← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ثم جرى في المسألة كلام (٦٤/ ب) لابد من النظر فيه، وذلك أنا قلنا: شرط الفرع الثابت بالقياس، أن يكون مسكوتا عنه، والشافعي ﵀ قد اعتبر بالمساقاة بالقراض، ثم عضده بالحديث الثابت في المساقاة، فقد صارة حكم المساقاة منصوصًا عليه، فكيف يبطل حكمه بالقياس؟ والذي أطلقه الفقهاء والأصوليون أنه قد يجتمع على حكم المسألة النص والإجماع والقياس. فهذا الكلام ظاهر التناقض، ولكن الظاهر عندي أن الممتنع أن يثبت حكم بالقياس على أصلٍ منصوص عليه، على وجه النص شاملًا للمعتبر به والملحق به. هذا مثال. وصورته: أن نقيس البر على الشعير بجامع الاقتيات، ثم نستدل على صحة (٨٥/ أ) العلة وثبوت حكم الأصل بقوله: (لا تبيعوا الطعام بالطعام).

стр. 2102

هذا محال، إذ ليس [البر] بأن يعل أصلا للشعير مع هذا النص، بأولى من ضده، بل الصحيح أنه لا يعتبر واحد منهما بصاحبه. أما إذا كان المطلوب حكمه بالقياس، لا يتناوله مع أصله نص واحد، فهذا هو الذي يتأتى القياس فيه على أصل آخر، وكأنه مسكوت عنه باعتبار النص الدال على حكم أصله، فلابد من التنبه لذلك. فأما قول الإمام: إن الشافعي أجرى في المسألة كلامًا بدعًا إلى آخره. فهو كلام حسن في فنه، وذلك أن أهل الإجماع ليس لهم رتبة الاستقلال بإثبات الأحكام، وإنما يثبتونها نظرًا إلى أدلتها ومأخذها. وإذا كان كذلك، فلابد من إسناد أهل الإجماع الحكم إلى مستندٍ شرعي، إلا أنه لا يجب البحث عن مستند أهل الإجماع، إذ قد ثبتت لهم العصمة، ولا يحكمون إلا عن مستند صحيح، إذ لو حكموا غير مستندين لسبب صحيح، لكان ذلك نقيض ما ثبت لهم من العصمة. فمن هذه الجهة لم يلزم البحث عن مستندهم، وإذا لم يلزم البحث

стр. 2103

عن المستند، فلا يمتنع الاطلاع عليه. وأكثر الإجماعات عرف مستندها. وإنما الشافعي تكلم عن أمرٍ غير لازم النظر فيه، وهو البحث عن مستند أهل الإجماع. [ثم] قال ﵀: إن هذا الضرب من المعاملة لم يعهد متقدمًا في زمن رسول الله ﷺ . وتقريره إياه يدل على كونه مشروعًا. قال: وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر ﵁. أراد بذلك أن ينفي أن يكون مستنده علم [من] رسول الله ﷺ وتقريره إياه، فقد بطل أن يكون ذلك مستند القراض. قال: ولا يصح أن يكون مستنده سنة، إذ لو كان ذلك لنقل، واعتني بنقله، ولم يندرس. وليس يصح أن يكون مستندًا إلى كتاب الله [تعالى]،

стр. 2104

وهذان هما الأصلان. ولا يصح أن يقال أجمع عليه، لأنه مجمع عليه، فامتنع إذًا أن يستند القراض [إلى] الإجماع، ولا إلى أصل من الأصول الثلاثة [التي هي] الكتاب والسنة والإجماع. ولابد أن يستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة، فإذا بطل أن يستند إلى التوقيف، وجب أن يستند إلى الرأي من حيث [الجملة]. وقوله: فلا أرى للقياس أصلًا إلا ما صح عن رسول الله ﷺ في المساقاة. وهذا الذي ذكره الشافعي أخيرًا ظاهره مناقض لما سبق من ضرب [المثال]، وذلك أن المثال فيما إذا ثبت أصل ذو خاصية، فأراد الناظر أن يثبت أصلًا مشتملًا على قريب من تلك الخاصية، (٨٥/ ب) كما جر في القراض، حيث اعتبر المساقاة [به]، ثم (٦٥/ أ) آل الكلام إلى اعتبار القراض بالمساقاة، فالمساقاة إذًا هي الأصل، والقراض معتبرها، ولكن

стр. 2105

المقصود التمثيل. فأما الاعتبار بتحقيق المآل، فلا يتوقف عليه حصول المقصود. فأما ما ذكره من امتنع كونه لا يصح أن يستند إلى خبر، إذ لو استند إليه، [لوجب] نقله في الاعتياد. [فعنه] جوابان: أحدهما- أنه يحتمل أن يفهم الصحابة ﵃ جواز القراض بقرائن أحوال رسول الله ﷺ ، وتفاريق أمورٍ حصلت لهم علمًا ضروريًا، وإن لم يمكن نقل آحادها، فلم يمكنهم نقلها عن تفاصيلها، وعلموا أن الإجماع حجة، فأغناهم الإجماع عن نقل المستند. وكثير ما يكون هذا هكذا. وكذلك قلنا نحن في القياس، وأنهم لم يجمعوا على القياس إلا بعد حصول العلم لهم بكونه من الشريعة، ولكن لم ينقلوا الألفاظ الناصة الدالة على شرعية القياس. هذا وجه. والوجه الثاني- أنه يمكن أن تكون الأدلة الدالة على صحة القراض ثابتة، ولكن تكون ظاهرة مؤولة، فلو نقلت، لتطرق إليها الاحتمال، ولم يحصل العلم

