← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقع في العادة؟ واتفق لبعض الناس، ففرق بين النادر والخارق. وهذا هوس، فإن من تخيل أن انقلاب العصا حية، وانقلاب البحر أطوادا، وإحياء الموتى، مما جرى بصفة الندرة، فقد خرج عن حكم المعقول بالكلية. وأما وجه دلالتها: فقد ذهب ذاهبون إلى أنها تجري مجرى أدلة العقول، فلا يتصور عقلا إظهارها على أيدي الكذابين. وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق، والإمام في (الإرشاد) يشير إليه. واستدل على ذلك بأن قال: لو دلت من جهة العادات، لأمكن خرقها، وأن توجد غير دالة، وإذا خرجت عن أن تدل لنفسها، لم يتوصل الباري سبحانه إلى تصديق رسله بالمعجزات، والعجز عليه محال. وهذا الكلام فيه نظر، وإنما يصح العجز، لو كان نصب دليل عقلي للصدق ممكنا،

стр. 247

وعجز عنه الباري تعالى، فحينئذ يقضى بالاستحالة. وأما الخصم فإنه يقول: ليس في الإمكان دليل يدل على الصدق لنفسه، لأن المقدور إنما يكون معتادا أو غير معتاد، فإن كان معتاداً، فلا اختصاص له ببعض المتحدين. وأما غير المعتاد، فهو الذي يقول الخصم: إنه يدل لنفسه. وقال كثير من المتكلمين: إنها تدل على جهة العادات، ولا تتنزل منزلة أدلة العقول. وذا القول والصحيح عندنا.

стр. 248

ودليله أنه لو [كانت] الدلالة على الصدق من صفة نفس الخارق، لما تصور خارق إلا دالا على الصدق، وهذا باطل بالاتفاق. فإن قيل: الخارق المقترن بالدعوى هو الذي يدل لنفسه. قلنا: لا يصح ذلك، إذ ما يدل لنفسه، لا يتصور فيه الشرط، وليس الاقتران بالدعوى مما يغير صفة الخارق ويجعل له صفة نفسية لم تكن له. قال الإمام: (فإن قيل: أيتصف (٣٢/ب) الرب تعالى [بالاقتدار] بأن

стр. 249

يظهرها) إلى قوله: (لانسلت العلوم عن الصدور، كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال). قال الشيخ: هذا هو الصحيح، على ما اختناه من دلالتها من جهة العادات. فإن العادات يصح خرقها، وتجويز الخرق لا يمنع من حصول العلم. وما ذكره الإمام من كونه يعرض لسبب إنكار العلم بصدق الرسل تقدير

стр. 250

اعتراض، فإنه لما قال: تتنزل منزلة قرائن الأحوال، قيل له: العلم المترتب على قرائن الأحوال ليس نظريا حتى يتصور اختلاف العقلاء فيه، بل الحاصل على إثرها ضروريا. فلو كانت المعجزات تدل من جهة العادات، لاشترك المطلعون عليها في حصول العلم، وقد وقع الاختلاف- بعد الاطلاع- من الخلق الكثير. وهذا سؤال مخيل. فأجاب ﵀ بأن قال: إنما يحصل العلم للمشتركين في كمال السبب، فلا يترتب العلم عليه. وهذا بمثابة ما لو سمع بعض الناس أخبار التواتر، فإن العلم يحصل لهم، ولا يدل ذلك

стр. 251

على أن العلم المترتب على سبب التواتر ليس ضروريا. وقوله: (وما أتى منكر لصدق نبي [محق]، إلا من جهات) إلى آخره. يشير إلى أن كل منكر إنما ينكر، لاختلاف بعض القيود في حقه. وهذا الذي ذكره ممكن، لكنه لم يدل عليه. ووجه تقرير الدليل فيه، الاستقراء للعوائد في المنكرين، فإن كلامهم قد أسند إنكاره إلى جحد القيود أو بعضها. فقال بعضهم: ﴿إنما يعلمه بشر﴾. وقال بعضهم: ﴿هذا ساحر كذاب﴾. وقال بعضهم: ﴿أساطير الأولين اكتتبها﴾. فكل مكذب قد قدح في المعجزة ولم يعترف بها. وأما الأمر الثالث: وهو مدلولها، فقد قال قائلون: مدلولها كونه صادقا.

