [هل] حرمت الخمر باعتبار خصوصية وصفها، وهي الخمرية، حتى لا يتعدى الحكم إلى النبيذ [بحال]، أو حرمت من جهة كونها مزيلة للعقل، وهو الوصف الأعم؟ فإنه (٧٩/ ب) إنما كانت أصلًا، باعتبار حكم الشرع، وقد بان لنا أنه حكم فيها من جهة اشتدادها وإسكارها.
فكذلك إذا قلنا: جعل الزنا علة للرجم، فيقال: هل كان علة من جهة كونه زنا، أو من جهة أخرى هي أعم من هذا؟ أو لم تكن علة أصلًا؟ والباطل أن نقول: ليس بعلة من وجه من الوجوه بأسرها، فهذا هو الذي يناقض قولنا: إنه علة للرجم، وهو نظير ما لو استنبط معنىً يخرج الخمر عن كونها محرمة مطلقًا، أما [استنباط] يبين أنها محرمة من جهة ما، فليس يناقض ذلك كونها أصلًا، فكذلك الباطل ألا يجعل الزنا علة من وجه من الوجوه، أما إذا جعل علة من بعض الجهات، فلم يخرج عن كونه علة مطلقًا.
[فهكذا] ينبغي أن يفهم تعليل الأسباب، ولا فرق بينه وبين تعليل الأحكام [في الأصول] الثابتة، على ما قررناه قبل ذلك في تحقيق المثال. فقد بان بما قررناه صحة تعليل الأسباب والأحكام، والله الموفق للصواب.
стр. 2080
وهذه المسألة من أعظم مسائل الأصول، فلقد زل فيها الجماهير، وأثبتوا القياس في الأسباب على وجه يحيل معقول القياس عند ذوي الألباب. هذا تمام الكلام على [ما] منع القوم إجراء القياس [فيه]، بناء على أحد الأركان، وهو ركن الأحكام.
وأما ما منعوا القياس فيه بناء على الركن الآخر، وهو ركن الأصل، فهو منعهم من إجراء القياس على المعدول به عن القياس. وقد كنا قدمنا ذكر شروط الأصل المقيس عليه، وبقي علينا من شروطه الكلام على هذا النوع، وهو أن يكون الأصل الثابت حكمه غير معدول به عن القياس.
ولابد من النظر في مدلول هذا اللفظ عند أهل الأصول، فإن هذه اللفظة تطلق عند الفقهاء على أربعة أمور، وقد اشتهر من كلامهم أن المعدول به عن القياس لا يقاس عليه غيره. وهذا مما أطلق، ويحتاج إلى تفصيل، فنقول:
يطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة أقسام: يطلق على ما استثنى من قاعدة عامة، وعلى ما استفتح [ابتداء] قاعدة منفردة، وكل واحد من المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ما يعقل معناه، وإلى ما لا يعقل معناه، فهي أربعة أقسام:
стр. 2081
القسم الأول: ما استثنى من قاعدة عامة، وثبت اختصاص المستثنى بحكمه، فلا يقاس عليه غيره، [إذ كيف يقاس عليه غيره] في تعدية الحكم، وفهم من الشرع الاختصاص بالمحل المستثنى؟ وفي القياس إبطال الاختصاص المفهوم من النص. وهذا ينقسم إلى ما يعقل معناه، وإلى ما لا يعقل معناه، والقياس فيهما جميعا [ممنوع]، (٨٠/ أ) لما علم من قصد الاختصاص والاقتصار.
فأما ما لا يعقل (٦١/ أ) معناه: فكاختصاص خزيمة بقبول شهادته وحده. وأما ما يعقل معناه، فكجواز التضحية بعناقٍ لأبي بردة [بن دينار]، نظرًا إلى فقره، ولا يلحق بذلك غيره، للنص الثابت فيه، وهو قوله: (تجزئك ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك).
وثبوت الاختصاص قد يعلم وقد يظن، فالعموم [كما] ذكرناه، والمظنون كما في حق المحرم: (لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث ملبيا). وكذلك [قال] في قتلى أحد: (زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون أوداجهم تشخب دما).
стр. 2082
وقد اختلف العلماء في الصورتين جميعًا، فمن ذاهبٍ إلى [حمل] الخبرين على الخاصية، ورأى قاعدة غسل الموتى مطردة في الشهداء، والتطييب والتخمير مطردًا في المحرمين. وقال قائلون: [بطرد] القياس في الموضعين جميعًا، ولا تثبت الخاصية بحال. وفرق مالك ﵀، فرأى [أن] القياس في مسألة الشهداء، ولم ير الإلحاق في مسألة المحرم. وقد كنا قدمنا ذكر ذلك فيما مضى.
والبحث فيه نظر يتعلق بفن الفقه. وإنما قصدنا ههنا التمثيل للتقريب والتسهيل.