стр. 2106

بها على حال، [فاكتفوا] بالإجماع الذي لا يتطرق إليه الاحتمال بحال. ألا ترى أن الأمور المتواترة من الشريعة يعسر نظم الأسانيد عنها، فلو أردنا أن ننظم إسنادًا في أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح ركعتين، اقتصارًا على ذلك، لم نجد إليه سبيلًا. ويجوز أن تكون الأخبار ثابتة عندهم، ثم أفضى الأمر إلى الدروس، لعدم الحاجة إلى النقل بعد حصول القطع بشرعية المعاملة. ثم إن كان القوم بجملتهم، إنما أثبتوا القراض قياسًا على المساقاة، لزم أن تكون المساقاة مجمعًا عليها في الصدر الأول، ويكون من منعها خارقًا للإجماع. فلئن كان الشافعي يقطع بما [ذكره]، وجب أن نقطع بخرق أبي حنيفة الإجماع. وإن كان يظن ذلك، وجب أن يظن خرقه [للإجماع]، وكلا القولين عندي غير صحيح، فلا حاجة إلى هذا التقدير. وإنما حمله على ذلك ليقرر قاعدة أصولية، [وهي] إجراء القياس في القواعد عند تقارب المقاصد، وتداني الخواص. والحق عندي في ذلك أن القياس عند تقارب المعاني، لا يصح بحال، وحاصله راجع إلى حكم نقل الأصل إلى الفرع بغير مناط الحكم

стр. 2107

في الأصل عند المقاربة، وذلك ممتنع، لا شك فيه، وليس على حقيقة القياس. نعم، إن قام الدليل على خاصية الأصل غير معتبرة، بالنظر إلى أخص أوصافها، وإنما (٨٦/ أ) اعتبرت من وجهٍ أعم من ذلك، فهذا الآن قياس صحيح، إذا كان الوجه [الذي] [لأجله ثبت] الحكم في الأصل موجودًا في الفرع، إذ يكون [القياس] على حقيقته وشرطه. هذا هو التحقيق عندي في ذلك. وما ذكره المعترض من أنه ينقض القياس إذا اعتبر المجتمع عليه بالمختلف فيه. فكلام واقع، وذلك أن الشافعي يقطع [بصحة] القراض، ويظن صحة المساقاة، فكيف يصح أن يقطع بحكم الفرع، ويظن حكم الأصل؟ الله إلا أن يقال: إن أهل الإجماع إذا أسندوا الحكم إلى مأخذ مظنون، قطع بالحكم مع بقاء المستند مظنونا، كما إذا أجمعوا [على] حكم [مستندين] إلى خبر

стр. 2108

واحد، فقد قال القاضي: لا يصير الخبر بسبب ذلك متواترًا، لأنهم قد أمروا أن يحكموا عند خبر الواحد، إذا ظنوا الصدق. لكن هذا غير صحيح ههنا، لأنهم إنما يجمعون على القراض، مستندين إلى المساقاة، بناء على إجماعهم على المساقاة، وإذا أجمعوا على المساقاة، كان حكمها (٦٥/ ب) مقطوعًا به. هذا هو الذي يصح عندنا في هذين المسألتين. والله المستعان. قال الإمام: (ومما ينبغي أن ينتبه له الناظر قبل الخوض في تحرير المسائل) إلى قوله (إذا كان الأصل ينقدح فيه توجيه معنىً كلي). قال الشيخ: ما ذكره الإمام ههنا حسن بالغ، وذلك أنه إذا نظر الإنسان نظر ذي غرة، فقد يخيل إليه أن القواعد جاءت متناقضة، [إذ] ثبت البيع مؤبدًا والنكاح منتهيًا بالموت أو بالطلاق، وهذا على خلاف وضع البيع، والإجارة مضبوطة المنافع، إما بالعمل الموصوف، أو بالزمن المضروب، وهذا لا يقبله لا البيع ولا النكاح، والقراض أثبت مجهول المدة والعمل، والمساقاة مضبوطة فيهما جميعًا، والأصول متقاربة. فقد يظن أن هذا تناقض وتدافع، وليس الأمر كذلك، بل لا يقتضي مصلحة الخلق إلا التقرير على هذا الوجه. فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده، وما يصلحهم في دينهم ودنياهم:

стр. 2109

فمصلحة البيع لا تقتضي إلا تملك المنافع والأعيان، إذ العوض فيها منصرف إلى العين والمنافع، والإجارة هي المبيعة، فلو أثبتت مجهولة، لتنزل ذلك منزلة جهل المبيع، وذلك يمنع صحة البيع. والنكاح أثبت غير مؤقت، بل التوقيت يناقض مقصوده، وهو نكاح المتعة، فإنما يلتئم أمر الزوجين، إذا اعتقد دوام الصحبة، [وإذ ذاك] يحصل مقصود الائتلاف. وإذا كان كل واحد منهم يتوقع وقتا تقع الفرقة فيها، لم يحصل هذا المقصود بصفة [التمام]. وهل يكون التوقيت الوارد بعد صحة العقد يوجب انقطاعه في الحال (٨٦/ ب) أم لا؟ فيه خلاف، ومذهب مالك ﵀ [أنه] يقتضي انقطاعه، [ويخالف في ذلك الشافعي]، وقال: إذا سلم العقد من التوقيت في حين وقوعه، لم يضر التوقيت الوارد عليه. وصورته: ما إذا قال لها: أنت طالق عند رأس الشهر، قال مالك ﵀: تطلق في الحال. وقال الشافعي: تبقى زوجة إلى دخول الوقت. وهما