стр. 252

وهؤلاء لا يفتقرون إلى إثبات الكلام لله . وقال قائلون: مدلولها كونه مصدقا، وهو الصحيح. فإنه قد ادعى واستدعى من الله تعالى ما يدل الخلق على صدقه، فيفعل فعلا مطابقا لدعواه، ليقوم مقام قوله: صدق. فلابد على هذا من إثبات الكلام الصدق. وقوله: (ولو خرق الله تعالى العادة بإظهارها على أيدي الكذابين، لانسلت العلوم عن الصدور). قال الشيخ: هذا كلام حسن، وذلك أن الأدلة العقلية والسمعية يترتب العلم [فيها] على استتمام النظر في الدليل. وأما العلم المترتب على قرائن الأحوال، فلا سبيل إلى ضبطها حتى يحصل من ضبطها ترتب العلم عليها. وهذا كالعلم المترتب على خبر التواتر، والشبع المترتب على الأكل، والري الترتب على الشرب. وكذلك كل علم

стр. 253

مترتب على أساس غير مضبوطة. وإنما يستدل على جريان السبب بكماله بالعلم المترتب عليه. فإذا ظهرت المعجزة، وحصل العلم بصدق المدعي، أمنا من كونه كاذبا، لحصول العلم بصدقه. فإذا أظهرها الله تعالى على أيدي الكذابين، لم يخلق العلم المترتب عليها. وكذلك القول في الخبر المتواتر الذي يترتب العلم عليه، فإن كانوا كذلك، أو كان فيهم (٣٣/أ) كاذب، لم يخلق الله تعالى له العلم بالصدق. قال الإمام: (ونقول بعد هذين الأصلين: الأصل في السمعيات: كلام الله

стр. 254

[تعالى]، وهو مستند قول [الرسول ﵇]) إلى قوله (فمنها تلقي الكتاب، والأصل الكتاب). قال الشيخ: قوله: الأصل في السمعيات كلام الله. قد تقدم الكلام قبل هذا على أنه لا حاكم على الحقيقة، باعتبار الشرع إلا الله فالحكم يرجع إلى كلام الله القديم. وإذا قلنا: أمر الرسول، أو القاضي، فبمعنى أنهم يبلغون أحكام الله ، لا أنهم مستبدون بحكم من قبل أنفسهم. فإذا جردوا النظر، وميزوا الحكم، بان أن الحاكم هو الله تعالى خاصة، وإن نظروا إلى المبلغ المعرف، فهو الرسول خاصة، فإن الله تعالى إنما علمنا أحكامه بواسطة الرسل، ولا حاكم إلا الله، ولا مبلغ إلا الرسول ﵇.

стр. 255

قال الإمام: (وأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء) إلى قوله (عنينا به المتواتر النص الذي ثبت أصله وفحواه قطعا). قال الشيخ ﵁: قوله: إن الآية ليست على مرتبة الظواهر. اقتصارا على الدعوى من غير أن يبين الوجه في ذلك. ولكن تقرير خروجها عن الظواهر من وجوه: أحدها- أن (غير) لا تتعرف إلا بالإضافة إلى معرفة، إن تعددت الأغيار، باتفاق من أئمة اللسان. وإن انضبطت القسمة، فقد قال بعضهم: إن الإضافة في هذه الصورة إلى المعرفة تقتضي تعريفا، كقوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.

