Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
المصالح، وترجيح بعضها على بعض. وبهذا الاعتبار تثبت الرخص في الشريعة، فإن الرخصة إنما تعقل بعد قيام سببٍ يقتضي النقيض، إذ هي: فسحة في مقابلة تضييق. ونحن نعلم أن الخمر، إنما حرمت لأجل الإسكار، غير معرجين على حالة الإكراه. وهذا المعنى موجود في صورة الاختيار والإكراه، ولكن الإكراه معارض راجح. وعلى هذا جرت مسائل الشريعة وعزائمها ورخصها، وقد قال ﵇: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما [يجب أن] تؤتى عزائمه". والرخصة: فسحة في مقابلة تضييق.
стр. 2347
قال الإمام ﵀: (فصل -من توابع القول في النقض) [ إلى قوله (ثم نذكر بعد نقل مذاهبهم وجه التحقيق، إن شاء الله تعالى]). قال الشيخ: القول في النقض ينشأ من جهة إضافة الحكم إلى العلة، فلابد ههنا من البحث [عما] يصح أن يكون علة، وفي وجه إضافة الحكم إليها.
стр. 2348
أما العلة فقد بينا وجه استعارة الفقهاء اللفظ، ومن أي [وجهٍ] استعيرت، وبينا أنها مستعارة من أحد ثلاثة أوجه: فإما أن تستعار من العلة العقلية عند مثبتيها، وإما من علة المرض، وهي التي يتأثر بها المحل، وهذا الوجه هو الأغلب على رأي الفقهاء، وقد تستعار من العلامة، إذ علل الشرع علامات.
أما ما يصح أن يكون علة، كقوله: بطل بيع الخمر، لأنه حرم الانتفاع
стр. 2349
به، أو لأنه نجس، وقد غلط من قال إن الحكم مما يحتاج إلى علة، فلا يعلل به، واعتقد التناقض من ذلك، وهذا زلل. فإنا لسننا نقول إنه علة لمعلوله، وإنما يكون علة لحكم آخر، ويجوز أن يكون من أفعال المكلفين، كالقتل والسرقة، ويجوز أن يكون وصفًا مجردًا، أو مركبًا من وصفين أو أكثر، ويجوز أن يكون إثباتًا. وهل (١٢٨/ أ) يجوز أن يكون نفيا؟ أما من أخذ العلة من العلامة، فيصح ذلك عنده. وأما من أخذها من المقتضي، فيفتقر إلى أن يكون في الوصف مناسبة.
وهل يصح أن يكون نفي أمرٍ مناسبٍ نفيًا خاصًا، [أو] إثباتًا خاصًا؟ هذا مما اختلف فيه. والصحيح عندنا أنه لا مناسبة للنفي بحال، ولا فرق بين أن يقول القائل: هذا الحكم لا مقتضى له، أو له مقتضى منفي، بل قولنا: لا مقتضى له، لا تناقض فيه، وقولنا: له مقتض منفي، تناقض في الكلام. ويجوز
стр. 2350
أن يكون مكشوف المناسبة، ويجوز أن يكون متضمنا للمناسب، ضابطًا [له]. والصحيح عندنا في الوصف الشبهي أنه إنما اعتبر من جهة اشتماله على مخيل، هو مناط الحكم، فلا يبعد إطلاق لفظ (٩٨/ ب) العلة على الوصف الشبهي تجوزًا، ولكن عرف الأصوليين على خلاف ذلك. ويجوز أن تكون العلة غير موجودة في محل الحكم، كتحريم نكاح الأمة، لعلة رق الولد.
[النظر] الثاني: في وجه إضافة الحكم إلى العلة، وإنما تلقيت أحكام الفروع من وجود المعنى، من [جهة] اعتقاد عموم النصب، وأن الشارع إذا أناط [الأحكام] بالمعاني، أعرض عن الاقتصار على صور الأصول، واتبع
стр. 2351
المعنى حيث وجد، فلذلك اتبع المعنى. [وهذا] المعنى يسر القياس. وإذا كان كذلك، أشعر تخلف الحكم عن المعنى، بأنه ليس مرتبطًا به، [فنشأ] من ذلك سؤال النقض، وقد استقصيناه بحسب الإمكان.
الأمر الثاني: وجود الحكم مع تخلف العلة، وهو الملقب بعدم التأثير، وهو مترتب على صحة تعليل الحكم بعلتين، وامتناع ذلك.
والثالث: أن الحكم في محل النص [هل] يضاف إلى النص، أو إلى العلة؟ وعنه يتشعب النظر في العلة القاصرة. ونحن بعون الله [تعالى] نبتدئ القول في عدم التأثير.