стр. 2110

متفقان على أنه إذا قال لها: أنت حرة عند رأس الشهر، أنها لا تعتق في الحال. فجعل الشافعي ذلك أصلا، ولم ينجز الطلاق، كما لم ينجز العتق، وإن كانا مستويان في امتناع قبول التأقيت عند ابتداء العقد. ولكن الفرق عند مالك بينهما، هو أن سلطنة ملك السيد، لا [تخرم] مقصودها باعتقاد العبد انتهاء الملك بعد مدة، إذ سلطنة القهر باقية عليه، وليس كذلك الاستماع بالزوجة، فإنه مبني على غير سلطنة القهر، بل إنما يحصل مقصوده بالتحاب والائتلاف على المستمتع الحلال. فكان طريان التوقيت على أحدهما، يناقض مقصوده، ويفوت المطلوب منه، وليس كذلك ورود [التأقيت] على الثاني. وكذلك القول في جهل عمل القراض، فإنه يس المقصود منه كثرة الخدمة، وإدامة تحريك المال، وإنما المقصود منه تنمية المال، وحصول الأرباح، وذلك لا ينضبط بالزمان بحال، إذ [قد] تتحول الأسعار في الزمن القصير، وقد يستمر الكساد الزمن الطويل، [فكان] التوقيت فيه يخل

стр. 2111

بمقصوده، وليس المساقاة كذلك، إذ العمل فيها مقصود، والضبط فيه يكمل مقصوده. ولهذا السر فرق مالك ﵀ بين البابين في زكاة الثمار في المساقاة، وفي زكاة مال القراض، ورأى أن ثمار المساقاة تزكى على رب المال، إذ كان جميع الثمار خمسة أوسق، وكان المالك من أهل الزكاة. ولم يعتبر (٦٦/ أ) فيما يأخذه العامل في حصته من الثمار، تغليبًا لجانب الإجارة على المساقاة، وكأن رب المال استأجر العامل ببعض الثمار، وكأنه إنما يستحق الأجر على الحقيقة بعد تمام العمل. فعلى هذا تصير الثمار كأنها باقية على ملك مالك النخل، فتسبق الزكاة حق العامل. وليس القراض كذلك، إذ ليس الإجارة فيه مقصودة، فهما في الربح شريكان، فلذلك لا يرى على رب المال زكاة، إلا أن يكون في رأس ماله ونصيبه من الربح قد النصاب. [فهذا] بيان تقارب هذه القواعد في خصائص هذه المصالح، وإن كانت كلها تنحو إلى نحوٍ واحد. فلله الحمد على ما أنعم من هذه النعم المتظاهرة.

стр. 2112

وليس هذا [في] التمثيل إلا بمثابة (٨٧/ أ) علم الطب، فالمقصود من مداواة جميع الأعضاء حصول الصحة، ولكن يكون للعين دواء يختص بها، وليس دواؤها دواء السن، بل لو عولج بعض العضاء بما يعالج به غيره، لفسد وتلف، كمن أراد أن يعالج العين [بالكي] [والفقأ]، وإن كان يعالج [السلع] والدماميل بذلك. فكذلك تصرف الشريعة في هذه القواعد، كلها منوطة بمصالح العباد، ولكن تختلف أوضاعها على حسب ما علمه مقدرها وواضعها. فهذا معنى قول الإمام: [إنه] إذا استند نظر الموافق، رأى كل شيء على أكمل ما يكون. [فقول] من يقول: إن بعض القواعد خارج عن [القياس]، [إن

стр. 2113

أريد أنه خارج عن قياس] غيره، فهو صحيح، كما أنه خارج عن قياسه. وإن أريد به أن الحكمة لا تقتضيه، فليس الأمر كذلك، بل ما حكم الله تعالى بحكم على مناقضة مصالح الخلق، بل الناس فريقان: قائل يقول: لا حكم إلا لمصلحة، ومنهم من يقول: يجوز خلو البعض عن المصالح. فأما المصير إلى ثبوت الأحكام مناقضة لمصالح العباد، فلا يثبت ذلك بحال. قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة [للعالمين]﴾. قال الإمام ﵀: (وقد ثبت أصل لا يتجه فيه استصلاح ظاهر، كالكتابة) [إلى آخر المسألة]. قال الشيخ: أما كون الكتابة خارجة عن القياس، بناءً على أن قضية المالكية تمنع من معاملة العبد، فهذا إنما يستقيم بعد تقرير أمرين: أحدهما- أن نسلك بالكتابة مسلك المعاوضة. والثاني: أن نبين أن العبد لا يملك بحال. أما من ذهب إلى أن العبد يملك، فلا تكون المالكية تحيل المعاملة، فإن مالكًا ﵀ رأى أن العبد يملك، [و] صحح معاملته مع السيد وغيره، وجعل للسيد أن يحاص غرماء العبد، بما ثبت له عليه من الدين. فلسنا نسلم

