← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما يعني أن [الخيرات] تكتسب بالتعود، وحمل النفس عليها كرهًا، ثم يصير الخير عادة، والحلم بعد التحلم، والكرم بعد التكرم. وأظن أن هذا [هو] [مقصود] الآية بقوله تعالى: ﴿تطهرهم وتزكيهم [بها]﴾. فقد ظهر في هذه العبادة صلاح في الدنيا والعقبى، وحمل النفس على مكارم الأخلاق، من الكرم والعطف على المحتاج. وفيه [أيضا] إدخال السرور على القلوب، وزيادة الإشفاق على الخلق. فإن الإنسان إذا وجد رقة على ضعيف، فإن عمل بمقتضى تلك الرقة وأعطاه، ازدادت رحمته له، وإشفاقه عليه. فهذه [الأعمال] كالأغذية لمعاني القلوب، فإن المعاني تبدو في القلوب ضعيفة، فإن عمل بمقتضاها قويت، وإن عطلت عن الأعمال، انحلت وتصرمت. [وإذا] عمل بمقتضاها، رجع أثرها على المعاني بالتوكيد [والتقرير]، فيكون كل واحد منهما ممدًّا لصاحبه. والله تعالى يوفقنا لما [يحبه] ويرضاه، بمنه وفضله، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والعبادة الثالثة- صوم شهر رمضان: قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم

стр. 2242

(٨٤/ أ) الشهر فليصمه﴾. وقال: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وقال ﵇: (بني الإسلام على خمس). فذكر [منها] الصيام. وقال ﵇ حكاية عن ربه: (كل عمل ابن آدم له، إلا [الصيام] فإنه لي، وأنا [أجزي] به). وقال (١١٠/ أ): (إذا دخل رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت [الشياطين]، ونادى مناد: يا طالب الخير هلم، ويا باغي الشر اقصر). فنبه الشرع على أن صوم رمضان يضعف دواعي الشيطان، ويحرك الهمم إلى [صالح] الأعمال. والسبب في ذلك أن الشهوات [أسلحة] [الشياطين]، وهي تنبعث من الشبع. فإن الشبع يقسي القلب، ويضعف الفهم، ويثقل [البدن عن العبادة]، ويكثر النوم، وتستولي منع الغفلات. ولذلك اجتنب جماعة من

стр. 2243

العرب الشبع، [إبقاءً لفهمهم]. قال عمرو بن العاص: ([متى] بعدت همة امرئ، بات بطينا). وقال ﵇: (حسب ابن آدم من الطعام لقيمات [يقمن] بها صلبه). ولما كان الجوع يفيد هذه الفوائد، وإدامة الشبع تصد عن هذه المقاصد، وإلزام الصوم على العموم يشق على الخلق، ألزم الشرع العباد صوم مدة من الزمان، لعلم الله تعالى [أن] ذلك يحصل لهم خيرًا، [إذ أنه] لا يضيق عليهم أمر القيام به. ولذلك أن شهر رمضان أقل الشهور معاصي، والقلوب فيه إلى الخير مائلة، وعن المحرمات لاهية. وهذه حكمة ظاهرة، ومصلحة ناجزة. وقد أجمع علماء طريق الآخرة على أن الجوع من أقوى الأسلحة في مدافعة الشيطان. وقد جاء: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش). يعني بتضييق المجاري، إضعاف شهوات النفوس، التي هي أسلحة الشيطان. والمألوف [عند] الناس أن كثرة البطنة تذهب الفطنة. ولذلك يستحب الناس أن يكون [درسهم] [للعلم] أو

стр. 2244

عملهم [الحساب] في أول النهار، عند خلاء المعدة من الطعام، ليقرب الفهم في تلك الحال. فهذه تلويحات إلى [بعض] أسرار هذه العبادات. وفيه أيضا أن الصوم إذا غلب وتم الجوع، قنع الإنسان بما تيسر له، فكان ذلك سببًا للرضا بالموجود، وتلقي النعم بالشكر. وإن قلت بالإضافة إلى حال العبد، وإلا فنعم الله [تعالى] على العبد لا تحصى. وقد جاء عن سالم بن عبد الله أنه دخل على بعض خلفاء بني أمية، فرآه حسن [الحسم]، فقال له: ما غذاؤك؟ فقال: الخبز والزيت. قال: وتشتهيه؟ قال: أتركه حتى أشتهيه). [فالصوم] من أعظم الأعوان على ما يتعلق بقناعة النفس بما يجده الإنسان. والله المستعان. قال الإمام: (وأما اعتبار البعض من هذا [النوع] بالبعض) إلى قوله

стр. 2245

(وليس هو من معاني الشرع في وردٍ ولا صدرٍ). قال الشيخ: قوله: إن اعتبار البعض بالبعض في هذا الضرب، قد (١١٠/ ب) يظهر فيه معانٍ فقهية. هذا عجيب من كون المعنى في أصل القاعدة لا ينضبط، ولا يوقف عليه. فإذا كان أصل القاعدة لا يفهم معناه، كيف يصح فهم المعنى في التفصيل؟ هذا بعيد. ولكن الوجه في ذلك عندي- والله أعلم- أن يكون المكلف يتلقى من الشرع حكما، ويبنى الأمر على أن فيه مصلحة، وإن كانت خفية، أو يشترط في (٨٤/ ب) حصولها شرطا، فيتبين سر الاشتراط، [ثم يجده-[أي سر] فقدان الشرط فيه- بعد أن يبينه الاشتراط]، فيظهر له فساد ما [فقد] الشرط منه. بيانه: أن الشرع لما ورد بإيجاب الصوم، ولم يظهر له غرض ناجز [يصح] على السبر، غلب على الظن، أنه إنما طلب لمصلحة أخروية، وتلك المصلحة هي الثواب على الفعل الواقع طاعة. وإنما يقع طاعة في غالب الأمر، عند قصد التقرب به، فقال ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).