стр. 256

وهذا هو اختيار ابن السراج. وأطلق آخرون القول بأن (غير) لا تتعرف بالإضافة. وهذا القول أقرب إلى العربية من جهة أن التعيين لم يأت من جهة الإضافة، وإنما جاء من الحصر، حتى أن من لا يعرف الحصر لا يدله اللفظ على التعيين. فإذا ثبت ذلك من المذهبين، فـ ﴿غير سبيل المؤمنين﴾، لا تتعرف بهذه الإضافة، إذ الأغيار هاهنا كثيرة: من الكفر والشقاق، والخروج على الأئمة، والمخالفة في الأحكام، وارتكاب محرمات الشريعة، إلى غير ذلك.

стр. 257

وقد جاء النبي ﵇: (من غشنا فليس منا). و (سباب المؤمن فسوق، وقتال كفر). و (من حمل علينا السلاح فليس منا). فهذه كلا غير سبيل المؤمنين. الوجه الثاني- أنه قال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾. فهل الجملتان [شرطا جزاء]، أو كل واحدة شرط مستقل، ويكون الكلام اشتمل على ذكر أحد الجملتين، ولم يذكر جزاء الأخرى لدلالة الكلام عليه؟ فعلى التقدير الأول، لا يكون في [الآية] تعرض لمخالفة أهل الإجماع على انفرادها، وإنما يكون فيها ظهور على التقدير الثاني. الثالث- هو أن سياق الآية يدل على أنه أريد بغير طريق المؤمنين، ما يرجع إلى المناصرة والمعاضدة والجهاد وإعلاء كلمة الإسلام. فإن الآية إنما سبقت لهذا الغرض، فإن لم يكن ظاهرا، فهو محتمل، على أن أقصى الممكن فيه تسليم ظاهره. ولا يصح (٣٣/ب) الاستدلال على القطعيات بالظواهر، فإن الظاهر ملتحق في محل طلب العلم بالمجملات.

стр. 258

وأما ما ذكره الإمام هاهنا، فإن ذلك يتضمن استقصاء مسائل الإجماع، وهذا له كتاب تام، فليؤخر إلى موضعه. وبقية الكلام قد تقدم. قال الإمام: (وما ذكرناه من الخبر عنينا به: التواتر النص). قد تقدم أيضا الكلام على ذلك، ووجه الاشتراط، واختلاف الأصوليين في الاحتراز بهذه القيود، والإضراب عنها. قال الإمام: (وأما الخبر الواحد) إلى قوله (طريق نقله أو مستند إليه). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام أيضا على هذا. وهل يقطع بالعمل عند خبر الواحد، أو يظن الحكم بمقتضاه؟ بما يغني عن الإعادة. وقوله: (وما عداه طريق نقله). يعني الكتاب والسنة جميعا، فإنه إذا

стр. 259

دل على كلام نفسه بألفاظ تتلى، سمي كتابا، وإن كان بلفظ لا يتلى، سمع من الرسول ﵇ سمي سنة، والمستند إليه هو الإجماع. قال الإمام: (فهذا بيان العقلي المحض) إلى قوله (وإلا فليس في حقيقة

стр. 260

النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت). قال الشيخ: هذا الكلام من الإمام أورده حكاية عن الأصوليين، وإلا فمذهبه أن العلوم ضرورية. والضروري لا يقبل الاستدلال.

стр. 261

وقولهم: تدل لأنفسها. كلام متجوز به، فإن العدم قد يدل ولا نفس له، وإنما يعنون بذلك: وجوب الارتباط عقلا. واعتذار الإمام عندما حكم بكون العلوم ضرورية في سبب التفاوت في الإدراك، فإن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر، كيف يفتقر في الضروري إلى تدبر؟ فإن قال قائل: التدبر يرجع إلى النظر، فقد بينا أن النظر على أصله لا يتأتى. وأما الوجه الثاني من تعدد الرتب، بكأنه يقول: لا بعد في اشتراط الترتيب في العلوم الضرورية، ويكون الترتيب فيها لابد منه. قلنا: يلزم على

