Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
فمثال الأول: الخمر. ومثال الثاني: تناول القاذوات المحرمات، فلا يفتقر فيها إلى وضع حدود زاجرة، لحصول المقصود بمحض التحريم، فلا حاجة إلى وضع الحدود. وأما ما يتعلق بشرب اليسير، فسر وضع الحد بالإضافة إليه، وإن كان لا يعظم التشوف إليه، أنه لا يتوصل إلى الكثير منها إلا بتعاطي القليل، فإنها لا تراد على مرارتها لعينها، وإنما تقصد لما لا يحصل إلا عند الإكثار، فكان القليل داعيًا إلى الكثير.
ومعنى تخيل ورود هذه المسألة على القاعدة اعتراضًا، أنا لما ربطنا الحدود بما يشتد التشوف إليه، [وتعظم] الرغبة فيه، تخيل متخيل أن هذا المعنى غير صحيح، لثبوت الحد متعلقًا بشرب القليل من الخمر. وهذا ليس بنقضٍ، وإنما هو تعلق بالعكس، إذ [قد ثبت] الحكم مع فقدان العلة. والكلام في اشتراط العكس بطول، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ولكن القدر المختص بما نحن فيه، أنه لم ينقطع التشوف عن القليل بالكلية، وليست النفوس منزجرة عنه بمحض التحريم، بل تتشوف النفوس إليه تشوفًا كثيرًا، لما يترتب عليه، والشيء تعظم الرغبة إليه، لكونه يحصل منه الغرض، وتارة يشتد الحرص عليه، لكونه يفضي إلى ما يترتب الغرض عليه
стр. 2137
(٦٩/ أ). وشرب [اليسير] يفضي إلى تعاطي الكثير، فرتب الشرع من الحد على القليل، رتبه على الكثير.
فإن قيل: فالخلوة بالأجنبية يفضي إلى الزنا، ولا تراد إلا لذلك، فليترتب على الخلوة حد الزنا، وليس الأمر كذلك؟ فلو كان كون [الشيء] اليسير داعيًا إلى غيره يقتضي أن يترتب عليه حكمه، لفعل ذلك في الخلوة، ولم يفعل، فيكون ذلك نقضًا صريحًا. وبه يتبين بطلان قول من يقول إن [يسير] الخمر إنما رتب عليه الحد، لأنه داعٍ إلى الكثير.
ومقصود الاعتراض فساد الاعتماد في شرع الحدود على قوة الشوف (٩١/ أ) وضعفه. وهذا الخيال باطل، وقد [تبينا] من استقراء الشريعة ضرورة ما ذكرناه، والثابت ضرورة لا يندفع بتخييلات. والفرق بين الخلوة وشرب [القليل] من وجهين:
أحدهما- أن الخلوة تقصد على انفرادها، لغرض يتعلق بها، ولذلك لا يصح إطلاق القول بأن كل خلوة يلازمها الزنا، وليس شرب الخمر اليسير كذلك، فإنه لا شهوة فيه، باعتبار قلته، فلا لذة لمتعاطيه، فلا يراد إلا
стр. 2138
[للتكثير]، ولا يلزم من ترتيب الحكم على سبب لا يفارقه مسببه بحال، أن يترتب على هذه الملازمة.
الثاني- إن تعاطي الكثير عند التمكن منه، لا يلزم منه ركوب خطر، واحتمال غرر، مع استبدال المتخلي بفعله، ورجوعه إلى اختياره على انفراد. وليس الزنا الحاصل من شخصين في [تأتي] الحصول كالشرب. على أن أمر الزنا قد يقع الزجر عنه بما يتخيل من ظهور أمارة [الحمل] أو غيره. وليس شرب [الخمر] كذلك. فعظم اتصال شرب اليسير منها إلى الكثير، فحسن لذلك إقامة القليل في شرعية الحد مقام الكثير.
وكذلك أيضا لم يترتب الشرع القطع على سرقة القليل، لعدم التشوف إلى ذلك، مع صيانة الأموال عند أهلها، وقد حصل مانع من سرقة قليل [المال] مع ثبوت التحريم، وليس قليل الخمر كذلك، [إذا] لا مانع من تعاطيها مع شدة [التشوف] إليها، فحسن أن يحد متعاطي قليلها كما يحد متعاطي الكثير منها.
قال الإمام: (فنقول: هذا الذي ذكره هؤلاء، أصول الشريعة) إلى قوله
стр. 2139
(والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن). قال الشيخ: جعل الإمام قاعدة القصاص ضرورية، وألحق بذلك البيع، وجعل قاعدة الإجارة حاجية، وليس يتجه ذلك عندنا، بل الصحيح أنها ضرورية أيضا، نظرًا منا إلى غالب أحوال الخلق، وإعراضًا عن النادر.
والدليل على ذلك أنه لو لم يشرع القصاص، لم يقض بعموم القتل الخلق. وغاية ما فيه أن يكون القوي مستوليا على الضعيف. وأما استئصال القاعدة وإبطال الجنس فلا.
وتحقيقه هو أن أهل الجاهلية لم يكن الشريعة عندهم ثابتة، وكانت الدماء بينهم متناولة، ولم يكن القصاص مشروعًا، ومع ذلك لا يهلك الخلق، وإن حصل هرج ظاهر، ولم يكن الخلق في عصر من الأعصار يستغنون عن
стр. 2140
الإجارة بحال. ولو منع الخلق ذلك، لتضرر الأكثرون، وأفضى ذلك، إلى فساد ظاهر، ومن الذي تيسر له من الخلق ملك جميع ما يحتاج إليه؟ وكما يضطر الخلق إلى تبادل الأعواض، فهم مضطرون إلى بيع المنافع، (٩١/ ب) فإن أكثر الخلق لا يملكون جميع ما يحتاجون إليه، ولا يستطيعون ملك كل رقبة احتاجوا تحصيل منفعةٍ منها. فإلحاق قاعدة الإجارة بالقواعد الضرورية عندنا أولى (٦٩/ ب).
