Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
يمكن الخلاف فيه. فأما بعدد صحة الاستثناء في الناقض، فلا يتصور فيه خلاف بحال. وإذا كان لا يتصور الخلاف في الناقض المستثنى، فكيف يتصور أن تبطل العلة إذا منع الاستثناء من عكسها؟
وقوله: إذا اعترضت المسألة الناقضة، وهي غير معللة، فعلى المستدل أن يبين السبب المانع من الطرد، ويلزمه ذلك في أدب الجدل. ولو (١٣٣/ ب) فرض عدم الانعكاس بمثل ذلك، فلا يلزمه أن يبين السبب التوفيقي المانع من العكس. وهذا الكلام فيه غموض، وذلك أنه إذا انقسم الناقض إلى ما يقدح، وإلى ما لا يقدح، وألزم المستدل [أن يبين] أنه من قبيل ما لا يقدح، فكذلك انقسم عدم التأثير، إلى ما يقدح، وإلى ما لا يقدح، [فهل] على المستدل أن يبين أنه من قبيل ما لا يقدح؟
اختلف الجدليون فيه، فألزمه بعضهم ذلك، وامتنع منه المحققون. [أما] من ألزمه، فوجهه ما ذكره في لزوم النقض، إذ الدليل معرض للبطلان،
стр. 2382
فلابد من الجواب. وقال المحققون: إنه غير لازم، لأنه إذا كان في بعض المواضع لا يقدح، فلم يتحقق المعترض الاعتراض، وقد سبق المستدل إلى الاستدلال. فإذا كان الوارد يمكن أن يكون قادحًا، ويمكن أن يكون غير قادح، لم يتحقق الاعتراض. وهذا لعمري -إذا قيل به -يمنع من لزوم الجواب عن [النقض] أيضا، ولكن الصحيح الفرق بينهما، وذلك أن الحكم في الفرع، إنما ثبت على تقدير عموم النصب في العلة. فإذا ظهر التخصيص، فقد فات الدليل، وليس يتلقى الحكم في مسألة النزاع من انتفاء العلة على حال. [وسر] الجدل قصر الكلام على محل النزاع. فأما إذا انتقل الكلام إلى بيان السبب المانع من الانعكاس، فقد خرج الكلام إلى الانتشار، وجاوز حد [الاختصار]. فالصواب الفرقان بين الإلزامين، ووجوب الجواب عن أحدهما دون الثاني.
قال الإمام: (فإن قيل: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه، مبنيا على
стр. 2383
الدعاء إلى العكس؟ ) إلى قوله (عند أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف). قال الشيخ: معنى قوله: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه مبنيا على الدعاء [إلى] العكس، أنه يقول: [يثبت] الحكم المتنازع فيه بثبوت العلة، وينتفي [بانتفائها]، فيلزم الخصم الإثبات والنفي جميعًا، لما (١٠٣/ أ) [قررناه] من اقتضاء نفي العلة نفي الحكم اقتضاًء ضمنيًا؟ قال: [لا
стр. 2384
يستقل في هذا كلامه] المطلق، بل عليه أن يبن معناه، ويبين فساد ما عداه. وهذا عجيب منه، مع مصيره إلى أنه متى صح معنى، بطل ما سواه. [هذا] مذهبه، فأي حاجة له بعد بيان صحة معناه، أن يبين فساد ما عداه؟ ولكنه لما [أبدى] الخصم معنى سواه، لم يقبل منه تعيين معناه للصحة، إذ يمكن للخصم أن يعكس ذلك، فافتقر لذلك [أن] يبين فساد ما ادعاه الخصم، ويفتقر مع ذلك إلى الإشارة إلى نفي التوقيف المانع من العكس، فحينئذ يسوغ الدعاء إلى العكس، إما لاقتضاء نفي المعنى ذلك، وإما (١٣٤/ أ) لامتناع ثبوت الحكم غير مستند إلى معنى أو توقيف.
