← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قوله ([فليس] [لمثل] هذه التخييلات اعتبار). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في تمثيل ما لا يعقل معناه، [تحمل] العاقلة [العقل]، قصد بذلك صحة العلة، وهي وجوب الغرم على المتلف، وإن كان ذلك ينتقض بتحمل العاقلة العقل، وهو يرى أن الناقض إذا عقل معناه، كان مبطلاً للعلة، ولم يمكنه إبطال هذه العلة. والتزم أن الوارد نقضا لا يعلل. وهذا الذي قاله غير صحيح عندنا من وجهين: أحدهما: [أن الكلام في الإبطال بالنقض، إنما هو في العلل المظنونة، أما العلل المقطوع بها، [فلا] يفسد شيء [منها] على حال، سواء كان الوارد يعقل معناه، أو لا يعقل معناه. الثاني: أن مسألة العاقلة معقولة المعنى، والدليل على ذلك من وجهين]:

стр. 2312

أحدهما: اتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الإسلام، والتعبدات لا تهتدي إليها عقول العقلاء، وإنما تتلقى من [الشرائع]. الثاني: إن المعنى فيه معقول منكشف، وهو المعاونة من القبيلة على حمل الجناية. وقول الإمام: إن هذا منقوض بالجناية على الأموال، [وغير] منعكس بالحمل عند اليسار. أما الجناية على الأموال، فالسبب في كونها لا تحمل (١٢١/ ب) أمران: أحدهما: أن الأموال في غالب الأحوال، لا يتفق تلف ما يشق صونه، وإنما يكون ذلك في أمور يسيرة. وأما إتلاف النفوس، فالغرم فيها يشق، فلا يلزم من إثبات الحمل في الموضع الذي يعظم الغرم، أن يثبت في الموضع الذي لا يشق. الثاني: أن القتل [خطأ] عند العرب، يكون من تجاول الفرسان عند الطراد، وبهم حاجة إلى ذلك، فكأنه أمر ترجع فائدته على العاقلة. فتوزيع

стр. 2313

الغرم الذي لا يشق على العاقلة، مع رجوع المنفعة إليهم، مصلحة من الجانبين. فهذا تقرير فهم المعنى. ولم ترد المسألة نقضًا، لما قررناه من القطع [بمعناها]. قال الإمام: (وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل) إلى قوله (واستبان أن أمثال هذه المستثناة لا ترد نقضا على القياس [المعنوي]). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في مسألة المصراة، وكونها لا ترد نقضًا، فصحيح، والسبب فيه عندنا، انعقاد الإجماع على صحة العلة في وجوب ضمان المتلفات، التي تتشابه أجزاؤها بالمثل، والمناسبة في واضحة، فإنا لو قدرنا [على] رد العين، لم نعدل عن ذلك. فإذا تعذر رد العين بالفوات، فالمثل أقرب إليها، فإذا تعذر المثل، رجعنا إلى القيمة. وهذا مناسب، معتبر بإجماع. وإذا كان المعنى مقطوعًا به، فكيف يتصور إبطاله بورود النقض؟

стр. 2314

وأما كون مسألة المصراة معقولة المعنى أو تعبدية، [فالصحيح] عندنا في إثبات أصل الغرم التعبد، والدليل على ذلك النقل والمعنى. أما النقل، فهو أنه لو رد عندنا (٩٣/ ب) بعيب آخر سوى التصرية، لم يغرم شيئًا أصلاً. ولو كان الصاع بدلاً من اللبن، الذي [لم] يقدر مشترًى مع الشاة، للزم الغرم إذا رد بغير عيب التصرية، ولذلك قال مالك ﵀ عن ذلك: " [أو لأحدٍ] [في هذا الحديث] رأي"؟ وتلا قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. [وأما] المعنى، فهو أن اللبن [المحتلب] عندنا غلة، والغلات ليست مبيعة، ولا حصة لها من الأثمان. [وإذا] كان المشتري [لها]

стр. 2315

[إنما] حلب على ملكه، فكيف يتوجه عليه غرم لذلك؟ وقد قال أشهب من أصحابنا: لا يرد [مع لبن] المصراة [شيئًا]. وزعم أن الحديث منسوخ بقوله ﵇: "الخراج بالضمان". وفي هذا المذهب بعد. وحديث المصراة أخص منه، ولا سبيل إلى ترك الخاص للعام. وأما تعين جنس التمر، فلا يتعين عندنا، بل ذلك راجع إلى ما يغلب من عيش أهل كل مصر. [ويرى] مالك [رحمة الله عليه] أن هذا إنما ذكره، لأنه غالب عيش (١٢٢/ أ) أهل المدينة، فيخرج أهل كل بلدٍ من غالب عيشهم. هذا مذهب مالك [﵀].