стр. 262

أن الرتبة الأولى إذا حصلت، فتحصل الرتبة الثانية ضرورة وبديهة، إذ العلوم ضرورية، والشرط- وهو الترتيب- قد وجد. فلا يستقيم هذا الكلام مع إنكار الاستدلال. قال الإمام: (ثم البرهان ينقسم إلى البرهان المسند) إلى قوله (وقد رسمه الأصوليون وطولوا أنفاسهم فيه، فنبدأ به). قال الشيخ: انقسام البرهان على

стр. 263

ما ذكره صحيح. ومذهبه أن الدليل لا يرجع إلى مجرد النظر، فكيف يستقيم البرهان إذ لا برهان؟ وقضاؤه بأن الأحكام الإلهية كلها ترجع إلى برهان الخلف. فقد بينا أن من الأدلة على الأحكام الإلهية ما يرجع إلى [المستد] الاستدلالي بالإيجاد والتخصيص. وقوله: (إن البرهان المستد يجري في غير الإلهيات في جميع مطالب العقل، لا ما استثناه). دعوى مجردة عن البرهان. وأما أحد ما استثناه من

стр. 264

أحكام الأزل ونفي الولية، فهو راجع إلى أحكام الإلهية. وأما الثاني، وهو كون الجوهر الفرد لا ينقسم، فلا يتلقى إلا من برهان الخلف، فإن العقل لا يقف على حد، ولا يمنع من قسمته، ولكن يقول: لو انقسم إلى غير نهاية (٣٤/أ)، لدخ غير المتناهي الوجود، وبراهين من هذا الجنس. ودخول ما لا يتناهى الوجود محال. قال الإمام: (القول في البيان) إلى قوله (إذا استقل كلامه بالإبانة

стр. 265

والإشعار بالغرض. فهذا منتهى المقصود في هذا الفن). قال الشيخ ﵁: ظاهر كلامه أن أصحاب العبارة الأولى والثالثة متفقون، وإن كان أحد اللفظين أكثر احترازا، وليس الأمر كذلك. بل القائل الأول يرد البيان إلى الاستدلال بالدليل، والإرشاد إلى جهة دلالته. والثالث رد البيان إلى نفس الدليل، على أن لفظ الدليل مشترك عند المتكلمين، فإنه قد يطلق على الدال، وقد يطلق على الدلالة، وهذا الثاني هو اختيار القاضي ﵀. والأمر في ذلك قريب، وإنما ترجع المسألة فيه إلى اللفظ.

стр. 266

قال الإمام: (فأما الكلام في مراتب البيان) إلى قوله (والاكتفاء بذكر الإجماع أولى، ولا دفع للسؤال). قال الشيخ: الكلام واضح كله. وما اعترض به أبو بكر على الشافعي غير لازم، وذلك أن الشافعي رحمه الله

стр. 267

عد ما تستند إليه الأحكام مباشرة. والمراتب السابقة كلها كذلك. وأما

стр. 268

الإجماع فهو على الحقيقة ليس دليل الحكم، وإنما هو دليل دليله. وهذا واضح إذا ظهر مستند الإجماع. وإن لم يظهر مستنده، فقد يظن الظان أن الحكم أسند إليه مباشرة، وليس كذلك. بل إنما يثبت الحكم، لصحة العصمة في المستند. والإجماع يدلنا على طريق لا نص فيه، ولا دليل سواه. وإن كنا نعلم نفي بقية الأدلة. ولو كان الإجماع كذلك، لتصور أن ينعقد الإجماع ويكون حجة مع فقدان تلك الطرق، وفرض ذلك محال، لأنه يناقض العصمة؛ إذ [يكونوا] قد حكموا من غير دليل. وقد قال الشافعي ﵀ ما أشرنا إليه، فقال في كتاب القياس: ([لا أرى] للصحابة في القراض [مستندا] إلا ما صح عن

стр. 269

رسول الله ﷺ في المساقاة). يقول: إنهم سلكوا فيه مسلك القياس. قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس، فإن سبيل القياس الصحيح اعتبار المختلف فيه بالمتفق عليه. وهذا اعتبر المتفق عليه بالمختلف فيه. قال الشافعي: الإجماع لا ينعقد [هزلا]. وتمام التقرير يقتضي الالتفات إلى الأدلة التوقيفية، نقلية أو قياسية. فإليها يستند أهل الإجماع. فتبين بهذا سقوط السؤال. وسيأتي مقررا بأبلغ من هذا في ذلك المكان، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال الإمام: (وقد ذكر بعض الأصوليين صنفا آخر من الترتيب) إلى قوله

