← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يرى أن الماء طهور، ولا ينازعه الشافعي في ذلك، فإذا قضى الشافعي أن الماء المتغير لا يصح التوضؤ به، مع أنه طهور في الأصل، لم يبق منع التوضؤ إلا لما يقدر مانعًا، إذ يختلف الحكم، إما أن يكون لنفي المقتضي، أو لوجود المانع، فإذا كان المقتضي حاصلًا، تعين أن التخلف للمانع. وأبو حنيفة أفتى بصحة التوضؤ. ولما طولب بالدليل، تعرض لنفي ما تخيله مانعًا عند (١١٥/ ب) الشافعي، فقال: ماء طاهر خالطه طاهر، فالمخالطة لا تمنع [التوضي]، يشير إلى نفي المانع، وقد ثبت المقتضي، فليثبت [هذا]. هذا مقصوده، وإن لم يصرح به في الدليل، فيقول خصمه: أسلم أن (٨٨/ ب) المخالطة بمطلقها لا تمنع. وقد اختلفوا في أنه: هل عليه أن يبين مانعًا آخر، أو لا يلزمه ذلك؟ فمن قال: [إنه] لا يلزمه، تمسك بأنه إذا صح له منع ما ذكره

стр. 2277

خصمه، اكتفى بذلك، ولم يفتقر إلى إبداء غيره، ويكون بمنزلة ما لو منع الخصم الدليل، فإنه لا يلزمه إبداء دليل على ما يحكم به، فكذلك هذا. وهذا هو الأصح. وقال قائلون: لابد من إبداء مانع آخر في حق السائل. وليس ذلك بمثابة ما إذا منع المستدل الدليل، فإن السائل لا يجيز ذلك. ويصح أن يكون مستند الفرق عندهم ما أشرنا إليه، من الاعتراف ضمنا بوجود المقتضي، فيفتقر إلى إبداء مانع غير ما تعرض المجيب لبيانه وإبطاله. [والإمام يرى] أن ذلك غير لازم، ولكنه إن أمكن، فهو حسن بالغ. ولذلك قال: فإن تمكن السائل [من إبداء] مقتضىً آخر، [فهو الغاية] في هذا الفن. وهذا يدل على أنه غير لازم. وقوله: [والغالب] أن يكون المستدل ذاكرًا لبعض ما هو علة عند

стр. 2278

الخصم، يعني أنه وقف على بعض المانع، وتخيله مانعًا عند الخصم بكماله. فإذا تعرض لإبطاله عند اعتقاده كماله، وقد سبق المقتضي في ظنه، لم يبق إلا تسليم حكمه، ويكون قد غلط في أن الذي ذكره هو كل المانع عند خصمه. فلو لم يكن الأثر في المنع، لبعد التعذر له أن يكون ذلك نهاية الجهل بمذهب الخصم، بل تخيل أن مطلب المخالطة مانع عند [الخصم]، وليس كذلك، بل للمخالطة أثر [لا] على الاستقلال. فإن قال: والمخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ، ألزم السائل القول بالموجب، فإن المخالطة مع مطلق التغيير لا تستقل بالمنع، فإن زاد وقيد الاحتراز [بتفاحش التغير] مع إمكان الاحتراز، [فهذا] هو المانع عند الشافعي. فإذا حصل التعرض له بكماله، لم يسلم الخصم صحة التوضؤ به. فإن اقتصر على ذكر كونه ليس بمانع، منع الخصم ذلك، وإن قال: فيجوز التوضؤ به، انتقضت العلة، ولم يجد أصلا يقيس عليه، فلا ينفك عن القول بالموجب،

стр. 2279

إن لم يتعرض لكمال المانع، وإن كمل، منع الخصم الحكم، ولم يجد المعلل أصلًا يرجع إليه، وهو معنى قوله: مضيق بديع. قال الإمام ﵀: ([ومما] يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول [فيه مجال]) إلى قوله (فلا يمكنه-[والحال] هذه- أن يقول بموجب العلة) , قال الشيخ: قوله: وقد يطرأ في هذا الفن شيء (١١٦/ أ) ليس للرد والقبول فيه مجال، معناه أن يكون في الكلام احتمال، فيحمله المسؤول على جهة، ويحمله السائل على غيرها، [فيجر] التفاوض لبسًا. والمثال الذي ذكره: أن العلماء اختلفوا في المرأة العاقلة إن مكنت مجنونًا، فزنا بها، قال أبو حنيفة: لا تحد. وقال مالك والشافعي: إنها تحد.

стр. 2280

واتفقوا على ما إذا زنى العاقل بمجنونة أنه يحد. فجعل [الإمامان] هذا أصلًا، [وقالا: ] الزنا سبب الرجم والجلد، وقد وجد في تمكين العاقلة مجنونا، فيجب أن تحد. وتعرضوا لإبطال كون أحدهما مانعا من الحد في حق العاقل، فهو أيضا تعرض لتخيل مانع ونفيه، فيقول أبو حنيفة: أقول بموجب ما قلتم في أن الجنون ليس درائا، وإنما الدارئ خروج فعلها عن كونه زنا. وهذه العبارة فيها ضعف، والصحيح فيها أن الأمر يرجع إلى المنازعة في المقتضي، فيقول: لا أسلم وجود المقتضي، إذ المقتضي الزنا، وليست (٨٩/ أ) العاقلة ممكنةً زانيا، وإذا لم يكن زنًا، لم تكن مزنيا بها، فامتنع الحكم، لفقدان مقتضيه، لا مانع منه، فيقول المستدل: إن صح ما قلت، فجنون الواطئ هو الذي أخرج فعلها عن كونه زنا، فلم يمكنك إسقاط أثر زناه بالكلية. وإذا قصدت في الاستدلال أن زناه لا يؤثر بوجه، ولست تقدر على القول بموجب ذلك، إذ لو قلت بموجبه، لأوجبت الحد عليها، فيقول المعترض: نصب الزنا علة، وهو عندي علة العلة. وإطلاق التعليل بالزنا، يشعر بكونه [مناسبا] للحكم، فيجر التفاوض لبسًا على هذا التقدير.