стр. 2316

وأما [الشافعي] [﵁]، فإنه بنى المسألة على عدم فهم المعنى، [فلذلك] قضى بأنه [إذا] رد بعيبٍ آخر سوى عيب التصرية، رد صاعًا من تمر، واقتصر على عين التمر، تغليبًا للتعبد. والفريقان جميعا صائران إلى فهم المعنى من حيث الجملة. قال الإمام: (ومما نضرب مثلاً: الكتابة الفاسدة) إلى قوله ([وهذا هو

стр. 2317

الشذوذ والاستثناء]). قال الشيخ: أما كون الأملاك لا تنتقل إلا بمسلك شرعي، فهذا المعنى [ليس] في القوة والظهور كالمعاني السابقة، لأن تلك المعاني [مجمع] عليها، سالمة من معانٍ أخر تقاومها. وأما العقد الفاسد، فيعني بالفساد ههنا: الممنوع شرعًا، ولا مناقضة من جهة المعقول بين المنهي

стр. 2318

عنه، وبين ترتيب الثمرات عليه، ومن [المناسبة] اتباع الرضا في تحصيل مصالح العقلاء. فإذا حكم بأن العقد الممنوع يثمر، نظرًا إلى الرضا، ثم يخرج عن قبيل المناسب، ويكون نهي الشرع عنه لمفسدة فيه، ويكون الرضا دليل المصلحة، ولذلك حكمنا بأن أمورًا محرمة أثمرت، كاستيلاد الأب جارية الابن، فإنه مثمر، وإن كان محرمًا. وعلى هذا لا نسلم أن الكتابة الفاسدة خارجة عن القياس بالكلية، هذا إن قدرنا إنها من العقود التي تجري المعاوضة فيها. وهذا إنما يرد نقضًا على هذا التقدير. أما [إذا] ذهبنا [إلى] ما فيها من [شوب] [التعليق] [والاستغلال]، [فلا] ورود لها على حال، فإن الصائر إلى ذلك، يثبت لها وجهًا من الصحة، فلا [ترد] نقضًا بهذا الاعتبار.

стр. 2319

أما إذا صار إلى أنها أثمرت من جهة الرضا بها، فحينئذ يتوجه النقض، ويفتقر إلى الأعتذار، فيرد النظر إلى ما قررناه من إشعار الفساد، بعدم المصلحة في الفعل للعباد، اتضح ذلك بالمنع من الإقدام. هذا وجه تقرير الكلام. وقد سبق تحقيقه فيما مر. وقوله: إذا قال القائل: [النقض] إنما يلزم من جهة قطعه طرد العلة، لا من جهة انتظام جامع بين الأصل والفرع. مقصود هذا الكلام: أن المسائل إذا تباعدت بالكلية، لم يرد بعضها نقضًا على (٩٤/ أ) بعض، وإن [تماثلت]، فلاشك في ورود النقض، يعني إذا [تماثلت] في مناط الحكم. هذا أيضا لا لبس فيه. وإن لم يعرف [التماثل]، ولم يتحقق التباين، فالاعتماد على توجه النقض على وجود المعنى في المناقضة مع عدم الحكم، وسواء على هذا أمكن [إلحاق] الفرع بالمسألة الناقضة، [أو لم يمكن].

стр. 2320

هذا هو مراد [هذا] الكلام. وقد تحقق الانتقاض عند جريان المعنى (١٢٢/ ب) مع تخلف الحكم. وهذا سؤال صحيح، وأراد الإمام أن يقول: هذا لا [يتوجه] إذا كان [الناقض] مستثنى، بدليل ما حققه من الصور السابقة، وإيراد الأمثلة، وجعل الكتابة الفاسدة من تلك الأمثلة، والكلام [فيها] على ما سبق. قال الإمام: (وإن قال [الملزم]: خذوا الكتابة الفاسدة) إلى قوله (لا على سبيل التعليل، ولا على [سبيل] [المشابهة]). قال الشيخ: إذا تحقق أن الكتابة الفاسدة خارجة عن القياس بما سبق تقريره، فلا ورود لها على قياسٍ على حال، لا من جهة المعاني، ولا من [جهة] أبواب الأشباه. وقد بينا

стр. 2321

وجه ذلك فيما سبق. فالمصير إلى إلزامها نقضًا، مع خروجها عن القياس، لا وجه له. إذ المستثنى لا ينقض به بحال. إذ معنى كونه مستثنى: أن الشارع اقتطعه على وجهٍ ينفرد [به] المستثنى، لا يجري في بقية الشريعة. وهذا لا خفاء به، بعد ثبوت كونه مستثنى، وإنما الشأن [كله] في بيان كونه مستثنى. ولبيانه ثلاثة أسباب: إما أن ينص الشارع على ذلك، كقوله لأبي بردة بن نيار: "تجزئك ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك". وإما أن ير نقضا على [قياسٍ] معلوم، فيتبين بذلك كونه [مستثنى]. وإما أن يرد نقضًا على كل قياس لأهل الإجماع. فهذا يبين كونه مستثنى، لأنه إما أن [يبطل] الأقيسة كلها، وهو محال، [لأنه] يفضي إلى نسبة أهل الإجماع إلى الخلف والإبطال. وإما أن يخص قياسًا بالإبطال، مع استواء النسبة إلى الجميع، وهو محال أيضًا، لحصول التحكم. وإما أن لا يرد نقضا بحال، [فهذا] متعين. فبهذه الطرق

стр. 2322

يعرف كون الناقض مستثنى. قال الإمام: (ومن أمثلة هذا الفصل: إلزام الاكتفاء بالخرص) [إلى] قوله (فوجه رد الخرص بالمسلك الذي ذكرته فيما تقدم). قال الشيخ: [اختلف] الناس في الخرص في الموضع [المسموح]، هل هو أصل منفرد بنفسه غير رخصة، أو [هو] معدود من الرخص؟ ويظهر أثر هذا [الاختلاف] في مسائل: منها -أنه هل يجوز أن يجمع في عقد واحد [بين] مكيل وجزاف، أو يمتنع ذلك، كما يمتنع البيع والقراض، على رأي من منع ذلك؟ والمشهور عندنا المنع، بناء على اعتقاد الرخصة فيما يشق معرفة مقداره، وهو المكيل والموزون. أما ما لا يشق معرفة مقداره، فلا يجوز الخرص فيه، وهو المعدود