ومعنى قوله: حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد،
стр. 2141
[يعني به أن الشرع كما اعتنى بدفع ضرورة الشخص الواحد]، فكيف لا يعتني بدفع حاجة الجنس؟ ولو منع الجنس ما تدعوا الحاجة إليه، لنال آحاد الجنس ضرورة تزيد على ضرورة الشخص الواحد، فهي بالرعاية أولى.
وقوله: وهذا يتعلق بأحكام الإيالة، أي ما يؤول الأمر إليه من الفساد على تقدير منع الشريعة.
قال الإمام ﵀: (و الضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة ولا حاجة عامة) [ إلى قوله] (والصورة الممثلة). قال الشيخ: معنى قوله: ما لاح ووضح الندب إليه تصريحا، يعني بذلك أن أدلة الشريعة صرحت بطلب النظافة على وجه الندب والاستحباب، ووردت بإيجاب الطهارة في الحدث والخبث جميعًا على وجه الوجوب، [وأشارت] أن ذلك لتحصيل النظافة من غير تصريح بذلك. فلو اتفق مثلًا عدم التصريح بوجوب إزالة النجاسة،
стр. 2142
[ووجوب] الوضوء، [وأشارت] النصوص إلى التعليل بالنظافة؛ فلو أراد [ناظر] [إيجاب] إزالة النجاسة إلحاقًا بقاعدة الطهارة من الحدث الواجبة، كان ذلك في الدرجة الأخيرة من المرتبة الثانية البعيدة.
وقوله: [وجرى] وضع التلويح فيه، [يعني] [اكتفاء] بذلك، نظرًا منا إلا تلويح التعليل، وإن كان لم يصرح بأن المقصود النظافة، ومنع حمل الخلق على مضمونة وجوبًا، بناءً على أنه إنما ثبتت الأحكام للمصالح، ولم تظهر إلا مصلحة النظافة، وألزم الخلق ذلك في أوقات مخصوصة، مع الاعتضاد بالدواعي الجبلية المستقلة بمنع الإقدام في كثير من الأحوال، فوكل الشرع إلى الطباع قدرًا، وبينت الوظائف قدرًا. هذا تفسير هذا الكلام، [وسنعود
стр. 2143
إليه] بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ﵀: (و الضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة) إلى قوله (على تحصين الزوجين [كما تقدم]). قال الشيخ: هذا الضرب الرابع هو كالثالث، في أن المقصود منه تحصيل مكرمة، وإثبات المستحسنات، (٩٢/ أ) وهذه [المرتبة] قد تكون حسية، كنظافة الثياب والأبدان، وقد تكون معنوية، كفضيلة الحرية، وأن القرقيق خسيس الحال والمرتبة، حقير في القدر والمنزلة، فرغب الشرع في العتق، تحصيلًا لهذه الفضيلة، ولذلك منع الرقيق لخسته عن كثير من المناصب، كالقضاء والشهادة عند أكثر العلماء، ولا يكون إماما في صلاة الجمعة عند الكثير. كل ذلك لنقصان حالة وخسة قدره. فمن هذه الجهة اشتراك النوعان. غير أن الإمام جعل هذه رتبة متأخرة عن الثالثة، بناءً منه على أن الشرع [خرم] فيها قياسًا كليًا، فلأجل ضعف المعنى، لا لأجل كونه تكميلًا، و [خرم] القياس الكلي تأخر هذا الضرب عنده. وهذا إنما يكون كما قال، إذا
стр. 2144
ثبت أن العبد لا يملك، وتحقق أن الكتابة عقد معاوضة، ولذلك قال: ومقابلة السيد ملكه بملكه. فلا شك أن هذا خارج [عن] قياس المعاوضات، ولكنا قد قلنا: إن الكتاب ليست عندنا (٧٠/ أ) عقد معاوضة بحال. قال مالك ﵀: الذي يؤديه المكاتب، [إنما هو] من جنس [الغلات]. هذا هو الصحيح من المذاهب. [ويدل] عليه قول النبي ﵇: (المكاتب رق ما بقي عليه من [كتابته شيء]). [ولو] كان [بيعًا] على الحقيقة، لم يبق رقًا، وكان يعتق بمقتضى عقد المعاوضة، فأقل الأمور أن يعتق منه بقدر ما أدى. ولأجل فهم هذا السر، لم تفتقر الكتابة إلى نيةٍ بحال، إذ العتق غالب عليها، وظهور المقصود محقق فيها. نعم، الضرب الثالث خارج عن القياس خروجًا واضحًا، فإن إيجاب التوصل إلى مندوب إليه خارج عن القياس. والنظافة
стр. 2145
مندوب إليها، فكيف تجب الطهارة وسيلة إليها؟
وقول الإمام: لا يرد على النظافة إلا ذلك، يريد إن كون الكتابة ناقضة لقياس المعاوضات أبلغ من هذا. ومعنى قوله: إن ذلك بمثابة النكاح، يعني في وجوب الإجابة على الزوجة، وسقوط الوجوب عن الزوج، اكتفاءً بما في طبيعة الرجل من اقتضاء الإقدام، واكتفى الشرع في جانبها بذلك. كذلك اكتفى الشرع في حصول النظافة من حيث الجملة، بما في الطباع من الامتناع. والذي قد يتسامح به أمر الفترات، [فأوجبه] الشرع، وذلك في أوقات لم يعم الوجوب، لأجل المشقات. هذا معنى قوله: ليس فيها إلا ورود التلويح على التصريح.