стр. 2114

أن المالكية تقتضي منع المعاملة. والدليل على أن العبد يملك أمران: أحدهما- النص. والثاني- القياس. أما النص: فقوله ﵇: (من باع عبدًا وله مال .. ). فقد أضاف المال إليه، فيدل ظاهره على صحة ملكه. وأيضًا فإن الأسباب التي لأجلها ملك الأحرار موجودة في [العبيد]. وهذا هو الوجه الثاني. ويعتضد ذلك بتصور [ملك] النكاح، ولو كان كالبهيمة، لم يثبت له الشرع ملكًا على حال. وأما كون الكتابة عقد معاوضة على الحقيقة، فليس كذلك عندنا، بل الكتابة فيها شوائب التعليق والاغتلال والمعاوضة، فإن أريد بكونها خارجة عن القياس، أنها لا تجري على المعاوضات المحضة، [فصحيح]، لامتيازها بخواص لا توجد في محض (٨٧/ ب) [المعاوضات]، كامتياز (٦٦/ ب) النكاح بخاصيةٍ عن البيع. فشائبة المعاوضة: فيها: من جهة توقف الأمر على رضا الفريقين، وامتناع العقد على ما يعظم من الغرر.

стр. 2115

وشائبة التعليق: من جهة أن العبد لا يعتق منه بمقدار ما أدى، فيصير بمثابة ما لو علق العتق على مجموع أشياء، فلم يوجد بعضها، فكذلك: (المكاتب رق ما بقي عليه درهم). وأما شائبة الاغتلال: فمن جهة أن العبد إذا لم يتعجل له العتق، فهو على الحقيقة باقٍ على الملك. وإذا كان كذلك، كان السيد مستغلًا لعبده. هذا وجه تقرير الشوائب في القاعدة. فإذا قيل: إنها منتزعة عن القياس بالكلية، فهو غلط. وإن قيل: إنها خارجة عن قياس غيرها من القواعد، التي لم تجتمع فيها هذه الشوائب، فهو صحيح، وتصير أيضا هي خارجة عن قياس غيرها [من القواعد]، كما أن غيرها خارج عن قياسها. [وأما] كوننا لا نلحق بها قاعدة أخرى، فلأجل أنا لا نجد ما يشاكلها، فكأنها معللة بعلة قاصرة، فيمتنع الإلحاق لعدم وجدان النظير، [لا] لأن الثابت غير معقول المعنى.

стр. 2116

وأما صحة جريان القياس على ما تخيله الإمام في إلحاق المساقاة بالقراض، أو على العكس من ذلك، [على] القول الآخر، فقد بينا وجه ذلك عندنا. والصحيح أنه لا قياس بحال، بل استند القراض إلى الإجماع، واستندت المساقاة إلى الخبر الصحيح، والنص الصريح. فهذا هو الطريق الحق. فأما المصير إلى أن نعتبر القواعد عند تفاوت المعاني، مع الاعتراف بتوجه الفروق، فمحال. وإن لم يكن بد من القياس، فلابد من التعرض لإبطال الفرق، حتى يثبت التماثل في المناط، دون التقارب في الخواص. والله المستعان. قال الإمام: (مسألة: ما صار إليه جماهير العلماء مع التزام القياس) إلى قوله ([ويستعدها] لما [يستعقب] المسائل [به]، إن شاء الله

стр. 2117

تعالى). قال الشيخ: ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من إزالة النجاسة معقولة المعنى، صحيح، وكيف ينكر ذلك، وهو معدود من مكارم الأخلاق، ومستحسنات العادات؟ فلا شك في أن الشرع لاحظ ذلك وقصده. وأما ما بنوه على ذلك من صحة إقامة كل مائع مقام الماء. فهذا لا يصح عندنا، وقد عين الرسول ﵇[الماء] لذلك، فقال (حتيه واقرصيه ثم اغسليه بالماء).

стр. 2118

وقد اختلف الناس في تعين الماء لإزالة الأخباث ورفع الأحداث، هل هو من أبواب التعبدات، أو [هو] جارٍ على مسالك المعاني [المعقولات]؟ ومن ذهب إلى (٨٨/ أ) أنه تعين تعبدًا، لا ينكر حصول فهم المعنى، فيما يتعلق بإزالة النجاسة، ولا يلزم من تعين الآلة تعبدًا، عدم فهم المعنى من القاعدة. كما أنه لا يلزم من عجز العقول عن تقدير نصب الزكاة، أن نقف عن فهم معنى الزكاة، من مواساة الفقراء من أموال الأغنياء. فإلزام التعبد، بناءً على تعين الآلة، بعد فهم المعنى، غير صحيح، كما ذكرناه.