стр. 2246

فإذا ثبت ذلك، وصح اعتبار الآداء بالقضاء، والاكتفاء بالنية في أثناء النهار، فلا يصير الفعل المتقدم على النية قربة، إذ النية قصد، ومتعلقه الحال، أو عزم ومتعلقه الاستقبال. فيظهر من جانب المعاني الوقوف على حقيقة العبادة في الشريعة. وتصور النية امتناع رجوع القصد على الماضي، إذ التخصيص إنما يتصور في متجدد. أما [الحال]، فكيف يتصور تعلق قصد التخصيص به؟ وإذا لم نتصور النية منعطفة على سابق، بطل أن تكون قربة، إذا القرب يفتقر فيها إلى قصد التقرب وامتثال الأمر، ولا يصح أن يقال إنه صائم بعض يوم، إذ ذلك ليس ثابتا في الشريعة. وأيضا، فإنه لو كان إنما صام من وقت النية، لزمه تدارك ما مضى بنية أيضا، فيقصد المكلف في ليلة أن يصوم إلى وقت الزوال مثلا أو غيره. وهذا غير ثابت في شريعة الإسلام. فقد اقتضى القياس بعد ثبوت اشتراط النية، بطلان الصوم الذي [أحدث] بنية في [أثناء] النهار. وأما اتحاد الركوع وتعدد السجود، فلا [مطمع] للخلق في معرفة سر ذلك.

стр. 2247

أما المصير إلى تعيين التكبير والتسليم، فقد اختلف العلماء فيه، فذهب الأكثرون إلى التعيين، وخالف في ذلك أبو حنيفة. واختلف الناس في مستند ذلك، فقال قائلون: مستنده التوقيف، أعني في إقامة غير التسليم مقامه، ويروي فيه حديثا، وهو الخروج من الصلاة بالحدث بعد الإتمام. وليس المقصود ههنا التعرض لتحقيق المسألة، وإنما المقصود [التمثيل]. وقال قائلون: بل مستنده القياس، فاعتبروا غير التكبير [بالتكبير]، بجامع [التحميد]، واعتبروا غير السلام به. بناءً (١١١/ أ) على أنه مناقض للصلاة. فصح الخروج عندهم بعد الإتمام بكل مناقض، من غير تخصيص على حال. ولهم في ذلك كلام ينبني على ما سبق منا الإشارة إليه. وذلك أنهم قالوا: المصلي في التمثيل المعتاد، كالواقف بين يدي الملوك، ومن المستحسن عند الدخول على الملك الثناء عليه، وإظهار الذل والتواضع. هذا المفهوم من

стр. 2248

إثبات الذكر عند ابتداء الصلاة. وأما [السلام]، فقد كان المصلي محالًا بينه وبين الخلق مادام في الصلاة، ومنع من مكالمتهم، وغير ذلك مما يمنع المصلي منه. وجعل الشرع أمارة فراغه، رجوعه إلى ما كان ممنوعًا منه، فيصح الخروج بكل مناقض. وهذا الكلام بين، ولكن غلب التعبد في الباب، فلزم [مراعاة] الألفاظ. على أن المسألة بينة من جهة الاعتياد. فالمشهور بين [الناس] أن الرجل إذا أقبل على جماعة سلم عليهم، وكأن المصلي كان بعيدًا عن الخلق مشتغلًا بصلاته، فلما فرغ منها، جعل الشرع هذا الذكر عنوان الفراغ، فيحصل منه [مقصد] المناقضة، مع حسن [العبادة]، وإبداء (٨٥/ أ) التحية عند الرجوع إلى الخلق، فليس [ينفك] الاختصاص عن [معنى] الوفاء بالتعبد. والقاعدة غلب التعبد فيها.

стр. 2249

وما ذكره أصحاب أبي حنيفة من فهم معنى التكبير. [وقوله]: هذا [يرجع] إلى معرفة وضع الصيغ، وليس الكلام في ذلك، وإنما الكلام في الوجه المقتضي لاشتراط التكبير عند الابتداء، وقد أشرنا إلى ما يراه القوم. وفيه وجه من المناسبة. ولكن الباب باب التعبد، ففي الاقتصار على التكبير، حصول المقصود من الدخول في العبادة، مع الخلاص عن غرر المخالفة. وهذا هو الذي نختاره، وقد بينا وجهه. قال الإمام: (قال الشافعي [﵁] في مجاري كلامه في رتب النظر) إلى قوله (من الانهماك في [أوضار] التقليد). قال الشيخ: ما ذكره الشافعي من أن الشرع لابد أن يكون له غرض في تعيين التكبير، مسلم، ولا أحد يذهب إلى أن ذلك جرى على لسان [رسول الله ﷺ ] اتفاقًا، غير مقصودٍ

стр. 2250

بالاختصاص، فإن هذا لا يتفق إلا ندرة في [قلة كلية]. أما [على] الاستمرار، فتقدير الاتفاق في هذا [محال]. ومن ذهب إلى خلاف هذا، فلا عقل له بحال. وأما كونه ترتب على ذلك منع قيام غيره مقامه، فهذا ينبني على [قاعدته] في المفهوم. وإلى مثل هذا رجع التقرير، ولكنه قد نقضه على نفسه حيث قال: الألقاب لا مفهوم لها، وإن كان قصد التخصيص ثابتًا فيها. لكن قيل له: [أكل] الفائدة [مقصورة] على ختصاص الحكم بالمذكور؟ [قد] [يقصر] لأسباب غير ذلك. (١١١/ ب) منها: أن يذكره لقياس عليه. ومنها: أن يذكره ليخرجه عن محل الاجتهاد عن وقوعه. ومنها: أن يذكره لكونه أبلغ وأفضل، فيكون تعينه على جهة الندب.