وأما نحن فلا نرى الكتابة معاوضة محضة بحال، والغالب عليها أمر الاستغلال. وقد ذكرنا أنها مركبة من ثلاث شوائب: شائبة التعلي، وشائبة (٩٢/ ب) البيع، وشائبة الاستغلال. فرتب عليها من جهة شائبة المعاوضة، الافتقار إلى التراضي من الجانبين، على الصحيح من المذهبين. وقد قيل: إنه يجبره ترجيحًا لجانب الاستغلال. [وللتعليق] أثر في توقف العتق على
стр. 2146
أداء جميع النجوم. فلا يظهر على هذا التقدير خروج الكتابة بالكلية عن القياس. ولئن قيست على البيع المحض، فالبيع لا يساويها في مقتضاها. ولأجل ضعف المعاوضة فيها، لم يكن للسيد أن يتحاص غرماء المكاتب بالنجوم، ولا بما حل منها، وقال شريح: يحاصهم بنجمه الذي حل. قال ابن المسيب: أخطأ شريح.
قال الإمام: (و الضرب الخامس) إلى آخره. قال الشيخ: أما تقسيم المصالح إلى ضروري وحاجي وتحسيني وتكميلي، فلا زيادة عليه. [وقد] قدمنا الكلام على ذلك عند ذكرنا إثبات العلة بطريق الإخالة والمناسبة. وكون الأمر المصلحي قد يرد على قياس كلي صحيح. وقد كنا بينا أن الاستحسان يرجع إلى ذلك. وثبوت قاعدةٍ في الشرع لا يظهر فيها معنىً بالجملة، لا كلي ولا جزئي، [بعيد] جدًا، لا يتفق له وجود.
стр. 2147
وانحسام قسم الضرورات في القصاص والبيع، غير صحيح. وقد كنا قدمنا اضطرار الخلق إلى حفظ خمسة أمور: وهي الأديان والنفوس والأموال والأبضاع والعقول. فالخلق مضطرون إلى حفظ هذه الأمور على الدوام، ومنع التطرق إلى إتلافها على كل حال.
فجاءت الشريعة بالأدلة الموصلة (٧٠/ ب) إلى حفظ الأديان، وأوجبت صيانتها عن أهل الزيغ والأهواء، وقتل الكافر، والمبتدع الداعي إلى بدعته، الصاد عن الشريعة.
وشرع النكاح [تحصينًا] للنفوس.
ووجب القصاص إبقاءً للحياة، والخلق مضطرون إلى شرع المحصل ومنعٍ المفوت، وحرمت الفواحش من الزنا واللواط، وأوجبت الحدود تحقيقًا للصيانة، وحرمت الدواعي إلى ذلك، مع شدة [الإرب] عند التعرض.
وسوغت البيوع لتحصيل المحتاج إليه [والتثمير]. وحرمت الأسباب المفوتة [للأموال]، من الغصب والسرقة وغيرها. وانتهضت الحدود زاجرة
стр. 2148
عن بعضها، والتعزيزات مع المغارم في البعض. والخلق أيضًا بهم ضرورة إلى شرعية طريق التحصيل، ومنع طريق التفويت.
وكذلك بالناس ضرورة في صلاح دينهم ودنياهم إلى عقولهم، فوجب تحريم المفوت والزجر عنه، فورد الشرع (٩٣/ أ) بتحريم المسكرات على العموم. وعلى ما في النفوس من التشوف إلى ذلك، فإنه لا ينزجر بمجرد وازع الدين، وأثبت الحدود تكميلًا للصون، وتحقيقًا للامتناع.
والعجب من الإمام ﵀ كيف قدم هذه المسائل في صدر هذا الباب، وتكلم عليها باعتبار المصالح، ثم قال: فنقول: هذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة، ونحن نقسمها خمسة أقسام. ولم يذكر في الضرورات إلا القصاص والبيع، وأهمل ذكر الحدود بالكلية، وأخرج قسم [الإجارة] عن قاعدة الضرورات. وقد بينا أن الصحيح اندراجها تحت [قسم] الضرورات، بل جعلنا نحن من قسم الضرورات تحريم المسكرات، فكيف في الإجارة؟
أما ما هو من قبيل الحاجات، فقد ذكرنا أن مثاله: التسليط على تزويج
стр. 2149
والصغير والصغيرة، فإنه لا ترهق إليه ضرورة طلب النكاح والتحصين، ولكن قد تدعو إليه حاجة اشتباك العشائر، وطلب التناصر بالتصاهر، وأمور من هذا الجنس.
وأما ما يتعلق بالتكميلات والتزيينات، فكمنع المرأة من تولي عقد النكاح، وكذلك اشتراط التزويج من الكفء، وبمهر المثل، وكرد شهادة العبد، وما يضاهي ذلك. وملتحق بذلك وجوب رفع الحدث وإزالة الخبث. هذا تفصيل الأصول على الجملة التي تظهر مصالحها، فإذًا هي ثلاثة أقسام بلا زيادة.
التقسيم الرابع: العبادات البدنية، فإن مصالحها الجزئية لا يطلع عليها، ولكن لا يبعد تخيل معانٍ كليةٍ فيها.
وأما الكتابة، فإن غلب عليها- ما يراه الإمام- من المعاوضة، فلا تكون ضربًا على حياله، إلا من جهة خروجها عن قياس المعاوضات على زعمه، فكيف تعد من قسم المكارم، مع القول بأنها معاوضة؟ فلئن قيل: من جهة أنها لا ترهق إليها ضرورة. فنقول: لا يطلب تحقيق الضرورة في آحاد أنواع المبيعات، بل لو باع الإنسان ما يحتاج إليه، واستبدل عنه ما لا يحتاج إليه، لصح ذلك. فلا يطلب تحقيق الضرورة في الآحاد. وإن غلب عليها أمر المعاوضة، فهي من قبيل الضرورات، وإن غلب عليها أمر العتق، (٧١/ أ) فهي من قبيل التحسينات والتزيينات. نعم، إذا غلب عليها أمر المعاوضات، فهي مضادة لقياسها، على القول بأن العبد لا يملك.