стр. 2323

والمقيس. اللهم إلا أن يكون المعدود مما يشق عده لكثرته، كالجوز واللوز مثلا، أو يكون متفاوت الأجرام، بحيث لا يفضي عدده إلى [ضبطٍ] بحال. فيصير هذا في التحقيق كغير المعدود، إذ العدد فيه لا يحصل [مقصوده]. (١٢٣/ أ) وكذلك أيضا اختلف العلماء في جواز العلماء في جواز بيع العرايا بخرصها تمرًا، فيما دون خمسة أوسق، فقال قائلون: لا يجوز ذلك إلا في أقل من خمسة [أوسق] (٩٤/ ب). وقال قائلون: يجوز في الخمسة. وهذا الاختلاف مبني على أن الأصل جواز الخرص، [إلا] في موضع تحقق المنع، ولم يتحقق المنع إلا فيما زاد على خمسة أوسق، أو الأصل المنع إلا في موضع الإباحة، ولم تتحقق الإباحة إلا فيما دون خمسة [أوسق]، والأول هو المذهب، والثاني قول لبعض الأصحاب.

стр. 2324

فإذا قال قائل: لابد من الكيل والوزن الضابطين، إذ بهما تتحقق المعرفة، وينتفي الغرر، والغرر ممنوع في الشرع. فيرد على ذلك أصل الخرص [المسوغ] نقضًا، لوقوع الجواز في الشريعة، فيقول القائل [الأول]: [هذا] في محل [الخرص] مستثنى، ويلحقه بما [تقدم] من امتناع وروده نقضا، فلا يعترف الملزم بالاستثناء، ويدعي أنه جارٍ على ذوق المعاني. والذي يحقق ذلك، امتناع الخرص فيما لا يأخذه [الحزر] على الحقيقة، كالأغنام وغيرها، وكذلك الطعام في مخزن لا يرى إلا بعضه، فلما جاز عند المشاهدة للجميع فيما لا [ينضام]، دل ذلك على أنه [توصل] إلى ضبط المقدار.

стр. 2325

[ويزيده] تأكيدًا، أن الشرع عين الكيل في بعض المواضع، مع إمكان الوزن، وإن كان الوزن أضبط، ولكن أعرض الشرع عن هذا [التجويز]، وأجرى الأمر على ما تعارفه الناس في التقدير، فيصح أن يكون الخرص فيما يمكن كيله، كالكيل فيما يمكن وزنه. فلا يعد على هذا من أبواب الرخص، بل يكون جاريًا على مقتضى القياس، [فيتسع] فيه الباب، ويستعمل على الإطلاق، إلا في موضع المنع. هذا هو مراد الإمام في هذا المكان. والصواب عندنا هو أنه معقول المعنى، وفيه وجه من التحقيق، عند لزوم المشقة من الكيل والوزن، فلا يحكم بأنه غير معقول المعنى بحال. والإمام يرى أنه متى فهم معنى النقض على وجهٍ قريب أو بعيد، لزم نقضًا وأفسد المعنى، ونحن لا نرى ما رآه أصلاً. وأما قوله: إن الأصل الرجوع إلى ما يعد [تقديرًا]، والخرص معدود

стр. 2326

من الحدس والتخمين، المجانبين لمدارك اليقين. كلام ضعيف، لانعقاد الإجماع على جواز بيع الثمار في الأشجار، بناء على مجرد الخرص والتخمين، ولا يعد ذلك من أبواب الغرر، الذي لم ترد الشريعة به على حال، ولتحاماه العقلاء. وليس الأمر كذلك، والإمام يشير إلى أنه غير معقول المعنى. وقد بينا خلاف ذلك. قال الإمام: (وإن علل معلل في قطع الخيار) (١٢٣/ ب) إلى قوله (فلينعم الناظر تأمله ويستعين بالله تعالى). قال الشيخ: هذه المسألة صورتها: ما إذا سود ثوب العبد، وعلمه إصلاح الأقلام، وجعل معه اللوح والدواة،

стр. 2327

وباعه، ولم يشترط أنه كاتب، فاشتراه المشتري، بناء على ظن ذلك من غير اشتراط. [فالصحيح أنه لا يثبت له خيار، بناء على أنه فرط في عدم الاشتراط]. وهذه الأشياء لا تدل على [الكتابة] دلالة قطعية، فوجب الإضراب عنها، والاعتماد على مطلق الشراء، من غير شرط الصفة. وهذا الكلام واضح، ولكنه منقوض بالرد بعيب التصرية، فإنه ليس فيه إلا ظهور مخيل تشعر [بغزر] اللبن. والإمام يرى أنه إذا ظهر في مسألة النقض معنى على حال، لزم نقضًا، ولا ينفع عنده إبداء فرقٍ بين صورة النقض ومحل التعليل، فكانت مسألة المصراة لازمة على أصله. ولا يمكن (٩٥/ أ) أن [يقال: ] الحكم بالرد عند الاطلاع على التصرية من أبواب التعبدات. هذا لا خلاف في أنه معقول المعنى، عند من يرى الرد به. وإنما محل التردد في التعبد غرم شيءٍ عن لبن المصراة. أما أصل الرد فمعقول المعنى بلا شك، فيلزم نقضا على أصله. هذا مقصود المسألة.