[ولما] قال للأعرابي الذي واقع [أهله] في نهار شهر رمضان: (تصدق [به] على أهل بيتك). ولم يقر الكفارة في ذمته عند عجزه، وجعل الشبق عذرًا عن الصوم، قال أكثر العلماء: هو خاصية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يلتحق به من يساويه في الشبق والعجز. ومن جعله خاصية، استند فيه إلى أنه لو فتح هذا الباب، للزم مثله في كفارة الظهار وسائر الكفارات. والقرآن دل على أنهم لا ينفكون عن [الواجب]، وإن اختلفت
стр. 2083
أحوالهم في العجز، فحمله على الخاصية أهون من هدم هذه القاعدة المعلومة. هذا إن ثبت أنه لم [يقر] الكفارة في ذمته، وفيه احتمال. واستدلال من استدل على ذلك بأنه مكنه من الكفارة غير قوي، لاحتمال أن يكون ذلك لشدة الحاجة، فرأى إحياءه، وإحياء أهله أولى.
فإن قيل: [فهذا] تأخير البيان عن وقت الحاجة. قلنا: ليس كذلك، فإنه قد بين له الواجب، ولكنه اعتذر بالعجز عنه، فيبقى الأمر عليه إلى تحقيق الإمكان. وإنما أردنا بهذا أن نبين مواضع اجتهاد العلماء، وتطرق فنون الظنون إلى فهم الخاصية، وأن ذلك مكتفى به في حق العلماء، كسائر المجتهدات.
القسم الثاني: [ ما] استثني من قاعدة عامة، وتطرق إلى المستثنى نوع معنى، ولم يدل دليل على (٨٠/ ب) وجوب القصر على موضع الاستثناء. وهذا عندنا ينقسم قسمين:
أحدهما- أن يكون الفرع الذي فيه النزاع، نسبته إلى النوع المقتطع نسبة العلم، وبقاؤه تحت القاعدة مظنون. فهذا يجب إلحاقه بموضع الاستثناء، إذ لا يعارض ظن علمًا. وإلحاقه بالأصل معلوم، وبقاؤه تحت مقتضى القاعدة- لو جرد النظر إليه- مظنون. وهذا مما لا يتجه فيه خلاف.
مثاله: ما استثني من بيع الرطب بالتمر من العرايا، فإنا [نلحق] قطعا عرية العنب بعرية الرطب، وإن كان النص واردًا في عرية التمر، للقطع بالمساواة.
стр. 2084
أما إذا لم يقع القطع بذلك، ولكن ظننا، فإنا نكتفي أيضا بذلك [في] الإلحاق، إذا ثبت أن معنى القاعدة منقوض، [و] تعارض [مع] الاستثناء، وتبين رجحانه عليه، بورود الحكم على وفقه. فيقع هذا في باب تعارض الخاص والعام. والخاص مقدم عند ذوي التحقيق. وقد أبدى بعض الأصوليين في ذلك خلافًا، وقد ذكرناه في باب تخصيص العموم، ومما نحن فيه من ذلك النوع.
أما إذا لم يلح في المستثنى معنىً، لا قريبٍ (٦١/ ب) ولا بعيدٍ، فإنا لا نلحقه به بحال. فإنا لو ألحقنا به شيئاً، من غير تقدير جامع مناسب، بل اعتمادًا على مجرد الاستثناء في الصورة، والمقتطع على صورة، بقية ما اندرج تحت القاعدة، أفضى ذلك إلى رفع جميع القاعدة. ونحن نعلم أن ذلك لم يرد مورد النسخ للقاعدة، بل مورد الاستثناء مع بقاء القاعدة على حقيقتها. وقد اختلف العلماء في مسائل مستثناة، هل يصح القياس عليها أم لا؟ لترددهم في فهم المعنى أو عدمه.
منها: الحكم ببقاء صوم الناسي عند بعض العلماء في الفرض، على خلاف قياس جميع المأمورات. قال أبو حنيفة: لا يقاس عليه كلام الناسي في الصلاة، ولا أكل المخطئ والمكره، لكنه قال: جماع الناسي في معناه، [لأن] الإفطار باب واحد. والشافعي قال: الصوم من جملة المأمورات،
стр. 2085
[معناه]: إذا افتقر إلى النية والتحق بأركان العبادات، وهو من جملة المنهيات في نفسه وحقيقته، إذ ليس فيه إلا ترك يتصور من النائم جميع النهار، فأسقط الشرع عهدة الناسي ترجيحًا، لنزوعه إلى المنهيات، فنقيس عليه كلام الناسي.
وأما مالك [﵀]، فإنه التفت إلى اشتراط النية فيه، وألحقه بالعبادات، وحكم ببطلان الصوم، حتى فاتت حقيقة الصوم، إلا في صوم التطوع، تخفيفًا على المكلفين في ذلك. [وقد] اختصت التطوعات (٨١/ أ) بأنواعٍ من التخفيف، كجواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر الطويل، وإن كن ذلك غير مفتقر في الفرائض. وإذا ثبتت المسامحة في النفل، امتنع إلحاق الفرض به.