قال الإمام: (قال أصحاب الجدل: عدم التأثير) إلى قوله (وهذا على
стр. 2352
حسنه غير صافٍ عن القذى والكدر). قال الشيخ: إذا صح تعليل الحكم بعلتين، لم يلزم من انتفاء العلة الحكم مطلقا، لصحة زوال علة وبقاء أخرى، فيستمر الحكم للمعنى الباقي. أما إذا امتنع تعليل الحكم بعلتين، لا على الاجتماع، ولا على التعاقب، فلا يصح نفي العلة مع بقاء الحكم على حال، إلا أن يفرض إجماع أو نص يقتضي الاستمرار مع زوال المعنى، ولكن سبب نفي الحكم، امتناع ثبوته، غير مرتبط بتوقيف أو علة، لا بمعنى أن عدم المعنى يقتضي نفي الحكم. هذا (١٢٨/ ب) عندنا لا يصح، لما قررناه من [أن] النفي لا اختصاص له بحال. فنسبة النفي إلى جميع الأحكام نسبة واحدة، فكيف يصح أن يناسب بعضها دون بعض؟
وأما منع الإمام تعليل حكمٍ بعلتين على الإطلاق، فقد سبق الكلام عليه في موضعه. ومذهبه ومذهب الأستاذ واحد، ولكن المآخذ مختلفة، فإن الأستاذ
стр. 2353
إنما تلقى العلة من [العلل] العقلية، وحذا بها حذوها. ولا يصح أن يعلل حكم عقلي بعلتين. وأما الإمام، فإنه يجوز التعليل بالمعنيين، لو وجدوا مستقيمين، ولكنه يزعم أنه لا يتصور في الواقع معنيان صحيحان، يصح إضافة الحكم إلى كل واحد منهما. هذا معتقده. فهو إن ثبت [تعدد] المعاني الصحيحة، تكلف تعدد الأحكام، وإن ثبت اتحاد الحكم، قضى بامتناع صحة جميع المعاني. وهذا الذي قاله تكلف عظيم، ومركب صعب.
وقد أورد على نفسه مسألة المرأة المحرمة الصائمة المعتدة الحائض. وهذه اللفظة كذلك وقعت في الكتاب، وهي غفلة. إذ لا يصح في الشرع أن تكون صائما حائضا. وتكلف هو أنها أحكام. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، [إن شاء الله]. وقد ألزمناه نحن ما إذا [اجتمع] لبن أختك وزوجة أخيك
стр. 2354
وأوجزته صبية، فإنه يمتنع نكاحها عليك، لأنك خالها وعمها. [ولما] رأى الإمام أن [العكس]، إنما يلزم على تقدير اتحاد العلة، احتاج إلى تقدير ذلك، ودفع أسئلة عنه. وإن كان فيما تقدم من كلامه غنية عن هذا، فإنه (٩٩/ أ) قد اتسع القول في امتناع ذلك على حسب ما [يراه].
ولكن وجه ههنا أسئلة، لم يوجهها على نفسه [فيما سبق]، وهي مسائل الفرض، ومعنى الفرض من حيث الجملة هو: أن يشمل السائل سؤاله صورًا، فيفرض المجيب صورة منها، ويدل عليها، ويستفيد من الاستدلال صحة الجواب عن جميع ما اندرج تحت السؤال. هذا مسوغ في الجدال.
стр. 2355
ووجه تخيل الإشكال من هذا الكلام، أنه إن لم يكن محل الفرض يمتاز بوجهٍ عن بقية الصور، لم يكن لفرض الكلام فيه معنى، وإن لم يشترك محل الفرض مع بقية الصور في معنى يقتضي الحكم، لم يكن إلى التعميم سبيل، [ولزم] من ذلك معنيان:
أحدهما -يختص [بمحل] الفرض، ولذلك فرض المجيب الكلام فيه.
والثاني -يشمل محل الفرض وبقية الصور، ولذلك صح عموم الحكم وشموله.
هذا وجه تخيل لزوم تعليل الحكم بعلتين. وهو معنى قول الإمام: فقد علل الحكم بعلة خاصة، (١٢٩/ أ) هي مقصود [الفارض]، وعلة عامة، وهي التي صح لأجلها تعميم الحكم.
وقوله: وهذا على حسنه غير صافٍ عن القذى والكدر، معناه: أن المحل غامض، والكلام في فهمه عسر، فافتقر لأجل ذلك إلى ضرب الأمثال واتساع المقال.
قال الإمام: (وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الفرض، فأقول: ) إلى قوله
стр. 2356
([لا ارتباط لها] بمآخذ [الأحكام] في صورة الغرور). قال الشيخ: مذهب أبي حنيفة أن [المتسبب] لا يترتب عليه ضمان، وإنما يترتب الضمان على المباشر للإتلاف. والتجأ لأجل هذا الأصل إلى [الحكم] بأن المكره على القتل لا يتوجه عليه القصاص، وجعل المكره في معنى الآلة، [ولذلك] أسقط عنه القصاص. والذي قاله في سقوط أثر السبب عند المباشرة، [فيه] فقه، إذ السبب أضعف من المباشرة. ومصيره إلى أن المكره كالآلة، ضعيف، مع توجه النهي [عليه]. ونحن نقول: إن أمكن
стр. 2357
إحالة الحكم على المباشرة، فهو أولى، وإن [تعذر] ذلك بوجه من الوجوه، فتصح الإحالة على السبب على وجه مخصوص. فقال أبو حنيفة لأجل ذلك: إن الآكل يضمن لمباشرته، ولا ضمان على الغار، لأنه متسبب. وقال الشافعي: الضمان على [المقدم]، لأنه [مغرور]، والتغرير من أسباب الضمان.
وأما مالك [﵀] فإنه يقول: يستقر الضمان ابتداء على الغار، فإن تعذر تقديمه، لعدم أو غيره، ضمن الآكل. وبعض أصحابه يخير المالك في تضمين من شاء منهما.