ولكن كون العبد لا يملك قضية شرعية، إذ ليس يتناقض في مقتضى المصالح، بأن يكون العبد مالكًا، فكون العبد لا يملك- إن صح- فهو من أبواب (٩٣/ ب) الأشباه. وهذا إنما يكون عند تحقيق كمال الرق فيه. أما إذا
стр. 2150
كوتب، فيصح أن يثبت له ملك على ضعف، [فمن] أبى حصول الملك للمكاتب، واعتقد تمليكه خارجًا عن القياس بالكلية، [إنما] شبه بالعبد القن على قوله، والأصل ممنوع [الحكم]. والفرق بين الأصل والفرع واضح لي، فلسنا نسلم بوجه أن مسألة الكتابة خارمة لأقيسة المعاوضات. فلا وجه [لعدها] قسمًا رابعًا.
قال الإمام: (فأما الضرب الأول، وهو ما [ينسب] إلى [الضرورات]) إلى قوله: (احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل [لدى التقابل]). قال الشيخ: ما ذكره من اعتبار أجزاء هذا الأصل بعضها ببعض، فهو في أعلى درجات المعاني، إذ أجلى المعاني ما يرجع إلى الضرورة، وأجلى الأقيسة اعتبار بعض أجزاء الأصل الواحد ببعض. وليس يتنزل هذه المنزلة، ما إذا كان المعنى يرجع إلى الحاجة أو التكملة، ولا إذا كان المعتبر بعض أجزاء نوعٍ
стр. 2151
ببعض أجزاء نوعٍ آخر. فقد حصل في هذا القسم القوة من الجهتين جميعًا.
وأما قوله: ومن خصائص هذا القسم أن القياس الجزئي، وإن كان جليا، إذا عارض القاعدة الكلية، ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية. فهذا صحيح على الجملة. وتحقيق القول فيه: أن كل تكملة أفضى اعتبارها إلى رفض أصلها، وجب اطراحها. ويتقرر ذلك من وجين:
أحدهما- أن في إبطال أصلها إبطال التكملة. فتفويت مصلحة مع تحصيل أخرى، أولى من تفويتهما جميعا.
الثاني- أنه لو قدرنا [تقديرًا] أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الضرورية، لكان مراعاة حصول الضرورية أولى، لما بينهما من التفاوت.
وبيان ذلك بالمثال: أن حفظ المهجة مهم كلي، وتحصيل المزايا مستحسن، فحرمت النجاسات حفظًا للمروءات، وحملًا للخلق على [الأحسن] في العادات. فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهج بتناول الشيء
стр. 2152
[النجس]، كان تناوله أولى. وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الأغرار واقع في أقسام الاستصلاح، فلو اشتراط نفي الغرر على الإطلاق، لانحسم باب البيع. فلم يرد الشرع بالمنع من مطلق الغرر. وكذلك القول في بقية [الشريعة].
إلا أن قول الإمام: إن هذا من خصائص هذا الضرب، غير صحيح، فإن الإجارة يثبت فيها مثل ذلك. فإن قاعدة المعاوضات ضرورية، على ما قررناه. واشتراط حضور العوضين من أبواب التكميلات (٩٤/ أ). ولما كان ذلك ممكنا في بيع الأعيان بلا عسر ولا صعوبة، منع من بيع المعدوم، إلا على [جهة] السلم في الذمة.
стр. 2153
وأما البيع من غير أن يصادف معينا ولا ذمة، فغير صحيح. والإجارة ضرورية عندنا، وحاجية عند الإمام. فاعتبار حصول كمال المنع، حتى يشترط فيه الوجود، [سد] باب (٧١/ ب) المعاملة، وأن المنافع لا يمكن حصولها في الوجود، حتى يقع العقد عليها، فلما أفضى اعتبار هذا القياس الجزئي إلى إبطال القاعدة، وجب اطراحه. وسيأتي لهذا مزيد تقرير. وإنما غرضنا الآن أن الذي ذكره، ليس من خاصية قاعدة الضرورة عنده.
وما ذكره من المثال، صحيح، واشتراط التماثل يوجب أن لا تقتل الجماعة بالواحد، وفي المصير إلى ذلك خرم أصل الباب، فوجب اطراح التكملة للأصل [المهم]، وإهمال التماثل ليس يخرم أمرًا ضروريًا، واشتراطه يخرم الأمر الضروري، على حسب ما قررناه قبل هذا. فوجب الإضراب عن اشتراط التماثل، إن مست الحاجة إليه، ولزم من اعتباره خرم أصل الباب.
стр. 2154
وما فسره الإمام من كون هذا جزئيا، تفسير حسن، وأراد به أنه كالتتمة للقاعدة.
والتعبير عنه بكونه تتمة للقاعدة، أدل على الغرض، وأبعد عن اللبس من التعبير بكونه جزءاً، ولكن إذا فهم المعنى، فلا مشاحة في اللفظ.
وما ذكره من حكمة القصاص، وأنه ليس [يطلب] منه رد فائتٍ، وإنما مقصوده الزجر، وحظ مستحقه [منه] شفاء الغليل. يريد بذلك أنه لا يلزم من اعتبار المماثلة في إتلاف [الأموال]، [اعتبار المماثلة في إتلاف النفوس]. هذا وإن كان كلامًا حسنًا في فهم سر التفاوت بين القواعد، [فلا] يتوقف مقصود المسألة عليه، ولا حاجة إلى تكلف الفرق بين البابين، بعد أن ثبت أن اعتبار [التماثل] يخل بأصل القاعدة. ولكن ما ذكره هو جواب عن تخيل إشكال في لزوم إيراد إشكالٍ، [فتعرض] للجواب.
стр. 2155
وأما قوله: فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج، احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل. وهذا أيضا زيادة [تقرير]. ومقصود المسألة غير متوقفٍ عليه عند التحقيق.
