Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
وأما تفرقة الشافعي بين الأمرين، فقد بينا ضعفها. وما احتج به من فعل الأولين [في اطراد] الإسقاط عندهم، [فهذا] ضعيف من وجوه:
أحدها- أن هذا لم ينقل عن أهل الإجماع، إذ ليس فيه فتوى يعتمد عليها، وإنما فيه أن قومًا أسقطوا عن المكاتبين من آخر نجومهم. وهذا ينقل عن عدد قليل من الأولين، فلا يصح في ذلك إجماع بحال.
والوجه الثاني- أن هذا وإن كان منقولا، فليس فيه ما يقتضي أنهم رأوا وجوب الإيتاء، بل فعلوه، ويصح أن يروه مندوبًا ويفعلونه.
وقوله: إن التبرعات لا تطرد، هذا إذا لم يظهر ترغيب خاص في المندوب إليه. والأضحية مندوب إليها، والمسلمون يبالغون [في] فعلها، وإن لم يروا وجوبها. وكذلك متعة المطلقة عندنا مندوب إليها. والمنقول
стр. 2207
عن الأولين فعلها والمواظبة عليها. وهي أكثر وأعم وقوعًا من الكتابة. والذين كاتبوا العبيد من الأولين العدد القليل.
وأما قوله: إن الكتابة متضمنها إرفاق من كل وجهٍ، والإيتاء منه، وإذا كانت الكتابة ليست واجبة، كيف يجب ما هو من فروعها؟ وقدر الإمام اعتراضًا، وأجاب عنه ضمنًا فقال: ومهما [يلزم] شيئا إذا صح، لم يلزم الإقدام عليه. يشير بذلك إلى أنه لا تجب الكتابة، بل يندب إليها، فكيف يجب الإيتاء المترتب عليها؟ فقال: ما لا يلزم من إيجاب الإيتاء إيجاب الكتابة. هذا معنى قوله: وما يلزم شيئا، وفاعل (يلزم) مسكوت عنه، راجع على (ما) يعني: الإيتاء الذي يلزم في الكتابة. والمراد بالشيء ههنا: الكتابة، لم يلزم الإقدام على الكتابة. هذا مراده- والعلم عند الله. ولقد رجع الإمام إلى الإنصاف بقوله: ولست أرى على مذهب الشافعي مسألة أضيق مسلكًا من وجوب الإيتاء.
قال الإمام: (ونحن نقول وراء ذلك: أما مالك). إلى آخر المسألة.
стр. 2208
قال الشيخ: أما قوله: إن الكتابة تلزم في حق السيد، فلا خلاف في ذلك (١٠٣/ ب). واختلف علماؤنا في وجوبها في حق العبد، فالظاهر من المذهب أنها لازمة له، نظرًا إلى مصلحته في تحصيل العتق [له]، والتفاتًا أيضا إلى جانب التعليق فيها، ولشوف المعاوضة، فإنه لو علق السيد عتق عبده على حصول حالة، لم يكن للعبد إسقاط (٧٩/ أ) ذلك. فشوائبها جميعا تقتضي أن لا يتمكن العبد من حلها، وسواء كان له مال ظاهر، أو لم يكن.
وقال قائلون: له أن يعجز نفسه، فإنه عقد إرفاق به، وله إسقاطه. وقد جاء ذلك عن ابن عمر في [قصة] طويلة.
стр. 2209
والقول الثالث، وهو المشهور، أنه ليس له تعجيز نفسه، إذا كان له مال ظاهر، لأنه رجوع إلى الرق بعد أن وجد الطريق إلى قطعه. وإن لم يكن [له] مال ظاهر، عجز نفسه، إذ العتق يرتبط بالآداء، وهو عاجز عنه. وتكليفه الرفع إلى الحاكم لا معنى له، عند عدم المال الظاهر، إذ الحاكم لا يحكم إلا بالتعجيز. وللقائل الأول [أن يقول: ] لعل الحاكم إذا رفع إليه الأمر يجتهد في البحث عن المال الموصل إلى [الحرية]. وهذا فيه [بعد، إذ] قوله مقبول عند عدم المال الظاهر.
وأما قوله: إن مالكا ﵀ سوى بين أبواب الطهارات وقاعدة الكتابة، [لعسر] وجوب الوسيلتين، [إلا] أنه لا يوجب الإقدام عليه. فقد بينا
стр. 2210
أن الحكم ليس على ما تخيله ونقله.
وقوله: [ولاح على أصله [إجراء] قسم الكتابة في وضع الشرع على باب الطهارات]. هذا كأنه [يقرر] مأخذًا لمالك. يقول: إذا وجبت الطهارة توصلًا إلى النظافة- وإن لم تخرم قياسا- فإيجاب الكتابة الخارمة للمعاوضات أولى. يقول: إن الشرع لا يخرم هذا القياس العظيم، إلا لغرض مهم، لابد من تحصيله. فرأى خرم القياس دليل الإيجاب. هذا كله على ما تخيله مذهبًا لمالك، ومأخذًا له. وكل ذلك فاسد.
وأما قول الشافعي: للشرع [تحكم] في الإيجاب متبع، وإن لم يكن منقاسا، كإيجاب الطهارة، وإن لم تجب النظافة. فهذا كلام صحيح، ولا يكون خرم القياس دليل الوجوب بحال، وللشرع تحكم في الإيجاب متبع، وإن
стр. 2211
لم يكن منقاسا، فربما طرد الشارع حجرًا في مكان القياس، أن لا يحجر على المكلف فيه، وربما فك حجر القياس اطراده، فلا [يتلقى] [إثبات] الإيجاب ولا نفيه من موافقة القياس، ولا من مخالفته. هذا كلام صحيح. وما أظن أحدًا من العلماء يرى خرم القياس دليل الوجوب بحال، ومأخذ الوجوب غير هذا.