القسم الثالث: القاعدة المستفتحة [المستقبلة]، حتى لا يعقل معناها فلا يقاس عليها غيرها، لعدم العلة الجامعة، فيسمى خارجا عن القياس على وجه تجوز، إذ المفهوم من الخروج عن القياس، أن يكون القياس يقتضي نقيض الحكم الثابت، فيعدل بالمسألة عن حكم القياس، ولكن لما لم يجر هذا على مقتضى القياس، سمي خارجًا عن القياس لذلك.
ومثاله: المقدرات، كأعداد الركعات، ونصب الزكوات، ومقادير الحدود والكفارات، وجميع التحكمات المبتدأة، التي لا ينقدح فيها معنىً، فلا يقاس عليها غيرها، لأنه لا يعقل معناها.
стр. 2086
القسم الرابع: القواعد المبتدأة العديمة النظير، لا يقاس عليها، مع أنه يعقل معناها، لأنه لا يجود ما يشابهها، خارج عن [النص] والإجماع، والمانع من القياس، [عدم] العلة [في غير] المنصوص، فكأنه معلل بعلة قاصرة.
ومثاله: رخص السفر، والمسح على الخفين، ورخصة المضطر في أكل الميتة، وضرب الدية على العاقلة، وتعلق الأرش برقبة العبد، وإيجاب غرة الجنين، والشفعة في العقار، وخاصية الإجارة والنكاح، وحكم اللعان، والقسامة ونظائرها. فإن هذه القواعد متباينة المآخذ، فلا يجوز أن يقال بعضها خارج عن قياس البعض، بل لكل واحدة مزية تنفرد بها، لا يوجد لها نظير. فليس البعض بأن يوضع أصلًا، ويجعل الآخر خارجًا عن قياسه، بأولى من عكسه. فلا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته.
وتحقيقه أنا [نعلم] إنما جوز المسح على الخفين، للحاجة إلى اللبس وعسر النزع، ومسيس الحاجة إلى استصحابه، فلا نقيس عليه العمامة والقفازين، وما لا يستر جميع القدم، لا لأنه خارج عن القياس، ولكن لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وعسر النزع (٦٢/ أ)، وعموم الوقوع. وكذلك رخص السفر، فإنا لا نشك في ثبوتها للمشقة، فلا نقيس عليها مشقة أخرى، لأنه لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها، لأن المرض لا يحوج إلى القصر، بل إلى الجمع، وإسقاط المشقة من القيام وغيره إن مست الضرورة
стр. 2087
إليه. ولما ساوى المريض والمسافر في حاجة الفطر، سوى الشرع بينهما فيه.
وكذلك قولهم: أكل الميتة رخصة خارج عن القياس، كلام مؤول، [فإنه] (٨١/ ب) أريد به أنه لا قيقاس عليه غير المضطر، فإنه ليس في معناه، وإلا فنقيس الخمر على الميتة، والمكره على المضطر، فهو منقاس.
وكذلك بداءة الشرع بأيمان المدعين في القسامة، لشرف أمر الدم، ولخاصيةٍ لا يوجد مثلها في غيره، ولأنه عديم النظر، لا يقاس عليه.
وكذلك ضرب الدية على العاقلة، كان ذلك في الجاهلية فأقره الإسلام. ولو لم يعقل معناه، لم تتفق الجاهلية عليه قبل الإسلام، والسر فيه كثرة وقوع الخطأ، وشدة الحاجة إلى ممارسة السلاح، ولا نظير له في غير الدية. وهذا مما يكثر. [فبهذا] يعرف أن قول من قال: إن باب الإجارة خارج عن قياس البيع، غلط. وكذلك القول بأن النكاح خارج عن القياس. كقول من يقول: تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس تأقيت الإجارة. وكذلك المساقاة خارجة عن قياس الإجارة والبيع. وكذلك أمر القراض. والجعل خارج عن تأقيت المساقاة. فإذًا هذه الأقسام الأربعة، لابد من الإحاطة بها، ليحصل الوقوف على سر هذه القاعدة. وسيأتي لهذا مزيد تقرير [بعد هذا]، إن شاء الله [ ]. فهذا ما منع القوم القياس فيه، لأجل [الأصل] الذي يقاس عليه.
стр. 2088
وأما [ما] منع القياس فيه لأجل الفرع، فكل موضع لم يثبت مناط الأصل في الفرع، فلا يصح قياسه على الأصل. وذلك يؤول إلى أمرين: أحدهما- ينشأ من عدم فهم معنى الأصل.
والثاني- يرجع إلى فقد معنى الأصل من الفرع. وفي الوجهين يمتنع أن يجعل فرعًا، لعدم ما يربط بينه وبين الأصل. والرخص والتقديرات يمتنع القياس فيها لذلك.