وأما قوله: إن هذا معدود [عند] أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف، فسنتكلم عليه في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (وأما ما عد من عدم التأثير في [الأصل]) إلى قوله
стр. 2385
(كترك [السنن] والهيآت في العبادات]). قال الشيخ: إذا ضم إلى علة الأصل وصف لا أثر له في الحكم، لا استقلالاً ولا انضمامًا، فلا حاجة إلى ذكره بحال، فإنه إنما يجمع بين الفرع والأصل بعلة الحكم في الأصل. [فإذا كان معنى الأصل على مجرده لا [يباين] وجوده في الفرع، فكيف يستند حكم الفرع إلى أمر لا أثر له في الأصل]؟
وهذا كما مثله في الأمة الكتابية، فإنه لا يجوز تزويجها عند مالك والشافعي. فإذا نظم القياس وقيل: أمة كافرة، فلا يصح لمسلم تزويجها، كالأمة المجوسية، فلاشك أن الرق لا أثر له في الأصل، إذ الحرة المجوسية لا يجوز تزويجها. وإذا بطل أن يكون للرق أثر في الأصل، وجب حذفه، فلا يبقى إلا التمجس، وهو مفقود في الفرع. وهذا قد قبله بعض الجدليين، بناًء
стр. 2386
منهم على أن الحكم ثابت في الأصل، وقد حصل تركيب العلة من وصفين. وإذا نوزع المستدل في سقوط أحد الوصفين واعتباره، فعليه إثباته بالدليل. وهذا يلتفت على التركيب، وسيأتي تقريره فيه.
والصحيح عندنا بطلان هذا القياس، فإنه إذا كان الحكم يستقل في الأصل بمجرد التمجس، فهذا مفقود في الفرع بلا شك، فلا يصح أن يثبت حكم الأصل في الفرع مع فقدان جامع الأصل. وكون الرق [مؤثرا] من حيث الجملة، لا يغني في هذا المقام، إذ تحقق أنه ليس بعلة فيه، ولا جزء علة.
نعم، إن أمكن إلحاق الفرع بأصل آخر، واستقل الرق مع الكفر فيه، صح الاعتبار. ولكن هذا لا يصادف، ولو فعل ذلك، لكان ما عين أصلاً [عين] مسألة النزاع. وإذا بطل الجمع على هذا الوجه المذكور، نظر، فإن كانت الزيادة لو حذفت، لأمكن الإلحاق واستمر القياس، صح ذلك، ولكن يكون ذاكرها [آتٍ] [بلغو] لا فائدة [فيه]، ولا ينبغي أن يحكم [ببطلان]
стр. 2387
العلة. أما في الدين، فيتعين إعمالها. وأما في الجدل، فلا ينبغي أن يقضى بكون ذاكرها منقطعًا، وإن كان إذا قدر حذفها، امتنع الإلحاق، كما صورناه، فهذا يمنع التمسك بهذا القياس دينًا وجدلاً.
وأما ما تمسك به [المجوزون] من تنزيلها منزلة الشاهد الثالث في الاستظهار، فغير صحيح، فإن ذلك مما يقوى غلبة (١٣٤/ ب) الظن بصدق الشاهدين (١٠٣/ ب)، [وهو] أيضًا معرض لأن يقع ركنًا، على تقدير تطرق خللٍ إلى أحد الشاهدين، وليس هذا الوصف صالحًا [للعلية] بحال. على أن الشاهد الثالث، لا يتحتم الإتيان به، بل إن وجد كان استظهارًا، وهذا القياس لا يتم إلا بذكر الزيادة.
ثم فيه أيضًا وجه آخر، وهو أنه إذا ركب علة الأصل من التمجس والرق، فالتمجس مفقود في الفرع، وذلك يمنع القياس، إلا أن يقول: أخذته من جهة كونه كفرًا، لا من جهة [كونه تمجسًا. وإذا سلك المستدل هذا المسلك، بطل
стр. 2388
عليه] ذلك بصحة نكاح الحرة الكتابية، فإن التمجس إذا أثر في الأصل، من جهة كونه كفرًا مجردًا، لا من جهة كونه تمجسًا، وجب أن يؤثر كذلك في الفرع، فلا وجه لذكر هذه الزيادة بحال.