стр. 2251

وأما ما ذكره من المثال، [فغير صحيح] التمسك به. وذلك أنه قال ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر) الحديث. إلى آخره. والمعنى الجامع عند الشافعي الطعم، فلو قيل للرسول: فما تقول في الزبيب والأرز والذرة؟ كان يقول: كذلك أيضا. فيقال: فإذا كان الحكم يعم، فلم خصصت ذكر أشياء؟ مع أن قولك: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل)، [لم يعم ذلك]، ولم يقبح النطق بمثل هذا؟ [فكذلك] أيضا في التكبير. لكن لو اتفق انه ليس فيه غرض بوجه، لأمكن أن يعقد بعض المتقدمين الصلاة بغيره، ولم ينقل ذلك بحال. وهذا عنه جوابان: أحدهما- أنا لا نسلم [أن] أحدًا من علماء الأمة لم يعقد الصلاة إلا بالتكبير، ومن أين يعلم هذا عن الأمة بجملتها؟

стр. 2252

الثاني- أنه وإن ثبت ذلك عن جميع الأمة، لم يكن دليلا على [الشرطية] على الحقيقة، لاحتمال [أمر] الندب [بموافقة] ما كان الرسول [ ﷺ ] عليه. وأما قوله: وإن اعترفوا [بالتخصيص] [بدءاً]، ثم طمعوا في الإلحاق، فقد تناقض كلامهم. ليس الأمر كذلك، فإنه يصح الاعتراف بالتخصيص مع الإلحاق، وهذا هو باب القياس، [فلا وجه لمنع القياس]، نظرًا إلى قصد تخصيص المذكور بالذكر، نعم، إن منع الخصم فهم المعنى، وإبطال القياس لذلك، فهذا له وجه. واعتماد المعاني الضعيفة في باب التعبدات (٨٥/ ب)، [بعيد] جدًا. وأما قول الإمام: [ومن] استجاز إقامة عمد الحدث مقام ما اختاره

стр. 2253

الشارع من التسليم عند الفراغ من الصلاة، فهو بين معاندٍ [يظهر خلاف ما يضمر]، وبين من أعمى الله تعالى قلبه. فكلام صعب، وركوب مركبٍ عظيم، وجرأة على الله تعالى، وعلى علماء المسلمين، نسأل الله تعالى أن يعفو عنه، وأن يخلصه من غرمائه يوم القيامة. أما نسبتهم إلى أنهم يضمرون خلاف ما [يظهرون]، فهذا ممنوع شرعًا واعتيادًا. أما العادة- فإنها تحيل على العدد [الكثير] الكتمان على مر [الأزمان]، وأصحاب أبي حنيفة وقول عند أصحاب [مالك] على ذلك. فكيف يصح فيه العناد على الدوام؟ الثاني- إن هذا حرام، ونسبة العلماء إلى الفسق والمروق، فلا يوثق بالعلماء على هذا على حال. وأما الوجه الثاني- وهو النسبة إلى عمى القلوب، هذا لا يجوز إطلاقه

стр. 2254

في مسائل الاجتهاد، لا عند من يقول المصيب واحد، (١١٢/ أ) ولا على [قول من يصوب] كل مجتهد، كيف وقد جاء في ذلك حديث ثابت، ذكره أبو داود: (أن من جلس في التشهد، ثم خرج منه حدث، فقد تمت صلاته). هذا معنى الحديث دون لفظه. فنعوذ بالله من الإعجاب بالرأي، فإنه من المهلكات، وقد قال ﵇: (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه). [وفي حديث آخر: (مروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا وهوىً [متبعًا]، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه]، فعليك [نصح] نفسك، ودع عنك أمر العامة). فقول الإمام في هذا المكان من الإعجاب بالرأي، حتى ألحق المسائل الظنية بالأمور القطعية، وارتكب ما ارتكب من هذه الأقوال العظيمة. ولا يليق بحملة الشريعة. نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.

стр. 2255

قال الإمام: (ثم إن [أجرى] مجرٍ في هذا القسم كلامًا) إلى قوله (وطلب المعنى حيث لا معنى بعيد جدًا). قال الشيخ: [الأصلح] عندنا الطريقة الأولى، فإن القاعدة [بنيت] على منع القياس. هذا هو الصحيح في الرد على أصحاب أبي حنيفة، إذا اعتبروا التكبير بغيره، فكيف يصح أن يرد عليهم في المصير إلى القياس، بكون القاعدة [بنيت] على منع القياس بالقياس؟ وإثبات القياس في [مقابلة] منع القياس، مناقضة وإلباس.