ووجه مذهب مالك [﵀]: أن كل واحد منهما وجد في حقه سبب يقتضي التضمين. ففي حق الغار التسليط، والذي يحقق أن التسليط من
стр. 2358
[أسباب] الضمان: أنه لو سلط كلبا على إنسان فقتله، لوجب عليه الضمان. وإن كان التسليط سببا، فالإتلاف أيضا سبب بلا إشكال. وإذا اجتمع السببان، وامتنع إعمال كل واحد منهما [مع] صاحبه، إذ لو فعل ذلك، لضممنا جميعا المال مرتين. وذلك مجمع على خلافه، فلم يبق بعد ذلك إلا الترجيح أو [التساقط]. أما [التساقط]، فلا ذاهب إليه. فكان الترجيح عنده للغار، لانتسابه إلى الظلم والعدوان. هذا [إذا أمكن] تغريمه، فإن تعذر ذلك، غرمنا المباشر.
وهذا هو المختار عندنا، نظرًا إلى المصالح، ودفع الضرر عن [الملاك]، وانتصاب زاجرٍ عن الإتلاف والسبب إليه. وبعض أصحابنا يرى التخيير، لتعادل السببين (٩٩/ ب). والأول أصح وأجلب للمصالح على ما مر. فإذا سلم الشافعي عن ضمان المغرور، فأفتى [بأنه] لا ضمان (١٢٩/ ب)
стр. 2359
عليه، [وإذا] طولب بالدليل فقال: أفرض الكلام في المكره. فهذه الصورة لا تصلح للفرض. وأنا قد بينا أن الفرض، إنما يكون عند شمول السؤال [الصور كلها]، فيفرض المجيب الكلام في بعضها، لغرضٍ له في ذلك. وسنبين -بعد هذا -الغرض الذي يحسن الفرض لأجله.
أما إذا كان الذي فرض الكلام فيه، ليس يندرج تحت سؤال السائل، فهذا انتقال إلى مسألة أخرى، وإضراب عن محل السؤال، وذلك لا يقع في أبواب الفرض بحال.
فإن قال قائل: لا يتحقق الإضراب عن السؤال، فإن المكره يصح أن يعتقد أن الطعام ملك المكره، ويكون أيضا مغرورًا، [وإذا صح أن يكون مغرورًا]، فقد اندرج تحت السؤال، فإن السؤال: هل يضمن المغرور أم لا؟ قلنا: هذا ليس بشيء، فإن المفهوم من [الآكل] المغرور، أن الغرور هو الذي دعاه إلى الأقدام. ومن ضرورة [الاغترار] بقاء الاختيار، [وإسناد اغتراره إلى اختياره. وإذا لزم من الاغترار بقاء الاختيار]، والإجبار ينافي
стр. 2360
الاختيار، فهو لا يتحقق معه [الاغترار]. وإن فرض من المكره ظن على بعدٍ، فليس هو الحمل على التناول، وإنما جاء أمر [وفاقي]، لا أثر له في الحكم بحال.
فإذا لم يصح أنه مغرور غرورًا [يحمله] عل التناول، تعين أن الحامل الإكراه، وهو مفقود في المغرور، فمن أين يلزم إذا سقط الضمان عن المكره المحمول، أن يسقط عن المختار؟ فلا يصح وقوع هذا في أقسام الفرض بحال، إذ الفرض المستحسن، فرض الكلام في طرفٍ يشتمل عليه سؤال السائل.
وفائدته ضم نشر الكلام، وخروجه عن الإطالة، حذرًا من أن لا يفي مجلس واحد بالمقصود. أما إذا كان ما فرض الكلام فيه، لا يندرج تحت عموم [سؤال] السائل، لم يكن من فن الفرض.
وقول الإمام: (وإنما هو بناء، ولست أرى البناء) إلى قوله (سقوط
стр. 2361
الضمان عن المختار الطاعم) فنقول: أما البناء، فله صورتان: إحداهما تصح، والأخرى يختلف فيها. أما الصحيحة، فهو أن تكون مسألة النزاع فرعًا لمسألة توقيفية نازع الخصم فيها، فيفتقر المستدل إلى فرض الكلام في الأصل الذي تعتبر المسألة به، فإذا نوزع فيه، أسنده إلى التوقيف، فإذا استقام له الحكم فيه سليمًا عما يعارضه، اعتبر المسألة به. وقد أبى ذلك بعض الناس، وقال: لابد أن يكون الأصل متفقًا عليه بين الخصمين. والصحيح خلافه.
وأما إن كان المحل الذي فرض الكلام فيه، لا يسلمه الخصم، وليس فيه توقيف، وافتقر المستدل إلى اعتباره بغيره، ثم اعتبار مسألة النزاع به، فهذا عندنا (١٣٠/ أ) غير صحيح، وهو القياس على فرع العلة، لأنه لا يخلو: إما أن يجمع بين الفرع الأول والثاني بجامع الأصل، أو بغيره. فإن جمع بجامع الأصل، فلا حاجة إلى الفرع الأول، فيكون تطويل طريقٍ بلا فائدة. [وإن جمع بغير جامعٍ الأصل]، لم ينتفع به. وقد بينا ذلك فيما مضى، ونبهنا على خيال من أجازه، وأبطلناه عليه. فلا أرى البناء إلا في [مواضع] التوقيف على الخصوص.