стр. 2281

وقوله: والذي نختاره للمعلل أن يصون علته عما يلحق بمجملات الألفاظ، [فيقول: ] فلا ينتهض الزنا سببًا، فلا يمكن القول بالموجب على هذه العبارة، فإنه إذا قال: فلا ينتهض الجنون سببا، أراد بذلك أنه لا التفات إليه بوجه. ولا يمكن أبو حنيفة القول بموجب ذلك، فإنه يثبت لزناه أثرًا من حيث الجملة، [بناء] على أن علة العلة. هذا مراد الإمام ههنا. ولابد من البحث [عن] حقيقته لغة وعرفها للفقهاء، إذ بذلك يتضح [مقصود] هذه المسألة. أما السبب في وضع اللغة: فهو عبارة عما يحصل المسبب عنده بواسطة العلة، فإن أصله [الحبل] والطريق، [سمي] الحبل سببًا، لحصول الماء عنده بواسطة الاستقاء، وسمي الطريق سببًا، لحصول الوصول إلى البلد بالسير

стр. 2282

[فيه]. فما يحصل [الشيء] عنده [لا به]، سمي سببًا. فاستعاره الفقهاء وأطلقوه على أربعة أوجه: أحدها -وهو الأقرب إلى وضع اللغة: ما يطلق (١١٦/ ب) في مقابلة المباشرة، كحفر البئر مع التردية فيه، إذ يقال: الحافر صاحب سبب، والمردي صاحب علة. والثاني -إطلاقهم السبب على علة العلة، وإن لم تكن مباشرة للحكم، وهذا بمثابة الرمي، فإن الموت حصل بالجرح لا بالرمي، ولكن الجرح حصل بالرمي، فيسمى علة العلة، سببا للحكم المرتب على العلة المباشرة. الثالث -تسميتهم العلة مع تخلف وصفها سببا، إذ يقال: اليمين سبب الكفارة عند عدم الحنث، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة دون الحول.

стр. 2283

[وبهذا] يفرق الفقهاء بين السبب والشرط، [فيقولون: ] الغنى سبب، والحول شرط. الرابع -تسميتهم العلة بكمالها سببًا، [فيقولون: ] سبب الحد الزنا، وسبب القصاص القتل. فهذه الأربعة أطلقها الفقهاء على السبب، وبعضها أقرب إلى وضع اللغة من البعض. وأقربها ما يطلق في مقابلة المباشرة، كحفر بئر مع التردية فيه، إذ الهلاك حصل بالتردية لا بالحفر، ولكن لابد من الحفر، كما أن الماء حصل [بالاستقاء]، لا بالحبل، وكذلك ما يضاهي هذا. الثاني: علة العلة تسمى سببا، ووجهه أنه لما حصل الهلاك بغيرها، وهو الجرح مثلا، ولكن لابد من الرمي، إذ لولا الرمي، لم يحصل الجرح، فأشبه ما يحصل الشيء عنده لا به. ولكن جهة البعد عن الأول، أن الحبل ليس علة الإسقاء، بخلاف الرمي؛ فإنه علة الجرح. [فبهذا] الوجه بعد الثاني عن الأول بعض البعد.

стр. 2284

وأما الثالث: وهو تسميتهم العلة عند تخلف وصفها سببا، (٨٩/ ب) فمن جهة أنها لما حصلت، ولم يحصل الحكم، نزلت منزلة الحبل، إذا لم يقع إسقاء، فحسن إطلاق السبب عليها من هذا الوجه. ووجه البعد: هو أنه إذا حصل الوصف الباقي، لم يحل الحكم عليه وحده، وأحيل على المجموع، بخلاف الحبل بالإضافة إلى [الاستقاء]، فإنه إذا حصل الماء، لم يحل على الحبل، بل على الإسقاء. وأما إطلاق الرابع على العلة بكمالها، فوجهه أن علل الشرع علامات، والأحكام تثبت بالنصوص عند وجدان العلل، فأشبه ما يحصل [العلم] عنده لا به. وهذا ضعيف، لأن علل الأحكام، وإن كانت لا توجبها لأعيانها، فقد تنزلت في نظر الشرع منزلة المقتضيات، حتى نتبين لولا هذه المصالح، لم تشرع هذه الأحكام، والحكم إذا حصل أحيل على علته. فمن هذا الوجه، كان هذا أبعد الاصطلاحات عن وضع اللغة. فإذا ثبت ذلك، فالإمام نزل السبب على بعض (١١٧/ أ) هذه الوجوه الأربعة، وهو إطلاقه على ما لا أثر له مستقلا، [ولو] كان له أثر [لاستقل]. فإذا قيل: لا يكون [هذا] سببا، فقد نفى ما له أثر، وإن كان