أما الرخص، فقد قلنا: إن الأغلب فيها عدم مصادفة ما يساويها. وقد قدمنا الكلام على ذلك. وأما المقدرات، فلعدم الوقوف على سبب التقدير. وإذا نشأ النظر في هذا من شروط الفرع ، فلابد من استيعاب النظر [في ذلك]. وللفرع خمسة شروط:
الأول: منها: أن يكون مناط الحكم في الأصل موجودًا في [الفرع]. فإن تعدي الحكم فرع تعدي العلة. فإن كان وجودها في الفرع مقطوعًا به، فلا شك في صحة الإلحاق. وإن كان مظنونا، فقد اختلفوا فيه، فذهب ذاهبون إلى أنه لا يجوز الإلحاق إلا إذا قطع بالوجود، ولا يكتفى بغالب الظن في تحقيق المناط. وقال قائلون: إذا ظن وجود العلة في الفرع، اكتفي بذلك. والفريقان متفقان على أنه لا يشترط القطع بكون الوصف علة، بل يكتفى بظن ذلك، إذ ذلك يرجع إلى إثبات الأحكام. (٨٢/ أ) واكتفى الشرع في كثير من الأحكام بغلبات الظنون. أما ما يرجع إلى تحقيق مناط المعنى في الفرع، فهو نظر في أمرٍ وجودي، فالعلم فيه متأتٍ، ولابد عندنا في ذلك من التفصيل.
стр. 2089
فنقول: إن كانت العلة حكمًا شرعيًا، فلا خفاء بعدم اشتراط العلم في ذلك. ومثاله: إذا قضينا بأن النجاسة علة منع البيع، ثم غلب على ظننا أن أزبال الدواب نجسة، فلابد (٦٢/ ب) من القضاء بمنع البيع، كما أنه لابد من القضاء بمنع الاستصحاب في الصلاة، فإن النجاسة يمتنع استصحابها في الصلاة، فإذًا ظن التنجيس يتنزل منزلة علمه، ولا ذاهب من الأمة إلى جواز الاستصحاب مع ظن التنجيس. وهذا عندنا مما لا يتجه فيه خلاف.
وإن كانت العلة أمرًا وجوديًا، ككون الزعفران غير مطعوم، حتى يجوز بيعه قبل قبضه، فإن العلة عندنا في تحريم المبيع قبل القبض، كون المبيع طعامًا غير مقبوض لمشتريه. فإذا غلب على ظننا أن الزعفران غير مطعوم، لم يمتنع بيعه قبل قبضه. وكذلك إذا جعل الشافعي الطعم علة تحريم التفاضل، ثم ظن أن الزعفران مطعوم، فلا سبيل إلى تجويز التفاضل فيه.
والسبب في ذلك، أنه إذا ظن وجود المناط، [ظن] ثبوت الحكم المرتبط به، لما تقرر [ما] بين الحكم والمناط من الارتباط. وإذا ظن وجود أحد المرتبطين، ظن وجود الآخر، فكيف يجوز الإقدام على التفاضل مع ظن التحريم؟ وقد قررنا أن كثيرًا من أحكام الفرع لا يشترط فيها العلم بحال وكذلك إذا تغير الماء بالنجاسة، ثم زال التغير بطول المكث وهبوب الريح، طهر الماء، لتحقق الزوال، وإن تغير بالزعفران، لم يطهر. وكأنه في معنى الساتر. فإذا تغير بالتراب وحصل التردد، هل هو مزيل كهبوب الريح، أو ساتر كالزعفران؟ [فمن] غلب على ظنه أنه ساتر، فقد ظن بقاء النجاسة، فكيف يجوز الإقدام على الاستعمال؟ ومن غلب على ظنه أنه مزيل، فلا نجاسة.
стр. 2090
وكيف يصح منه منع الاستعمال من تحقق الزوال؟
الثاني: أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل. إذ كيف يتفق أن يكون حكمه متعديًا إليه من أصل لم يثبت الحكم فيه إلى الآن؟ فمن المحال أن يعدى إلى الفرع حكم أصلٍ لم يثبت. نعم، يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بطريق سوى القياس، ثم يرد الشرع بإثبات الحكم في محل آخر، مماثل لذلك المحل، فلا يجوز أن يكون ذلك السابق فرعًا عند من علم النص فيه. نعم، قد يقال لمن لم (٨٢/ ب) يحط بمأخذ الحكم الأول، والتبس عليه أنه فرع للأصل الوارد بعده، على معنى أنه لم يثبت الحكم فيه عنده، إلا بعد ثبوت الحكم المتأخر. فهذا له وجه ما، والأدلة يجوز أن تتأخر. هذا وجه صحة الإطلاق. [وأما] من كان دليل الحكم ثابتًا عنده قبل النظر في الثاني، فلا وجه لإطلاق الفرع على الأول بحال.