стр. 270

(في لفظ الشارع له ذكر. ثم له مراتب، لسنا لها الآن). قال الشيخ: هذا الترتيب غير صحيح، فإنه قدم لفظ الشارع مطلقا على الفعل الواقع بيانا. وقد

стр. 271

يكون اللفظ ظاهرا، وقد يعلم بالقرائن ما قصده بالفعل، [فكيف يصح التقديم مطلقا؟ والإشارة (٣٤/ب) أيضا فعل] اقترن به القول للبيان، فلم تأخرت عن قضية الصلاة الواقعة بيانا؟ وكذلك تأخير المفهوم عن العموم مع [أنه] يؤخر من جهة كونه من توابع اللفظ، لا من جهة مفهومه. وكذلك القول في القياس، إذ لا يصح أن يقدم كل لفظ على كل قياس، إلا أن يكون المقصود أنه لولا شرعيته، لم تدل الألفاظ على أحكام الفروع، ولم تستند إليها، فيكون لهذا وجه. فأما أن يعتقد الترتيب في قوة الدليل وضعفه، فغير صحيح.

стр. 272

قال الإمام: (والقول الحق عندي أن البيان: هو الدليل. وهو ينقسم إلى العقلي والسمعي. فأما العقلي، فلا ترتيب فيه على التحقيق في الجلاء والخفاء،

стр. 273

وإنما يتباين من الوجهين) إلى آخر المسألة. هذا الكلام واضح، لا يحتمل أكثر من هذا. قال الإمام: (مسألة: في تأخير البيان) إلى قوله (ولو بين لهم أولا لفسدوا). قال الشيخ: اختلفت مذاهب المعتزلة في تأخير البيان إلى وقت الحاجة. فمنهم من منع ذلك عموما، ومنهم من فرق بين العام والمجمل، فقال: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل منه تجهيل، ولا يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من إلباس. ومنهم من عكس ذلك، وقال: يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من أصل الفائدة. بخلاف المجمل، فإن وروده لا فائدة فيه بحال. ومنهم من جوز في الأحكام، لقبولها النسخ، وهو عندهم يرجع إلى

стр. 274

البيان، دون الوعد والوعيد. والقول الحق يقتضي جواز تأخير [الجميع]. والقوم منعوه [بناء] على قواعد التحسين والتقبيح. [هذا] تقرير مأخذ [الخصم] والاعتراض عليه. ولا يحصل من مثل هذا علم، إلا أن يثبت بالبرهان انحصار المأخذ، ثم يبطل ذلك، فيحصل منه أن الحاكم متحكم، ولكن لا يحصل من هذا القول

стр. 275

بطلان المذهب قطعا، إلا ببرهان يقوم على إبطاله. وليس في إبطال المآخذ المعينة، بطلان كل ما يقدر مأخذا. ولو قطعنا ببطلان كل مأخذ، لم يحصل العلم ببطلان المذهب، إذ يحتمل أن يكون صحيحا، ولم يتفق لقائله الوقوف على دليله، أو يكون مما لا دليل عليه. ومن أين يلزم أن يكون كل شيء مدلولا عليه؟ ومن أين يلزم أن يكون كل دليل يعرفه الحاكم؟ فلا يحصل من مثل هذا علم في العقليات. نعم، يكون هذا الطريق نافعا في السمعيات، من حيث تقرر أن الله تعالى لا يحكم على العباد بحكم حتى ينصب لهم عليه دليلا. فإذا علم انتفاء الأدلة، علم نفي الحكم، لاستحالة تكليف ما لا يطاق، إما عقلا، وإما سمعا.