قال الإمام: (ولو كانت العلة تنقض لو قدر حذف الزيادة) إلى قوله (فهذا تمام القول فيما أردناه). قال الشيخ: هذا الذي ذكره، ليس هو مما نحن فيه،
стр. 2389
فإن تلك المسألة الحكم في الأصل مضاف إلى علة، وقد وجدت في الفرع، وتخلف الحكم. وههنا علة الأصل، لم توجد في الفرع، فهي عكسها. وإنما قصد الإمام بما ذكره، أن العلة المنقوضة قيدت بقيد يدرأ النقض، وفي هذا المكان ضم إلى العلة وصف حتى يوجد في الفرع. فمن هذه الجهة، اشتبهت المسألتان، والفقه يقتضى حذفهما جميعًا، والإعراض عنهما، ثم يحكم بعد ذلك بما يصح. والكلام على الزيادة [الدارئة] للنقض، قد تقدم مستقصًى، فلا حاجة إلى إعادته.
قال الإمام: (وعلينا الآن [فضل] كلامٍ في [فصل] الأصحاب) إلى قوله (فوضح أن تقسيم الكلام إلى الأصل والوصف، لا حاصل له). قال الشيخ: أما تقسيم عدم التأثير إل الأصل والوصف، فواضح، أما عدم التأثير في الوصف، فالمراد به: أن العلة توصف بكونها مطردة منعكسة، فيكون انعكاسها وصفًا لها. [فإذا] كان عكسها يقتضي نفي الحكم عند من يراه، فإذا لم
стр. 2390
تنعكس، لم [يظهر] أثر وصفها، وهو الانعكاس.
وأما عدم التأثير في الأصل، فأرادوا به أمرًا، وأراد الإمام غيره. أرادوا به: أن أصل الوصف لا أثر له، أي لوجوده، إذ لحكم مضاف إلى غيره. ولذلك يستقل معنى الأصل دونه، وهو بمثابة انضمام الرق إلى التمجس. وأراد الإمام بذلك: أنه لا أثر له في الأصل الذي منه الاستنباط. والأمر في ذلك قريب، فإن حاصله راجع إلى أن حكم الأصل غير مضاف إليه، لا على جهة الاستقلال، (١٣٥/ أ) ولا على جهة الاشتراك.
وقوله: والذي نراه أن القسمين يرجعان إلى الأصل، أي إلى الأصل الذي منه الاستنباط. فإن فرض تعدد معنى الأصل، لم يلزم من عدم معنًى عدم الحكم، فإن فرض اتحاد المعنى، جر ذلك الانعكاس.
стр. 2391
وقوله: فوضح أن تقسيم القول إلى الأصل والوصف، لا حاصل له، ليس الأمر على ما يقول في هذا المكان، وقد بينا صحة الانقسام، وما [أرادوه] بالفصل بين الوصف والأصل، هو كلام حسن.
قال الإمام: (ونحن الآن نسرد في بسط المقالات كلامًا) إلى قوله (فهذا بيان (١٠٤/ أ) المقالات في العكس). قال الشيخ: أما [المصير] إلى اشتراط الانعكاس جملة، فهذا رديء مزيف، وكيف يشترط الانعكاس جملة؟ وقد بينا أن الطرد لا يشترط في جميع الصور، وحققنا أن الناس لا يختلفون فيما إذا كان القاطع للطرد من المستثنيات. فإذا كان النقض على هذا الوجه لا يضر، وهو وارد على نص العلة، فماذا يقال في تخلف العكس على الوجه المذكور؟ نعم، إذا فقد المعنى، ولم يخلف غيره، ولم يوجد توقيف يتضمن استمرار الحكم، فمن المحال بقاؤه غير مستند لشيء.
стр. 2392
وأما من قال إن العكس غير لازم على الإطلاق، إن أراد أنه لا يقتضي نفي الحكم، فكلام صحيح. وإن أراد أن الحكم يستمر مع فقدان المعنى والتوقيف، فكلام باطل.
وقوله في التعليل: لأن إشعار النفي بالنفي [في المقصود] طرد خفي. كلام ملتبس، فإن أراد بالطرد ما لا يناسب، فكيف [يكون] إشعاره خفيًا؟ وإن أراد أنه لا يستقل، وهو الظاهر من قوله، فلا يلزم من حصول ما لا يستقل بالنفي نفي الحكم. وهذا هو اللائق مذهب الإمام، حيث يرى أن لفقدان كل علة من العلل أثر في نفي الحكم، يضاهي أثر الوصف الواحد [في] العلة المركبة من أوصافٍ في جلب الحكم. والذي اخترناه خلاف ذلك، وهو أن نفي المعنى لا يناسب نفي [الحكم بحال.