الثالث: أن لا يتغير الحكم بالتعليل، بل يعدى إلى الفرع عين حكم الأصل، على وصفه وكيفيته، فلا زيادة ولا نقصان. فإن لم يكن كذلك، [بطل] معقول الاعتبار، وكان حكم الفرع لا شاهد له من جهة الأصل، فيقع في أبواب الاستدلال المرسل. فهذا واضح من حيث الجملة، ولكن ينشأ منه الالتباس في بعض الأمورـ فإنا نقيس المطلقة في مرض موت الزوج في أخذها الميراث على القاتل، إذ قتل وارثه، في حرمان الميراث. وظاهر هذا أن الثابت
стр. 2091
في الفرع ضد حكم الأصل، إذ الحكم الثابت في الأصل منع الميراث، والذي ثبت في الفرع استحقاقه، ولكن عدل في القياس عن خصوصية حكم الأصل إلى جهة عامة، وهي المقابلة بنقيض المقصود. وهذه [الجهة] تستوي [فيها] المطلقة والقاتل، إذ غرض المطلق حرمان الميراث، وغرض القاتل استحقاقه، فكل منهما عورض بنقيض [مقصوده]، ولم يعد إلى الفرع إلا ما ثبت في الأصل من الجهة التي ذكرناها. وإلا فمن المحال أن يقال: حرم (٦٣/ أ) كذا قياسًا على محل ثبت فيه الحل. هذا واضح.
وقد تنازع الأصوليون في صحة قياسٍ نذكره، ونتكلم عليه، وهو أن أصحابنا قالوا: لا يكون عوض السلم إلا نقدًا، لكن جوزوا التأخير اليسير بشرطٍ، كاليوم واليومين، وجوزوا التأخير الكثير بغير شرط. ومنع الشافعي ذلك، وقال: لابد من القبض في المجلس، وجوز السلم الحال. والصحيح من مذهب مالك رحمه [الله] منع السلم الحال. وعلل ذلك الأصحاب بأن قالوا: بلغ برأس المال أقصى مراتب الأعيان، فليبلغ بالمسلم فيه أقصى مراتب الديون، قياسًا لأحد العوضين على الآخر. وهذا إنما يستقيم على قول من لم يجوز في رأس المال [التأخير] اليسير.
стр. 2092
وقد ذهب الأصوليون إلى فساد هذا القياس، ورأوا أنه ليس على شكل الأقيسة، إذ حكم الأصل وجوب التقديم، وحكم الفرع وجوب التأخير، وهذا ظاهر التناقض. [ولكن] طريق التقريب في ذلك أن يقال: [أحد] العوضين (٨٣/ أ) [يوجب] أن يشرع على وجه يتوقف عليه مصلحة العقد، قياسًا على العوض الآخر.
وتقريره [هو]: أن السلم شرع لدفع الحاجة عن المسلم إليه، فإنه بيع محاويج، وإنما تتم المصلحة فيه، بأن يتعجل قبل العوض، إذ به يحصل مقصوده من الثمن، ويتأخر قبض المسلم فيه. فإنه لو كان حاضرًا عنده، كان موسرًا به، فلم تدعه ضرورة إلى المعاملة على ذمته.
وفيه أيضًا وجه آخر، وهو أن مقصود العقد لا يحصل إلا بالاسترخاص، إذ المسلم لو كان الذي يسلم [فيه] بسعره، كسعر المقبوض، لم يقدم عليه. وإنما يقدم عليه عند رجاء الاسترخاص، وذلك يستدعي ضرب أمدٍ تتغير في مثله الأسواق. هذا هو الأمر الذي اعتمد عليه مالك ﵀. ولذلك قال: إن الأجل: نحو الخمسة عشر يومًا في البلد الواحد، وأما إذا أسلم إليه في بلد [على] أن يقبض المسلم إليه في [غير بلده]، فلا يفتقر مع ذلك
стр. 2093
لضرب أجل، [ويتنزل] اختلاف البلدان، منزلة اختلاف الأجل. فهذا وجه تحرير هذا الدليل.
الرابع: أن يكون الفرع مما ثبت جملة حكمه بالنص. وهذا ذكره أبو هامش، وقال: لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة، لما نظر الصحابة في توريث الجد مع الإخوة. وهذا فاسد، لأنهم قاسوا [قوله]: (أنت علي حرام) على الظهار، والطلاق واليمين، ولم يكن قد ورد فيه حكم، لا على العموم، ولا على الخصوص، بل الحكم [إذا] ثبت في الأصل لعلة، [تعدى] بتعدي العلة [كيفما كان].
الخامس: أن لا يكون الفرع منصوصًا عليه، وإنما يطلب الحكم بقياس على أصلٍ تأخر، إذا كان مسكوتًا عنه. فإن قيل: [فلم] قستم الظهار على القتل في اشتراط أيمان الرقبة، والظهار أيضا منصوص عليه، واسم الرقبة يشمل الكافرة؟ قلنا: اسم الرقبة ليس نصًا، بل مطلق يتناول الرقاب على البدل، تناول ظهور لا تنصيصٍ. فلما ورد الشرع باشتراط الأيمان في كفارة القتل،
стр. 2094
أرشدنا ذلك إلى اشتراطه في كفارة الظهار، فلم يطلب حكم الرقبة بالقياس في الظهار، إلا بعد ما استقر عندنا أن النص لا يتضمن جواز الكفارة، بل يكون اشتراط الأيمان في كفارة القتل، يغلب على الظن اشتراطه في كفارة الظهار. [هذا] ما يتعلق بالكلام على الفرع وشروطه.