стр. 276

ولكن الدليل على أنه ممكن، صحة وجوده، فإن المستحيل لا يتصور وجوده بحال، ويصح للواحد منا أن يأمر عبده ووكيله بخطاب عام، وهو يقصد تخصيصه بعد ذلك، لمصلحة يراها، أو بخطاب مجمل، [وهو] يقصد بيانه بعد ذلك. ولو كان [ذلك] مستحيلا، لم يتصور بوجه. قال الإمام: (الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ، [فإنه] عندهم: بيان مدة التكليف. [وليس هذا] البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول. وليس لهم عن هذا جواب). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام غير (٣٥/أ) لازم للقوم، فإن البيان هو الدليل على حسب ما مر. وإذا كان كذلك، لم يمنع ورود دليل، وإنما الممتنع أن يكون الدليل يتعرض للدليل الأول، إما بتخصيص أو تفسير. فأما إذا كان لا يتعرض له، وإنما يتضمن قضية أخرى، فلا مانع من ذلك. والنسخ عند المعتزلة لا يتعرض للفظ

стр. 277

الأول بحال، فإن الذي دل عليه اللفظ الأول لا يرفع. نعم، [إذا] كانوا يجوزون [ورود] مثله، فالخطاب الثاني منع مثل الحكم الأول من الورود. يدل على ذلك ورود النسخ على النص الذي لا يقبل البيان بوجه. فإذا البيان يرجع إلى إزالة ظاهر أو اشتراك مجمل. وهذان النوعان هما اللذان منعهما القوم. قال الإمام: (والمسلك [الثالث]: يتعلق بمطالبتهم) إلى قوله (ثم يفسر لهم في وقت الحاجة). قال الشيخ: هذا المسلك الشرعي مقطوع به تواترا

стр. 278

واستفاضة، فإنا نعلم بالضرورة أن تفاصيل الصلاة، وما تفتقر إليه من شروط وبيان أركانها، وما تتوقف صحتها عليه، من قراءة، أو طهارة، وستر عورة، واستقبال قبلة، وما يقدح في صحتها من المفسدات، وكذلك الزكاة، والصيام، والحج، وما يتعلق بالبيع، والنكاح، وما يصح تزويجه، وما شروط العقد، مما لا يمكن أن يبين في وقت واحد. وهذه الطرق تجري على جميع المذاهب، ولا يفرق بين عام ومجمل، ولا بين حكم ووعيد. تبقى المسألة مع المجوزين، اختلفت مذاهبهم في جواز التدريج في البيان. فقال قائلون: إذا شرع، وجب أن يبين الجميع، فإن اقتصاره على إخراج صورة من العموم، يوهم كون الباقي مقطوعا باستقراره. وهذا أيضا باطل من وجهين: أحدهما- أن من توهم ذلك تاما، فقد أخطأ كمن توهمه أولا، والسابق

стр. 279

من الأدلة يقضي عليه. الثاني- أنه قد نقل في الشريعة أنه كان [يبين] ما تدعوا الحاجة إلى بيانه، فلما سئل عن الاستطاعة، فقال: (زاد وراحلة). ولم يتعرض لأمن الطريق في ذلك الوقت، وإن كان شرطا. بل كان ﵇ لا يعتني بالبيان وقت توجه الخطاب اعتناءه بوظائف النقل، فضلا عن المقترنات. وقد منع قوم تأخير المخصص عن اللفظ العام، بناء على غير هذا الأصل، مصيرا منهم إلى أنه لو تجرد اللفظ عن القرائن، لكان نصا في الاستغراق، فيرجع ذلك إلى استحالة بيان النصوص. وهذا الأصل سيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (القول في اللغات ومأخذها) إلى قوله (ونحن نذكر الآن

стр. 280

مسائل على شرط هذه الترجمة، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: قوله: معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني. لم يرد بذلك عموم المعاني المعقولة، فإنه لو أراد ذلك، لم يبق من أصول الفقه شيء. وإنما أراد المعاني القياسية. وإذا كان كذلك، لم يكن معرفة وضع الفقه ومعرفة عرف الشريعة مكتفى به في علم الأصول، لتعلق الكلام فيه بطرف صالح من المعقولات. فلذلك قال: معظم الكلام. وقوله: لما كان فنا مجموعا ينتحي ويقصد، لم يكثر منه الأصوليون.