стр. 2119

والصحيح عندنا أن نفس الماء ليس تعبدًا أيضًا، بل يلوح فيه معنى، وهو أنه لا يقوم غيره مقامه، لانفراده [بلطافةٍ] في الجرم، وانفرادٍ في التركيب. وأما غيره من الأجسام المائعة، فليس في معناه بحال. ألا ترى أن له قوة الدفع عن نفسه، وليس لغيره من المائعات ذلك. وقد أرشد القرآن إلى ذلك بجعله الماء طهورًا. وهذا (٦٧/ أ) وصف يقتضي

стр. 2120

مبالغة. فلو كان بمثابة غيره، لما استحق وصف المبالغة. فتعيينه للإزالة لا يعرى عن مناسبة لائقة به. وأما الجنوح إلى التعبد في اقتصار وجوب الإزالة على حالة الصلاة، فغير صحيح أيضا، بل يجوز أن يكون أصل المعنى مفهومًا، وإن [تعذر] معرفة سر التوقيف. وهذا بمثابة [فهم] وجوب الزكاة، لسد الخلة، والتوقيت بالحول من غير زيادة يوم ونقصانه، لا يلوح فيه معنىً للعقلاء. الوجه الثاني: أنه لو وجب إزالة النجاسة في كل وقت، لشق ذلك على المكلفين، [فربطه] الشرع بأمور تتكرر، ليحصل مقصوده النظافة من تكرار الصلاة، ويسقط عن الخلق ملازمة الغسل على الإطلاق.

стр. 2121

وأما توقف صحة الصلاة على إزالة النجاسة، فلأهل العلم في ذلك خلاف، وحاصل مذاهبهم في ذلك تؤول إلى ثلاثة أقوال. أحدها- أنه لا تصح الصلاة معها على الإطلاق، ويستوي في ذلك العمد والنسيان، إلا مواضع الضرورات التي يمكن الاحتراز منها، كدماء الجراح، والمريض الذي لا يستطيع الإزالة، ودم البراغيث. (وقد صلى عمر ﵁ وجرحه يثعب دمًا). [وهذا] مذهب ابن وهب والشافعي رضي الله

стр. 2122

عنهما. وهذا ضعيف، [إذ قد] جاء عن النبي ﷺ : (أنه أحرم بالصلاة وهو لابس خفين، ثم نزعهما في أثنائها، واكتفى بما سبق وبنى عليه). فلو كانت شرطًا على الإطلاق، لاستأنف الصلاة. وذهب ذاهبون إلى أنها فرض مع الذكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان. وهذا ظاهر مذهب مالك ﵀. أما دليل الوجوب على [الإزالة]، فقد دل عليه الكتاب والسنة

стр. 2123

[وعمل] الصحابة. (٨٨/ ب) أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾. وأما السنة، فقد قال ﵇ للتي سألته عن دم الحيض: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء). وأوجب الغسل. وقالت عائشة ﵂: (كانت إحدانا تحيض في الثوب، فإذا طهرت نظرت، فإن رأت شيئا غسلته، ثم [تعده] تصلي فيه). وقال عمر ﵁ لما احتلم في الثوب: (بل أغسل ما رأيت، [وأنضح] ما لم [أره]). فقد ثبت بذلك أنه لابد من غسل النجاسة عند إرادة الصلاة، وسقط الأمر عن الناسي بما ذكرناه من [حديث النعلين].

стр. 2124

وقد ذهب [بعض] أصحابنا إلى أن إزالتها سنة في الصلاة، وتمسك بما ذكرناه في قضية [النعلين]، وقال: إن الشرط ينبغي أن يعم. وهذا الكلام فيه ضعف، ولا [بعد] في قصر الشرط على بعض الأحوال. فإن صوم التتابع [شرط] في صحة صوم الظهار وقتل النفس، ولو أفطر لمرض أو نسيان، لم يبطل [الصوم]. فكذلك تتنزل إزالة [النجاسات] هذه المنزلة. وأما اشتراط الإزالة في صحة الصلاة، فلا يخلو عن وجه من المناسبة. وذلك أن الشرع جعل هذه العبادة أعلى قربة [من بين سائر القربات، حتى حرم

стр. 2125

الكلام فيها، الذي لا يليق بها، والأعمال التي] ليست من جنسها، وأوجب التوجه إلى جهة مخصوصة، وأوجب فيها أذكارًا، كل ذلك يشعر القلوب عظيم الأمر، في الوقوف بين يدي الله ، وجعل فيها شرطا، وهو ستر العورة، ولم يجعله شرطًا في غيرها. ففهم العلماء من هذه الجهات أنه قصد منها استشعار الوقوف بين يدي الله تعالى، ولذلك منع من العري، وأن يكون الثوب نقيًا من النجاسات والأقذار، تنزيلًا للعبادة منزلة ما يستحسنه (٦٧/ ب) أهل العادات عند ملاقاة ذوي الهيآت والمروءات. وهذا معنى واضح، وكلام لائح. وليس ينكر الفقهاء فهم سر ستر العورة في الصلاة، وذلك المعنى بعينه يطرد في إزالة [النجاسات]. وأما إلزام كونها لا تجب الإزالة في غير الصلاة، فقد بينا أن سبب سقوط ذلك، لزوم المشقات مع تعذر الانكفاف عن جنس النجاسات [بوجهين]:

стр. 2126

أحدهما- أن العري أفحش في العادات، وأشد مناقضة للمروءات، [فلو] أوجب الشرع التعميم والصيانة عن أعين البشر، فهو أفحش من كون الثوب نجسا. ولا مشقة أيضًا تلزم من إدامة الستر. وإذا عظم الفحش، وخف الستر، ألزم الشرع الاستمرار على الستر. فلا يقدح ذلك في ثبوت اختصاص وجوب الإزالة للنجاسة (٨٩/ أ) [بحالة] الصلاة. ومعنى قوله: إنه ينعكس بستر العورة، يعني أنه لما وجب ستر العورة في الصلاة، وجب في غيرها. ويقول: إذا لم تجب إزالة النجاسة في غير الصلاة، فينبغي أن لا تجب فيها، لو اعتمد على المعنى، ويجب الرجوع إلى