стр. 2362
وقول الإمام: أساء أبو حنيفة، إذ قرر الضمان على من لا اختيار له، لفظة موهمة، (١٠٠/ أ) فإنه قد يطلق لفظ عدم الاختيار، ويراد به سلب القدرة، وتنزيل الشخص منزلة الآلة. وهذا بمثابة ما لو حمل الشخص، وألقي على مال رجلٍ فأتلفه، هذا لا خلاف أنه لا يصلح أن يكون سببًا للضمان. أما إذا أكره على الإتلاف، فلا بعد في توجه الضمان عليه، إذ هو على الحقيقة متمكن من الانكفاف، وغاية ما فيه، تغريمه إتلاف مال غيره، إبقاء على نفسه، فهو بمثابة ما لو أكل مال غيره، إحياء لنفسه عند المخمصة، فإنه ضامن لذلك المال، فكذلك إذا أكره على الإتلاف.
وكيف ينكر ذلك، [والشافعي ﵀ يرى] أن المكره على القتل يقتل، وإن كان مكرها؟ لكن قد يفرق بينهما، من جهة أن الإكراه لا [يبيح] القتل، وهو يبيح الإتلاف. ولكن لا ينبغي أن يلتفت إلى هذا، فإن الضمان لا يستدعي العدوان، بل قد يجب الإتلاف، كما صورناه في مسألة المضطر في المخمصة. وقد يجب مع سقوط التكليف، وهو [ما] إذا أتلف النائم أو الغافل، فالضمان جبران للفائت، فلا يكون تقدير الضمان على المكره إساءة بحال.
قال الإمام: (ونحن نفرض صورًة من الفرض المستحسن) إلى قوله (فلم
стр. 2363
ينتظم [على المسلكين] [علتان] عامة وخاصة في صورة الفرض). قال الشيخ: هذا الفرض الذي ذكره الإمام حسن في باب الفرض، فإن السائل إذا [سأل] عن عتق الراهن، عم سؤاله الموسر والمعسر، [فإذا فرض المجيب الكلام في المعسر، كان ذلك فرضًا صحيحًا، وقد يتخيل المتخيل في هذه الصورة معنيين:
أحدهما-يخص محل الفرض، ولذلك اختار الفارض الفرض فيه.
стр. 2364
والثاني -يعم المعسر والموسر]، ولذلك [صح] أن يعم الحكم الصورتين جميعا.
هذا وجه تخيل من تلقى من الفرض تعليل حكم بعلتين، أي في صورة الفرض معنى خاص، ومعنى عام يشملها (١٣٠/ ب) مع الصورة الأخرى.
وبيانه في المثال المذكور: أن الراهن إذا فقد عتقه، وهو معسر، فقد أبطل حق المرتهن من [عين] الرهن، وهو أمر مقصود، وأبطل أيضًا حقه من المالية. وإبطال حق العين، هي العلة العامة، لأنها تتناول المعتق الموسر والمعسر. وأما قطع [المالية]، فيختص به المعسر، وهي العلة الخاصة.
стр. 2365
[ولذلك] اختار الفارض الفرض فيها. وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع المعنيين للحكم الواحد. وهذا عندنا غير صحيح، ومذهبنا جواز التعليل بالعلتين جميعًا.
وإنما حمل الإمام على هذا الكلام، مصيره إلى امتناع تعليل الحكم بعلتين، فزعم أن المعنى المانع من نفوذ العتق، قطع حق المرتهن من عين الرهن خاصة، ولا أثر للمالية عنده، وإنما المعتبر عنده حق التعيين، ولذلك ثبت استحقاق الاختصاص بالعين المقبوضة، عند طريان العسر على الدين الواقع في الذمة، قال: [لو] رجعت المطالبة في الرهن على الذمة، لفات [مقصود] [التوثقة]، ولذلك لا يجوز رهن الدين. أما رهن الدين، فله صورتان:
стр. 2366
إحداهما: أن يرهنه دينا على الغير، فهذا يصح رهنه عندنا، إذا [خلي] [ما] بينه وبين المديون، وانقطعت مطالبة رب الدين به، ورجعت المطالبة للمرتهن. والمقصود من الرهن رفع يد الراهن عنه بحسب الإمكان. والديون عندنا يصح بيعها وهبتها. فكذلك يصح رهنها، ويتنزل المرتهن (١٠٠/ ب) فيها منزلة ربها. ويدل على صحة بيع الدين، جواز الحوالة في الدين، وهو تمليك الدين لطالب ربه، فقد صح نقل الملك فيه. وإذا جاز بيعه وتحقق الملك [فيه] وقبضه، فلم لا يصح رهنه؟
الصورة الأخرى في الدين: أن يلتزم له رهنا غير [معين] متعلقًا بذمته. فهذا عندنا يصح، ويجبر على إقباضه وتسليمه، وتمكين مشترطه من فسخ
стр. 2367
عقده، إن عقده بشرط رهنه، إذا تعذر عليه قبضه، إلا إن يشاء إمضاءه دونه، ولكن لا يكون له أحكام [الرهن]، من اختصاصه به دون غرماء من عليه الدين لا بقبضه. هذا لابد منه، إذ كيف يكون أحق بما يتعلق بذمة غريمه دون بقية غرمائه، ونسبتهم إلى ذمته في ديونهم على جهة واحدة، ولم يحصل في الرهن قبض؟ وكذلك لو كان الرهن بعينه، ولم يتفق قبضه حتى قام غرماؤه، لم يكن أحق به.