وأما تفرقة الشافعي بين الكتابة والطهارة، لظهور غرض الكتابة (١٠٤/ أ)، واستغنائها عن النية، وافتقار الطهارة إلى النية، من جهة أنه لم يظهر فيها غرض ناجز، فلاق بها ترغيب في الثواب، فكلام صحيح، وقد قدما تقريره، وهو يرد ما ذكره الإمام، من بناء القاعدة على فهم معنى النظافة، إلا أن يصير ظهور المعنى من وجه، وثبوت التعبد من وجه، فيصح قوله على هذا التقدير.
قال الإمام: (مسألة: قد ثبت أن الكتابة الفاسدة تثبت فيها أحكام) إلى
стр. 2212
قوله ([وأما الشبه فقصاراه ظن على بعدٍ، فإذا عارضه نقض، وهي وانحل]). قال الشيخ: البيع الفاسد لا يفيد الملك عند مالك والشافعي [﵄]. وعمدتهما في ذلك ما قدمناه قبل هذا، من أن البيع مشروع لمصلحة الآدمي، فلو كان في البيع الفاسد مصلحة، لما نهى الشرع عنه، وإذا نهى عنه، فلا مصلحة للمكلف فيه. وإذا ظهرت مصلحة [ببادئ] الرأي، فقد علم الله تعالى أن المصلحة في أن لا يقدم (٧٩/ ب) عليه.
وأيضا فلو كان يفيد الملك، لاقتضى ذلك تحريك الداعية إلى تحصيله، والتحريم يمنع من الإقدام، فتظهر مناقضة في شرع الأحكام، وذلك لم يثبت من استقراء الشريعة على حال. وكذلك نقول في سائر الأسباب المحرمة، فإنها [لا] تفيد ثمرات الأسباب الصحيحة، إلى أن يظهر انصراف التحريم إلى غير
стр. 2213
السبب ووصفه إلى أمرٍ يجاوره. وهذا قدمناه.
[ولكن] الشافعي يقول: يجب الرد إلى البائع وإن تغير المبيع. ومالك ﵀ يقول: إنما يرد إذا كان المبيع [قائمًا]، لم يتغير في سوق ولا بدل. أما إذا تغير، فقد فات الرد، لا لاقتضاء البيع ذلك، ولكن يقدره بمثابة الهالك، ولذلك قال: يضمن بالقيمة. ولو كان البيع الفاسد مفوتا، للزم الثمن، وليس الأمر كذلك. والشافعي يقول هذا في فوات الأعيان، وأما التغيرات، فلا ينزلها هذه المنزلة.
والمقصود أن البيع الفاسد على المذهبين، لم ينقل ملكا. وليس المقصود الآن بيان ما يمنع الرد، وإنما المقصود أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، وقد
стр. 2214
قررنا وجه ذلك. وأما الكتابة الفاسدة فإنها تثبت فيها أحكام مشابهة [لأحكام الكتابة] الصحيحة. ولذلك اعتبر أصحاب أبي حنيفة البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة.
وقول الشافعي: لا يقبل القياس في الفرعين، [يريد] به البيع الصحيح والبيع الفاسد، [وأراد بالأصلين: الكتابة الفاسدة والصحيحة]، وليس يعني أن البيع [الصحيح] يختلف فيه، ولكنه يقول: نسبة البيع الفاسد إلى الكتابة الفاسدة (١٠٤/ ب)، نسبة البيع الصحيح إلى الكتابة الصحيحة. وبين أن صحيح البيع لا يشبه صحيح الكتابة، فكذلك فاسد البيع. وحقق ذلك
стр. 2215
بأن الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاوضات، والفاسدة [مترتبة] عليها، قال: فإذا امتنع القياس في الأصلين، يعني صحيح الكتابة وفاسدها، ترتب عليها امتناع القياس في الفرعين.
أما كون الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاوضات، فهو مسلم، لأنها لم يتمحض كونها معاوضة محضة، لما قررناه من اجتماع شوائب التعليق والاستسعاء. فيمتنع أن تجري فيها أحكام المعاوضة المحضة، والفاسدة متفرعة عليها. فإذا تعذر تنزيل [صحيح] البيع منزلة [صحيح] الكتابة، فكيف يصح تنزيل فاسد البيع منزلة فاسد الكتابة؟
فعلى هذا يصح قوله: إنه يهون على الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة
стр. 2216
[في نزولها] منزلة الكتابة الصحيحة عن أقيسة المعاني، لما قررناه من استقراء الشريعة من امتناع إثمار المحرم ثمرة المشروع.
وأما أصحاب أبي حنيفة، فإنهم زعموا أن الكتابة [الصحيحة] في إثمار ثمراتها، جارٍ على أبواب قياس المعاوضات. قالوا: وإنما الخارج عن القياس، جواز معاملة السيد ملكه بملكه، وهذا موضع عفو الشرع. فإذا ثبتت، قضى فيها وعليها بأحكام المعاوضات، حتى يعتبر فيه التراضي، وإعلام العوض، واتصال الإيجاب بالقبول، [إلى] غير ذلك من أحكام المعاوضات. والفاسد في كل باب حائد. فإذا حكم الشرع بكون الكتابة الفاسدة تتنزل في عوض (٨٠/ أ) الكتابة منزلة الصحيحة، لم يمتنع مثل ذلك في البيع الفاسد. هذا تقرير ما قالوه.
وأما أصحاب الشافعي، فإنهم يقولون: إن الكتابة الفاسدة لم تتنزل منزلة الكتابة الصحيحة، لفقهٍ اقتضى ذلك. فإن الأسباب إنما تثمر، إذا جرت موافقةً لقضايا الشرع. وقد قدمنا في هذا قولًا بالغًا، وأن استقراء الشريعة يرشد إلى أن
стр. 2217
العقود الفاسدة لا تثمر بحال، ولا يرجع ذلك إلى معقول النهي والتحريم، فإنه لا يتناقض أن يرحم الشرع عقدًا ويقول: إن أقدم عليه المكلف أثمر له ثمرة العقد المسوغ. وقد قدمنا في ذلك قولًا بالغًا في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، فلا نعيده. [إلا أن] تحقيق الغرض الآن، تفهم وضع الشرع الأسباب، فإذا انحسم المعنى في الكتابة الفاسدة، استحال إلحاق البيع الفاسد بها، بجامع المعنى، لانحسامه في الأصل، وثبوت ضده فيه.