стр. 2127

التعبد. هذا تقرير كون إزالة النجاسة معقولة المعنى. وقد أومأنا إلى سبب الاختصاص بالماء والاقتصار عليه. فأما ما ذهب إليه أصحاب الشافعي، من أن طهارة الحدث معقولة المعنى، فالكلام عليهم في ذلك أصعب من الكلام على من قال: إن إزالة النجاسة معقولة المعنى، ولذلك قال المحققون: إن الوضوء يفتقر إلى النية، وأن إزالة النجاسة لا تفتقر [إليها]. وقد سوى فريق بينهما في الافتقار إلى النية. وسوى آخرون بينهما في الاستغناء. والذي نختاره في ذلك أن المعنى مفهوم على الجملة، [وللتعبد] في المسألة مجال رحب. أما فهم المعنى، فبالنظر إلى إشعار اللفظ، وإيماء التعليل وقضية العرف. أما إشعار اللفظ، فالوضوء مشتق من الوضاءة، وهي النظافة. وقد أمر

стр. 2128

الله تعالى بالوضوء عند كل صلاة. فهذه النظافة مأمور بها. وأما الإيماء، فقوله ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾. فأومات النصوص إلى [أن] إيجاب الوضوء لأجل التطهير. وأما الأمر العرفي، فليس ينكر العاقل ما في الوضوء من النظافة، وإدامة التمرين على ذلك، يحصل مكارم الأخلاق. ويعتضد ذلك [بما] ذكرناه في إزالة النجاسة وستر العورة. وأما ما فيه من شائبة التعبد، فارتباط بالأحداث، [ولو نيط] بكل صلاة، كما فعل في إزالة النجاسة، لكان المعنى أظهر. ثم أيضا وجوب الوضوء على من خرج من الحمام عند الحدث،

стр. 2129

وسقوطه [عمن] [صادم] [عظيم] الغبرات، ينحو نحو التعبد. لا جرم قال المحققون يفتقر الوضوء إلى النية، بخلاف إزالة النجاسة، لظهور المعنى فيها، وغلبة التعبد في الوضوء. وقد ذهب آخرون إلى أن الوضوء يستغني عن النية، وهو قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف عندنا. فمن هذه الجهة التحق بالعبادات البدنية، فلاق به ترغيب في جانب الثواب باشتراط النية، وجعل التيمم أيضا بدلًا منه عند العدم يغلب التعبد. وكلام الشافعي يشير إلى التماثل، حيث قال: (طهارتان فكيف تفترقان)؟ هذا هو الذي يصح عندنا في المسألتين. وما ذكره الإمام من تخاوض الفريقين، كلام مفهوم، مع أنه ليس وراءه طائل، فلم نر تتبعه في ذلك، واقتصرنا على التنبيه (٨٩/ ب) على نكتتي المذهبين. فإذا (٦٨/ أ) حكمنا بتعين الماء في إزالة الأخباث، [فلأن]

стр. 2130

نحكم [بتعينه] في رفع الأحداث أولى، إذ لا يعد الناس لنظافتهم وطهورهم إلا الماء دون غيره، فهم ذلك المتمسكون بالشرائع وغيرهم، فلا ينكر العقلاء انفراد الماء بهذه الخاصية دون غيره من المائعات. هذا هو الصحيح، فإن بعض أهل العلم قد ذهب إلى أن تعيين الماء من أبواب التعبدات، ولكنا قد اخترنا سواه. والله ولي التوفيق. قال الإمام: (مسألة: قال الخائضون في هذا الفن: رب أصلٍ) إلى قوله (في فن يقصد منه بغية القطع). قال الشيخ: قد بينا أن استقراء الشريعة يرشدنا إلى أن الأحكام، [إنما] أثبتت مرتبطة بالمصالح، ولكنها قد تظهر للناظرين، وقد تخفى، ويستأثر الله [تعالى] بعلم ذلك. والظاهر منها، قد

стр. 2131

يظهر من كل وجه، وقد يظهر من وجه دون وجه، فحق على الناظر التثبت والبحث والتمييز بين الجهات، فلا يطرد القياس، نظرًا إلى المحل المنقاس، ولا يطرد نفيه، نظرًا إلى مواقع [التعبد]، وقد يكون الوصف طردًا بالإضافة إلى حكم، وقد يكون مناسبًا بالإضافة إلى آخر. وبيانه: أن الذكورة والأنوثة طرد، بالإضافة إلى ما يتعلق بالمعاملات، وقبول التمليكات، وصحة الخيارات، والقيام بأروش الجنايات، وقيم المتلفات. ويظهر تأثير الافتراق فيما يتعلق بالقضاء والولايات، ومراتب الشهادات، وتفاوت الديات. فمن أعرض عن هذه الجهات على الإطلاق، كان غالطًا، ومن التفت إليها على الإطلاق، كان غالطًا. والسر فيه، أن الناظرين في الشريعة ليس إليهم وضعها، وإنما يحومون على مقاصد الشرع. فإذا ظهر من الشرع الإعراض عن وصفٍ على الأطلاق، امتنع اعتباره، وإن ظهر التفاته إليه، لزم ذلك في موضع التفاته. فعلى هذا يكثر في الشريعة أن يكون الشيء يتطرق إليه التعليل من وجه، ويتقاعد عنه التعليل من وجه. وإذا تقرر ذلك فنحن نذكر الأمثلة التي ذكرها.