وأما الفصل بين لزومه في الدين دون الجدل، فلابد منه، فإنه يجب على] المجتهد البحث عن نفي الحكم، كما يجب عليه البحث عن ثبوته. وإذا كان كذلك، لزم البحث عند انتفاء المعنى، هل للحكم سبب آخر يرتبط به أم لا؟ لأن عدم المعنى، يقتضي نفي الحكم. وأما المناظر، فلا يلزمه هذا البحث، وإنما عليه البحث عما يقتضي الحكم الذي فرض الاستدلال عليه، وقد استتب له ذلك بتقرير المعنى وتحقيقه.
стр. 2393
قال الإمام: (وأما ما سموه عدم التأثير في الأصل) إلى قوله (وقد (١٣٥/ ب) نجز بنجازها القول في عدم التأثير). قال الشيخ: هذا الكلام واضح، لا يفتقر إلى مزيد، وقد تقدم بيانه، فلا معنى لإعادته.
قال الإمام: (ومن الاعتراضات: فساد الوضع) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: سمى الجدليون القسم الأول فساد الوضع، وسموا الثاني فساد
стр. 2394
الاعتبار، والخطب في ذلك يسير، والأمر فيه قريب. أما إذا كان القياس على خلاف النصوص المتواترة، فلا خفاء في فساد وضعه. وأما إذا كان [على خلاف] خبر الواحد، [فهذا موضع خلاف، وقد تقدم الكلام على ذلك في أبواب تخصيص العموم بالقياس وخبر الواحد]، وبينا أن المسألة في [تقديم] خبر الواحد على القياس ليس مقطوعًا، وإنما هو في محل الظن.
стр. 2395
وهل يقضى عل القياس بكونه فاسد الوضع، سواء كان على خلاف الخبر أو وفقه؟ هذا مما تنوزع فيه.
قال بعض الأصوليين: متى كان في المسألة توقيف، فلا سبيل إلى القياس بحال، إذ القياس إنما يطلب به حكم ما ليس منطوقا به. أما إذا كان الحكم منطوقا به، فكيف يطلب حكمه بالقياس؟ فعلى هذا يكون القياس فاسد الوضع، متى كان في المسألة توقيف موافق أو مخالف.
والذي عليه الأكثرون أن وجدان التوقيف، لا يمنع من القياس الموافق، ولهذا يتمسك في المسألة (١٠٤/ ب) الواحدة بالنص والإجماع والقياس. نعم، يمتنع أن يكون فرع الأصل منصوصًا على حكمه وحكم أصله بنص واحد، إذ ليس أحدهما بأن يجعل أصلا، بأولى من عكسه. هذا تمام الكلام في فساد الوضع.
стр. 2396
قال الإمام: (مسألة: إذا اعتبر القائس القصاص) إلى آخرها. قال الشيخ: الذي ذكره الحذاق ينزل على صورة، والذي ذكره الإمام ينزل على أخرى. الذي ذكره الحذاق مفروض فيما إذا تباينت القواعد، وتفاوتت تفاريعها في نظر [الشرع]، فإنه إذا ظهر لك، امتنع أن يستعمل [معنى] إحدى
стр. 2397
القاعدتين في الأخرى. هذا بمثابة إخراج القيم في الزكوات، فإنه يمتنع عندنا، وإن كان المعنى لائحًا. وسبب ذلك أن المعنى فيما لم يتمحض اعتباره، لما خامر المعنى من شوب التعبد، وإلا فالقيمة للفقراء أرفق من الشاه. ومع ذلك قضينا بمنع الإجزاء، وإن كان المعنى لائحًا. وكذلك قلنا لا بد من رعاية عدد
стр. 2398
المساكين في الكفارات، ومنعنا من الصرف إلى مسكين واحد في أيام، وإن كان الشرع يقصد سد خُلته كل يوم، ولكن رأينا في الباب تعبدات، فقلنا: يمكن (١٣٦/ أ) أن يكون [العدد] من جملتها. فإذا [بنيت] القواعد على المخالفة، تعذر اعتبار معنى قاعدة في أخرى. ولذلك [يمنع] من اعتبار غرر الصداق بغرر الثمن، لكون الصداق بُني على نوع من المكارمة، فلا سبيل إلى اعتباره بالثمن بحال. هذا هو الذي [أراده] الحذاق.