стр. 2256

وأما الطريق الثاني: فإن القائل يقول: القاعدة يجري القياس فيها، ولكن لا يصادف المعنى المقتضي للانحصار [والاقتصار]، إنما كان لنفي المعنى المتعدي. نعم، قد يوجد [السبب] المانع من التعدية، لكنه يجعل الاقتصار على المذكور قضية كلية تتلقى من القياس. [فالصواب] [إذًا] الطريق الأول، [وهو] أن يذكر ما [يذكر]، للإيناس لا للقياس.

стр. 2257

قال الإمام ﵀: (وقد نجز غرضنا من تقاسيم هذه الضروب) إلى قوله (والقسم الثاني [يحتوي على] ما يفسد من [هذه] الاعتراضات عند المحققين). قال الشيخ: سمي الاعتراض اعتراضًا، من جهة أنه يعرض في صوب جريان الدليل، فيمنعه من الجريان. هذا معنى تسميته اعتراضًا. ثم إنه ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها- أن يتخيل المورد له [أن له ورودًا]، ولا يكون له ورود على الحقيقة. فهذا هو الذي يعبر عنه بالاعتراض الفاسد. الثاني- أن يكون للاعتراض ورود، ولكنه يتأتى الجواب عنه (٨٦/ أ)،

стр. 2258

فيصح من جهة تكلف الجواب، لاعتراضه [من] جهة جريانه، [ولكن] لا يفسد عند إيراد الجواب السديد. وتارة يتعذر على المستدل الجواب (١١٢/ ب) عنه، [سواء] انقدح عنه جواب أو لم ينقدح، ولا يظن أنه إذا انقدح جواب يتبين فساد الاعتراض، بل لا يتبين فساد إلا [من انحرافه] عن سنن الدليل. قال الإمام: (القول في الاعتراضات الصحيحة- فمنها: المنع) إلى قوله

стр. 2259

(وبيان محله ومنصبه في الجدال). قال الشيخ: ما ذكره [الإمام] في الوجه الأول، وهو منع كون الأصل معللًا. وقوله: إن هذا إنما يتوجه على من لم يذكر تحريرًا بعد، فيخرج الكلام عن الاعتراض على القياس، فإن صورة القياس لا تعقل دون التحرير.

стр. 2260

ويرجع الكلام إلى أمر آخر، وهو أن يدعي المدعي أن هذا الحكم علل، فيقال له: وما الدليل على ذلك؟ ولا نسلم أنه معلل. أما إذا [حرر] القياس، فهذا السؤال غير وارد عند الإمام، [وقرره] بما ذكره، أنه يجمع بين [الفرع والأصل] بجامع، وهو مطالب بتصحيح ما ادعاه علة. فإذا ثبت [له] ذلك، ثبت كون الأصل معللًا، من غير حاجة إلى فرض دليل آخر على إثبات كونه معللًا. وقد تقدم الكلام على هذا في فصل ما يعلل وما لا يعلل. ولكن هذا إنما يكون سؤالًا مستقلًا، على قول من يرى أنه لا يكفي في التعليل إقامة الدليل على صحة الوصف للتعليل، بل لابد من دليل خاص يدل على التعليل. وهذا ذكره بعض الأصوليين، وأبو حامد يميل إلى ذلك في قياس الشبه، والإمام

стр. 2261

يقوله في بعض أنواع الشبه. وقد قدمنا الكلام على المذاهب، وما تخيله كل فريق. والمعتمد في الاستغناء عن إقامة دليل خاص، على كون الأصل معللًا بعد ظهور الوصف الصالح للتعليل، [ما] تمهد من قاعدة القياس، وهو أن الصحابة ﵃ فهموا من الشريعة عند ظهور المعاني عدم الاقتصار على صور المحال. فلذلك حكما بأن المعنى متى ظهر، لزم اتباعه، ووجب القضاء به، وإلحاق الفروع بالأصول، بناء على وجوده. فما ذكره الإمام صحيح. لا بمعنى [أنه] يستغنى عن إقامة الدليل على صحة التعليل، بل ذلك يقع ضمنا من إقامة الدليل على صحة الوصف للتعليل. فهو يثبت ضمنًا، من غير حاجة إلى تخصيص. ولو كلفناه إقامة الدليل على كون الأصل معللًا، ثم كلفناه إقامة الدليل على كون الوصف علة، كان ذلك إلزامه الدليل على كون الأصل معللًا مرتين، وهذا خلف من [الكلام]. قال الإمام: (و النوع الثاني من المنع) إلى قوله (في تقاسيم المركبات، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: لابد من إثبات وجود العلة، ولكن هل يكتفى

стр. 2262

في إثباتها بدليل مظنون، أو لابد من القطع بذلك؟ وقد ذكرنا في ذلك خلافا، واخترنا أنه يكتفي في ذلك بغالب الظن (١١٣/ أ). وقسمنا القول إلى أن العلة قد تكون حكما شرعيا، كالنجاسة في السرقين، إذا عللنا منع البيع بذلك. وقد تكون أمرًا محسوسًا، كالطعم في الزعفران، عند من يرى ذلك. وكون التراب ساترًا لنجاسة الماء كالزعفران، أو مزيلا كهبوب الريح. وقد مر ذلك بما فيه كفاية، فلا نعيده. وأما كثرة وقوع هذا في المركبات، فإن الأصل لم يثبت في المركبات بالتنصيص، (٨٦/ ب) وإنما ثبت باتفاق الخصمين، بناء على مأخذين مختلفين، كثر في المركبات المنازعة في وجود المناط. وسيأتي بيانه في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال الإمام: (والنوع الثالث: منع الحكم في الأصل) إلى قوله (بل يدل حيث [يبني]) قال الشيخ: اختلف الناس فيما إذا توجه على السؤال منع حكم الأصل، هل يتمكن من الاستدلال عليه، [أو لا يتمكن]؟ [أو