وأما قوله: إذا كفي التعلق بقطع الحق من [العين]، فأي غرض يتعلق بقطع المالية؟ قلنا: لا يلزم من الاكتفاء بمعنًى، إبطال غيره، إذا سلم في
стр. 2368
نفسه، وظهرت (١٣١/ أ) مناسبته وملاءمته. وقطع حق المالية [مناسب للمنع]، لما يفضي إليه من تفويت الحق بكماله، ولذلك أنه يتعلق الحق بالعين تارة، وبالمالية أخرى. والتصرف الذي يفضي إلى قطعهما وإبطالهما، أولى بالاعتبار. وهذا إنما يتخيل على أصل الشافعي خاصة. أما مالك ﵀، فإنه في مسألة العتق، إنما يعتمد على قطع حق المالية، ولا التفات عنده إلى عين الرهن، إذ ليس تعينه مقصودًا لنفسه، بل لغرض الوصول إلى المال. ولذلك لو أراد من عليه الدين تعجيله قبل محله، لاستعجال أخذ رهنه، لم يمنع من ذلك، ولم يكن للمرتهن امتناع لحبس الرهن. فلا يمكن الاعتماد على علتين على هذا المذهب، لانحصار الغرض في تحصيل المالية.
وأما أبو حنيفة [﵀]، فإنه إنما يعتمد على صحة ملكه، ونفوذ عبارته. وجامعه: أنه إذا سرى عتقه إلى غير ملكه، فكيف ينبو عن محل ملكه؟
стр. 2369
وهذا القول ضعيف، لأنه لا يسري مع العسر على حال. [ولذلك] كان ينبغي أن لا ينفذ عتق المعسر الراهن. نعم، يصح أن يعتمد على هذا المعنى مالك، فإنه جعل نفوذ العتق من الراهن بمثابة تسرية عتق الشريك. وهذا الكلام صحيح، فإنه إذا [سرى] العتق، أو حكم به متعديا إلى ملك الشريك، عند حصول مقصود الشريك من المالية، فكذلك إذا حصل مقصود المرتهن من الدين، لا من قيمة العبد، فلا يمتنع عتقه، كما قررناه.
وأما الإمام [﵀] فإنه لم ير الاعتماد على المعنيين جميعا، لأن أحدهما عنده في معنى البدل عن الأصل، فلا يرى الجمع بين الأصل والبدل، والأصل عنده قطع حق المرتهن من العين، فإنه إذا حفظت العين عليه، ففي ذلك حفظ المالية ضمنا. قال: وإنما نعود إلى التمسك بالمالية عند فوات العين، فيرجع إلى البدل، جبرانًا للفائت، ولا يصح أن يجمع بين الأصل والبدل، فلذلك أنا في الأموال نحافظ على الأعيان، ولا نقول يجب الضمان مع بقاء الأعيان، بل نطلب ردها بحسب الإمكان. فإذا تعذر ذلك، رجعنا إلى
стр. 2370
المالية. هذا [هو] مقصود الإمام في هذا المقام. (١٠١/ أ) وله وجه بين في فن المسألة.
وأما امتناع اجتماع العلتين للحكم الواحد، فقد سبق ما نختاره فيه، وسيعود إن شاء الله تعالى.
وقول الإمام: وهذا يناظر [عندي] [مسلكين] إلى آخره. قلنا: قصد (١٣١/ ب) الإمام في هذا [المكان] في التشبيه أن رجوع المرتهن إلى طلب مالية الرهن عند فرض التلف، لا يوجب أن تكون المالية مطلوبًا أصليًا، فيما يتعلق بغرض [التوثقة]، وإنما هو أمر جرت إليه الأحكام، ودعت إليه الضرورة، فلا ينبغي أن يظن أن ذلك مقتضى الأصول ابتداء. [وكذلك] إذا
стр. 2371
[شمل] العقد الواحد عرضين [بثمن واحد]، فلا نقول إن التوزيع يثبت بمقضى العقد، حتى نقول ينصرف بعض الثمن إلى أحد المبيعين، والبعض الآخر إلى المبيع الآخر، حتى يكون ذلك في معنى عقدين، بل جملة الثمن منسوبة إلى جملة المبيع، ويتنزل [العرض] الثاني منزلة بعض أجزاء العرض المبيع، فلا يقدر التوزيع في المبيع الواحد بحال. وكذلك يكون الأمر في المبيعين عند اتحاد العقد.
وإن استدل مستدل على التوزيع، بما إذا فرض استحقاق أو عيب في أحد المبيعين [ورد]، فإنا ننسب الثمن إليهما، [ويرجع بما] ينوب المردود منهما. فيقال: هذا أمر ضروري دعت إليه الحاجة عند الاستحقاق، [والأخذ] بالشفعة. فلا يظن أن ذلك مقتضى الأصول عند انعقادها. وكذلك نحكم بثبوت الأملاك بالملاك، وتوقف على الاختيار. ولا يقدح في ذلك إلزام التقويم في مسألة عتق الشريك، إلى غير ذلك من مظان الضروريات.
هذا مقصود الإمام. وقد تكلمنا عليه، وبينا مستنده فيه، فلا نعيده. ولا يصح على مذهبه علتان عامة وخاصة في هذا المثال. ولكن مذهبه صحة تعليل الحكم بعلتين، إذا أمكن ذلك، وسلمت المعاني من المفسدات.