стр. 2328

وللفقهاء نظر في الفرق بين التصرية وبين تسويد ثوب الغلام، فإنه لا يبعد أن يكون مصاحبًا لابن سيده في إصلاح اللوح والدواة والأقلام، فهذا أضعف في الدلالة على الكتابة، من كبر الضرع، والدلالة على غزارة اللبن. هذا تفاوت لاشك فيه، ولا يلزم من فسخ البيع بالتدليس بغزارة اللبن، لظهور أمره، وامتناع الفسخ بتسويد اليد والثوب، لضعف دلالته. وأما قوله: إن المسألة الناقضة إذا كان يلوح فيها [معنًى]، هو أضعف من علة المعلل في الرتبة، والتفاوت بين الرتبتين لا ينتهض [دارئا] للنقض، فمقصوده به: أن النقض لم يلزم من جهة معارضة العلة بعلة من قبل الناقض، وإنما لزم من جهة قطعه طرد العلة، وقطع الطرد [محقق]، سواء كانت القاطعة معللة بمعنى قوي أو ضعيف، وأوجهٍ من التشبيه. هذا مختاره، وكان يلزم على مقتضاه، أن يكون ما لا يعقل معناه نقضا أيضًا، من جهة أنه قطع طرد العلة، ولكنه امتنع من ذلك، لزعمه أن ما لا يعلل مستثنى، والمستثنى لا ينقض أصلاً. وقد تكلمنا على ذلك، وبينا أنه لا يلزم من عدم فهم المعنى الاستثناء،

стр. 2329

(١٢٤/ أ) ولا يلزم من فهمه تحقيق النقض وإفساد العلة، على حسب ما قدمناه. بل متى تحقق أن الحكم في الصورة الناقضة [إذا] تخلف، وثبت نقيضه لمعارض راجح، كان دليلا على صحة العلة المنقوضة، وإعمالها في غير محل النقض. نعم، لا يصح أن تكون علة في محل النقض، لأن العلة في عرف الفقهاء متلقاة من أحد ثلاثة أمور: منها: من يتلقاها من العلة العقلية، وهذا هو رأى الأستاذ، لأنه كثير الممارسة لمسائل الكلام، فلم [ير] العلة في الشريعة إلا على ذلك الذوق، لا جرم حكم بأنها لا تنتقض بحال، ولا يلزم من عموم النصب فيها. وإذا أوردت عليه مسألة ناقضة لمعنى، أخذ عدم المعنى قيدًا مضمومًا [إليها]، فلا يصح عنده نقض العلة بحال. وقد بينا وجه الرد عليه فيما سبق. ولكن

стр. 2330

المقصود [أنه] على أصله، لا يصح منه الاعتراف بوجود العلة في مسألة النقض. المأخذ الثاني لاسم العلة: علة المرض، وهو ما يتأثر به المحل، ويظهر الأثر به، وإن كان إنما [يحصل] [المرض] بهذا، مع [تقدير] أمور أخر. ومثاله: أن الطبيب قد يضيف المرض مثلاً إلى تناول طعام [حاًر] في زمن الصيف، للشاب الحاد المزاج، [فيقول]: السبب في مرضه أكل العسل، وإن كان لولا الزمان والسن، لم يستقل العسل بالتأثير، ولكن لما كان الزمان موجودًا، والسن [ثابتًا]، والمرض منتفيا، بعدت الإضافة إليهما، فلما حدث أكل العسل وحدث الفصل، ضيف إليه. وبهذا الاعتبار فرق الفقهاء بين السبب والمحل والشرط، فلا يصح أيضا على هذا (٩٥/ ب) التفسير إطلاق العلة في المسألة الناقضة، إذا لم يتأثر بها المحل بحال. المأخذ الثالث لاسم العلة: [الملتقى] من العلامة، نظرًا منهم إلى أنها لا توجب، وإنما الله سبحانه هو الموجب عندها، فيقال: علل الشرع علامات، وإنما تكون علامات، إذا عرفت الحكم، وهي لم تعرف الحكم

стр. 2331

في مسألة النقض، فلا يكون علامة فيه، وإن أطلق لفظ العلامة عليها في ذلك [المحل]، فمجاز، [أي] هذه علامة في محل مماثل لهذا المحل. هذا تمام ما أراده الإمام في مسألة النقض. فنقول: الصواب عندي إجراء مسألة النقض على غير هذا الطريق، وذلك [أن] نقول: تخلف الحكم عن العلة، يفرض على ثلاثة أوجه: أحدها- أن يفرض في صوب جريان العلة ما يمنع أطرادها، (١٢٤/ ب) وهو الذي يسمى نقضًا عند الفقهاء، وهذا ينقسم إلى ما يرد مورد الاستثناء، وإلى ما يرد على ذلك الوجه. فأما الذي يرد مورد الاستثناء، فلا يرد نقضًا، [سواء] ورد على علة مظنونة، أو على علة مقطوع بها. وقد بينا وجه ذلك فيما تقدم. مثال الوارد على العلة المقطوع [بها]: تحمل العاقلة العقل، ناقض لاختصاص الغرم بصاحب الجناية، وكذلك إيجاب رسول الله ﷺ صاعًا من التمر في مقابلة لبن المصراة، [ورد] ناقضًا [لغرم] المثليات التي تتشابه أجزاؤها، فإنها