стр. 2263

يتمكن] في بعض الأحوال دون بعض؟ أو [في] بعض البلدان دون بعض؟ فقال قائلون: إنه يتمكن من الاستدلال عليه، كما يتمكن من الاستدلال على بقية الأركان. وقال قائلون: لا يتمكن من الاستدلال بحال، لأنه غالط في اعتقاد ما ليس بأصلٍ أصلا، وليس ما عينه لكونه أصلا، بأولى من جعله فرعًا. وقال قائلون: إن كان الخلاف فيه خفيا، صح الاستدلال، وقبل منه الدليل. وإن كان جليا، بحيث لا يخفى على الفقهاء، لم يسمع الدليل عليه. وقال آخرون: يرجع الأمر إلى عادة البلاد في ذلك. وهذا أضعف الأقوال. ولكن شجعهم على ذلك، أن الجدل شريعة وضعها الجدليون، [فليتبع] كل قوم [ما] وضعوا. والذي نختاره في ذلك، أن نفصل القول فنقول: إن فزع المستدل عندما

стр. 2264

منع حكم الأصل إلى التوقيف، فلا يعاب عليه، ولا يتوقف الاستدلال بالقياس، وإلحاق الفروع بالأصول على انعقاد الإجماع على حكم الأصل، ولو اشترط ذلك، [لقلت] الأصول، وانحسم القياس في أكثر الأمور. ولا التفات إلى خلاف المخالف، مع ثبوت التوقيفات الصحيحة، سواء كانت قواطع أو مظنونات في المواضع التي يكتفى فيها بغلبة الظن، [إذ الملحق] [به] أصل في الحقيقة. فإن نازع الخصم في كونه أصلًا، لم يلتفت إلى منازعته. أما إذا فزع في إثبات حكم الأصل إلى القياس على أصل آخر، فهذا [يرجع] إلى أمر، وهو القياس على فرع العلة. وقد اخلفوا فيه، والصحيح عندنا امتناعه في الجدل على كل حال، فأنه إن جمع بين الفرع الثاني [والفرع الأول] بجامع الأصل الأول، [فإدخال] الفرع الأول، تطويل طريق من غير فائدة. والجدل مبني على الاختصار، والحذر من الانتشار، حتى [منعوا] الجمع بين دليلين، وإن كان فيه فائدة الإرشاد إلى (١١٣/ ب) تعدد

стр. 2265

الطرق، فكيف يقبل ما لا يفيد بحال؟ وإن كان يجمع بين الفرع الثاني والفرع الأول بغير جامع الأصل، فذلك باطل قطعا، فإن الحكم إنما [يثبت] في الفرع بجامع الأصل، ولولاه لم يثبت فيه، فكيف يثبت في الفرع الثاني مع فقدنه؟ هذه مخالفة ظاهرة بين الفرع وأصله، وقد ذكرنا خيال من جوز وأبطلناه. قال الإمام: (ثم المسؤول لا يدل في كل موضع، بل يدل حيث يبني) إلى قوله (بطريق المعارضة إذا عارض السائل). قال الشيخ: [لما] قصد الجدليون حصر الكلام وضبطه وعدم نشره، قصدوا مع ذلك حصول الفائدة للفريقين، فجعلوا على المستدل الابتداء والاستدلال، وأقاموا المعترض مقام الهادم. وهذا يقتضي أن يمكن السائل من صورة الاستدلال، إذا لم يقصد بذلك تأسيسًا وبناءً، بل قصد إبطال ما [أتى] به المستدل. [وقد لا يتفق له الهدم إلا بالمعارضة، فيقبل منه على القول الصحيح، على ما سيأتي الكلام على

стр. 2266

المعارضة في موضعه. أما إذا رجع المستدل] معترضا، امتنع عليه الاستدلال، كما امتنع ذلك على السائل ابتداء. فلا نظر في تمكنه (٨٧/ أ) من الاستدلال مطلقا على كونه مستدلًا، إنما يمكن من ذلك في كل موضع يكون فيه بانيا. أما إذا صار في مرتبة المعترض، توجه عليه من [الوظائف] ما يتوجه على السائل. وقوله: وقد يأتي السائل بما يصلح [للبناء]، وهو يبغي به الاعتراض بطريق المعارضة، كما سيأتي. وأما المسؤول فيضطر إلى الاعتراض بطريق المعارضة، إذا عارض السائل، فيقول: إذا وجب في أدب الجدل [منع] المسؤول من الجمع بين دليلين، [فإذا استدل بدليل، وعورض بدليل في مقابلة دليله، وأراد أن يعارض من العارض بدليل آخر، فهذا في صورته جمع بين دليلين]، ولكنه ممكن من ذلك، لأنه ليس يقصد الاستدلال بدليلين لغرض