стр. 2285

[لا يستقل]، فلا يتصور على هذا قول بموجب، إذا كان لما ذكره أثر عند الخصم. فإذا قال الشافعي: فلا ينتهض الجنون سببًا، ومقصوده أنه لا أثر له على حال، فلا يتصور من أبي حنيفة أن يقول بموجب ذلك، إذ الجنون له أثر من حيث الجملة، فيمتنع عليه القول بالموجب على هذا التقدير. أما إذا أطلق السبب على العلة بكمالها، فلا يكون للعدول إلى لفظ السبب محصول في تحقيق مقصود. والله المستعان. قال الإمام: (و من الاعتراضات [الصحيحة]: النقض) إلى قوله (سوى

стр. 2286

ما عداه المتمسك [بالطريقة]). قال الشيخ: الذي ذكره المتقدمون، كلام صحيح، والإلزام نقض على ما [أرادوه]، ولذلك أن المتمسك بالمعنى، إنما تمسك به، بناء على أنه مقصود الشارع، وبين ذلك بورود الحكم على وفقه. وإذا كان المعنى ثابتا، والحكم [متخلفا]، لم تبق غلبة الظن في نصبه، إذ تبينا بالإعراض عنه، ثبوت حكم يضاد ما يقتضيه، خلاف ما كنا نظنه من نصبه. [فلئن] قيل: ثبوت الحكم على [وفقه] شاهد له. قيل: ونفي الحكم مع وجوده شاهد عليه. فهذا معنى قولهم: إن النقض يلحق العلة بعد أن نقضت

стр. 2287

بالأقوال المتكافئة، لا بمعنى جهة التعارض في الشهادة بلا مزية. هذا مراد القوم، وهذا يطرد في المعاني المناسبة، كما ذكره هو في الأوصاف الطردية، ولم يرد المثال في الطرديات، لغرضٍ يختص بها، ولكن جرى ذلك اتفاقًا. قال الإمام ﵀: (٩٠/ أ) (ومما نمسك به هؤلاء أن قالوا: من ادعى علة) إلى قوله (واستمرت على الطرد في غيره). قال الشيخ: الذي ذكره هؤلاء صحيح، وذلك أن وجه إسناد الحكم إلى العلة، أنا تبينا باستقراء الشريعة أن الأحكام إذا ظهرت في موردها معانٍ، أتبعت الأحكام المعاني، ولم

стр. 2288

تقتصر على صور المحال. هذا هو الغالب في الشريعة. فنحن يغلب على ظننا لذلك تعميم الحكم، حيثما صودف المعنى، استنادًا إلى الشرع، لا إلى [التشهي]، والحكم من قبلنا، بناء على أن ذلك غالب عادة الشريعة. وقد يكون المعنى وفاقيا، وهو قليل، فإذا وجد المعنى، والحكم تخلف شرعًا، تبينا أن هذا المعنى ليس من الأمر الغالب، إذ لو كان منه، لساوقه الحكم في جميع صوره. فالتخلف يخرجه عن الأمر (١١٧/ ب) المعتاد، وتبين أنه من المعاني الاتفاقية. وقول الإمام: إني [أطردها]، ما لم يمنعني [منه] مانع. يقال له: إنما طردته، ظنا أن الحكم يتبعه دون خصوصية المحال. فإذا ثبتت المفارقة، بطلت غلبة الظن، ولم يبق إلا صورة المعنى من غير استناد إلى عادة الشرع، والمعاني لا تقتضي الأحكام لأعيانها. قال الإمام: (ومما تتعلق به هذه الطائفة: أن من يطرد العلة) إلى قوله (من فرض صدورها من كاذب). قال الشيخ: الذي ذكره القوم صحيح، وعبارة

стр. 2289

التحدي غير مستحبة. والمراد أن [الاعتماد] على العلة، مشروط [بغلبة الظن، أنها باعث الشرع على الحكم. من التناقض أن يكون باعثًا على الحكم، مع عموم النصب ويختص الحكم]. [فهذا] معنى قولهم: إنه لا يأتي أحد بمثلها، أي لا يغلق الشرع الحكم المناقض لحكمها على غيرها، إذ قد فرض التفاته إليها، [فإذا ثبت ضد حكمها، لم تبق غلبة الظن بعموم نصبها، مع ما استقرت من عموم نصب المعاني الصحيحة]. فإذا لم يثبت عموم النصب، فات وصف الصحة، وامتنع الاعتماد عليها. فترك الإمام جميع هذا الكلام، واعتمد على لفظ التحدي، وذلك اشتغال بالنشور، وحيد بين عن المقصود. وأما قوله: إن المعجزة لا تدل على الصدق قطعًا، كلام رديء، وإن لم يؤول كان عظيما في الدين، فإنها إذا لم تدل على الصدق قطعًا، لم يكن تصديق الأنبياء معلومًا، بل إما مظنونًا أو معتقدًا، ونعوذ بالله من ذلك، فلعله أراد: لا تدل على الصدق عقلاً، ووضع موضع ذلك قطعا، وهذا تجوز رديء، ولكن لا يظن به غير ذلك. وقد قدم [هو] في مقدمة الكتاب: أن العلم

стр. 2290

حاصل بتصديق الأنبياء، بناًء على العوائد، فيرجع الأمر إلى نفي [الدلالة] العقلية لا القطعية. قال الإمام: ([وربما] [يستدل] القاضي لهؤلاء) إلى قوله (فلا وجه لما ذكره القاضي إذًا). قال الشيخ: الذي ذكره القاضي، صحيح، وذلك أن المعنى المطرد لا خلاف في اعتماده عند القائسين، وهو محل مجمع عليه عند الجميع. أما المعنى [المنقوض]، فلم يثبت التعليق به. وهذا كلام صحيح، فإذًا ليس الاعتماد على المعنى المنقوض منقولاً عنهم [التعليق] [به]، وليس أيضًا المعنى مقتضيًا الحكم لعينه، ولا يصح الاعتماد عليه، قياسًا على المجمع عليه. وإذا لم يكن عليه دليل، وجب [اطراحه].