وقصد الإمام ما إذا افترقت القواعد من وجه، [وتقاربت] من وجه آخر، فإن القياس يستعمل في جهة [التقارب] دون التباعد. وإذا اتضح ذلك،
стр. 2399
فقوله صحيح، ولا يمكن فيه نزاع. وذلك بمثابة ما إذا بيعت الأموال الربوية بعضها ببعض، فإنه يشترط فيها من الشروط ما لا يشترط في غيرها، ولكن مقتضى القواعد في [بيع] الأغرار سواء، فيجوز أن يفسد الصرف، [إذا] اشتمل على عوض مجهول، اعتبارًا بالبيع. فهذا هو [الذي] قصده الإمام. فإذا رُدت المذاهب المطلقة إلى التفصيل، لم يبق للخلاف تحصيل.
قال الإمام: (و من الاعتراضات الصحيحة: القلب) إلى قوله (وإنما هو مسلك [بديع] جدًا، لا يعهد له نظير). قال الشيخ: أورد مسح الرأس
стр. 2400
مثالًا لتصور معنى القلب، وقصد المورد بإيراده، أن الحكم الذي نفاه أحدهما، لم يتعرض الآخر لإثباته، والذي [أثبته] الثاني، لم يتعرض الأول [لنفيه]، فكأن كل واحد منهما فرض الكلام في طرف من أطراف المسألة، لا يتعرض للحكم الذي صرح به خصمه. هذا وجه من [أبطل] القلب، فصرف الإمام
стр. 2401
[عنايته] إلى الاعتراض على المثال، فقال: إن القياس من الجانبين طرد، ثم أنه عبر عن ذلك ببيان أنه لا مناسبة بين لفظ العضو، وبين التقدير ولا نفيه. ولما قيل له: لعله من أبواب الشبه، قال إنها أيضًا لم تشابه، لا في [قدر] الفرض، ولا في كيفية [تأدية] الفرض، نظرًا إلى المسح والغسل، وتفاوت
стр. 2402
المحال. ولما قيل له: إنها اشتبهت في عدم (١٠٥/ أ) التقدير بالربع، جعل ذلك أمرًا وقفيًّا، أي [غير] مقصود إليه بالإثبات.
وهذا الكلام ضعيف، فإنه يصح، وإن تفاوتت مقاديرها، أن يكون الشارع قصد إلى نفي تقديرها بالربع. وإبطال الشبه في هذه الجهة الخاصة، بناء على تفاوتها في غيرها، لا يتضح. ثم نقل الكلام إلى بيان جواز الاكتفاء بأقل
стр. 2403
[مما] ينطلق عليه الاسم، على ما يراه الشافعي، فقال: ورد ذكر الرأس [محلًا] للمسح، وثبت بالسنة المأثورة أن الاستيعاب غير واجب، إلى آخره. يريد الإمام بهذا: (١٣٦/ ب) أن ظاهر القرآن لا يرشد إلى الاستيعاب، ولا للاكتفاء، ولا لتقدير، وإنما سيق لبيان المحل خاصة. وهذا الذي قاله غير صحيح عندنا، بل لو تُركنا وظاهر القرآن، لاقتضى الاستيعاب، فإن من مَسَحَ بجميع رأسه، يُعد ماسحًا برأسه حقيقة. ومن مسح ببعض رأسه، لا يُسمى ماسحًا إلا مجازًا. والذي يدل على ذلك، إطباق الجميع على وجوب
стр. 2404
استيعاب الوجه في التيمم، وكذلك المسح على الخفين. فلا فرق في اللغة بين أن يقال: امسح رأسك أو اغسله. فإن ذلك لا يقتضي اقتصارًا على البعض، ولا بد من التعميم. هذا هو الظاهر، إلا أن يدل دليل على جواز الاكتفاء بالبعض.