وقوله: فإن تعلق الخصم بذلك، وقال: البيع الفاسد بالإضافة [إلى الصحيح، كالكتابة الفاسدة، بالإضافة] (١٠٥/ أ) إلى الصحيحة، ولم يلتزم إبداء معنى بوجه، انتقض عليه بالنكاح، فإن فاسده لا يتنزل منزلة صحيحه بوجهٍ من الوجوه.
وقوله: وأحق قياسٍ بالنقص، قياس الشبه، فإن المتمسك بالمعنى، قد يعن له طرده، إذا لم يمنع منه مانع. فإذا ظهر مانع علله، وبقي متمسكًا
стр. 2218
بالمعنى فيما وراءه. [مع] أن القول الصحيح، بطلان المعنى بالانتقاض، على ما سيأتي.
وأما الشبه، فضعيف في بابه، والمناسبة لم يوقف عليها، غير أنه قد يظن مصلحة خفية، بكون هذا الوصف قبالها، فإذا تخلف الحكم المذكور، مع عدم الإحاطة بالمعنى المقدر، لم تبق غلبة ظن، فإن الوصف هو [المتضمن] للمصلحة المعينة.
ولكن قد يظهر للقوم عن النكاح عذر، فإنهم إنما قضوا بذلك في العقود الفاسدة إلى الأمور التي [يصح] رضا العباد بإسقاط حقوقهم [فيها]، كالأملاك. ولذلك امتنعوا على قضية الرضا، ورأوا في ذلك مناسبة. وهو كلام له وجه، لولا ما قررناه من إعراض الشارع عن الرضا في بعض الأمور.
وأما الفروج فللشرع فيها حق، فلا يصح تباذل الناس لها، ولا رضاهم بتعاطيها. ولا يلزم من الالتفات إلى الرضا في الأموال، الالتفات إلى ذلك في الفروج. والنقض على هذا غير لازم، مع ظهور هذا الفرق.
стр. 2219
وأما قوله: وأقرب من ذلك البيع نفسه. فهذا كلام أيضًا لهم عنه جواب، وذلك أن العبد [حائز] نفسه، فلا يصح أن يقال يفتقر بعد الكتابة إلى قبض نفسه. فلا نقض أيضًا على هذا التقدير. نعم، يلزم الخصم أن يبين الافتقار في الانتقال إلى القبض في الفاسد دون الصحيح.
وعمدته في ذلك أنه لما كان هذا البيع غير مقدور عليه شرعًا، أشبه العقود غير اللازمة، [من] الخيار وغيره، فلا يترتب الضمان فيه إلا على القبض، وبه يتم الملك عند القوم، كعقد الهبة عند الشافعي. وهذا الكلام فيه نظر، ولكن المقصود أنه لا يلزم ما ألزموه من الفرق بين الكتابة الفاسدة، والبيع الفاسد، من اشتراط القبض في البيع الفاسد، (٨٠/ ب) إذ لا يكون البيع الفاسد مشابهًا للكتابة الفاسدة، إلا إذا وجد القبض فيه، إذ هو [متحقق] في الكتابة الفاسدة.
قال الإمام: (فهذا فن من الكلام [يصدهم] عن النزول إلى التشبيه) إلى قوله (لم يبق لمتمسكهم بالكتابة الفاسدة وجه). قال الشيخ: هذا الكلام
стр. 2220
ذكره الإمام مختصرًا، ولم يبين وجه قولهم على الحقيقة، [ولم يرد] أيضا عليهم بوجه (١٠٥/ ب) فقهي، سوى السب والفحش. ونحن نقرر مأخذهم في ذلك.
وذلك أنهم قالوا: القياس المناسب يقتضي اتباع رضا العقلاء في أموالهم، وصحة تصرفهم في أملاكهم، غير أن الشريعة قد منعت من اتباع مطلق الرضا في بعض الأمور، كالنكاح وغيره، ووسعت طرق الأملاك. يشيرون بذلك إلى جواز انتقالها على حسب رضا مالكيها، ولذلك تثبت فيها الإجارة والعارية، والقراض والهبة، والصدقة والبيع والارتهان وغيره، فيشعر اتساع الطرق بعدم التعبد في طرق النقل، [وإدارة] الأمر على الرضا، وهو معنى مناسبته.
هذا معنى قولهم: ما اتسعت طرقه، [فالفاسد] أحد طرقه، إذ لا تجتمع هذه الجهات المذكورة إلا في رضا الملاك بانتقال الأملاك. وهذا وجه من المناسبة ظاهر، ولكن يعترض عليه بمنع كونها لم تشترك إلا في الرضا، بل قد اشتركت في الرضا، وشرعية جميع العقود. فعلى الخصم أن يبين أنه لا أثر للشرعية، وإنما الاعتماد على مطلق الرضا. ولا يجد إلى ذلك سبيلا أبدًا. فإنا
стр. 2221
قد بينا أن [للشرعية] أثرًا بينًا فيما يتعلق بتحصيل ثمرات الأسباب، [وأن] امتناع الإثمار عند فساد الأسباب وتحريمها مناسب.
قال الإمام: (ومما نذكره في ذلك أن الكتابة الفاسدة في وضعها، مخالفة للبيع الفاسد) إلى قوله (في معرض النقض المعنوي). قال الشيخ: ما ذكره الإمام ظاهر من جهة الظاهر، ولكن ينحل عند التحقيق، وذلك أن البيع الفاسد، وجب نقضه عند القوم، ورجوع المبيع إلى ربه، إلا أن يفوت، فتتحتم القيمة فيه. والفوات على وجهين: تارة ببطلان الأعيان وعدمها، وتارة بتغيرها. [والتغير] على وجهين: حسي ومعنوي، والمعنوي على وجهين: عرفي وشرعي. وإنما ترد الأملاك، ويجب ذلك فيها، إذا لم [تطرأ] تغيرات. أما لو اشترى العبد شراءً فاسدًا، واتفق عتقه، فإنه لا ينقض البيع، ولا يرد العتق، لفواته بحصول الحرية.