стр. 2267

واحد، إذا قال: إنما منع لكونه في غنية عن أحدهما. أما ههنا، فليس مستغنيا عن الإتيان بالثاني، إذ لو لم يأت به، لكان [منقطعًا]، فمكن من ذلك لكونه محتاجًا إليه، ولتعذر استغنائه عنه، إذ غرضه إثبات معارضة السائل، فينبغي أن يقتصر على قدر الحاجة، ولا يتكلف مزية الترجيح في هذا المكان، إذ في المساواة حصول مقصوده. أما إذا تكلف ترجيحًا، فقد عدل عن المقصود السديد، والطريق الحسن المستقيم، وصار في هذه الحالة كالجامع بين دليلين، فلا يسوغ له ذلك في الجدل. قال الإمام: ([و النوع] الرابع من المنع: المنع من كون ما أبداه

стр. 2268

المستدل علة) إلى قوله (وقد انتهى غرضنا من القول في المنع). (١١٤/ أ) قال الشيخ: ذكر الإمام أن [وجوه] المنع أربعة، وقد ذكر خمسة، إذ قال: المنع من [أصل] التعليل، والمطالبة [بتعيين] [التعليل]، والمطالبة بتحقيق ما ادعاه [المعلل علة]، ومنع الحكم، والمطالبة بإثبات ما عينه، ولكنه قد قال: إن أصل التعليل، وتعيين العلة يثبت بمسلك واحد. فعدها وجهًا واحدًا لذلك.

стр. 2269

وأما قوله: إن المنع يتوجه على الأصل، ويقدر متوجهًا على الفرع، يعني أنه إذا منع حكم الأصل، فهو لمنع حكم الفرع أجدر، وكذلك إذا منع كون الوصف علة لحكم الأصل، قدر ذلك منعًا في [الفرع] أيضا، وكذلك باقي الوجوه، فلا يتوجه على الفرع تخصيصًا، إلا منع وجود علة الأصل في الفرع. أما إذا منع كونها علة في الفرع، وقد دل المستدل على كونها علة لحكم الأصل، لم يصح هذا [المنع]، لما قررناه من إثبات القياس، ووجوب اتباع الحكم العلة دون خصوصية المحل. وهذا الكلام واضح. قال الإمام: (و من [الاعتراضات] الصحيحة: طلب الإخالة) إلى قوله (فقد شبه تشبيه [مغلبًا] على الظن). قال الشيخ: ومن أهم الأسئلة طلب الإخالة، كلام صحيح، وهو المطالفة بإبداء وجه الدليل.

стр. 2270

وأما قول القاضي: إن هذا ليس باعتراض، لأنه [لو] لم يذكر الإخالة، لم يكن آتيا بصورة الدليل. ليس الأمر كما ذكره، فإن الدليل هو الذي يكون فيه ارتباط بالمدلول، فإذا ذكر المستدل ذلك، فقد استدل على الحقيقة، اللهم إلا [أن لا] يكون في اللفظ تعرض لذكر الجهة المناسبة، فهذا جمع بغير جامع. أما إذا كان الوصف المناسب مذكورًا معتمدًا عليه جامعًا، فقد أتى بالدليل على التحقيق. وأما القاضي فإن له في الجدل طريقة انفرد بها، ولم يساعده عليها أحد، وهو أنه كان (٨٧/ ب) يرى أن يذكر المستدل في مناظرته كل ما يعتمد المجتهد في نظره، فيذكر الدليل والاعتراض عليه، والجواب عن الاعتراض، وتوجيه الاعتراض على الجواب، وتكلف الجواب عنه، إلى استقصاء كل ما يتعلق بالمسألة. وهذا أمر اتفق الناس على خلافه، فإن المناظرة شرعت لتذليل طرق الاجتهاد، وحصول المقصود للسائل والمجيب جميعا، ولذلك شرط فيها أمور

стр. 2271

لا تشترط في حق المجتهد، كامتناع الجمع بين دليلين، ومنع السائل من الاستدلال، امتناع الترجيح عليه إذا عارض. وكل هذه الجهات غير ممنوعة في حق المستدل. وإنما فعلوا ذلك لحصول الضبط وعدم النشر، وأن يحصل المقصود على قرب، وأن يذلل الطرق بالإضافة إلى الفريقين جميعًا. وهذا غرض صحيح، ومقصد مستقيم. فإذا كان هذا رأيه، فكيف (١١٤/ ب) به في إبداء الإخالة؟ فالصواب إذًا قبول الجمع، إن اطلع السائل على وجه الفقه، اكتفى بذلك، وإن لم يطلع عليه، وسأل الإرشاد إليه، فإن كان اللفظ ظاهرًا في الدلالة على ذلك، لم يلزم المستدل غيره، وإن كان خفيا، فعليه إرشاده إليه، وتنبيه عليه. وأما قياس الشبه، فإذا أمكن أن يكون طرديًا مطرحًا، أو شبهًا مقبولًا، فهل على المسؤول أن يبين ذلك مطلقًا، أو لا يلزمه البيان بحال؟ هذا فيه [اختلاف]، [قدمت] الكلام عليه. وأبو حامد يختار أنه لا يلزم، لتعذر الانفصال. فإنه إن عدل في التقدير إلى باب المناسبة، فقد أسقط التمسك بالوصف الشبهي. فإن سلك مسلك السبر، فهو كذلك أيضا، وإن سلك مسلك الاطراد والانعكاس، عند من يقول به، فهو طريق مستقل برأسه، فتفوت خاصية