وأما ما منع من القياس لأجل العلة، فهو ما لا تصادف المعاني فيه مستقيمة على شروطها. ومن هذا عندهم، منع القياس في الأسباب. قال أبو زيد: (٨٣/ ب) لا يلفى [للأسباب] (٦٣/ ب) علة مستقيمة. وإنما يتم النظر في ذلك ببيان حقيقة العلة، وشرط دلالتها، ومعرفة كيفية إضافة الحكم إليها، وذلك يطول، وله موضع من الكتاب غير هذا، فلنؤخره إلى مكانه، وذلك عند الكلام [على] النقض وعدم التأثير، فهناك نستوعب الكلام، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (ومما نختم القول به: أن التعليل قد يمتنع لنص الشارع) إلى قوله (فهذه جمل كافية فيما يعلل [وما] لا يعلل). قال الشيخ أيده الله: ما
стр. 2095
ذكره الإمام في هذا المكان صحيح، وذلك أن القياس إنما يطلب ليرشدنا إلى حكم الشرع، وليس القياس في معنى من يستقل بإثبات حكمٍ. ولو قدرنا ذلك، لم يكن ما قال به المعلل مستندًا إلى الشريعة بحال. فإذا كان المقصود التوصل إلى معرفة حكم الشرع، فكيف يصح أن يقع الإلحاق مع منع النصوص من ذلك؟ فلا وجه لاستعمال القياس على هذا [التقدير].
ولكن يبقى ههنا [أمر] تتعين الإحاطة به، وهو أن قائلًا لو قال: إذا صح من الشريعة الفرق بين المتماثلات، ولا مستند للقياس إلا استقراء الشريعة في التسوية بين أحكام المتماثلات، فكيف يصح القياس مع ثبوت ذلك؟ وقد كنا قدمنا أن الشريعة، وإن خرجت عنها مسألة عن القياس، فتلك [نادرة]، لا تمنع القضاء بغالب الأمور. ونقلنا إجماع الصحابة على ذلك. وهذا السؤال جنوح إلى منع القياس، فلا يلتفت إليه.
فإن قيل: [إن] لم يمنع ذلك من الاعتبار ظنًا، فهو مانع [من القطع
стр. 2096
بالحكم، فإن الاحتمال، وإن ضعف جدًا، فهو مانع] من العلم قطعًا، فينبغي أن لا يتلقى من القياس حكم معلوم. [وهذا السؤال] مخيل. ولكنا نقول: قد نعلم بتصفح الشريعة وردًا وصدرًا، الإعراض عن التعبد في بعض المواضع، والالتفات إلى اطراد الحكم عند المساواة. وهذا كما فهمه العلماء أجمعون من قوله تعالى: ﴿[فلا] تقل لهما أف﴾. أن هذا غير مختص بهذه الحالة، بل جميع أنواع الأذية مساوية [له] قطعًا. [وكذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون﴾. فإن الإتلاف لغير جهة الأكل، ملحق به قطعًا].
فإذا حصل العلم مرتبًا على هذه الجهات، اندفع الإجمال على كل حال. وأيضا، فإنه لما قرر الرسول ﷺ بما فهم عنه بطريق الاعتبار، وصح منه اقتطاع بعض الأمثال، فإنه إذا قصد القصر، أرشد إلى الاختصاص، لحصول التعبد بالتعميم عند فهم التعليل، وإذا تقرر (٨٤/ أ) ذلك، فالطريق إلى إزالة الإشكال [بقطع] بعض الأمثال، الإرشاد إلى ذلك بصريح المقال، كما قال لأبي بردة
стр. 2097
بن نيار: (تجزئك ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك). أو يفهم ذلك عنه بقرينة الحال، فتقوم مقام صريح المقال. والله المستعان.
قال الإمام ﵀: (ونحن نختتمها بكلام نفيس قائلين: رب شيء [يجتمع] فيه جريان القياس) إلى قوله (وما يتعلق بالنقل وعدم النقل). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من اعتماد كون الأصل معللًا على فهم علته، كلام صحيح، وقد تقدم تقريره. وحاصل القول في ذلك، تعميم النظر إلى المصالح عند ظهورها، وانتفاء التوقيف الدال على التعبد. يتبين ذلك من استقراء الشريعة في تقرير قاعدة القياس، وإناطة الأحكام بالمصالح. عرف ذلك من عمل الصحابة [﵃]، وسياق الآيات، وثبوت الأخبار، والإماء من الشارع [إلى] التعليل، وجهات المصالح. (٦٤/ أ) وإذا تقرر ذلك، فرب أصلٍ يجتمع فيه جريان القياس وامتناعه، وذلك بحسب ظهور المعنى في بعض الأطراف وانحسامه.