стр. 2291

[وما] ذكره الإمام (٩٠/ ب) من أنهم ﵃ ما كانوا يعتنون بتعين أصلٍ، وتلقي معنًى منه، فهو وإن كان كذلك، إلا أنهم قد فهم منهم إتباع المصالح لأعيانها، لكن لفهمهم أن الشارع قصد لربط الأحكام بها. وهذا عند الانتقاض (١١٨/ أ) لا يظن، لظهور جانب الاعتراض. وأما قوله: ولم يكن كلامهم محررًا مزورًا في النفوس، منضجًا بنار الفكر، [منتقدًا بيد] السبر. كلام رديء، وظاهره يوهم أنهم ما كانوا يتثبتون فيما يأتون، إذ قال: لم يكن مزورًا في النفوس، [منضجًا] بنار الفكر، ولكن [لا] [يريد] ما [ينبئ عنه ظاهر] كلامه، وإنما يريد بذلك أنهم

стр. 2292

ما كانوا يتحرزون كل التحرز، على ما يعتاده بنو الزمان. وكان كلامهم يجري كثيرًا على التوسع والتجوز، [لفصاحة] الألسنة، وتمام الإدراك، والعلم بمقاصد الكلام، وفهم بعضهم عن بعض، وقد يكتفي الفهم بالإشارة، ولا يفهم البليد إلا بكمال التصور في العبارة. وأما إطلاق القول بأن الكلام مزورًا في النفوس، ولا منضجا بنار الفكر، فذهاب عن التحصيل، ونسبة القوم إلى المجازفة في القول، فالله تعالى قد رفع قدرهم عن ذلك، إذ هم القدوة والأسوة، وعلماء الزمان بالنسبة إليهم، كالمبتدئ للطلب في زماننا. نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما علمهم، ويستعملنا [فيما] استعملهم، ولا يخالف بنا عن طريقتهم، إنه على ما يشاء قدير. قال الإمام: (وأما [من لم ير] النقض مفسدًا للعلة) إلى قوله (وإنما

стр. 2293

[جولانها] في المظنونات). قال الشيخ: وجه تمسك هؤلاء بتخصيص العموم، أن التعويل على عموم التعلق بالمعنى حيث وجد، [لما] استقر في الشرع من تعليق الأحكام على المعاني على التعميم، فيصير ذلك مضاهيًا للتعلق بصيغة العموم حيث وجدت. ثم قام دليل التخصيص، لا يمنع من التعليق [بالصفة فيما وراء محل التخصيص، فكذلك قيام دليل على منع الاعتماد على العلة، لا يمنع التعلق] بها في غير ذلك المكان. وانفصال القاضي عن ذلك، وذهابه إلى أن اللفظ مجمل، لا يفيد، فإن القاضي يقول: إذا خصص اللفظ العام، وجب التمسك به في غير محل التخصيص، وينقل في ذلك الإجماع، فكيف يصح منه ذلك الانفصال، على أنه إنما يذهب إلى الإجمال، على تقدير انتفاء القرائن. وهو معترف بالاستغراق [إذا] دلت القرائن عليه؟ فإن كانت

стр. 2294

الدلالة قطعية، امتنع التخصيص، وإن كانت ظنية، جاز التخصيص، ووجب التمسك فيما وراء ذلك، فلتكن العلة إذا خصصت كذلك. وأما ما وجهه المعتزلة، فلازم على ما قرره الإمام، فالشافعي أيضًا [يسلك] مسلك المعتزلة، في أن الصيغة إذا تجردت عن القرائن، كانت نصًا، ولكن لي ذلك من جهة امتناع تأخير البيان إلى وقت [الحاجة]، وإنما ذلك عنده يرجع إلى (١١٨/ ب) وضع اللغة وعرف الاستعمال.

стр. 2295

[فالصيغة] في العموم، من النص الذي يزول عن مقتضاه بالقرائن. واللفظ ينقسم إلى ما هو نص، لا يتأتى انصرافه عن مدلوله [تقديرًا]، كألفاظ الأعداد، وإلى ما يكون نصا على تقدير انتفاء القرائن المانعة له من الجريان، على مقتضى الوضع الأصلي. (٩١/ أ) وصيغ العموم من هذا القبيل. أما انتقال الظاهر بالقرائن، فجائز على الإطلاق، بل هذا يصح في المجملات، فضلاً عن الظواهر. والإمام يسلك مسلك الشافعي في بعض الصيغ، كأدوات الشرط، فإنها إذا تجردت عن القرائن المخصصة، كانت عنده نصوصًا. وقد تقدم ذلك في كتاب العموم والخصوص.