стр. 2272

الشبه. وينقل عن المتقدمين سقوط المطالبة، فإنهم كلفوا الخصم الاعتراض. وقد وجهنا عليه سؤالًا، وهو الوقوع في أبواب الطرديات، وهو محسوم، فأجاب عنه: [بأن الطرد الشنيع يمكن إفساده على القرب. وإن لزم من قبول مطلق الجامع الوقوع] في الطرديات، لزم من إبداء جهة الربط الوقوع في إبطال الاعتماد على الأشباه، وكل في الشريعة محذور، فيرتكب أخف الأمرين، وهو الاعتماد على مطلق الجامع، [وتكليف] الخصم الاعتراض، فإنه سهل لا عسر فيه. فلو بان [بفرقٍ] بين الأصل والفرع، [فبذكر] صورة الأصل في معرض الفرق. وأما الإمام [فإنه] لا يرى ذلك، ويقول: لابد للمستدل من إبداء كون الوصف ليس بطردي. وذلك مشكل عليه، ولكنه يرى أن الشبه يعتمد على

стр. 2273

أصلين، ووجه ثالث، فأحد أصليه: أن يعتضد بالأمثلة. والثاني: أن يشتمل على معانٍ كلية. والثالث: أن تلجئ الضرورة إلى التعدية، فلا يصح إلا وصفا واحدًا مثلًا. فإذا وجد بعض هذه [الأوجه]، فقد خرج عن أبواب الطرديات، ودخل في أبواب الأشباه. هذا وجه الجواب عن السؤال على أصل الإمام، فلا تستقر قدم الجامع إلا بإبداء وجه [الجمع]، كان قياسه معنويًا أو شبهيًا. قال الإمام: (و من الاعتراضات الصحيحة: القول بالموجب) إلى قوله (فكيف يتصور أن يتطابقا والأمر كذلك)؟ قال الشيخ: معنى القول بالموجب: (٨٨/ أ) تسليم ما ذكره المستدل مع استباق الخلاف. ومعنى ذلك: أن يكون دليله لا يتعرض لحكم المسالة التي فيها النزاع. وهذا أمر ملتبس، فإنه لا يخفى على ذي بصيرة أن الاستدلال على غير مسألة النزاع، بحيث لا يرتبط (١١٥/ أ) بعمل النزاع، لا يعتد [به] على حال، ولا يقع في

стр. 2274

ذلك من له أدنى بصيرة وأيسر اعتبار، والاستدلال على المطلوب، لا يمكن القول بموجب الدليل، مع بقاء النزاع، فكيف الخلاص من ذلك؟ فنقول: إنما يمكن على وجه، وهو أن يكون المستدل تخيل من الخصم مانعًا لحكم المستدل، بحيث [يقدر] أن لو بطل ذلك المانع، لم يمنع الخصم الحكم، فلما تخيل ذلك عنه، جعل عمدته في الاستدلال لإبطال ما تخيله [مانعا]، ظنًا منه أنه إذا بطل كونه مانعا، سلم الحكم، فكأنه قد استدل على غير الحكم المسؤول عنه، إذ استدل على أن الأمر المذكور غير مانع من الحكم المطلوب. وإذا لم يكن مانعًا، لزم الحكم. وهذا غلط، فإنه لا يلزم من نفي المانع ثبوت الحكم، إذ يفتقر إلى حصول مقتضيه، ويكون [المسؤول] على هذا تخيل من المعترض تسليم المقتضى بكماله، وإنما بقي الحكم، لتخيل مانعه، فإذا أقيم الدليل على إبطال المانع، لزم الحكم [من غير] [ريب]. وأما اختلاف الأصوليين [في أنه] هل هو اعتراض [أم لا]؟ [أما

стр. 2275

قول من قال إنه ليس باعتراض]، يعني على الدليل، فإن الخصم قد سلم دلالته، ولم ينازع في ذلك. وقد قلنا: إن الاعتراض هو الذي يعرض على [الدليل] فيمنعه من الجريان. فإذا لم يكن للكلام ورود على الدليل بحال، لم يكن اعتراضًا عليه. وأما من قال إنه اعتراض، فإنه يعني بذلك أن المستدل لا يتم غرضه بالإضافة إلى الحكم الذي قصد إثباته، فقد صار منقطعا بذلك. وأما قوله: ولا يتصور قول بموجب، ومضمون العلة نفي حكم وإثبات حكم. معناه: أن المستدل إذا كان يثبت حكمًا، فرتب الحكم المطلوب على علة، وسلم له ذلك، لم تتصور المنازعة بعده، وكذلك إذا كان غرضه نفي الحكم ورتب ذلك على قياسه، وسلم له صحة الترتيب، لم يبق للمنازعة في الدليل سبيل. وهذا كلام مستقيم. قال الإمام ﵀: (نعم، إذا قال الحنفي في مسألة ماء الزعفران: ماء طاهر) إلى قوله (فلا يجد المعلل محيصًا عن التعرض للنقض، أو القول بالموجب). قال الشيخ: ما ذكره الإمام، مثال لما قررناه، وذلك أن أبا حنيفة

стр. 2276

يرى أن الماء طهور، ولا ينازعه الشافعي في ذلك، فإذا قضى الشافعي أن الماء المتغير لا يصح التوضؤ به، مع أنه طهور في الأصل، لم يبق منع التوضؤ إلا لما يقدر مانعًا، إذ يختلف الحكم، إما أن يكون لنفي المقتضي، أو لوجود المانع، فإذا كان المقتضي حاصلًا، تعين أن التخلف للمانع. وأبو حنيفة أفتى بصحة التوضؤ. ولما طولب بالدليل، تعرض لنفي ما تخيله مانعًا عند (١١٥/ ب) الشافعي، فقال: ماء طاهر خالطه طاهر، فالمخالطة لا تمنع [التوضي]، يشير إلى نفي المانع، وقد ثبت المقتضي، فليثبت [هذا]. هذا مقصوده، وإن لم يصرح به في الدليل، فيقول خصمه: أسلم أن (٨٨/ ب) المخالطة بمطلقها لا تمنع. وقد اختلفوا في أنه: هل عليه أن يبين مانعًا آخر، أو لا يلزمه ذلك؟ فمن قال: [إنه] لا يلزمه، تمسك بأنه إذا صح له منع ما ذكره