стр. 2132

أما اختصاص القطع بالنفيس، فأمره واضح، والمعنى منه لائح، وذلك أن من المناسب أن يوضع من الأسباب ما يليق بالمسببات، ويستقل بتحصيل مصالحها، وما كان يكتفي في حصول مصلحة شيء بصفة القلة، مع كونه يتوقع من الزيادة مفسدة، فلا وجه لشرع الزيادة على الوجه المذكور، (٩٠/ أ) مع حصول الغرض بما دونها. وإذا تقرر ذلك، فإتلاف النفوس والأعضاء، وإيراد الأسباب المؤلمة [للحيوانات] محذورة. وإنما أبيح ما أبيح منها [ما] [يربي] على المفسدة. وإذا لم تدع حاجة إلى هذه الجهات، وحصلت المصلحة بدونها، كان في إثباتها التزام الضرر من غير غرض. وقد يقال إن في إثباتها كمال تحصيل المقصود، إلا أنه يفضي إلى إثبات الإيلام، المستقبل بمنع الإقدام، لغرضي الزيادة في التكميل، ولم يلتفت الشريعة لذلك.

стр. 2133

وإذا ثبت ذلك، فالمقدار اليسير من المال، وإن كانت النفس تتشوف إليه بعض التشوف، ولكن لا تهجم النفس عليه كل الهجوم، لحقارته ويسارته، فاكتفى الشرع عند ضعف الدواعي بإثبات التحريم في الدنيا، والوعيد في الآخرة بالعذاب الشديد، وسلب [منصب] العدالة في الحالة الراهنة، فكان ذلك كافيا في الامتناع غالبا، فلم يكن في شرع القطع حاجة ماسة مع شرعية (٦٨/ ب) التعزير في مثل هذه المحال. فمجموع هذه الأمور يغني عن شرعية الحدود في مثل هذه الصورة، فلا يفتقر إلى شرعية الحدود. أما إذا عظم المال، وقويت الرغبة، وتأجل عذاب الآخرة، فلا [تنزجر] النفوس بذلك، لقوة الرغبة، وعظيم الشهوة، [فانتهضت]

стр. 2134

الحدود زواجر عن ذلك، وهذا مناسب لتصرف العقلاء، [جارٍ] على أبواب المصالح والعقول. وإن اقتضت على الجملة الفرق بين التافه والنفيس، كما [ذكرنا]، فليس في العقل ما ينص على مقدار النفيس، إذ الخسة والنفاسة لا يتصف بهما مبلغ لعينه، فافتقر إلى الشريعة في تعيين النفيس من الخسيس. [لكن لا ينكر] بوجهٍ أن الحبة وما يقاربها، خسيس عند أهل العرف، والقناطير من الأموال عظيمة عند الجميع، وما بينهما أوساط لا تقبل الضبط، فحجر الشرع الخلق عن مظان الاشتباه، وجعل نصابًا مقدرًا، وهو ربع دينار أو دينار. فإذا أثبت الشرع ذلك، تبين العقلاء أن هذا القدر استأثر الله تعالى بعلم نفاسته، بالإضافة إلى مصلحة الخلق في شرعية [القطع]. وكذلك القول في [نصب] الزكاة، فإن العقول تشير إلى مصلحة إرفاق

стр. 2135

الأغنياء الفقراء، [وكيف] ينكر ذلك، وقد رأى العقلاء [قبل] ورود الشرع ذلك، وتواصوا به، وتواطأوا عليه، لظهور [مصلحته]؟ ولكن تقدير الغني بنصاب مخصوص من مال مخصوص، تتعذر معرفته على حقيقته بالرأي، فجاء الشرع بتقدير النصاب من أموال (٩٠/ ب) مخصوصة، وقدر فيه [أوقاتًا] معلومة، فاتبع العلماء ذلك، وتبينوا أنه منطبق في الغيب على المصلحة بتحصيل المقصود. وكذلك ما حرمه الشرع من الأشربة ينقسم إلى ما يعظم التشوف إليه، وتشتد المفسدة [فيه]، فلا يكتفي الشرع بتحريمه، بل شرع الحدود مانعة من تناوله، نظرًا إلى شدة الشوف إليه، وفرط الشهوة فيه، وعظيم المفسدة الحاصلة من تعاطيه. وأما الفواحش التي لا صغو ولا ميل للنفوس إليها، فلا حاجة إلى وضع حدود زاجرة عنها، بل وقع الاكتفاء بمحض التحريم، والوعيد بالعذاب الأليم.