стр. 2296

وأما قوله: إنا لو رددنا القياس، لم تعتمد صيغ العموم، هذا منه مخصوص بالصيغ الظواهر، بناء منه على أن الأحكام كلها معلومة. وهذا إنما يصح، بناء على القول بتصويب المجتهدين. أما نحن إذا صرنا إلى أن المصيب واحد، فلسنا نقطع بحكم رتب على أمارة مظنونة. وقوله: إن الحكم المبتوت لا يترتب على أمر مشكوك فيه ولا مظنون، لأن العلم لا يترتب على [الظن]، كلام صحيح، ولكنا لا نعترف بأن جميع أحكام الفروع معلومة بحال. وأما الانفصال عن الإلزام فظاهر، وذلك أن تخصيص العموم، إنما لم يمتنع التعلق به في غير محل التخصيص، إما للإجماع المنعقد على ذلك، على ما ذكره القاضي، وقد تقدم ذلك في كتاب العموم والخصوص، وإما لكون اللفظ متناولاً لجميع المسميات. فإذا منع

стр. 2297

مانع من التعلق به في بعضها، فلا [يمتنع] ذلك من التعليق به في غير محل التخصيص. وهذا يناظر ما ثبت كونه علة بوضع الشرع، ثم ورد بعد ذلك استثناء، فإن ذلك غير مانع من التعلق. أما إذا كان مستند النصب شهادة [للحكم] الوارد على الوفق، فإنه إذا ثبت النقض، بطلت الشهادة، فلا يبقى إلا نصب الوصف. وكما جرى الحكم على وفقه في صورة، فقد انقطع عنه في أخرى، فلا يبقى لغلبة ظن النصب وجه على حال. [فليس] معنى صيغةٍ تتناول بقية الصور، حتى يرجع التعلق إليها، فوجب المنع من الاعتماد على الوصف عند انتقاضه، إلا أن يرد نص بإجرائها في غير محل النقض، فيتلقى ذلك بالقبول. هذا وجه الانفصال عن السؤال. قال الإمام: (ومما يتعلق به من يجوز تخصيص العلة) إلى قوله (فأين

стр. 2298

يقع هذا من جواز تبديل الأحكام). (١١٩/ أ) قال الشيخ: هذا الذي ذكره هؤلاء ضعيف، وذلك أنهم حاولوا بيان أن العلل الشرعية لا تتنزل منزلة العلل العقلية عند مثبتيها. هذا كلام صحيح، إلا أنه لا ينتفع به ههنا، فإن الأوصاف، وإن كانت مناسبة، لا تقتضي الأحكام الشرعية لأعيانها، وإنما تبينا من وضع الشريعة مراعاة المصالح. وهذا إنما يكون بعد ورود الشرائع. ولو ثبت لنا أن الوصف علة شرعًا، لم يبعد أن يخصصه الشرع ببعض المحال. كما أن تماثل الأجزاء [سبب] للغرم بالمثل في غير [المصراة]، وجعل الجناية سببا لضمان الجاني في غير مسألة العاقلة، وجعل الاقتيات أو الطعم علة لوجوب التناجز في غير العرايا، فلا يتحكم على الشارع في تخصيص وتعميم، لا في المسائل، ولا في الأزمنة، ولكن وجود النقض يشكك في أصل النصب، فلذلك كان النقض قادحا، لا من جهة اعتقاد أنه لا يصح من الشارع التخصيص. هذا هو الفرق بين ما ذكرناه، وبين ما ألزموه. قال الإمام: (ومما يتعلق به هؤلاء، جواز تخصيص علة الشارع) إلى قوله

стр. 2299

([فهذه] عيون كلام [هؤلاء] الفريقين). (٩١/ ب) قال الشيخ: وجه خيال هذا القول على الجملة، أن الذي ينصب الوصف علة، إنما يسنده إلى الشارع، بناء منه على ظن النصب على العموم، فيصير ذلك بمثابة لفظ عام يدل على التعليل. وإذا فرض ذلك، ثم ورد تخصيص، لم يمنع ذلك [من التعميم] في غير موضع التخصيص، فكذلك إذا ظن المستنبط العلة، قصد التعليل والتعميم، فإذا ثبت ما يمنع التعميم، لم يلزم من ذلك بطلان [التعليل]. وهذا خيال باطل، والكلام الذي [قدمناه] يجيب عن هذا. فأما في الاستنباط بظن أن الشارع قصد إلى الوصف من جهة إجرائه الحكم على وفقه، وإنما تبقى غلبة الظن، إذا لم يقطع الحكم عنه، أما إذا قطع الحكم عنه، فاتت غلبة الظن بأنه الباعث. هذا هو الفرق الصحيح. وما ذكره

стр. 2300

الإمام جنوح إلى أنه يصح للشارع التحكم، ويمتنع ذلك على المستنبط. فهذا كلام يشير إلى بطلان الاعتبار من حيث الجملة. وخصوصية الجواب هو ما ذكرناه، من بطلان [غلبة] ظن النصب عند مصادفة النقض. قال الإمام: (والمسلك الذي نختاره) إلى قوله (وهذا حقيقة القول في ذلك). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة كلام مشكل، وإطلاق

стр. 2301

بعيد. أما المصير إلى أنه إذا انتظم فرق (١١٩/ ب) بين ما طرد العلة فيه، وبين ما ورد نقضًا، فإنه يصير ما أطلقه قيدًا منضمًا إلى العلة، فليس ذلك مطلقًا، فإنه [قد] يكون الذي أبدى في مسألة النقض مانعًا يمنع من الحكم، ولا يصح أن يكون عكس المانع قيدا مضمونًا إلى العلة بحال، فكيف يطلق القول بأن عكس ما أطلقه قيد مضموم إلى العلة؟ إلا أن يكون بنى الأمر في ذلك على ما تخيله الأستاذ، فإنه يقول: انتفاء المانع قيد مضموم إلى العلة، وعند ذلك يتناقض الكلام، فإنه إنما [يعمل] المانع بعد تحقيق المقتضي، [فإذا] كان نفي المانع قيدًا مضمومًا إلى العلة، لم يعمل المانع بحال. ومن سوى الأستاذ لا يصير إلى هذا، ويعترفون بالفرق بين نفي المانع، وبين جزء العلة. فإذا تحقق هذا، بطل أن يكون انتفاء المانع قيدًا مضمومًا إلى التعليل.