قال الإمام ﵀: (وإذا قسنا الأطراف عند فرض الاشتراك) إلى قوله (في الضرب الأعلى من القياس). قال الشيخ: مقصود الإمام بهذا الكلام، أنه لا ينبغي أن يعتقد أن مخالفة التماثل في قتل الجماعة بالواحد، يقتضي خروجه عن القياس، حتى يمتنع القياس عليه، بل هو جارٍ على قياس (٩٤/ ب) أصل القاعدة. وفوات التكملة حفظًا لأصل القاعدة، جلي منقاس. وقد ذكرنا تقريره. فإذا وضح جريانه على المعاني، أمكن القياس عليه، إذا [اتسق] الجامع، فيجوز حينئذ قياس الأطراف على النفوس. وليس المراد بالجائز: [ما يسوغ] فعله وتركه، فإن ذلك باطل في القياس، بل متى تأتى القياس على شرطه في الشريعة، وجب المصير إليه. فلا يقدح في إلحاق الأطراف بالنفوس، في قضية الاشتراك، خروج قتل المشتركين عن قياس التماثل، على ما ذكرناه. ويعتضد
стр. 2156
ذلك باستواء المحلين في شرعية القصاص، تحقيقًا للصون، فيظهر تساويهما في الباب. فمن هذه الجهات كان ذلك معنىً جليًا معتضدًا بالمعنى الأصلي.
وقول الإمام: ولا [يغمض] معه شيء إلا فرض صدور القطع من شخصين، مع تميز كل واحد منهما عن الثاني، فإن ذلك، إن جرى، لا تقطع يد واحدٍ منهما إلى آخره. ووجه تقرير الإشكال: أنا قدرنا أن التماثل إذا أفضى (٧٢/ أ) اعتباره إلى خرم أصل الباب، وجب الإعراض عنه، حتى نزلنا الشريك كالمنفرد في توجه القود عليه، فما بالنا لم ننزل الشريك كالمنفرد في قطع يده، كما نزلناه منزلته في إتلاف نفسه؟ هذا وجه غموض المسألة على الإمام، وكأنها تهدم القاعدة [المقرة]، ولم ينقدح له عنها جواب. قال: والمصير إلى أنه يقطع من يد كل واحدٍ من الجانبي قدر ما قطعه من يد المجني عليه. قال: فهذا انفصال على وجهٍ. والانفصال أيضا ضعيف، فإنه يجعل الجرح عوضًا عن القطع، وهذا لا يتحصل منه [الحكم] المرعية في القصاص.
стр. 2157
قال الإمام بعد هذا: وهذا محل غامض، ويتوجه فيه خلاف العلماء. وإذا ثبت لأبي حنيفة سقوط القصاص عن المشتركين في القطع في بعض الأحوال، أخذ- كون المجني عليه غير قابل للتمييز- قيدًا [في التعليل]، [فيمنع] إلحاق الأطراف بالنفوس.
[وقول الإمام: ] [فقد] يتناوش [المتناظران] [عند ذلك الكلام، ويتجاذبان] أطراف [النظر]، يشير إلى أن الشافعي يقول: يثبت القصاص في الموضع الذي لا تمييز فيه، ويقول أبو حنيفة: إذا كان المحل قابلًا للانقسام، بعد فيه تنزيل الشريك منزلة المنفرد، إذ إنما ثبت ذلك فيما لا يقبل الانقسام بوجه. فهذا معنى قوله: يتجاذب المتناظران الكلام.
والصحيح عندنا أن هذا غير لازم أصلًا، والدليل عليه أنه لو تمالأ
стр. 2158
شخصان على فقء عيني شخصٍ، وتولى كل واحدٍ (٩٥/ أ) منهما فقأ عين، لم يتصور أن يفقأ عينا كل واحد، وإن تمالآ على إتلاف بصره جملة. والسبب في ذلك، أن الشرع لم جعل الإبانة عوضًا عن الجرح، ولا العمى عوضًا عن العور، ولا مقابلًا له. فإذا أناط الشرع حكمًا [بحكمة]، وجب [اعتبار] تلك الحكمة في تعدية ذلك الحكم. فأما أن نرتب نحن حكمًا آخر، مخالفًا للحكم على تلك المصلحة، فلا سبيل إلى ذلك.
وإذا جرح رجل رجلًا جرحًا، وكان عند الجارح جرأة بحيث لا ينجز إلا بقطع يده، لم يصر أحد من الأمة إلى جواز ذلك في حقه. وكذلك في سائر الجنايات. وإذا نزل الشرع الشريك منزلة المنفرد في الموضع الذي لا يثبت فيه التمييز، أمكن أن يقال: هم بجملتهم قاتلون، لاستواء نسبة القتل إلى فعل الجميع، وكذلك القطع، إذا تمالأوا على حديدة واحدة. [أما] إذا قطع كل واحد من ناحية، فالحاصل من كل واحدٍ جرح معين، فكيف يصح [أن تقطع] يد الجارح؟ وليس إلينا وضع الحكم، ولكن إذا وضعها الشرع اتبعناها. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في كتاب الترجيح، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ﵀: (ولو أراد [القائس] أن يعتبر قاعدة أخرى
стр. 2159
بقاعدة) إلى قوله (والجامع الضرورة الكلية). قال الشيخ أيده الله: ما ذكره الإمام من صحة اعتبار قاعدة بقاعدة ضرورية، كلام على التقدير، لا بمعنى [أن] ذلك محتا إليه في الشريعة، فإن الشريعة مشتملة على تقدير القواعد الضرورية، وكيف لا يكون ذلك، والله تعالى يقول: ﴿[اليوم] أكملت لكم دينكم﴾؟ وما يضطر إليه أهل عصر، فإنه يضطر إليه أهل كل عصر، وقد بقي رسول الله ﷺ بين ظهراني [الناس] مدة تزيد على عشرين سنة، فكيف يصح (٧٢/ ب) أن تبقى قاعدة ضرورية لم يثبت حكمها، ولم يبين أمرها؟ فهذا كلام مقدر غير واقع، ولا يقع. نعم، قياس بعض فروع القاعدة على بعضها، يصح ويحتاج إليه. فأما اعتبار القواعد، لاسيما [الضرورية] بعضها ببعض، فهذا مما لا يكون بحال.