стр. 2332

مضمونة بالمثل، إن عرف المثل، [وإلا بالقيم]، وإن كان ورود هذا لا ينقض العلة، ولا يبطلها في غير [محل] النقض. ولكن يبقى أمران: أحدهما- ما قررناه قبل من أنها ليست علة في مسألة النقض، على ما أسلفناه. [الثاني -] ما يتعلق [بآداب] الجدل، [فهل] عليه أن يقول: تماثل في غير الجنابة، [قياسًا] على الحر خطًأ؟ هذا مما اختلف فيه الجدليون. والجدل شريعة وضعها الجدليون فإليهم وضعها. وتكليف ذلك قبيح، فإن المعلل [إنما] يلتزم طرد العلة، إذا لم يمنعه الشارع من ذلك، أما إذا منعه، فلا يلزم الطرد، ولكن ربما يكون الاحتراز أضبط لنشر الكلام. وهو أيضا يشير إلى أن المعلل غير غافلٍ عن مواضع الاستثناء. ومثال الوارد على العلة المظنونة: مسألة العرايا، فإنها تنقض علل الربا، [فإنها] تنقض علة القوت والطعم والكيل والمالية، على حسب [اختلاف] الفقهاء في التعليل، وعلى أنها مستثناة من جهة ورودها نقضًا على كل قياس، فلم يلزم بحال. فقد بينا [الطرق] التي تعرف الاستثناء.

стр. 2333

أما إذا لم يرد مورد الاستثناء، فلا يخلو: إما أن يرد على العلة [المنصوصة]، [أو على االمظنونة. أما الوارد على العلة [المنصوصة]، فقد جعل الإمام له مسألة، فلتؤجر الكلام عليه إلى الموضع الذي ذكره. ونعني [بالمنصوصة]: ما دل اللفظ عليها، سواء كانت الدلالة قطعية أو ظنية. أما إذا ورد على العلة المستنبطة، وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة، بحيث ينعكس القيد إلى العلة [المظنونة]، فهذا هو الذي ذكره الإمام، وقال فيه: [إذا تبين] ما ذكرناه أولاً، [لم] يكن تمام العلة. والذي قاله في هذا الوجه صحيح. أما إذا كانت العلة مخيلة، ولم ينقدح الاطلاع (٩٦/ أ) على وصفٍ مكمل [لما] أغفله المستنبط أولاً، وكانت العلة تامة عنده، فهذا موضع احتمال، فإنه يمكن أن يكون النقض دليلاً على عدم الاعتبار، (١٢٥/ أ) وأمكن أن يكون تخلف الحكم لمانع، أو التخصيص ببعض المحال، على جهة الاستثناء. فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل. ولكن المجتهد الناظر، ماذا عليه أن يعتقد في هذه العلة؟ الانتقاض [والفساد]، [أو التخصيص] ببعض المحال؟ هذا عندي في محل الاجتهاد، ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه.

стр. 2334

مثاله: قولنا: إن صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النية، [لأن النية] لا [تنعطف] على ما مضى، وصوم جميع النهار واجب، فإنه لا يتجزأ، فينتقض هذا بالتطوع، فإنه يصح بغير نية، عند بعض العلماء، ولا يتجزأ عندهم على المذهب الصحيح، ولا مبالاة بقول من يقول: إنه صائم بعض يوم، فيجوز أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة، بورود التطوع نقضًا، ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد مستثنًى، تكثيرًا للنوافل، وتسهيلاً لأمرها، فإن الشرع قد [يتسامح] في النفل، ما لا [يتسامح] به في الفرض، كجواز [التنفل] على الراحلة، وجواز فعلها جالسًا، مع القدرة على القيام إلى غير ذلك. فيستعمل المخيل في [غير] موضعه في الفرض، ويجعل وصف الفريضة فاصلاً بين صورة النقض، ومحل التعليل، ويكون ذلك وصفًا شبهيا، اعتبر في استعمال المخيل، وإن لم يكن على ذوق العلة. فإن كثيرا من علل الشريعة قيدت بقيود لا تظهر مناسبتها، ظهور مناسبة العلل، كتخصيص السرقة بنصابٍ، وتخصيص الرجم بالمحصن. ومن ينكر استعمال الشبه، لا ينكر الاحتراز به في درء النقض من المخيل. وهذا الكلام يقوى، إذا كان المعنى لا يفتقر إلى شهادة الأصل، كالاستدلال المرسل، عند من يرى التمسك به. فإن قيل: فإذا كان المعنى لا يفتقر إلى شهادة الأصل في صحة الاعتماد عليه عند من يراه، فكيف تكون هذه المسألة اجتهادية على هذا الرأي؟ بل

стр. 2335

ينبغي أن يتفق على إعمال هذه العلة، جميع من يرى الاستدلال المرسل حجة، ولا وجه للتردد في القبول بعد ذلك. فنقول: ليس كذلك، والمسألة محتملة للتردد، ولا يتنزل هذا في القوة منزلة الاستدلال المرسل مطلقا، فإنا نظن في ذلك المعنى، أن الشارع لو حكم، لم يحكم إلا على وفقه، وليس كذلك إذا ظهر أنه أعرض عنه في بعض المواضع، فالأمر أضعف لا شك فيه، فلذلك رددنا القول في القبول، وإن وقع [البناء] على الاستلال المرسل. ومثاله: ما قدمناه في مسألة (١٢٥/ ب) الصوم، فإن مقدمات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق، من قولنا: إن كل صوم واجب، وأن النية عزم لا ينعطف على الماضي، وأن الصوم لا يصح إلا بنية. فإن كانت العلة مناسبة، بحيث تفتقر إلى شهادة الأصل لصحتها، فإن شهد الحكم لها في صورة الموافقة، فلتنقض هذه الشهادة تخلف الحكم [عنها في موضع آخر. [فإن] إثبات الحكم] على وفق المعنى، إن دل على التفات [الشرع] [بقطع الحكم]، فقطع الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع. فقول القائل: إني أتبعه (٩٦/ ب) إلا في محل إعراض [الشرع] بالنص، ليس هو [بأولى] [ممن] قال: أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إياه بالتنصيص على الحكم. وعلى الجملة يصح تصريح الشرع بتخصيص العلة ببعض المحال، ويجوز