стр. 2222
وإنما تتنزل الكتابة الفاسدة منزلة البيع الفاسد، إذا اتصل به العتق، وأن بعقد الكتابة حصل للعبد شوف الحرية. والدليل على ذلك أن العبد المشترى شراء فاسدًا، إذا أعتقه المشتري أو كاتبه، مضى ذلك، ولم تنقض الكتابة عند القوم. ولا فرق بين يشتريه أجنبي فيكاتبه، وبين أن يكاتب نفسه، إذ عقد الكتابة ورد على الجهة الفاسدة، ففات المكاتب بها. فمن أين يلزم أن يرد هذا نقضًا على (١٠٦/ أ) البيع [الفاسد] قبل فوات المبيع؟ فهذه إلزامات ضعيفة.
أما قوله: وهذا يستعمل في معرض النقض المعنوي، يريد بذلك أنه إذا وقع (٨١/ أ) الاعتماد في جانب التصرفات، من استحقاق القبض على الفساد في عقد البيع، لزم مثله في الكتابة الفاسدة. ولا يكون لفظ البيع مصونًا إلا من جهة اللفظ خاصة. [وأما] المعنى فمنقوض، على حسب ما تخيله الإمام.
وعذر القوم عن الكتابة، الفوات على ما قررناه. وإنما تشبه الكتابة البيع الفاسد، إذا تغير فيه المبيع تغيرًا يمنع الرد، فإنه يتصرف فيه تصرفا صحيحًا، ويصير حينئذ كالبيع الصحيح في تسويغ التصرفات. وأراد الإمام بما ذكره، أن الكتابة الفاسدة لا تجري على ذوق المعاملات بحال.
قال الإمام ﵀: (ومن دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة) إلى
стр. 2223
قوله (فهذا منتهى كلام الفقهاء). قال الشيخ: الذي ذكره الإمام في هذا المكان، يشير إلى أن الكتابة لم يتمحض فيها أمر المعاوضات، [ولوجود] شائبة التعليق. وهذا من أهم ما ينبغي أن ينتبه له، فإن هذا النوع غامض في الشريعة، وهو أن تكون المسألة مشتملة على شوائب، الالتفات إلى كل شائبة على حيالها، يقتضي حكمًا، لا تقتضيه الشائبة الأخرى. فإن نظر الناظر إلى شائبة منها، وأغفل النظر إلى الأخرى، كان نظره قاصرًا. وإنما الكامل هو الناظر في جميع الجهات، الموفي كل شائبة حقها.
وبيانه في هذه المسألة: أن البيع [اتحد] فيه غرض المعاوضة، وليست الكتابة كذلك، فإنها مشتملة على شائبة التعليق، كما قررناه قبل هذا بديل قوله: (المكاتب رق ما بقي عليه درهم). وفيها شائبة المعاوضة أيضا، بدليل أن السيد لا يتمكن من الكتابة من غير مؤامرة العبد، وهو مفتقر إلى ذلك في أبواب التعليق. فالتفت الشرع عند وقوع الكتابة الفاسدة، إلى شوب التعليق، نظرًا
стр. 2224
منه إلى تحصيل العتق، الذي هو [أنفذ] التصرفات، وآثر فساد الكتابة- أعني ناحية المعاوضة- ولو اعتمد عليها في دفع وجوب التعلق، وآثر الالتفات إلى خصائص التعليق في الإعراض عن جانب الفساد، التفاتًا إلى شائبة المعاوضة. فرجح الشرع الالتفات إلى التعليق، لتحصيل الإعتاق، ولا يلزم مثل هذا في جانب المعاوضة المحضة بحال.
ومعنى قوله: وهذا خارج ظاهر الخروج عن قياس بابين، يعني أن الكتابة ليست تعليقا محضًا، ولا معاوضة صرفة، بل فيها جهتان جميعًا. فإذا رجحت إحدى الشائبتين (١٠٦/ ب) فيه، وقضى بالنفوذ، [ليحصل] المقصود من الإعتاق، لم يلزم [على] ذلك إنفاذ البيع الفاسد، لاتحاد الجهة، وضعف الثمرة المقصودة. وليس حرص الشرع على تحصيل الأملاك، كحصرصه على تحصيل الإعتاق. ولذلك قضى بأن مبعضه يتمم ومؤقته يتأبد.
стр. 2225
[وقوله]: فكيف اكتسب ما ليس يفسد؟ وإن ذكر على صيغة الفساد، وقضية الفساد في معاملة واهية بالجواز والفساد، يعني أن التعليق لا يصح أن يفسد بالنظر إلى شوب المعاوضة في الكتابة، لضعف ذلك. ومعنى ضعف المعاوضة: أنها تقع تارة جائزة، [كبيع الخيار]، وتارة فاسدة تنقض. وأما التعليق، فلا سبيل إلى انعقاده جائزًا، ولا إلى وقوعه فاسدًا. فإذا (٨١/ ب) تعددت الشوائب، وظهر لبعضها قوة على البعض، وجب تغليب [الأقوى]، نظرًا إلى قوة [وضعه] في نظر الشرع.
وقوله: فهذا يمنع من التشبيه، يعني من تشبيه البيع الضعيف بالكتابة، لاشتمالها على هذه المزية، بالنظر إلى شائبة التعليق القوية، وحصول العتق، الذي هو شوف الشريعة.