قال الإمام: (ومما [نجريه] مثالاً في ذلك، أن الشافعي إذا فرض
стр. 2372
الكلام في مسألة ضمان المنافع) إلى قوله (إذا الحكم في هذا التقدير [مستقل جامع] من المعاني). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا المكان من فرض الكلام في جانب [إتلاف المنافع]، يعني به أن الإتلاف ثبت في الضمان، والتلاف أيضًا تحت اليد العادية، بسبب مستقل، وهو إذا أتلف الشيء فقد تلف. وهذا من أعظم ما يتمسك به في اجتماع العلل للحكم الواحد. وهو من أحسن [صور] الفرض، إذ كل متلفٍ تالف، وإذا أتلف فقد تلف الشيء تحت يده على حكم العدوان. ولا يمكن إنكار كون هذا سببا للضمان، فقد علل الحكم بعلة خاصة، وهي الإتلاف، [وأخرى] عامة، وهي التلف تحت اليد العادية.
стр. 2373
أجاب عن ذلك بأن قال: (١٣٢/ أ) العلة في الضمان الإتلاف فحسب، وإنما أقيم التلف تحت اليد العادية مقام الإتلاف، دفعًا للظالم، ومنعًا للتعدي. [فكان] من المناسب أن يقدر المتعدي كالمتلف، وإن لم يكن متلفا. والذي يحقق الأصالة في جانب الإتلاف، أن المناسبة تقتضي أن من أتلف شيئًا، غرم مثل ما أتلف أو قيمته. وأما [التلاف] الذي يقع سماويا، فلا تظهر فيه هذه المناسبة.
وهذا الذي قاله ظاهر في تفاوت المناسبتين، ولكن ليس فيه (١٠١/ ب) ما يدل على أن أحدهما أقيم مقام الآخر، بل يكون الشرع جعل الإتلاف موجبا للضمان، وجعل العدوان سببا للضمان، على تقدير الفوات. وعلى هذا التقدير، لا يمتنع اجتماع المعنيين للحكم الواحد، ويكون غرض الفارض ذلك. أما إذا ثبت للإمام [ما رامه] من أن التلاف تحت اليد العادية إذا ضمن، أقامه مقام الإتلاف، فلا يتصور مع ذلك أن يجمع بينهما [بحال]، إذ لا يصح أن
стр. 2374
[يقال] الشيء كنفسه، فكيف يقال ضمن التلاف، لأنه كالإتلاف في موضع الإتلاف. هذا لا يصح بحال.
ولكن هذا الكلام من الجانبين، إنما يستقيم أن لو أمكن الجمع بين الإتلاف والتلف حتى ينظر، هل هما معنيان مستقلان، أو أحدهما مشبه بصاحبه؟ وليس الأمر كذلك عندنا، بل معنى الإتلاف: إهلاك الشيء. وكيف يتصور أن يجتمع إهلاكه وهلاكه معا؟ هذا محال، وإنما يرجع ذلك إلى تعدد الألفاظ دون المعاني. ومعنى إهلاك الشيء: أنه هلك مستندا إلى جناية جانٍ. فكيف يصح مع ذلك أن يهلك غير مستند لجناية تتخيل [الاجتماع] [بحال]؟ فلا نظر بعد ذلك إلى الأصالة والبدلية.
وأما تشبيه الإمام هذا المسلك بمسلك نفي الجواز والكمال، فمقصوده به أنه: كما لا يصح نفي الجواز والكمال معا، فكذلك لا يصح الإتلاف والتلف جميعا، ولكن ذلك له مأخذ آخر، وذلك أنا إذا قلنا: إن هذا الشيء ليس بكامل، اقتضى ذلك كونه مجزئا، فإذا كان نفي أحدهما يتضمن ثبوت الآخر، فكيف يصح أن يعتقد نفيهما جميعا؟ هذا محال. ومن هذا الوجه
стр. 2375
يحسن التشبيه، أي كما لا يصح نفي الإجزاء والكمال جميعا، فكذلك لا يتصور اجتماع الإتلاف والتلف جميعا. فلا يكون ذلك ممتنعا من جهة أن أحدهما يتنزل منزلة الآخر، بل امتنع ذلك لاستحالة الاجتماع. وإذا لم يتصور في [صورة] الفرض اجتماع معنيين لحكم واحد، فما فائدة الفرض مع أن الاعتماد على المعنى الفرد، وهو لو ذكره (١٣٢/ ب)، لكان شاملا لجميع الصور؟
قال الإمام: ([فائدة]: دفع أسئلة قد يعتاص الجواب عنها) إلى قوله (اندفع هذا الكلام [الواقع] فضلة). قال الشيخ: هذا ضعيف، لأنه إذا زعم أن حكم الموسر حكم المعسر، توجه السؤالان، إلا أن يتمسك بانعقاد [إجماع المسلمين] على نفي الفرق، فيكون في الفرض فائدة على هذا التقدير.