стр. 2098
وقد ضرب الإمام في ذلك الكتابة مثلًا، وبين جهات المعنى المعقول والتعبد المحض، ولكن هذا يقوى على أصل الشافعي، الذي يرى أن العبد غير مالك. أما نحن إذا رأينا أنه مالك، فلا يظهر جدًا أن السيد عامل ملكه بملكه، إلا أن تكون الكتابة على اكتسابه، فإن كسب العبد لسيده. وأما الكتابة من جهة كونها عقدًا من العقود، مشتملًا على الإيجاب والقبول إلى آخره، فجارٍ على ذوق الأقيسة. وإذا كان الأمر [منقسمًا] إلى جهتين مختلفتين، فمن عمم القضاء عليها نفيًا أو إثباتًا، فقد غلط من غير إشكال.
وما ذكره بعد ذلك من أن الأصول لو نظر إليها نظرًا [كليًا]، لتخيل فيها التناقض. ومن ذلك قال بعض من لا يعد من الراسخين: إن النكاح خارج عن القياس. وكذلك قالوا في الإجارة. وليس من قال هذا على بصيرة فيما يأتي ويذر، بل كل عقدٍ مقرٍ على قياسه ومصلحته. فخواص النكاح لا تلفى في غير النكاح. ومن أراد إلحاق أصلٍ بأصلٍ في خاصيته، تعذر ذلك عليه. فإنه لو وجدت الخاصية في غير موضعها، لم تكن خاصية بحال، ولجرت القواعد
стр. 2099
كلها على قضية واحدة، وذلك محال. وإذا تعذر أن تعتبر خواص الأصول بعضها ببعض، تعذر القياس ذو الفرع والأصل، ولا يبقى في ذلك إلا الاستدلال، إن صح القول به. هذا إذا تباعدت الخواص، أما إذا تقاربت، فإن اعتبرت الخاصية من أخص أوصافها، تعذر القياس (٨٤/ ب) أيضا. كما إذا أردنا أن نعتبر خاصية القراض، من إبهام مقدار الربح ومدة العمل، فإن ذلك لا يتصور في غير القراض. نعم، إذا عدلنا عن أخص الأوصاف، ونظرنا إلى ما فوق ذلك، أمكن الاشتراك، وهو بمثابة اعتبار المساقاة بالقراض، أو بالعكس من ذلك، فإن ذلك يصح، لكن بشرط أن يتنبه لأمر آخر، وهو أنا لا نقيس في عين الخاصية، لتعذر الوجدان في غير محل الاتفاق.
وقوله: إذا أردنا أن نقيس أصلا مشتملا على قريب من تلك الخاصية، إنما يصح بعد إقامة الدليل على إلغاء المزية. وأما مع الاعتراف بثبوت أثرها، فمن المحال إثبات الحكم مع فقدانها. فيريد أن المعتبر إنما جمع بين الأمرين المتقربين، بعد قيام الدليل على إلغاء ما تقاربا فيه. وإن لم يكن كذلك، لم يمكن القياس. إذ يكون قد جمع بين الفرع والأصل بغير جامع الأصل. وهذا مما لا يتجه فيه خلاف.
стр. 2100
و اختلاف العلماء في إلحاق المساقاة بالقراض ، إنما نشأ من جهة أن الحكم الثابت في القراض، هل ربط بخاصية القراض من إبهام الربح والعمل؟ [أو] إنما ربط به من جهة دعاء الضرورة إلى المعاملة على نصيب ما يحصل من الربح، من غير نظر إلى ضبط العمل وعدم ضبطه؟ فالشافعي يزعم أنه إنما جاز من هذه الجهة. وأبو حنيفة يقول: إنما جاز من جهة [عسر] ضبط العمل، ولا يلزم من تجويز الشرع هذا العقد من جهة عسر ضبط العمل، أن يجوز شيئا آخر يمكن ضبط العمل فيه. وله وجه من المناسبة.
وفي كلامه من هذه الجهة قوة: [وإن] لم يكن للمساقاة مأخذ سوى شرعية القراض. وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبتت أخبار صحيح بجواز المساقاة. ولكن [ما ذكره تفريع] على عدم النصوص الدالة على جوازها.
стр. 2101
ثم جرى في المسألة كلام (٦٤/ ب) لابد من النظر فيه، وذلك أنا قلنا: شرط الفرع الثابت بالقياس، أن يكون مسكوتا عنه، والشافعي ﵀ قد اعتبر بالمساقاة بالقراض، ثم عضده بالحديث الثابت في المساقاة، فقد صارة حكم المساقاة منصوصًا عليه، فكيف يبطل حكمه بالقياس؟ والذي أطلقه الفقهاء والأصوليون أنه قد يجتمع على حكم المسألة النص والإجماع والقياس. فهذا الكلام ظاهر التناقض، ولكن الظاهر عندي أن الممتنع أن يثبت حكم بالقياس على أصلٍ منصوص عليه، على وجه النص شاملًا للمعتبر به والملحق به. هذا مثال.