стр. 2336

إعراض الشرع عن بعض المناسب. فإذا لم يصرح بأحد الأمرين، واحتمل أن يكون ذلك للتخصيص، واحتمل أن يكون للإعراض، فتعيين أحدهما بحكم من غير دليل، يعارضه عكسه من غير ترجيح. فإن كانت العلة قطعية، تعين تنزيلها على التخصيص، وإن كانت مظنونة، نظرًا إلى ظاهر اللفظ، فسيأتي الكلام عليه. وإن كانت ملائمة، بحيث استغنى عن شهادة الأصل، ففيها نظر. وإن كانت لا تثبت إلا بالشهادة، فالنقض قادح. هذا هو الذي نختاره في المسألة. وبالله التوفيق. وللجدليين كلام في النقض يشير إلى ما ذكرناه، على غير هذا التقدير، قالوا: ورود الحكم على الوفق في بعض الصور، دليل الإعراض مطلقًا، فدليل النصب يقتضي [الإطلاق والعموم، ودليل الإعراض يقتضي إطلاقا أيضًا]، فتقاوم الأصلان، فلا يبقى وجه لتقديم دليل [الصحة]، ويمتنع الاقتصار محض الدعوى. فإن قيل: الإخالة والمناسبة دليل الصحة ظاهرًا، وتخلف الحكم يمكن أن يكون لخلل أو إعراض، ويمكن أن يكون لتخصيصٍ من الشرع، أو [لمانعٍ] لم يظهر. وإذا ظهر الدليل، فلا يدل [بمحض] الإمكان. وعلى هذا التقدير يستغنى المستدل عن إبداء سبب تلف الحكم، إذا لم يتعين أن الوارد [مبطل]، لا علمًا ولا ظنًا، بل [مجرد] احتمال، والاحتمال الذي لا

стр. 2337

يعتضد بدليل، لا يترك له الدليل، وهذا كلام مخيل، ولكن طريق الجواب عنه، وبيان [حلة] هو أنه: إذا مكن أن يكون [تخلف الحكم لخلل في المعنى وإعراض، وأمكن أن يكون] لتخصيصٍ أو مانعٍ، فقد حصل الشك في الفساد، فمن المحال أن يبقى ظن [صحة] الوصف مع (١٢٦/ أ) الشك في فساده. ومثاله: أن يشك الإنسان في الغيم ويظن الصحو، فإن ذلك محال، لا يعقل. فإن معقول الشك: التردد بين أمرين على السواء. فإذا حصل الشك في الفساد، حصل الشك في الصحة لا محالة. ومن المحال في الشريعة، الاعتماد على أمرٍ يشك في [استناده] إلى الشريعة. هذا هو الحق والمسلك الصدق. وبالله التوفيق. الوجه الثاني لتخلف الحكم: هو أن يتخلف الحكم لمانع منع الاعتبار، وهذا على وجهين: قد يمنع من ثبوت الحكم، وينقل إلى بدلٍ عنه. وهذا وإن كان ظاهرة تخلف الحكم، فهو على التحقيق في معنى الثابت، فلا سبيل إلى ورود مثل ذلك نقضًا. ومثاله: إذا قلنا ملك الأمهات سبب لملك الأولاد، في مسألة الغصب، والرد بالعيب وغير ذلك. [فإذا] ورد علينا نقضًا مسألة المغرور بحرية الأم، فإنه ينعقد ولده على الحرية، فلم يكن ملك الأم [سبب ملك] الولد. وهذا

стр. 2338

ضعيف، بل هو في معنى المملوك، ولهذا استحق القيمة فيه، ولو لم [يكن] يقدر الملك، لما ثبت على الواطئ الغرم، فهو بمعنى الثابت، الساقط من وجه آخر. وكذلك إذا قلنا: إن الشراء (٩٧/ أ) الصحيح سبب الملك على الحقيقة، [فإذا] ورد علينا شراء القريب الذي [يمتنع] تملكه، وقيل: لو قبل الملك زمانًا، لا ستمر عليه الملك. فنقول: يقدر فيه ملك، ليترتب عليه [عتق]، فلا تنافي القرابة مثل هذا ملك، وإن نافت الاستدامة، ولذلك يقضى بكونه عتيقًا على المشتري، ولو لم يثبت الملك، لما عتق عليه. فهذا وأمثاله لا ينبغي أن يورد نقضًا، لا على المجتهد، ولا على المناظر، فإن الحكم في معنى الثابت. الوجه الثالث: أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة، ويكون تخلف الحكم، لا لخلل في ركن العلة، لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها، كقولنا: السرقة [علة] القطع، وقد [وجدت] في النباش، فليجب القطع. فقيل: يبطل بسرقة ما دون النصاب، وبسرقة الصبي، وبالسرقة من غير الحرز. [ونقول: ] [البيع] علة الملك، وقد جرى في [الغائب]، وفي الأمة المتواضعة، فليثبت الملك. فقيل: يبطل ببيع المستولدة