стр. 2160
قال الإمام: (وأما الضرب الثاني: وهو ما [ينبني] على الحاجة) إلى قوله (فيكله إلى فاطر البرية). قال الشيخ: ما ذكره أيضا من قياس قاعدة حاجية على قاعدة أخرى، كلام مقدر، غير واقعٍ في الشرع على حال. والطريق فيه ما ذكرناه، والاستقراء يرشد إلى ما حققناه؛ فإن القاعدة الحاجية عنده هي الإجارة، والإجارة (٩٥/ ب) ثابتة [في الشريعة] نصًا [وإجماعًا]. فأين
стр. 2161
تصادف قاعدة أخرى حاجية حتى تعتبر بالإجارة؟ أم كيف تتغير القواعد وتنخرق، حتى يحتاج الناس إلى غير ما احتاج إليه أهل العصور الخالية في الأزمنة المتمادية؟
وقوله: فهذا امتنع منه معظم القائسين، ما أدري ما معناه؟ إلا أن يكون القوم تكلموا على التقدير دون الوقوع، فهذا له وجه. أو يكون الكلام وقع في بعض أجزاء القاعدة، فتوهم أنه قاعدة أخرى. وهذا بمثابة قياس القراض على المساقاة، أو بالعكس من ذلك. فهذا تفصيل قاعدة الإجارة.
وأما ما ذكره الإمام وقدره [سببًا للاختلاف]، فقد قلنا إنه لا يتصور ما ذكره، حتى يقع الخلاف فيه. فأما كون الإجارة جاءت خارجة عن قياس البيوع، فهو كذلك، ولكن مصلحتها لا تقتضي إلا ذلك. وفي التزام اشتراط الوجود في
стр. 2162
الإجارة، إبطال القاعدة. وقد تقدم أنه إذا لزم من اعتبار التتمة إبطال [الأصل]، وجب إبطال التتمة والتكملة، مراعاة لحفظ الأصل.
وقد ذهب قوم إلى أنه لا تجوز الإجارة، نظرًا إلى هذا الخيال، وهو خلاف الإجماع، ومخالفة الكتاب والسنة وقضايا الفقه والمعنى. وقال قائلون: إنها صحيحة، ولكنها خارجة عن القياس، نظرًا منهم إلى اشتمالها على بيع المعدوم، وبيع المعدوم على خلاف الأصل. وهذا قول عندنا في المذهب مأخوذ بالاستنباط من قولٍ لمالك في منع اجتماع الإجارة والبيع. ولكن لم يتأت له معها الأدلة الدالة على التجويز، فسوغها ومنع اجتماعها مع البيع. وهذا مطرد عنده في كل عقدين متبايني الخواص، يمتنع اجتماعهما في عقدٍ واحدٍ،
стр. 2163
كالبيع والنكاح، والبيع والقراض، والبيع والشركة، وكذلك الجعل. وكذلك يمنع الإجارة مع هذه العقود الخارجة عن القياس.
والسبب في ذلك اتحاد العقد، فلا يثمر العقد المتحد الأحكام المتناقضة، ولا يصح أن يتعدد العقد بتعدد المعقود بتعدد المعقود عليه، فلا يقال هو رخصة باعتبار القراض، وعزيمة بالنظر إلى البيع، إذ لو كان كذلك، لوجب أن يفسد العقد إذا تناول سلعًا متعددة لمالك واحد، [إذ يتضمن] ذلك أن يكون ثمن كل سلعة مجهولًا، وقد وقع الاتفاق على صحة ذلك. فهذا يدل دلالة واضحة على أن العقد لا يتعدد بتعدد المعقود عليه. وإذا اتحد العقد، امتنع أن يترتب على (٩٦/ أ) المتحد الأحكام المتناقضة. (٧٣/ أ) ولا يلزم على ذلك البيع والسلم في عقد واحد، إذ الكل [بيع]، الثمرات متفقة، وإن كان السلم فيه رخصة، من جهة [أنه] بيع ما في الذمة، ولكن ثمرة البيع واحدة. وكذلك لا يمتنع اشتمال العقد على سلعتين، إحداهما اشتريت بيع بت، والأخرى بيع خيار، لما ذكرناه من الاشتراك في خاصية البيع، ووقع الافتراق في غير ذلك.
[والصحيح] أن الإجارة على ذوق القياس الصحيح، ولا [يتأتى]
стр. 2164
أن تشرع إلا كذلك، [وما فات منها] من حصول المنافع [لدى] العقد، لا يمنع من صحة العقد، تحصيلًا للحاجة.
وما ذكره الإمام ﵀ من المثال التقديري، قصد به أن يبين تفاوت المصالح، ليحصل مقصوده من الكلي والجزئي، [فعبر بالكلي عما يظهر للعقلاء، وإن قدر دروس الشرائع، وعبر بالجزئي] عما لا يظهر تعيين المقصود منه إلا بالشرع، وذلك أن جهات الاستصلاح تتعارض.
وبيانه: أنا إذا نظرنا إلى البيع الذي يتطرق إليه نوع من الغرر، وقلنا قد ينشأ [نزاع] وخصام، بالنظر إلى الأغرار، فليمتنع حسمًا للنزاع، لزم في مقابلة ذلك فوات مصلحة الأرباح، ولا يحاط بما في الغيب من الترجيح، فيتوقف العاقل حتى يرد الشرع بتعيين أحد الأمرين، فيظهر حينئذ الرجحان.
стр. 2165
ويكاد أن يكون مستنده غيبا لا يطلع عليه. وكذلك القول في جميع الاستصلاحات. فأراد بالكلي: ما يتطرق العقل إليه مع نسيان التفاصيل.