وصورته: أن نقيس البر على الشعير بجامع الاقتيات، ثم نستدل على صحة (٨٥/ أ) العلة وثبوت حكم الأصل بقوله: (لا تبيعوا الطعام بالطعام).
стр. 2102
هذا محال، إذ ليس [البر] بأن يعل أصلا للشعير مع هذا النص، بأولى من ضده، بل الصحيح أنه لا يعتبر واحد منهما بصاحبه. أما إذا كان المطلوب حكمه بالقياس، لا يتناوله مع أصله نص واحد، فهذا هو الذي يتأتى القياس فيه على أصل آخر، وكأنه مسكوت عنه باعتبار النص الدال على حكم أصله، فلابد من التنبه لذلك.
فأما قول الإمام: إن الشافعي أجرى في المسألة كلامًا بدعًا إلى آخره. فهو كلام حسن في فنه، وذلك أن أهل الإجماع ليس لهم رتبة الاستقلال بإثبات الأحكام، وإنما يثبتونها نظرًا إلى أدلتها ومأخذها. وإذا كان كذلك، فلابد من إسناد أهل الإجماع الحكم إلى مستندٍ شرعي، إلا أنه لا يجب البحث عن مستند أهل الإجماع، إذ قد ثبتت لهم العصمة، ولا يحكمون إلا عن مستند صحيح، إذ لو حكموا غير مستندين لسبب صحيح، لكان ذلك نقيض ما ثبت لهم من العصمة. فمن هذه الجهة لم يلزم البحث عن مستندهم، وإذا لم يلزم البحث
стр. 2103
عن المستند، فلا يمتنع الاطلاع عليه. وأكثر الإجماعات عرف مستندها. وإنما الشافعي تكلم عن أمرٍ غير لازم النظر فيه، وهو البحث عن مستند أهل الإجماع.
[ثم] قال ﵀: إن هذا الضرب من المعاملة لم يعهد متقدمًا في زمن رسول الله ﷺ . وتقريره إياه يدل على كونه مشروعًا. قال: وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر ﵁. أراد بذلك أن ينفي أن يكون مستنده علم [من] رسول الله ﷺ وتقريره إياه، فقد بطل أن يكون ذلك مستند القراض. قال: ولا يصح أن يكون مستنده سنة، إذ لو كان ذلك لنقل، واعتني بنقله، ولم يندرس. وليس يصح أن يكون مستندًا إلى كتاب الله [تعالى]،
стр. 2104
وهذان هما الأصلان. ولا يصح أن يقال أجمع عليه، لأنه مجمع عليه، فامتنع إذًا أن يستند القراض [إلى] الإجماع، ولا إلى أصل من الأصول الثلاثة [التي هي] الكتاب والسنة والإجماع. ولابد أن يستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة، فإذا بطل أن يستند إلى التوقيف، وجب أن يستند إلى الرأي من حيث [الجملة].
وقوله: فلا أرى للقياس أصلًا إلا ما صح عن رسول الله ﷺ في المساقاة. وهذا الذي ذكره الشافعي أخيرًا ظاهره مناقض لما سبق من ضرب [المثال]، وذلك أن المثال فيما إذا ثبت أصل ذو خاصية، فأراد الناظر أن يثبت أصلًا مشتملًا على قريب من تلك الخاصية، (٨٥/ ب) كما جر في القراض، حيث اعتبر المساقاة [به]، ثم (٦٥/ أ) آل الكلام إلى اعتبار القراض بالمساقاة، فالمساقاة إذًا هي الأصل، والقراض معتبرها، ولكن
стр. 2105
المقصود التمثيل. فأما الاعتبار بتحقيق المآل، فلا يتوقف عليه حصول المقصود.
فأما ما ذكره من امتنع كونه لا يصح أن يستند إلى خبر، إذ لو استند إليه، [لوجب] نقله في الاعتياد. [فعنه] جوابان:
أحدهما- أنه يحتمل أن يفهم الصحابة ﵃ جواز القراض بقرائن أحوال رسول الله ﷺ ، وتفاريق أمورٍ حصلت لهم علمًا ضروريًا، وإن لم يمكن نقل آحادها، فلم يمكنهم نقلها عن تفاصيلها، وعلموا أن الإجماع حجة، فأغناهم الإجماع عن نقل المستند. وكثير ما يكون هذا هكذا. وكذلك قلنا نحن في القياس، وأنهم لم يجمعوا على القياس إلا بعد حصول العلم لهم بكونه من الشريعة، ولكن لم ينقلوا الألفاظ الناصة الدالة على شرعية القياس. هذا وجه.
والوجه الثاني- أنه يمكن أن تكون الأدلة الدالة على صحة القراض ثابتة، ولكن تكون ظاهرة مؤولة، فلو نقلت، لتطرق إليها الاحتمال، ولم يحصل العلم
следующие страницы →