стр. 281

اكتفاء بما ذكره أهل اللسان، إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذكر شيء مما ذكره أهل اللسان، ولا يجدون بدا من الكلام عليه، كالكلام على (من) الزائدة (٣٥/ب)، هل تكون مؤكدة للنفي؟ وغير ذلك. ثم صرفوا عنايتهم لما لم يذكره أئمة اللسان، وإن كان من اللغة، لأن أئمة اللسان لم يقصدوا إلى معرفة مدلولات الألفاظ، وإنما قصدوا النطق على حسب ما نطق [به] أهل اللسان، حتى إنهم يتكلمون على الكلمة باعتبار إعرابها، وغير ذلك، وإن كانوا لا يفهمون المدلول في اللغة. واللغوي المحض الباحث عن [معرفة] [مدلولات الألفاظ] لا يحسن صنعة الإعراب وعلم التصريف. وقصد الأصوليون إلى شرح المدلول، باعتبار الألفاظ التي ظهر مقصد الشرع فيها، ليحصل الغرض من فهم مقصود الشرع بألفاظه.

стр. 282

قال الإمام: (مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات. فذهب قوم إلى أنها توقيف من الله تعالى) إلى قوله ([وإذا احتمل الكلام الأمرين، لم يكن فيه حجة]). قال الشيخ: قد تردد الناس في البحث عن هذه المسألة، هل لها تعلق بأصول الفقه، أو لا فائدة فيها؟ والصحيح عندنا أنه لا فائدة

стр. 283

فيها، وذلك أن كل أمر يستوي العلم به وعدمه، بالإضافة إلى حصول أمر آخر، فلا حاجة إلى علمه في تحصيل مطلوبه. وقد بينا أن الاحتياج إلى معرفة اللغة العربية، إنما احتيج إليه بالإضافة إلى فهم الأحكام، وقد أمرنا الله تعالى بتنزيل أحكامه على ما نفهمه من اللغة العربية، إلا أن يثبت للشرع تصرف في بعضها، فيجب التنزيل على ما قرره الشارع من اللغة. على ما سيأتي مفصلا، إن شاء الله تعالى. وإذا (٢/ب) كان كذلك، [فمفهومها لا يختلف، سواء كانت]

стр. 284

اصطلاحا أو توقيفا. ولذلك قال بعض الأصوليين: الكلام عليها في الإطلاق وامتناعه. وهذا كإطلاق زيد قاتلا مثلا، وكون الخمر محرمة، مع قضاء العقول بأن مزهق الأرواح من الأشباح هو الله سبحانه. وأن الأعياد لا تكون متعلق التحريم. فإن كانت توقيفا من الله تعالى، استحال أن يكون الوضع لإزهاق الروح على التحقيق، بل إنما يكون معنى قتله، أي فعل عنده [فعلا] يحصل عنده الموت، أو يكون القتل عبارة عن زهوق النفس، فيكون قولنا: قتل زيد تجوزا. كما قال تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. فإنه لا يقال في هذا إنه جعل القرية اسما للأهل، بل للقرية، وأضمر الأهل. فإن كانت اللغة اصطلاحا،

стр. 285

أمكن الغلط على الواضع في المعقولات، كما وقع للمعتزلة. وأمكن أيضا أن يكون عالما بالمدلولات، فيكون الاصطلاح على هذا التقرير كالتوقف. قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض من ينتمي إلى [أصحابنا]) إلى قوله (لا يجري هذا في محل النزاع قطعا). قال الشيخ: هذه المسألة يحتاج إليها في الأصول، فإنه إذا ثبت عموم الاسم بطريق القياس اللغوي، اندرجت
следующие страницы →