قال الإمام ﵀: (ثم قد يظهر الاستصلاح، وهو مع ذلك جزئي) إلى قوله (والحجر [المتمهد] في ربا النساء). قال الشيخ: معنى هذا الكلام: أنا إذا منعنا بيع الغرر مثلًا، حذرًا من كون المبيع لا يحصل مطلقا، [أو لا] يحصل على صفةٍ توافق، فلا تكون المالية مضبوطة، فمن المناسب المنع، إبقاء للأموال على الملاك، وحفظًا لها عن الإضاعة، وتحقيقًا للمعاوضة على الحقيقة. فيكون هذا كلامًا في صيانة الأموال على المالكين. وهذا مقصود الشرع من شرع هذه [القواعد]. ويرشد إلى ذلك الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيمٍا﴾. وقال النبي ﷺ : (إن الله نهاكم عن قيل [وقال] وكثرة السؤال وإضاعة المال). فقصد الشرع
стр. 2166
حفظ الأموال على الملاك. ولهذا السر أثبت الشرع الأوصياء على الأطفال والمجانين.
وأورد إشكالًا يتخيل منه (٩٦/ ب) إفساد هذا المعنى، وذلك أنه قيل له: لو كان سبب المنع في بيع الغرر وغيره حفظ المال على الملاك، لاحتمال النقصان، وفوات تمام الأغراض، حفظًا للأموال على الملاك. قيل: لو كان الأمر كذلك، لما أجاز الشرع الهبة والبذل العري عن العوض، فإذا أمكن في الهبة، وهو إضاعة المال بالكلية، فكيف [يضايق] في بيع الغرر لاحتمال الغيبة؟ أجاب عن ذلك بقوله: [ضنة] النفوس وازعة عن البذل العري [عن] العوض، فاكتفى الشرع بذلك عند وفور العقل، بخلاف الانكفاف عن الغرر في البيع، فإن شح النفوس يحمل على ذلك، فينشأ من ذلك أغرار وأخطار. فإذًا الداعي إلى الغرر موجود، والوازع عنه موجود، والداعي [في]
стр. 2167
الغائب مفقود، فاكتفى الشرع بذلك.
ونظيره ما تقدم من اكتفاء الشرع بما في النفوس من [الصوارف] عن التضمخ بالطين، فلم (٧٣/ ب) يجوب الاحتراز عن ذلك، وإنما الذي يتسامح فيه أهل المروءات ما يتعلق [بمصادمة] الغبرات، فأوجب الشرع الوضوء في بعض الأوقات، تحصيلًا لأصل [النظافة]، ولم يوجبه في كل الحالات، لما يلحق [الخلق] في ذلك من المشقات. وهذا باب من محاسن الشريعة.
وقول الإمام: وقد يغيب كلي الاستصلاح [وجزئيه] إلى آخره. فنقول: قد اختلف الناس في مسألة الربا اختلافًا كثيرًا، هل تحريمه معلل [بمعنى] مناسب]؟ أو واقع في أبواب الأشباه، أو مقتصر على التوقيف والتعبد
стр. 2168
[الجامد]؟ وقول الإمام فيه مضطرب، وقد تقدم له أنه من أبواب الأشباه، ورجع في هذا المكان إلى التعبد. ولا يبعد إظهار مناسبة فيه؛ وذلك أن هذه الأقوات بها قوام [الأبدان]، الذي هو شريف عند الله .
ويظهر السر فيه بأن لا يجعل عرضة للأسواق، ولا محلًا للتجر. ألا ترى أن الحر لما شرف في نظر الشرع، أبطل الشرع القيمة، وقدر فيه الدية، حذرًا بأن يتصور [بصور] الأموال التي تغلو أسواقها وتنحط أسعارها. ومتضمن هذا أن لا تباع الأقوات، ولا تجعل [محطا] للتجارات، غير أنه لزم من ذلك ضرر آخر، وهو تعذر الوصول إليها مع تعذر الاستغناء عنها، فشرع الشرع بيعها لهذه الضرورة.
أما إذا كان الإنسان مالكًا [لجنس]، فلا ضرورة [تدعوه] إلى المعاوضة بجنسٍ، إلا طلبًا للتجر ومقصود الربح، [أو زيادة] رفاهية، (٩٧/ أ) فأعرض الشرع عن ذلك، [إظهارًا] للشرف، وإثباتًا للحرمة، فقال: جيدها [كرديئها] سواء، فلم يشرع [المعاوضة]، تحصيلًا للربح، ولا
стр. 2169
طلبًا لمزيد الترفه، وإنما شرعه لضرورة تحصيل الأجناس، لتعذر الاستغناء [ببعضها] عن بعض.
أما إذا اتحد الجنس، فلا ضرورة إلى التبادل. وكان مقتضى هذا أن لا يشرع التعاوض أيضا مع التماثل، وهو مشروع. لكن لما كانت الدواعي لا تتحرك إلى ذلك، والصوارف تمنع منه، اكتفى الشرع في الانكفاف بذلك، لعدم الداعية إليه، على حسب ما قررنا فيما سبق من التضمخ بالطين، والبذل العري عن العوض في الأموال. وذلك أنه إذا استوت الصفات، فلا غرض في التبادل على الحال. وإذا تفاوتت الصفات، فصاحب الجيد [يضن] به غالبًا، فاكتفى الشرع بذلك.
والإمام إنما قال: وقد يغيب كلي الاستصلاح وجزئيه، بناءً على التعبد. وما قررناه يضعف قوله، ولكنه يقول: [وإن] لم يظهر للعقلاء وه المصلح في ذلك، فهي [مغيبة]. وظاهر قوله أن المصلحة ثابتة، ولكنها لم تظهر، ولذلك قال: وقد يغيب كلي الاستصلاح وجزئيه. ولم يقل [يعدم].