стр. 2376
قال الإمام: (فلم يقع تعليل حكم بعلتين، ولكن إن لم يتفق) إلى قوله (إشعار آحاد الصفات). قال الشيخ: قصد الإمام بجميع ما ذكره من مسائل الفرض، أنه إذا صح تعليل الحكم بعلتين، لم يكن التعلق بالعكس اعتراضا في رسم الجدول، لجواز انتفاء علة وبقاء أخرى. فأما إذا لم يصح تعليل حكم [بعلتين]، فإذ [ذاك] يتمسك بتخلف الانعكاس. والإمام يرى أن العلل لا تجتمع وقوعًا، ولكنها لا يمتنع اجتماعها (١٠٢/ أ)، نظرًا إلى المصالح. فإذا قدر وقوع هذا المجوز -لما اقتضى انتفاء المعنى انتفاء الحكم -من باب الإشعار، اقتضى الاستقلال، لصحة إمكان معنى آخر يستند الحكم إليه.
стр. 2377
وكلام الإمام في هذه المسألة مضطرب اضطرابا شديدا، فإنه يقول: إذا انتفى المعنى مع ما سبق من ثبوت اتحاد العلة، وجب أن ينتفي الحكم، إذا لم يرد توقيف باستمراره، لاستحالة بقاء الحكم غير مرتبط بتوقيف أو علة. وعلى هذا، يكون انتفاء الحكم لعدم ما يقتضي ثبوته.
وتارة يرى أن لعدم المعنى [أثر] في نفي الحكم، لا على طريق الاستقلال، فلا يستقل على هذا نفي المعنى في اقتضاء نفي الحكم. وهذا هو الذي ذكره ههنا، فلا يستقل على هذا التقدير نفي المعنى الفرد بنفي الحكم. وإنما ينتفي الحكم على تقدير [انتفاء] كل ما يتخيل معنى. وهذا عندنا ضعيف لوجهين:
стр. 2378
أحدهما -أنا قد بينا أن النفي لا يناسب أصلا، [لا] على جهة الاستقلال، و [لا] على جهة [الجزئية].
الثاني -أن الإمام يرى أنه لا يصح أبدًا اجتماع معنيين صحيحين لحكم واحد. وإذا كان كذلك، واتحد معنى الحكم، فعند انتفائه يتحقق انتفاء جميع المعاني، فما المانع من استقلال نفي المعنى بنفي الحكم؟ وكيف يصح أن ينزل عدم المعنى بالإضافة إلى نفي الحكم منزلة فقدان وصف من الأوصاف في العلة المركبة؟ وانتفاء وصف لا يصح معه ثبوت الحكم، وانتفاء علة لا يلزم معها نفي الحكم. ولكن مقصوده، أن الأوصاف إنما تثبت الحكم إذا اجتمعت، فلكل وصفٍ على حياله حظ من المناسبة، لا على الاستقلال. وكذلك كل علة لها -في خال (١٣٣/ أ) عدمها -أثر في نفي الحكم. فإذا انتفى جميعها، اقتضى ذلك نفي الحكم.
وتارة يقول: انتفاء العلة الواحدة، يضاهي انتفاء ترجيح. وهذا القول أيضا
стр. 2379
ضعيف، إذ كيف يصح أن يقال: [إن] زوال وصفٍ من أوصاف العلة المركبة، يضاهي زوال ترجيح، وإنما يصح الترجيح بعد تحقيق الاستقلال، فلا يستقل نفي الحكم -على قوله -إلا بنفي الجميع.
وتارة يقول: [إن] نفي المعنى، قد يناسب نفي الحكم. وهذا أيضا مثله بمثال لا يصح، وسنتكلم عليه إذا جئنا إليه، إن شاء الله.
وتارة يزعم أن انتفاء الحكم عند انتفاء العلة متلقًى من وضع التعليل ضمنًا. فعلى هذا، إذا نصب الوصف علة، فقد ارتبط الحكم بوجوده صريحا، وارتبط [بنفيه] ضمنًا، فلا حاجة على هذا التقدير إلى أن يتبين انتفاء جميع العلل، بل متى ثبت كون الشيء علة، أخذ من ضمن ذلك نفي الحكم عند انتفائها. والصواب عندنا خلاف ذلك كله، وأن العكس غير لازم على حال، ولا يقتضي نفي الحكم مطلقًا. نعم، إن أتحدث العلة وفقدت، وانتفت التوقيفات، امتنع ثبوت الحكم. إذ ثبوته في ذلك الوقت، تحكم بغير برهان.