وقوله: فهذا يمنع التشبيه، [ويبين] تباعد القواعد، وإن عين التحاق بالمنصوص عليه، لكونه في معناه. فلا سبيل على هذا التقدير إلى اعتبار إحدى المسألتين بالأخرى، مع ما قررناه. هذا كلام حسن بالغ، فليمعن المنتهي إليه نظره، وليتدبره، وليتخذه مرجعه في تفاصيل المسائل. وما أكثر هذا النوع من التصرف في مذهب مالك [﵀]. [وإنما الفروق دقيقة، والنظر غامض. والله المعين على جميع الأمور].
стр. 2226
قال الإمام: ([وأنا] أذكر مسلكا [أصوليا] يغني عن جميع ذلك، فأقول: قد تمهد [أن القوانين]) إلى قوله (لم يرتبط الفرع بالأصل). قال الشيخ: أما قوله: إن المكارم الكلية لا يجري فيها قياس أصلٍ على أصل، إذا لم يظهر فيها معنى ضروري [أو حاجي]. وإنما يصح ذلك في الضرورات والحاجات. وقد بينا نحن أن هذه القواعد قد استقرت في الشريعة ضرورياتها وحاجياتها، وكذلك قواعد التحسين والتكميل، ولم تبق قاعدة من هذه القواعد إلا وقد سبق تقريرها، وثبت تأسيسها. وإنما ينظر العلماء في الجزئيات خاصة. فإذا صح جامع من معنى أو شبه، صح الاعتماد عليه. والكتابة من حيث [الجملة] قد استقرت، وإنما بقي اعتبار الجزئيات بعضها ببعض،
стр. 2227
فليراع شرط القياس في الجامع وصحته، [وبطلان] الفرق، (١٠٧/ أ) [أو إيماء] أثره. هذا لو سلم أن الكتابة قاعدة [مستقلة]. ولذلك لا [يمتنع] اعتبار بعض فروع النكاح بفروع البيع، وإن تباينت القواعد. وكذلك [يصح] قياس [قواعد] المساقاة في بعض الجهات على البيع، والبيع عليها. وكذلك القول في القراض والإجارة.
وأما إذا صرنا إلى أن الكتابة نوع من المعاوضات، فلا إشكال في صحة الاعتبار، [وإخراج] الكتابة عن قياس المعاوضات، فإنها غير مضطر إليها. كلام [غير مفيد]، فإنا لسنا نشترط تحقيق الضرورة في كل صورة من صور البيع، فلتكن الكتابة إذا [غلبت] فيها شائبة المعاوضة، من قبيل ما [لا]
стр. 2228
تدعو إليه الضرورة من البيوع. وكيف ينكر ذلك، والكتابة إنما قدر الشافعي خروجها عن القياس؟ من جهة أنه رآها معاوضة، ولذلك قال: إن السيد قابل ملكه بملكه. فمن هذه الجهة كانت مناقضة للمعاوضات، ولو كانت قاعدة أخرى، لم ينقض قياس المعاوضات أصلًا، إذ لا يصح أن تكون الطهارات وشرعيتها ناقضة لقياس المعاوضات بحال. فالذي سبق تقريره، يناقض هذا الكلام مناقضة بينة.
وأما قوله: وأما القياس في الأصول، إذا لاحت المعاني، وإنما تظهر المعاني في الضرورات والحاجات. هذا ليس كما يقول، فإن المعاني تظهر في الضرورات والحاجات، وكذلك فيما يتعلق بالتحسينات والتزيينات، كمنع المرأة من تولي عقد النكاح، ورد شهادة العبد، إلى غير ذلك. نعم، هي في الضرورات والحاجات أظهر. وأما المصير إلى أنها لا تظهر في [تلك] بحال، فمحال.
وأما قوله: وأقرب قاطع للشبه، تعدد الأصول فيما لا ينقدح فيه جامع ضروري أو حاجي. يشير بذلك إلى أن الأصول تتعدد وأحكامها مختلفة، إذ هي معلقة بأمر [غيبي]، إذ لا يجري كل أمر في الغيب على قضية واحدة
стр. 2229
(٨٢/ أ). وهذا الكلام غير صحيح، فإنه كما يتصور تعدد الأصول فيما لا ينقدح فيه جامع ضروري أو حاجي، فكذلك يمكن تعدد الأصول فيما ينقدح [ذلك فيه]. ولذلك يختلف العلماء في مسائل [من] البيوع والإجارة، بناء على تعدد الأصول، حتى يجوز قوم عقدًا، ويمنع منه آخرون.
ومن هذا القبيل اختلافهم في بيع الغائب على الصفة، وعلى غير صفة. سبب ذلك تعدد الأصول. فليس تعدد الأصول بالذي يستدل به على قطع التشبيه، [بل] إذا تعددت، وأمكن التغليب، ثبت الحكم على وفق [الغالب]. وإن وقع الاستواء (١٠٧/ ب)، لزم الوقف، [أو التخيير أو الاحتياط].
[فأما] قوله: إن هذا يمنع الإلحاق، يعني عند تعدد الأصول. فقد سبق الكلام عليه. فإن اعترفنا بتعدد القواعد، لم يمتنع إجراء القياس في التفصيل. وإن قلنا إن الكتابة نوع من أنواع البيوع، فالأمر أظهر، إذ يرجع إلى اعتبار جزئيات النوع بعضها ببعض.
قال الإمام: (نعم، إذا كفي الشافعي احتجاج الخصم بالكتابة) إلى قوله
стр. 2230
(كما [سيأتي تمهيده] في باب النقض، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: معنى قوله: إذا كفي الشافعي احتجاج الخصم بالكتابة، يعني: إذا تعذر أن يجعل الكتابة الفاسدة أصلا للبيع الفاسد، إما من جهة تباين القواعد، أو من جهة أن إمضاء الكتابة الفاسدة خارج عن القياس، [والخارج عن القياس] لا يقاس عليه.