стр. 2136

فمثال الأول: الخمر. ومثال الثاني: تناول القاذوات المحرمات، فلا يفتقر فيها إلى وضع حدود زاجرة، لحصول المقصود بمحض التحريم، فلا حاجة إلى وضع الحدود. وأما ما يتعلق بشرب اليسير، فسر وضع الحد بالإضافة إليه، وإن كان لا يعظم التشوف إليه، أنه لا يتوصل إلى الكثير منها إلا بتعاطي القليل، فإنها لا تراد على مرارتها لعينها، وإنما تقصد لما لا يحصل إلا عند الإكثار، فكان القليل داعيًا إلى الكثير. ومعنى تخيل ورود هذه المسألة على القاعدة اعتراضًا، أنا لما ربطنا الحدود بما يشتد التشوف إليه، [وتعظم] الرغبة فيه، تخيل متخيل أن هذا المعنى غير صحيح، لثبوت الحد متعلقًا بشرب القليل من الخمر. وهذا ليس بنقضٍ، وإنما هو تعلق بالعكس، إذ [قد ثبت] الحكم مع فقدان العلة. والكلام في اشتراط العكس بطول، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. ولكن القدر المختص بما نحن فيه، أنه لم ينقطع التشوف عن القليل بالكلية، وليست النفوس منزجرة عنه بمحض التحريم، بل تتشوف النفوس إليه تشوفًا كثيرًا، لما يترتب عليه، والشيء تعظم الرغبة إليه، لكونه يحصل منه الغرض، وتارة يشتد الحرص عليه، لكونه يفضي إلى ما يترتب الغرض عليه

стр. 2137

(٦٩/ أ). وشرب [اليسير] يفضي إلى تعاطي الكثير، فرتب الشرع من الحد على القليل، رتبه على الكثير. فإن قيل: فالخلوة بالأجنبية يفضي إلى الزنا، ولا تراد إلا لذلك، فليترتب على الخلوة حد الزنا، وليس الأمر كذلك؟ فلو كان كون [الشيء] اليسير داعيًا إلى غيره يقتضي أن يترتب عليه حكمه، لفعل ذلك في الخلوة، ولم يفعل، فيكون ذلك نقضًا صريحًا. وبه يتبين بطلان قول من يقول إن [يسير] الخمر إنما رتب عليه الحد، لأنه داعٍ إلى الكثير. ومقصود الاعتراض فساد الاعتماد في شرع الحدود على قوة الشوف (٩١/ أ) وضعفه. وهذا الخيال باطل، وقد [تبينا] من استقراء الشريعة ضرورة ما ذكرناه، والثابت ضرورة لا يندفع بتخييلات. والفرق بين الخلوة وشرب [القليل] من وجهين: أحدهما- أن الخلوة تقصد على انفرادها، لغرض يتعلق بها، ولذلك لا يصح إطلاق القول بأن كل خلوة يلازمها الزنا، وليس شرب الخمر اليسير كذلك، فإنه لا شهوة فيه، باعتبار قلته، فلا لذة لمتعاطيه، فلا يراد إلا

стр. 2138

[للتكثير]، ولا يلزم من ترتيب الحكم على سبب لا يفارقه مسببه بحال، أن يترتب على هذه الملازمة. الثاني- إن تعاطي الكثير عند التمكن منه، لا يلزم منه ركوب خطر، واحتمال غرر، مع استبدال المتخلي بفعله، ورجوعه إلى اختياره على انفراد. وليس الزنا الحاصل من شخصين في [تأتي] الحصول كالشرب. على أن أمر الزنا قد يقع الزجر عنه بما يتخيل من ظهور أمارة [الحمل] أو غيره. وليس شرب [الخمر] كذلك. فعظم اتصال شرب اليسير منها إلى الكثير، فحسن لذلك إقامة القليل في شرعية الحد مقام الكثير. وكذلك أيضا لم يترتب الشرع القطع على سرقة القليل، لعدم التشوف إلى ذلك، مع صيانة الأموال عند أهلها، وقد حصل مانع من سرقة قليل [المال] مع ثبوت التحريم، وليس قليل الخمر كذلك، [إذا] لا مانع من تعاطيها مع شدة [التشوف] إليها، فحسن أن يحد متعاطي قليلها كما يحد متعاطي الكثير منها. قال الإمام: (فنقول: هذا الذي ذكره هؤلاء، أصول الشريعة) إلى قوله

стр. 2139

(والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن). قال الشيخ: جعل الإمام قاعدة القصاص ضرورية، وألحق بذلك البيع، وجعل قاعدة الإجارة حاجية، وليس يتجه ذلك عندنا، بل الصحيح أنها ضرورية أيضا، نظرًا منا إلى غالب أحوال الخلق، وإعراضًا عن النادر. والدليل على ذلك أنه لو لم يشرع القصاص، لم يقض بعموم القتل الخلق. وغاية ما فيه أن يكون القوي مستوليا على الضعيف. وأما استئصال القاعدة وإبطال الجنس فلا. وتحقيقه هو أن أهل الجاهلية لم يكن الشريعة عندهم ثابتة، وكانت الدماء بينهم متناولة، ولم يكن القصاص مشروعًا، ومع ذلك لا يهلك الخلق، وإن حصل هرج ظاهر، ولم يكن الخلق في عصر من الأعصار يستغنون عن

стр. 2140

الإجارة بحال. ولو منع الخلق ذلك، لتضرر الأكثرون، وأفضى ذلك، إلى فساد ظاهر، ومن الذي تيسر له من الخلق ملك جميع ما يحتاج إليه؟ وكما يضطر الخلق إلى تبادل الأعواض، فهم مضطرون إلى بيع المنافع، (٩١/ ب) فإن أكثر الخلق لا يملكون جميع ما يحتاجون إليه، ولا يستطيعون ملك كل رقبة احتاجوا تحصيل منفعةٍ منها. فإلحاق قاعدة الإجارة بالقواعد الضرورية عندنا أولى (٦٩/ ب). ومعنى قوله: حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد،
следующие страницы →