стр. 2277

خصمه، اكتفى بذلك، ولم يفتقر إلى إبداء غيره، ويكون بمنزلة ما لو منع الخصم الدليل، فإنه لا يلزمه إبداء دليل على ما يحكم به، فكذلك هذا. وهذا هو الأصح. وقال قائلون: لابد من إبداء مانع آخر في حق السائل. وليس ذلك بمثابة ما إذا منع المستدل الدليل، فإن السائل لا يجيز ذلك. ويصح أن يكون مستند الفرق عندهم ما أشرنا إليه، من الاعتراف ضمنا بوجود المقتضي، فيفتقر إلى إبداء مانع غير ما تعرض المجيب لبيانه وإبطاله. [والإمام يرى] أن ذلك غير لازم، ولكنه إن أمكن، فهو حسن بالغ. ولذلك قال: فإن تمكن السائل [من إبداء] مقتضىً آخر، [فهو الغاية] في هذا الفن. وهذا يدل على أنه غير لازم. وقوله: [والغالب] أن يكون المستدل ذاكرًا لبعض ما هو علة عند

стр. 2278

الخصم، يعني أنه وقف على بعض المانع، وتخيله مانعًا عند الخصم بكماله. فإذا تعرض لإبطاله عند اعتقاده كماله، وقد سبق المقتضي في ظنه، لم يبق إلا تسليم حكمه، ويكون قد غلط في أن الذي ذكره هو كل المانع عند خصمه. فلو لم يكن الأثر في المنع، لبعد التعذر له أن يكون ذلك نهاية الجهل بمذهب الخصم، بل تخيل أن مطلب المخالطة مانع عند [الخصم]، وليس كذلك، بل للمخالطة أثر [لا] على الاستقلال. فإن قال: والمخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ، ألزم السائل القول بالموجب، فإن المخالطة مع مطلق التغيير لا تستقل بالمنع، فإن زاد وقيد الاحتراز [بتفاحش التغير] مع إمكان الاحتراز، [فهذا] هو المانع عند الشافعي. فإذا حصل التعرض له بكماله، لم يسلم الخصم صحة التوضؤ به. فإن اقتصر على ذكر كونه ليس بمانع، منع الخصم ذلك، وإن قال: فيجوز التوضؤ به، انتقضت العلة، ولم يجد أصلا يقيس عليه، فلا ينفك عن القول بالموجب،

стр. 2279

إن لم يتعرض لكمال المانع، وإن كمل، منع الخصم الحكم، ولم يجد المعلل أصلًا يرجع إليه، وهو معنى قوله: مضيق بديع. قال الإمام ﵀: ([ومما] يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول [فيه مجال]) إلى قوله (فلا يمكنه-[والحال] هذه- أن يقول بموجب العلة) , قال الشيخ: قوله: وقد يطرأ في هذا الفن شيء (١١٦/ أ) ليس للرد والقبول فيه مجال، معناه أن يكون في الكلام احتمال، فيحمله المسؤول على جهة، ويحمله السائل على غيرها، [فيجر] التفاوض لبسًا. والمثال الذي ذكره: أن العلماء اختلفوا في المرأة العاقلة إن مكنت مجنونًا، فزنا بها، قال أبو حنيفة: لا تحد. وقال مالك والشافعي: إنها تحد.

стр. 2280

واتفقوا على ما إذا زنى العاقل بمجنونة أنه يحد. فجعل [الإمامان] هذا أصلًا، [وقالا: ] الزنا سبب الرجم والجلد، وقد وجد في تمكين العاقلة مجنونا، فيجب أن تحد. وتعرضوا لإبطال كون أحدهما مانعا من الحد في حق العاقل، فهو أيضا تعرض لتخيل مانع ونفيه، فيقول أبو حنيفة: أقول بموجب ما قلتم في أن الجنون ليس درائا، وإنما الدارئ خروج فعلها عن كونه زنا. وهذه العبارة فيها ضعف، والصحيح فيها أن الأمر يرجع إلى المنازعة في المقتضي، فيقول: لا أسلم وجود المقتضي، إذ المقتضي الزنا، وليست (٨٩/ أ) العاقلة ممكنةً زانيا، وإذا لم يكن زنًا، لم تكن مزنيا بها، فامتنع الحكم، لفقدان مقتضيه، لا مانع منه، فيقول المستدل: إن صح ما قلت، فجنون الواطئ هو الذي أخرج فعلها عن كونه زنا، فلم يمكنك إسقاط أثر زناه بالكلية. وإذا قصدت في الاستدلال أن زناه لا يؤثر بوجه، ولست تقدر على القول بموجب ذلك، إذ لو قلت بموجبه، لأوجبت الحد عليها، فيقول المعترض: نصب الزنا علة، وهو عندي علة العلة. وإطلاق التعليل بالزنا، يشعر بكونه [مناسبا] للحكم، فيجر التفاوض لبسًا على هذا التقدير.
следующие страницы →