стр. 2339

والجنين، وأمثال ذلك. فهذا [جنس] لا يلتفت إليه المجتهد، لأن نظره في تحقيق العلة، لا في [الأصل] والمحل والشرط، فهو مائل عن صوب نظره. أما [المناظر] فهل يلزمه الاحتراز عنه، أم يقبل منه العذر [بأن] هذا منحرف عن مقصد النظر، وليس البحث (١٢٦/ أ) عن المحل والشرط؟ هذا مما اختلف الجدليون فيه، والخطب فيه يسير، فإذًا العلة غير منتقضة على التحقيق، وكذلك في مسألة المغرور. فإن قيل: فهل تقولون في مسألة النطق القاطع لجريان العلة في صورة الاستثناء، إذا كان لا ينقدح، أن العلة موجودة، [ولكن] اندفع الحكم لمانع النص، ن تأبون ذلك؟ قلنا: لا نقول إنها علة، وقد بينا وجه ذلك. فإن قيل: ففي مسألة المغرور بحرية الأم، الحكم أيضًا -وهو ملك الولد -منتفٍ، فهل تقولون إن الملك للأم ليس علة في تلك الصورة؟ قلنا: لا نقول ذلك، فإنا قد قررنا أن الحكم في معنى الثابت، ولذلك وجبت القيمة، فهو [في] معنى الثابت الساقط إلى عوض. هذا تحقيق القول في المسألة نظرًا وجدلاً. ثم للمستدل في الجواب عن النقض وجوه [ثلاثة]: أحدها -منع وجود العلة في المسألة الناقضة. الثاني -منع تخلف الحكم. الثالث -الاستشهاد على العلة بالنص والإجماع، فيندفع النقض منها. ويتعين الإحالة على الاستثناء، وإبداء مانع أو فوات شرط، فإذا منع وجود العلة في صورة النقض، فليس

стр. 2340

للمعترض إثباته بالدليل، إذ ينقل الكلام لمسألة أخرى، ويتصدى المعترض لنصب الاستدلال، وكل واحدٍ منهما على خلاف ما يقتضيه سياق الجدل. قال الإمام: (مسألة: [اختلفت] مذاهب الأصوليين في أن علة الشارع، هل يرد عليها ما يخالف طردها) إلى قوله (وتخصيص الظواهر ليس بدعًا). قال الشيخ: هذا القسم الذي ذكره الإمام، وهو إذا كان أصل النصب ظاهرًا، ثم ورد التخصيص، هل يتبين أن المذكور ليس بعلة، أو يتبين أنه غير عام النقض على التخصيص، إما بناًء على الاستثناء (٩٧/ ب)، وإما للحوالة على مانع، أو تخلف شرطٍ للعلة. وهذا قد اختاره بعض المتأخرين، وزعم أن النقض لا يسمع، إذا ورد على العلة المومأ إليها والمنبه عليها، لأنه عين إحالة تخلف

стр. 2341

الحكم، على [وجهٍ] لا يقدح في النصب. وذهب الإمام إلى ذكره، من تنزيل الأمر على تأويل الظاهر، وأن الذي كنا نظنه علًة لم يبق على ظن، وكلا الفريقين اقتصر على ذكر المذهب معرًى عن الدليل. ونحن ننبه على سبب الاختلاف، ثم نذكر الظاهر عندنا، فنقول: سبب هذا الاختلاف (١٢٧/ أ) تعارض الظاهر اللفظي والظاهر العرفي في الشريعة، فإن ظاهر اللفظ قد دل على تعين العلة، ولكن الظاهر في عرف الشرع أن العلة عامة لا اختصاص فيها، فيلزم من النظر إلى ظاهر اللفظ أن المذكور علة، وإحالة تخلف الحكم في الصورة الناقضة، على وجهٍ لا يقدح في صحة العلة، من استثناءٍ أو مانعٍ أو غيره. ويلزم من النظر في عموم النصب، أن المذكور ليس بعلة على الكمال، إذ لو كان علًة على الكمال، لكان الظاهر عمومه، فيتعين أن يكون ذكر ليعلق به، لا على طريق الاستقلال، إما أن يكون جزء علة، أو شرطًا أو [مهيًأ] لعمل العلة، فيتقابل [الظاهران]، فيلزم الترجيح عند التعين، أو [الوقف] عند الاستواء.

стр. 2342

أما من ذهب إلى إبقاء العلة على ما دل عليه الظاهر، فيقول: الاعتماد على الظاهر أولى من استنباط يزيل الظاهر عن ظهوره، [لاسيما] إذا أمكن ما قررناه من تخلف الحكم، بناء على التخصيص أو المانع. أما من ذهب إلى أنا نتبين بورود النقض إزالة الظاهر، فيقول: إجراء العلل وعمومها أغلب في الشريعة من بقاء الظواهر على ظهورها، وإذا ثبت قوة في أحد الظاهرين، فهو أرجح، فيتعين المصير إليه. هذا لم يظهر سبب التخلف الاستثناء أو المانع، بل كان ذلك أمرًا مجوزًا. أما إذا اتضح ذلك، فلا وجه لإزالة الظاهر بحال، وكان الأقوى الوجه الأول. لكن في مقابلة ذلك، [أنه] لو كان تخلف الحكم لمانع، لما خفي على الناظر، فإذا لم يطلع عليه، غلب على الظن فقده. فأما الاستثناء في الشرع، فقليل جدًا، وقل أن يأتي إلا مقرونا بأدلةٍ [تبين] وجه الاستثناء فيه. فعلى هذا الوجه، ربما قوي الأمر في التأويل، وإخراج الظاهر عن الدلالة. وإنما يكون هذا في حق المجتهد الباحث عن انتفاء الموانع، وتعذر جهات الاستثناء، فحينئذ يغلب على ظنه التأويل.