стр. 2302

ثم قوله: إن العلة تبطل، كلام ضعيف، والمراد أن ما اعتمده المعلل، وجعله علة كاملة، ليس كما تخيله، فإطلاق الباطل على العلة، بناء على أنها لم تكمل، فيه ضعف، والمراد بذلك: أن المتمسك بها منقطع، لاعتماده على بعض العلة، ولذلك أنها إذا تكملت بما يضم إليها، اندفع الاعتراض، وصح الاعتماد. [بهذا نتبين] أن العلة ليست مناطًا له، وفرق بين أن يتخلف الحكم عن المناط لخلله، وبين أن لا يترتب الحكم على بعضه. فهذا هو الكلام على هذا الوجه. قال الإمام: (ولو اعترضت مسألة على العلة نقضًا) إلى قوله (فكيف يلزم الخصم حق طردها في موضع قصده)؟ قال الشيخ: هذا الذي ذكره في هذا القسم أيضًا، كلام يفتقر إلى مزيد إيضاح، وذلك أنه حكم بأن العلة تبطل، فإن أراد أن المتمسك بها منقطع، فهو صحيح، لأنه إنما يثبت الحكم في الفرع، بناء على دعوى عموم النصب، فإذا ترك هو عمومها، كيف يلزم خصمه ذلك؟ وإن أراد أن الخصم إذا استثنى عنها صورة، بطلت العلة (٩٢/ أ) في نفسها. فهذا كلام باطل، والدليل على فساده، [لو] أن مستنبطا آخر [استنبط]

стр. 2303

تلك العلة من مورد النص، وطردها ولم ينقضها، صح له ذلك، ولا يقال إن هذه العلة باطلة، لأن بعض المستنبطين قد نقضها، فإطلاق القول ببطلان العلة في هذا القسم لا وجه له. والله أعلم. وإنما الإمام عبر بالبطلان عن انقطاع المستدل، وهو تعبير بعيد. قال الإمام: (وإذا [طرأت] مسألة إجماعية) إلى قوله ([فالتي] ترد مناقضة وقاطعة للطرد أولى بالإبطال). قال الشيخ: (١٢٠/ أ) هذا الذي ذكره في هذا المكان، كلام مجمل، وفيه أيضا تفصيل، وذلك أن المسألة الناقضة الإجماعية، إذا أنقدح فيها معنى، فلا شك في كونه أرجح من المعنى الذي استنبطه المستنبط، ولذلك ترك حكمه [للمعنى] الآخر، ولكن المصير إلى بطلان المعنى المستنبط على الإطلاق لا يستمر، إذ يحتمل أن يكون ذلك المعنى الموجود في المسألة الناقضة مانعًا، وضرورة كونه مانعا، تسليم المقتضى، وإحالة العمل عليه لو كان منفردًا. ففرق بين ظن يترك لمعارض راجح، وبين أن يمنع ترتيب الحكم عليه للخلل. ويتبين ذلك بأنه إذا ترك [حكمه] للمانع، صح اعتماده على تقدير الانفراد. أما إذا لم

стр. 2304

[يترتب] الحكم عليه لخللٍ فيه، امتنع إعماله مطلقًا. فلا يصح القول بأن المسألة الناقضة إذا كانت معللة، بطل المعنى المستنبط مطلقًا. وأما المصير إلى أن المعارضة تبطل العلة، فكلام أيضا مشكل، إن أراد امتناع الاعتماد على المعنى في موضع المعارضة دون الترجيح، فصحيح، وإن أراد أن العلة تبطل مطلقا في محل المعارضة وفي غيره، فليس الأمر كذلك، وهذا في التمثيل بمثابة البينة المزكاة إذا عارضتها بينة أخرى، تساويا، [فإنه] يمتنع القضاء بها في موضع المعارضة، ولا يمتنع ذلك في موضع لا معارضة فيه. هذا إذا ثبت أن الحكم إنما تخلف لأجل المعارضة. أما إذا وقع التردد في أصل التعليل، فلابد من إقامة الدليل على [صحة] صلاحية الوصف للتعليل. وقوله: إن الناقضة أولى بالإبطال من المعارضة، كلام صحيح، فإن