قال الإمام: (وإذا [تقرر] ما ذكرناه، فنقول: إذا طرد المعلل علة
стр. 2380
واطردت له) إلى قوله (في مفاوضة من يناظره). قال الشيخ: أما بطلان العلة بالمسألة الناقضة، فقد (١٠٢/ ب) تقدم الكلام فيه، وتبين أن الإمام لا يرى النقض بمواقع الاستثناء، ونحن نقول كذلك، وكذلك مصيره إلى أن كون الناقضة، متى كانت معللة [أبطلت]، أمر لا يوافق عليه، [ونقل] أن بعض الناس يقول ببطلان العلة عند ورود الاستثناء عليها. وهذا لا يتصور فيه خلاف أبدًا، إذ كيف تبطل العلة مع تحقق الاستثناء، وهو كالصريح في [تقدير] التعليل؟ فمن العجب، كيف ينقل الإمام الخلاف في هذا؟ نعم، يمكن أن يكون الخلاف فيما إذا كانت الناقضة [لا] يعقل معناها، فيقول بعض الناس إنها لا تبطل، إما بناء على أنها مستثناة، أو إعراضًا عن النادر. ويرى المبطل أن المعنى قد انقطع طرده، لما تحقق كونه مستثنى. هذا هو الذي
стр. 2381
يمكن الخلاف فيه. فأما بعدد صحة الاستثناء في الناقض، فلا يتصور فيه خلاف بحال. وإذا كان لا يتصور الخلاف في الناقض المستثنى، فكيف يتصور أن تبطل العلة إذا منع الاستثناء من عكسها؟
وقوله: إذا اعترضت المسألة الناقضة، وهي غير معللة، فعلى المستدل أن يبين السبب المانع من الطرد، ويلزمه ذلك في أدب الجدل. ولو (١٣٣/ ب) فرض عدم الانعكاس بمثل ذلك، فلا يلزمه أن يبين السبب التوفيقي المانع من العكس. وهذا الكلام فيه غموض، وذلك أنه إذا انقسم الناقض إلى ما يقدح، وإلى ما لا يقدح، وألزم المستدل [أن يبين] أنه من قبيل ما لا يقدح، فكذلك انقسم عدم التأثير، إلى ما يقدح، وإلى ما لا يقدح، [فهل] على المستدل أن يبين أنه من قبيل ما لا يقدح؟
اختلف الجدليون فيه، فألزمه بعضهم ذلك، وامتنع منه المحققون. [أما] من ألزمه، فوجهه ما ذكره في لزوم النقض، إذ الدليل معرض للبطلان،
стр. 2382
فلابد من الجواب. وقال المحققون: إنه غير لازم، لأنه إذا كان في بعض المواضع لا يقدح، فلم يتحقق المعترض الاعتراض، وقد سبق المستدل إلى الاستدلال. فإذا كان الوارد يمكن أن يكون قادحًا، ويمكن أن يكون غير قادح، لم يتحقق الاعتراض. وهذا لعمري -إذا قيل به -يمنع من لزوم الجواب عن [النقض] أيضا، ولكن الصحيح الفرق بينهما، وذلك أن الحكم في الفرع، إنما ثبت على تقدير عموم النصب في العلة. فإذا ظهر التخصيص، فقد فات الدليل، وليس يتلقى الحكم في مسألة النزاع من انتفاء العلة على حال. [وسر] الجدل قصر الكلام على محل النزاع. فأما إذا انتقل الكلام إلى بيان السبب المانع من الانعكاس، فقد خرج الكلام إلى الانتشار، وجاوز حد [الاختصار]. فالصواب الفرقان بين الإلزامين، ووجوب الجواب عن أحدهما دون الثاني.
قال الإمام: (فإن قيل: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه، مبنيا على
стр. 2383
الدعاء إلى العكس؟ ) إلى قوله (عند أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف). قال الشيخ: معنى قوله: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه مبنيا على الدعاء [إلى] العكس، أنه يقول: [يثبت] الحكم المتنازع فيه بثبوت العلة، وينتفي [بانتفائها]، فيلزم الخصم الإثبات والنفي جميعًا، لما (١٠٣/ أ) [قررناه] من اقتضاء نفي العلة نفي الحكم اقتضاًء ضمنيًا؟ قال: [لا
стр. 2384
يستقل في هذا كلامه] المطلق، بل عليه أن يبن معناه، ويبين فساد ما عداه. وهذا عجيب منه، مع مصيره إلى أنه متى صح معنى، بطل ما سواه. [هذا] مذهبه، فأي حاجة له بعد بيان صحة معناه، أن يبين فساد ما عداه؟ ولكنه لما [أبدى] الخصم معنى سواه، لم يقبل منه تعيين معناه للصحة، إذ يمكن للخصم أن يعكس ذلك، فافتقر لذلك [أن] يبين فساد ما ادعاه الخصم، ويفتقر مع ذلك إلى الإشارة إلى نفي التوقيف المانع من العكس، فحينئذ يسوغ الدعاء إلى العكس، إما لاقتضاء نفي المعنى ذلك، وإما (١٣٤/ أ) لامتناع ثبوت الحكم غير مستند إلى معنى أو توقيف.
وأما قوله: إن هذا معدود [عند] أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف، فسنتكلم عليه في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (وأما ما عد من عدم التأثير في [الأصل]) إلى قوله
стр. 2385
(كترك [السنن] والهيآت في العبادات]). قال الشيخ: إذا ضم إلى علة الأصل وصف لا أثر له في الحكم، لا استقلالاً ولا انضمامًا، فلا حاجة إلى ذكره بحال، فإنه إنما يجمع بين الفرع والأصل بعلة الحكم في الأصل. [فإذا كان معنى الأصل على مجرده لا [يباين] وجوده في الفرع، فكيف يستند حكم الفرع إلى أمر لا أثر له في الأصل]؟
وهذا كما مثله في الأمة الكتابية، فإنه لا يجوز تزويجها عند مالك والشافعي. فإذا نظم القياس وقيل: أمة كافرة، فلا يصح لمسلم تزويجها، كالأمة المجوسية، فلاشك أن الرق لا أثر له في الأصل، إذ الحرة المجوسية لا يجوز تزويجها. وإذا بطل أن يكون للرق أثر في الأصل، وجب حذفه، فلا يبقى إلا التمجس، وهو مفقود في الفرع. وهذا قد قبله بعض الجدليين، بناًء
следующие страницы →