стр. 2343

قال الإمام: (وإن نص على التعليل على وجهٍ لا يقبل التأويل، تصدى [في ذلك]) إلى [آخر المسألة]. قال الشيخ: إنما صار الأستاذ إلى ما حكي عنه، من [جهة] ما قررناه له، من أن العلة في الشرع عنده على حد العلة العقلية، ولم [يستقرأ] اللفظ إلا منها. والعلة العقلية لا يمكن

стр. 2344

تخصيصها بحال، فإنها تقتضي معلولها لنفسها، فلا يتصور نقض بحال. وهو إذا قال ذلك، فإذا تخلف الحكم [عن] المنصوب علة، جعل المحل قيدًا، (١٢٧/ ب) [فيتلقى] الحكم من غير ذلك المحل، لنقصان العلة، وهو لا

стр. 2345

يفرق بين محل ولا شرط، ولا يعترف بمانع، ليكون نفيه قيدًا مضموما للعلة، بل متى تخلف الحكم في (٩٨/ أ) محلٍ، جعل عدم ذلك المحل قيدًا، فيتعين عنده أن يكون الحكم ثابتا أبدًا مع العلة. وهذا لعمري يسوغ أن يبنى الأمر على أن علل الشرع أعلام، فيكون التعريف في بعض المحال دون بعض. فيكون المحل قيدا في التعريف. وكل من فهم من العلل هذا المعنى، سلك هذا المسلك. ولكن الظاهر عندنا خلافه، فإن في العلل ذوقًا من المناسبات، لم تجر على ذوق الأعلام المخصة. وإذا كان كذلك، فلا [يفيد] في تقابل

стр. 2346

المصالح، وترجيح بعضها على بعض. وبهذا الاعتبار تثبت الرخص في الشريعة، فإن الرخصة إنما تعقل بعد قيام سببٍ يقتضي النقيض، إذ هي: فسحة في مقابلة تضييق. ونحن نعلم أن الخمر، إنما حرمت لأجل الإسكار، غير معرجين على حالة الإكراه. وهذا المعنى موجود في صورة الاختيار والإكراه، ولكن الإكراه معارض راجح. وعلى هذا جرت مسائل الشريعة وعزائمها ورخصها، وقد قال ﵇: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما [يجب أن] تؤتى عزائمه". والرخصة: فسحة في مقابلة تضييق.

стр. 2347

قال الإمام ﵀: (فصل -من توابع القول في النقض) [ إلى قوله (ثم نذكر بعد نقل مذاهبهم وجه التحقيق، إن شاء الله تعالى]). قال الشيخ: القول في النقض ينشأ من جهة إضافة الحكم إلى العلة، فلابد ههنا من البحث [عما] يصح أن يكون علة، وفي وجه إضافة الحكم إليها.

стр. 2348

أما العلة فقد بينا وجه استعارة الفقهاء اللفظ، ومن أي [وجهٍ] استعيرت، وبينا أنها مستعارة من أحد ثلاثة أوجه: فإما أن تستعار من العلة العقلية عند مثبتيها، وإما من علة المرض، وهي التي يتأثر بها المحل، وهذا الوجه هو الأغلب على رأي الفقهاء، وقد تستعار من العلامة، إذ علل الشرع علامات. أما ما يصح أن يكون علة، كقوله: بطل بيع الخمر، لأنه حرم الانتفاع

стр. 2349

به، أو لأنه نجس، وقد غلط من قال إن الحكم مما يحتاج إلى علة، فلا يعلل به، واعتقد التناقض من ذلك، وهذا زلل. فإنا لسننا نقول إنه علة لمعلوله، وإنما يكون علة لحكم آخر، ويجوز أن يكون من أفعال المكلفين، كالقتل والسرقة، ويجوز أن يكون وصفًا مجردًا، أو مركبًا من وصفين أو أكثر، ويجوز أن يكون إثباتًا. وهل (١٢٨/ أ) يجوز أن يكون نفيا؟ أما من أخذ العلة من العلامة، فيصح ذلك عنده. وأما من أخذها من المقتضي، فيفتقر إلى أن يكون في الوصف مناسبة. وهل يصح أن يكون نفي أمرٍ مناسبٍ نفيًا خاصًا، [أو] إثباتًا خاصًا؟ هذا مما اختلف فيه. والصحيح عندنا أنه لا مناسبة للنفي بحال، ولا فرق بين أن يقول القائل: هذا الحكم لا مقتضى له، أو له مقتضى منفي، بل قولنا: لا مقتضى له، لا تناقض فيه، وقولنا: له مقتض منفي، تناقض في الكلام. ويجوز

стр. 2350

أن يكون مكشوف المناسبة، ويجوز أن يكون متضمنا للمناسب، ضابطًا [له]. والصحيح عندنا في الوصف الشبهي أنه إنما اعتبر من جهة اشتماله على مخيل، هو مناط الحكم، فلا يبعد إطلاق لفظ (٩٨/ ب) العلة على الوصف الشبهي تجوزًا، ولكن عرف الأصوليين على خلاف ذلك. ويجوز أن تكون العلة غير موجودة في محل الحكم، كتحريم نكاح الأمة، لعلة رق الولد. [النظر] الثاني: في وجه إضافة الحكم إلى العلة، وإنما تلقيت أحكام الفروع من وجود المعنى، من [جهة] اعتقاد عموم النصب، وأن الشارع إذا أناط [الأحكام] بالمعاني، أعرض عن الاقتصار على صور الأصول، واتبع
следующие страницы →