بقيت عليه غائلة فيما يقرره ويعتمده، من أن [الفاسد] لايثمر بحال، ويبدي المعنى المناسب، المقتضي [لذلك]، ويسنده مثلا إلى النكاح [الفاسد]، فترد الكتابة الفاسدة نقضًا. وليس [يلزم] الناقض إبداء مساواة المسألة الناقضة للمنقوضة، حتى يصح أن تكون أصلًا لها، وإنما يلزم من جهة
стр. 2231
قطعه [لطرد] المعنى. فالكتابة الفاسدة قد قطعت طرد المعنى، فيتوجه الاعتراض من هذه الجهة، ويلزم الانفصال.
وقوله: فلا وجه [في دفعه] إلا مسلكان: أحدهما- أن يدعي أن الكتابة الفاسدة صحيحة، [من] جهة مقصودها. يعني بذلك أنها لا [تجري] على أحكام المعاوضات، وإنما يغلب عليها أمر التعليق، وهو المراد بقوله: إن الكتابة وإن فسد عوضها، فليس يفسد تعليق العتق عليها. وهذا تقرير وجهٍ من الصحة، فلم يثمر من جهة فساد العوض، وإنما [يثمر] من [جهة التعليق]، فلا فساد فيه. [فإذًا] لم يثمر فاسد بحال. وهذا أيضا يحقق كون الكتابة الفاسدة، ليست خارجة عن القياس، على خلاف ما سبق، من أنها من قاعدة المعاوضات، ناقضة لقياسها.
وأما قوله: أن لا يلزم في [الأصل] انتقاض القواعد بالمنتزع عنها.
стр. 2232
وقد تكلمنا على أن الخارج عن القياس، هل يرد نقضا أم لا؟ أم إذا ثبت كونه مستثنى، فلا إشكال في كونه لا يرد نقضا، وإن لم يثبت كونه مستثنى، ولم يظهر فيه معنى، فهذا فيه نظر، يتعلق بباب النقض. وسنتكلم عليه [هناك]، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ﵀: (والضرب الخامس: متضمنه [العبادات البدنية]) إلى قوله (التي [لا] يتعين فيها [مقصود] أولى [وأحرى]). قال الشيخ: (١٠٨/ أ) ما ذكره الإمام في هذا الضرب من العبادات البدنية، أنه (٨٢/ ب) لا يفهم منها معانٍ جزئية مفصلة، [تقتضي] هذه الأعداد، وتعين الأوقات، فلا شك فيه، ولكن يفهم منها معانٍ أخر، أومأ إليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿إن
стр. 2233
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. ونحن نذكر من هذه العبادات مثالًا أو مثالين، ونبين ما في ذلك من الأسرار، مستعينين بالله، وهو خير معين.
أما الصلاة، فهي أعظم العبادات بعد تحصيل القواعد، ولذلك كانت ثابتة [الآثار] في [كتاب] الله [ ]، قال الله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾. وقال ﵇: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة). الحديث. و (أول ما ينظر [فيه] من عمل العبد الصلاة). وإنما كانت أهم [الفروض] وأولاها بالتقديم، من جهة أن
стр. 2234
الله [سبحانه] كلف الخلق طاعته على الدوام، والانكفاف عن المعاصي على الإطلاق، وليس يمر على العبد زمان، والعقل فيه حاضر، إلا والتكليف إليه متوجه بفعل طاعات، إما على جهة الوجوب أو الدب، في أعمال الجوارح والقلوب. وكذلك تكليف النهي متوجه إليه على ذلك في السمع والبصر واليد والرجل والبطن والفرج، [وأعمال] القلوب من كبر وحسد، [وبغي] ورياء، وغير ذلك. فإذا كانت الأحكام ثابتة على الدوام، افتقر المكلف إلى يقظة ومراقبة، وذلك لا يكون إلا بدوام الذكر. ولسنا نعني حركة اللسان، بل ذكر القلب وتطلعه لما يرد من الرب، قال الله [تعالى] ﴿ولذكر الله أكبر﴾. وقال: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾. وقال ﵇: (اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت). وقال معاذ أو غيره من الصحابة رضي الله [عنهم]: (لا شيء
стр. 2235
أنجى للعبد من عذاب الله من ذكر لله تعالى). وقال بعض الصحابة: (لا يستوي من يتصدق [الدينار والدرهم] مع الذاكر الله، الذاكر [لله] أفضل).
وكل هذه الأدلة تدل على أن العبد محتاج إلى ذكر ربه على كل حال. والإضراب عن الذكر مطلقًا، يمنع من الطاعة، وإيجاب الذكر على الدوام يشق على العباد، ويحسم طرق الأعمال، [أعني كثيرًا] من أشغال الدنيا. فأوجب الله تعالى الصلوات الخمس، وندب إلى النوافل في أكثر الأوقات، ووضعها على صفة هي أقرب إلى الذكر والحضور، [وأوجب] استقبال القبلة، تعظيمًا
стр. 2236
لله تعالى، إذ أضاف الله تعالى البيت إلى نفسه، وأوجب في ابتداء الصلاة (١٠٨/ ب) التكبير، تعظيمًا لله تعالى، مع حضور النية، فإنه إذا وافق اللسان القلب، كان أقرب إلى الذكر، وأبعد من الغفلة، وأوجب فيها [تلاوة]، [واستكانة]، حتى يصير العبد كالمخاطب] وحرم فيها الكلام، والاستماع إلى محادثة الغير، إلا لاشيء القليل. كل ذلك ليحصل الضبط، فيتيسر الفهم بضبط الجوارح، وفهم القلب. وجعل ذكر الله تعالى بالتكبير شعارًا عند االنتقال من ركن إلى ركن، ليكون تجديد الأركان مستدعيًا [دوام] النية، ورافعًا للغفلات. وجعل العبادة متوجهة على جميع البدن، فكل عضو منه له عمل، فقال ﵇: (أمرت بالسجود على سبعة أعظم). ووضع فيها الركوع، وهو انحطاط للتعظيم. وكانت العرب تكرهه كثيرًا، ولذلك قال بعضهم عند الإسلام في شروطٍ اشترطها: (وأن لا يجب). يعني الركوع: فقال ﵇: (لا خير في دين ليس فيه ركوع). وأثبت فيها (٨٣/ أ) السجود، وهو [تعفير] الوجه الذي هو أعز الأعضاء، ووضعه في الأرض، التي هي تراب، إظهارًا للتواضع، وتمام الخشية. ولهذا كان: (أقرب ما يكون العبد من الله تعالى إذا كان ساجدًا). وجعل عند كل ركن ذكرًا، وهو (الله أكبر)، أي الله تعالى أجل
стр. 2237
وأعظم، لتستقين القلوب عظمة الله تعالى، وكبريائه وإجلاله.