وهذا أيضا [يلتفت] إلى أصل، وهو جواز عرو بعض الأحكام عن المصالح. والذي تقدم له في قياس الشبه صحة الخلو، ذكره عندما قال القاضي في حد الشبه: إنه الذي يوهم الاشتمال في مخيل، فقال: لا يصح ذلك، فإنا
стр. 2170
نجري قياس الشبه فيما لا يعقل معناه، تقريبًا له من الذي يقال إنه في معنى الأصل. ثم قال: فإذا كان قياس الشبه يجري حيث لا معنى، فلا وجه لضبطه بالإشعار بالمعنى. وقد كنا نحن بينا ضعف هذا الكلام فيما سبق. والمقصود منه الآن بيان التناقض في ظاهر الحال (٧٤/ أ).
فأما ربا النساء، فهو غير مختص بالجنس، بل يجري في [الجنسين] من الطعام عندنا. وقد اختلفوا فيه، هل هو معلل، أو متلقى من التوقيف، وهو قوله: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدًا بيد)؟ والصحيح عندنا أنه جارٍ على الأصل السابق، وذلك أنه إذا قوبل الطعام بالطعام، وهو خلاف جنسه، لم تدع الضرورة إلى الطعامين جميعا، إذ التأخير في الذمة يدل على عدم الضرورة. وقد [كنا] بينا أن البيع في الأطعمة، إنما شرع للضرورة، والضرورة مفقودة عند التأخير فيهما [أو في] أحدهما، يحرم النساء لأجل ذلك في الطعام بالطعام.
قال الإمام: (ومن دقيق ما يجري في هذا الفن، وهو العلق
стр. 2171
[الأنفس]) إلى قوله (٩٧/ ب) (فهذا كافٍ في هذا الضرب). قال الشيخ وفقه الله: إلحاق الشافعي الخيار بأبواب الرخص، كلام صحيح، وبيانه: أنه البيع شرع لدفع الضرورة أو الحاجة، على حسب ما ذكره، وإقدام العاقل على البيع دليل احتياجه إليه، فلذلك اقتضى مطلق العقد اللزوم، وبيع الخيار غير لازم، [فالملك] فيه غير منعقد، [فقد] وجد العقد فاقدًا للمقصود الذي شرع له من عدم الملك [المحتاج] إلى انتقاله. فقد تبين [بهذا] أن قاعدة
стр. 2172
البيع تقتضي [ترتيب] الملك على العقد. والصحيح عندنا أن بيع الخيار لا [يعدم] الرضا بالنقل في الحال. فعلى هذا يكون البيع واقعا، غير محصلٍ للمقصود منه، فلا يخفى خروجه عن القياس لمصلحة اقتضت ذلك، وهو اختيار المبيع والتروي في البيع.
وإن قيل: إن بيع الخيار ينقل الملك، فالخروج عن القياس- على هذا القول- أظهر، من جهة أن البيع يفيد ملكًا مطلقًا مؤبدًا، فكأنه [عقد أفاد]
стр. 2173
الملك على التأبيد، مشترطًا فيه الحل، إن أراد أحد المتعاقدين، فلم يدر المتعاقدان، هل يتأبد الملك أم يتوقف؟ والبيوع على خلاف [ذلك].
وما ذكره الإمام من كون المبيع مستندًا إلى الضرورة أو إلى الحاجة العامة، صحيح لا [تنازع] فيه، وانتقال الملك بمطلق العقد مصلحي تكميلي، وهذه التكميلات اعتبارها من المناسبات، [إلا إذا] هدمت القواعد الكليات، فيطرح حينئذ [التكميلي]، حفظًا للكلي. أما إذا كان اعتبار التكميلي لا [يخرم] أمرًا ضروريًا، فاعتباره مناسب جلي. ونحن [نجزم] إذا حكمنا أن مقتضى البيع اللزوم، وأوجبنا ذلك، ولم يشرع الخيار بحال، لم ينحسم باب البيوع، ولم يبطل أصل القاعدة. وليس هذا بمثابة إسقاط القصاص عن الشركاء. فإن ذلك لو قيل به، لأفسد قاعدة الدماء. فالصحيح إذًا خروج بيع الخيار عن الأصل، ووقوعه في أبواب الرخص.
والدليل على ذلك، اتفاق العلماء قاطبة على أنه لا يسوغ أن يشترط في
стр. 2174
البيع الخيار الطويل، الذي لا يحتاج إليه المبيع. أما الشافعي وأبو حنيفة [فيقصرانه] على ثلاثة أيام، فلا [يجوزان] الزيادة على [ذلك] يحال. وأما مالك، فإنه يجوز ما يحتاج إليه المبيع، وذلك يختلف باختلاف المبيعات. فأما الزيادة على ذلك، فلا تجوز عند الجميع. ولو كانت على مقتضى القياس، لجاز اشتراطها. بل [لو] قال أكثرها أهل العلم إن البيع إذا اشتمل على خيارٍ لا يسوغ، أثر ذلك في فساد [العقد]. (٩٨/ أ)
стр. 2175
وأبو حنيفة (٧٤/ ب) يزعم أنه يؤثر في الوصف لا في الأصل. وقد تقدم مراده بذلك، وضعف [مقالته]. ويقول: إذا أسقط خيار اليوم [الرابع]، قبل الدخول فيه، [صح] العقد. وأما بعد الدخول، فيتحتم الفسخ، لتعذر الإسقاط، لأن غايته أن يلتزم البيع، وذلك مقتضى الخيار [أن يمكن مما اختار، فإن اختار الإمضاء، فقد حصل مقتضى الخيار]. فلذلك منع من الإسقاط بعد دخول اليوم الرابع.
وأما بيع [الأجل] عندنا، فالصحيح أنه ليس من الرخص، وإن كان الحق يصادف الذمة، ف المعاملة على الذمة صحيحة، بدليل انعقاد الإجماع في الشراء [بالدنانير والدراهم] صحيح، وإن لم تنقد لدى العقد. فإذا
следующие страницы →