стр. 2305

النقض يقطع طرد العلة، ويمنعها من الجريان، فلم يثبت عموم النصب. وأما المعارضة فيتلقى الحكم عليها من أصل آخر، حتى لو قدر قبول المحل للحكمين، لبقيا جميعا، بخلاف المسألة الناقضة إذا قصد الشارع قطع الحكم عنها في الصورة الناقضة، فهي أجدر [بالإبطال]. قال الإمام: (وإن طرأت المسألة قاطعة للطرد) إلى قوله (ولا يعارض ظن علمًا). قال الشيخ: ما ذكره القاضي من التردد في هذه الصورة، مكان يحتمل التردد، وذلك أنه إذا ثبت أن الناقضة مستثناة، فلاشك أنها لا تعترض على العلة بحال. وهل إذا كانت نادرة قليلة تكون بهذه المثابة، ويغلب على الظن الاستثناء، بناء على الندرة والقلة وفقدان المعنى، أو لا يرشد ذلك إلى الاستثناء، ويكون المعنى معرضا عنه؟ فهذا لعمري موضع تردد (١٢٠/ ب)، على ما بيناه. أما ما ذهب إليه الإمام، من كون محل (٩٢/ ب) النزاع، نسبته إلى المسألة الناقضة نسبة العلم، فلاشك في أن ذلك يمنع من إجراء العلة في ذلك

стр. 2306

الفرع، أو قطع بحكمه، نظرًا إلى الإلحاق المعلوم، فلا يبقى ظن بإلحاقه بالأصل الذي منه الاستنباط، فليس في ذلك نزاع، وهو الذي [أراده] الإمام ببطلان العلة، أن لا يثبت الحكم على وفقها في الفرع. [وهل] يتضمن ذلك بطلانها مطلقا؟ هذا موضع تردد القاضي. وظاهر كلام الإمام خلافه، وهو المصير إلى البطلان مطلقا، [وأنه لا] يتوقف في ذلك. والصحيح عندي الامتناع من جزم القول بأحد الوجهين. قال الإمام: (وإن لم يكن محل العلة منها بهذه المثابة) إلى قوله (فهذا

стр. 2307

سبيل إجرائها، [وإن كان ينقدح فيها معنى على كل حال، فهو ملحق بالأقسام المبطلة التي تقدم ذكرها. فهذا بيان الأصول]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام ههنا ظاهره التناقض، فإنه حمل كلام القاضي في التردد على ما إذا كانت المسألة الناقضة لا يعقل معناها، فقال: وهي لعمري موضع تردد، ثم صار إلى القطع بأنها لا ترد نقضا، فكيف تكون موضع تردد، وهو قاطع بأنها غير ناقضة؟ إلا أن يريد أنها موضع للنظر فيه مجال. وهذا أيضًا لا فائدة فيه، فإن الذي تقدم من [الصور للنظر فيه مجال. وأما اعتماده نفي القطع بأنها غير ناقضة، من] جهة أنها لا تعلل، فكلام لا أصل له، [فكيف] يصح أن يكون القطع يستند إلى ذلك، ولم ينكر

стр. 2308

على من يقول تثبت بورود الحكم على مناقضتها، أنها ليست معتبرة في موضع المصادفة، بل جرت اتفاقية؟ إّ لو كانت معتبرة، لكان الحكم ملازمًا لها. وأما مصيره إلى أنها إذا كانت غير معقولة المعنى، [ثبت] أنها مستثناة, فليس يرشد ذلك إلى الاستثناء بحال، فإنها إنما تكون مستثناة، بشرط صحة المعنى المقرر، فإذا صح أنه باعث، صح أن الخارج عنه مستثنى. أما المصير إلى أن فقدان المعنى من الناقض، دليل الاستثناء، فليس بصحيح. وأما قوله: إنها إذا كانت معقولة المعنى، فليست مستثناة، فكلام [غير] صحيح، وقد يكون المستثنى معقول المعنى، فإن المستثنى ينقسم إلى ما يعقل معناه، وإلى ما لا يعقل معناه، وقد استثنيت مسألة العرايا عن بيع

стр. 2309

الرطب باليابس، تسهيلاً على المعرين والمَعرين، واستثنى أبو بردة بن نيار في التضحية بعناقٍ لفقره. واستثنى الشارع العاقلة تحمل العقل، لوقوع الخطأ، [وكثرة] العقل. فالمصير إلى أن المستثنى لابد أن يكون غير معقول المعنى، وأن الذي يعقل معناه، لا يكون مستثنى، غير صحيح. ولم أر ذاهبًا إليه، بل العلماء مصرحون بأن (١٢١/ أ) المستثنى ينقسم إلى ما يعقل معناه، [وإلى ما لا يعقل معناه]. [هذا] هو الصحيح. فإن قيل: فالعلة الواردة على [خلاف] حكم علة المعلل، في أي موضع تضر، و [في] أي موضع لا تضر؟ قلنا: [لا تضر] إذا ثبت أن الحكم ثبت فيها، إنما [ثبت] لمانعٍ راجحٍ على معنى المعلل، فهذه الصورة لا تقدح في صحة التعليل. فهذا وجه. [والوجه] الثاني -أن يثبت بنص الشارع أنها مستثناة، كقوله لأبي

стр. 2310

بردة: "تجزئك ولا تجزئ [عن أحدٍ بعدك] ". وإذا ثبت الاستثناء، لم يكن النقض متوجهًا على حال. الثالث -أن تكون المسألة الواردة نقضا، ترد على كل قياس. [وهذا] بمثابة جواز العرايا مثلا. فإن من علل [تحريم] التفاضل بالقوت، فإن علة العرايا تنقض قياسه. وكذلك من (٩٣/ أ) علل بالطعم، أو بالكيل، أو بالمالية. فإذا كانت ترد نقضًا على كل قياس، مع العلم بأن الشارع لم ينقض قاعدة الربا، ثبت بذلك أنها مستثناة، فلا ترد نقضا. وكأن المستثنى [مقطع] عن الشريعة، فلا يرد على شيء نقضًا، ولا ينقض شيئا أصلا. ومقصود الإمام [من] هذا الحرف الواحد، وهو أن المستثنى لا يرد نقضًا، [وهو] كلام صحيح. [ولكن] مصيره إلى أن الاستثناء يثبت بكون الوارد لا يعقل معناه، أما إذا عقل معناه، فليس باستثناء، فليس [ذلك] بصحيح على ما [حققناه]. قال الإمام: (ونحن نضرب أمثالاً، وننزل [عليها] تحقيق ما نبغيه) إلى