هذا بيان مقصود هذه الأعمال والأقوال، ثم [جعلها] [متفرقة] على أوقات متعددة، فجعل أول الصلوات [صلاة] الغداة، ليكون الإنسان عند استيقاظه من نومه مقدمًا لأمر دينه، وذاكرًا لربه، فيكون ذلك أبعد لغفلته، [وأدعى] لذكره. فإذا حصلت هذه الحالة في قلبه، بقي أثر وقتًا من يومه. والله تعالى أعلم. وكلن إذا بعد [عهد] العبد، انحل الذكر من قلبه قليلًا قليلًا، ولذلك يجد الإنسان من نفسه عند حضوره مجالس الذكر حالة، ثم لا يستديمها، بل يأخذ الأمر [في] النقصان، فأثبت الله تعالى صلاة الظهر، بعد مضي زمان من اليوم، لتتجدد للإنسان تلك الحالة الأولى، ويبقى أيضًا أثرها، إذا فعلت على وجه ما قررناه، [مدةً] أيضا من الزمن، فرتب صلاة العصر على هذا الترتيب، ثم كذلك إلى آخر النهار. واستفتح الليل بمثل ما استقبل به النهار، وجعل آخر ذلك صلاة العشاء، إذ تلك الحالة في غالب الأمر هي آخر الأوقات، فينام الإنسان، وهو على ذكر الله تعالى. فإذا فعلت [الصلوات] على هذه الجهات، (١٠٩/ أ) صدت عن [الشر]، ونهت [عن] الفحشاء والمنكر، وحركت الدواعي إلى الخيرات، والله تعالى أعلم بما يصلح لعباده.
стр. 2238
ثم ندب [الشرع] إلى النوافل في كثير من الأوقات، لعلمه أن الإيجاب يشق على البشر، مع الاهتمام بأمر الدنيا، [وركون النفس] إلى الراحات، وسآمة العبادات. هذا بيان مقصود هذه العبادة، وهي الصلاة. ولذلك جاء: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدًا). وذلك [أن] الرجل الذي قبل المرأة، وسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾. يعني بالحسنات. الصلوات.
وسبب ذلك أنه إذا صلى، فقد ذكر الله تعالى، فذلك يحركه على التوبة والندم. فلو روعي في الصلوات هذه الجهات، لحملت على الخيرات، ومنعت من المحرمات، ولكنها تفعل بقلوب غافلة، [وأنفس] بالسرور مشغولة، فلا يظهر أثرها في تحصيل هذه المقاصد. ولقد جاء عن بعض صالحي هذه الأمة أنه سئل عن الصلاة، فقال للسائل: [أتسألني] عن آدابها أم عن تأديتها؟ فقال عن آدابها. فقال: (أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالتواضع، وأكبر بالإجلال، وأجعل الجنة عن يميني، والنار عن شمالي، والله تعالى مطلع علي، فإذا كبرت لم أظن أني أركع، وإذا ركعت لم أظن أني أرفع، ثم كذلك حتى
стр. 2239
تفرغ الصلاة، ثم أستغفر الله [تعالى] من التقصير فيها، إلى الصلاة الأخرى). هذا معنى الحكاية دون نقلها. فإذا وقعت الصلاة على هذا الوجه، نهت عن الفحشاء والمنكر.
وتحريك الرغبات بفعل المندوبات، يستوعب أوقات الإمكان، ولم [يوجب] الله [تعالى] ذلك على العباد، رحمة منه لعباده، فلله الحمد رب السموات ورب الأرض، سبحانه ما أكرمه، لم يطلب من عباده أمرًا يعود عليه منه فائدة، لأنه يتقدس عن قبول (٨٣/ ب) النفع والضرر. وإنما طلب منهم ما فيه صلاحهم، ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾. هذه إشارة إلى معنى هذه العبادة، ولو ذهبنا نستقصي أسرار الصلوات، لطال الكلام، ولخرج عن حد الاقتصاد. وهذا الكلام دخيل في الأصول، فلم نر الإكثار منه.
العبادة الثانية- الزكاة: قال الله تعالى: ﴿[وأقيموا] الصلاة وءاتوا الزكاة﴾. وقال الله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. فلم يسقط [القتل] إلا بفعل الثلاثة الأمور. وقال ﵇:
стр. 2240
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا (١٠٩/ ب) ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله). [وقال تعالى]: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾. والمعاني الناجزة في الزكاة ظاهرة.
وفيها مصالح ترجع إلى المعطي [والآخذ]، أما الآخذ فسد خلته، ودفع حاجته، وتفريغ [قلبه] لعبادة ربه، والتعاون على دفع الأعداء، ومقصود الجهاد الذي ترجع منفعته إلى جميع أهل الإسلام، وتخليص الرقاب من الرق إلى الحرية. وقد أرشد تعدد المصارف إلى هذه الجهات، وقضاء دين [المدين]، وإعطاء ابن السبيل المحتاج. وهذه أمور لا تنكر. وفيه أيضا سقوط وجوب المواساة عن ذوي اليسار، [إذ] حصل بالزكاة سد خلة المحتاج.
وأما ما يرجع إلى المعطي، فالطهارة من رذيلة البخل، فإن الإنسان إذا اعتاد الإمساك، استولى الشح على قلبه، واستأنس بإمساك المال، فلا تهون على النفس مفارقته. وإذا اعتاد إخراج الزكاة، كان ذلك سببًا لتعود البذل، والنفس [بما] عودتها [تعودت]، وقد قال الشاعر:
стр. 2241
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
يعني أن [الخيرات] تكتسب بالتعود، وحمل النفس عليها كرهًا، ثم يصير الخير عادة، والحلم بعد التحلم، والكرم بعد التكرم. وأظن أن هذا [هو] [مقصود] الآية بقوله تعالى: ﴿تطهرهم وتزكيهم [بها]﴾.