стр. 2311

قوله ([فليس] [لمثل] هذه التخييلات اعتبار). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في تمثيل ما لا يعقل معناه، [تحمل] العاقلة [العقل]، قصد بذلك صحة العلة، وهي وجوب الغرم على المتلف، وإن كان ذلك ينتقض بتحمل العاقلة العقل، وهو يرى أن الناقض إذا عقل معناه، كان مبطلاً للعلة، ولم يمكنه إبطال هذه العلة. والتزم أن الوارد نقضا لا يعلل. وهذا الذي قاله غير صحيح عندنا من وجهين: أحدهما: [أن الكلام في الإبطال بالنقض، إنما هو في العلل المظنونة، أما العلل المقطوع بها، [فلا] يفسد شيء [منها] على حال، سواء كان الوارد يعقل معناه، أو لا يعقل معناه. الثاني: أن مسألة العاقلة معقولة المعنى، والدليل على ذلك من وجهين]:

стр. 2312

أحدهما: اتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الإسلام، والتعبدات لا تهتدي إليها عقول العقلاء، وإنما تتلقى من [الشرائع]. الثاني: إن المعنى فيه معقول منكشف، وهو المعاونة من القبيلة على حمل الجناية. وقول الإمام: إن هذا منقوض بالجناية على الأموال، [وغير] منعكس بالحمل عند اليسار. أما الجناية على الأموال، فالسبب في كونها لا تحمل (١٢١/ ب) أمران: أحدهما: أن الأموال في غالب الأحوال، لا يتفق تلف ما يشق صونه، وإنما يكون ذلك في أمور يسيرة. وأما إتلاف النفوس، فالغرم فيها يشق، فلا يلزم من إثبات الحمل في الموضع الذي يعظم الغرم، أن يثبت في الموضع الذي لا يشق. الثاني: أن القتل [خطأ] عند العرب، يكون من تجاول الفرسان عند الطراد، وبهم حاجة إلى ذلك، فكأنه أمر ترجع فائدته على العاقلة. فتوزيع

стр. 2313

الغرم الذي لا يشق على العاقلة، مع رجوع المنفعة إليهم، مصلحة من الجانبين. فهذا تقرير فهم المعنى. ولم ترد المسألة نقضًا، لما قررناه من القطع [بمعناها]. قال الإمام: (وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل) إلى قوله (واستبان أن أمثال هذه المستثناة لا ترد نقضا على القياس [المعنوي]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في مسألة المصراة، وكونها لا ترد نقضًا، فصحيح، والسبب فيه عندنا، انعقاد الإجماع على صحة العلة في وجوب ضمان المتلفات، التي تتشابه أجزاؤها بالمثل، والمناسبة في واضحة، فإنا لو قدرنا [على] رد العين، لم نعدل عن ذلك. فإذا تعذر رد العين بالفوات، فالمثل أقرب إليها، فإذا تعذر المثل، رجعنا إلى القيمة. وهذا مناسب، معتبر بإجماع. وإذا كان المعنى مقطوعًا به، فكيف يتصور إبطاله بورود النقض؟

стр. 2314

وأما كون مسألة المصراة معقولة المعنى أو تعبدية، [فالصحيح] عندنا في إثبات أصل الغرم التعبد، والدليل على ذلك النقل والمعنى. أما النقل، فهو أنه لو رد عندنا (٩٣/ ب) بعيب آخر سوى التصرية، لم يغرم شيئًا أصلاً. ولو كان الصاع بدلاً من اللبن، الذي [لم] يقدر مشترًى مع الشاة، للزم الغرم إذا رد بغير عيب التصرية، ولذلك قال مالك ﵀ عن ذلك: " [أو لأحدٍ] [في هذا الحديث] رأي"؟ وتلا قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. [وأما] المعنى، فهو أن اللبن [المحتلب] عندنا غلة، والغلات ليست مبيعة، ولا حصة لها من الأثمان. [وإذا] كان المشتري [لها]

стр. 2315

[إنما] حلب على ملكه، فكيف يتوجه عليه غرم لذلك؟ وقد قال أشهب من أصحابنا: لا يرد [مع لبن] المصراة [شيئًا]. وزعم أن الحديث منسوخ بقوله ﵇: "الخراج بالضمان". وفي هذا المذهب بعد. وحديث المصراة أخص منه، ولا سبيل إلى ترك الخاص للعام. وأما تعين جنس التمر، فلا يتعين عندنا، بل ذلك راجع إلى ما يغلب من عيش أهل كل مصر. [ويرى] مالك [رحمة الله عليه] أن هذا إنما ذكره، لأنه غالب عيش (١٢٢/ أ) أهل المدينة، فيخرج أهل كل بلدٍ من غالب عيشهم. هذا مذهب مالك [﵀].
следующие страницы →