فقد ظهر في هذه العبادة صلاح في الدنيا والعقبى، وحمل النفس على مكارم الأخلاق، من الكرم والعطف على المحتاج.
وفيه [أيضا] إدخال السرور على القلوب، وزيادة الإشفاق على الخلق. فإن الإنسان إذا وجد رقة على ضعيف، فإن عمل بمقتضى تلك الرقة وأعطاه، ازدادت رحمته له، وإشفاقه عليه. فهذه [الأعمال] كالأغذية لمعاني القلوب، فإن المعاني تبدو في القلوب ضعيفة، فإن عمل بمقتضاها قويت، وإن عطلت عن الأعمال، انحلت وتصرمت. [وإذا] عمل بمقتضاها، رجع أثرها على المعاني بالتوكيد [والتقرير]، فيكون كل واحد منهما ممدًّا لصاحبه. والله تعالى يوفقنا لما [يحبه] ويرضاه، بمنه وفضله، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والعبادة الثالثة- صوم شهر رمضان: قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم
стр. 2242
(٨٤/ أ) الشهر فليصمه﴾. وقال: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وقال ﵇: (بني الإسلام على خمس). فذكر [منها] الصيام. وقال ﵇ حكاية عن ربه: (كل عمل ابن آدم له، إلا [الصيام] فإنه لي، وأنا [أجزي] به). وقال (١١٠/ أ): (إذا دخل رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت [الشياطين]، ونادى مناد: يا طالب الخير هلم، ويا باغي الشر اقصر). فنبه الشرع على أن صوم رمضان يضعف دواعي الشيطان، ويحرك الهمم إلى [صالح] الأعمال.
والسبب في ذلك أن الشهوات [أسلحة] [الشياطين]، وهي تنبعث من الشبع. فإن الشبع يقسي القلب، ويضعف الفهم، ويثقل [البدن عن العبادة]، ويكثر النوم، وتستولي منع الغفلات. ولذلك اجتنب جماعة من
стр. 2243
العرب الشبع، [إبقاءً لفهمهم]. قال عمرو بن العاص: ([متى] بعدت همة امرئ، بات بطينا). وقال ﵇: (حسب ابن آدم من الطعام لقيمات [يقمن] بها صلبه). ولما كان الجوع يفيد هذه الفوائد، وإدامة الشبع تصد عن هذه المقاصد، وإلزام الصوم على العموم يشق على الخلق، ألزم الشرع العباد صوم مدة من الزمان، لعلم الله تعالى [أن] ذلك يحصل لهم خيرًا، [إذ أنه] لا يضيق عليهم أمر القيام به. ولذلك أن شهر رمضان أقل الشهور معاصي، والقلوب فيه إلى الخير مائلة، وعن المحرمات لاهية. وهذه حكمة ظاهرة، ومصلحة ناجزة.
وقد أجمع علماء طريق الآخرة على أن الجوع من أقوى الأسلحة في مدافعة الشيطان. وقد جاء: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش). يعني بتضييق المجاري، إضعاف شهوات النفوس، التي هي أسلحة الشيطان. والمألوف [عند] الناس أن كثرة البطنة تذهب الفطنة. ولذلك يستحب الناس أن يكون [درسهم] [للعلم] أو
стр. 2244
عملهم [الحساب] في أول النهار، عند خلاء المعدة من الطعام، ليقرب الفهم في تلك الحال. فهذه تلويحات إلى [بعض] أسرار هذه العبادات.
وفيه أيضا أن الصوم إذا غلب وتم الجوع، قنع الإنسان بما تيسر له، فكان ذلك سببًا للرضا بالموجود، وتلقي النعم بالشكر. وإن قلت بالإضافة إلى حال العبد، وإلا فنعم الله [تعالى] على العبد لا تحصى. وقد جاء عن سالم بن عبد الله أنه دخل على بعض خلفاء بني أمية، فرآه حسن [الحسم]، فقال له: ما غذاؤك؟ فقال: الخبز والزيت. قال: وتشتهيه؟ قال: أتركه حتى أشتهيه). [فالصوم] من أعظم الأعوان على ما يتعلق بقناعة النفس بما يجده الإنسان. والله المستعان.
قال الإمام: (وأما اعتبار البعض من هذا [النوع] بالبعض) إلى قوله
стр. 2245
(وليس هو من معاني الشرع في وردٍ ولا صدرٍ). قال الشيخ: قوله: إن اعتبار البعض بالبعض في هذا الضرب، قد (١١٠/ ب) يظهر فيه معانٍ فقهية. هذا عجيب من كون المعنى في أصل القاعدة لا ينضبط، ولا يوقف عليه. فإذا كان أصل القاعدة لا يفهم معناه، كيف يصح فهم المعنى في التفصيل؟ هذا بعيد. ولكن الوجه في ذلك عندي- والله أعلم- أن يكون المكلف يتلقى من الشرع حكما، ويبنى الأمر على أن فيه مصلحة، وإن كانت خفية، أو يشترط في (٨٤/ ب) حصولها شرطا، فيتبين سر الاشتراط، [ثم يجده-[أي سر] فقدان الشرط فيه- بعد أن يبينه الاشتراط]، فيظهر له فساد ما [فقد] الشرط منه.
بيانه: أن الشرع لما ورد بإيجاب الصوم، ولم يظهر له غرض ناجز [يصح] على السبر، غلب على الظن، أنه إنما طلب لمصلحة أخروية، وتلك المصلحة هي الثواب على الفعل الواقع طاعة. وإنما يقع طاعة في غالب الأمر، عند قصد التقرب به، فقال ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
следующие страницы →