وأما قوله: وثبت بالسنة المأثورة أن الاستيعاب غير واجب، فليس كما قال، بل الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ وبينوه في إقامة الواجب، كلهم
стр. 2405
يذكر أنه مسح رأسه، وبينوا أنه: "أقبل بيديه وأدبر، بدءًا من مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ". ومنهم من أطلق ذلك، ولم يفصله هذا التفصيل. والمطلق محمول على المقيد، لا سيما إذا اتحدت الواقعة. والذي نقل في ذلك: "أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته". فإذا لم يثبت بالسنة جواز الاقتصار على البعض، وقد دل الظاهر على الاستيعاب، فلا وجه لتركه من غير برهان.
قال الإمام: (فإن قيل: فلو قُدِّر التعليل الذي ذكرتموه مثلًا، مخيلًا مناسبًا) إلى قوله (فهذا وجهٌ لائح من طريق الجدل). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من هذا الكلام، [لا] أدري ما مراده به؟ ولست أعرف وجهه،
стр. 2406
وذلك أنه منع من أن يكون القلب والعلة مناسبين، واحتج بأنه لا يتصور أن يشهد الأصل الواحد لنقيضين من طريق الإخالة. وهذا تخصيص عجيب، وكيف يتصور أن ينكر ذلك لأجل المناسبة، وقد صح [اعتزاء] العلة وقلبها للأصل الواحد؟ فلو كان الحكمان متناقضين، لما تصور رجوعهما إلى أصل واحد. وإذا صح ثبوت الحكمين في الأصل الواحد، فما الذي [يمنع] من استنادهما جميعًا للمناسبة؟ لا وجه لمنع ذلك بحال. فإنه كما يستحيل أن يناسب النقضان حكمًا من جهة واحدة، فكذلك يستحيل رجوع الحكمين المتناقضين لأصل واحد ويستقران فيه.
وأول دليل على فساد هذا الكلام، أنه جوز أن تكون العلة وقلبها شبهين، ولم يمنع ذلك، ولم يره تناقضًا. فلئن كانت المعاني المناسبة في الباب مستحيلة، (١٣٧/ أ) فلتستحل الأشباه، (١٠٥/ ب) لأنها قوالب المعاني عندنا،
стр. 2407
وهي لا تقبل النقيضين عنده. وبهذا فرق [هو] بين الطرد والشبه. فإن الطرد لا يناسب الحكم، ولا يشعر به. فلو فرض ربط نقيض الحكم به، لم يترجح- قبل البحث عن القوادح- النفي على الإثبات، وليس الشبه كذلك بحال.
وإذا صح في العلة والقلب أن يكونا شبهين، صح أن يكونا معنيين، ولا تناقض بين حكم العلة وحكم قلبها، إذ هما جميعًا ثابتان في الأصل. ولو كانا متناقضين، لم يثبتا فيه. هذا هو التحقيق في ذلك.
نعم، لا يجتمع في الأصل حكم [المستدل] الذي قصده، فإنه لما نفى حكم [الأصل]، حاول بذلك إثبات حكمه، بناء على أن القضية منحصرة
стр. 2408
فيما بينهما. [فإذا] نفى ما أثبته [الخصم]، لزم ضمنًا إثبات ما يدعيه هو، وخصمه ينفيه، فلزم القلب من هذه الجهة، لأنهما تناقضا ضمنًا، وإن لم يتناقضا صريحًا. هذا وجه لزومه عند من يراه اعتراضًا.
قال الإمام: (فإن قال السائل: اتباع المقاصد أولى) إلى قوله (فهذا [منتهى] كلام الجدليين وأصحاب المعاني من الأصوليين). قال الشيخ:
стр. 2409
قد ثبت أن الكلام إن حمل على ما وقع التصريح به، فليس القالب معترضًا على ما استدل عليه المستدل، ولا شك أنه لو أضرب عنه بالكلية، لم يكن ما جاء به اعتراضًا، ولو ناقضه في [عين] ما دل عليه، [كانت] معارضة. وسيأتي الكلام عليها. ولا شك أن القالب إنما أتى بالقلب، لما فهم أن مقصد المعلل [بالاستدلال] على ما نفاه، إثبات ما يدعيه، فكأنه استعمل فيه برهان الخلف. وإذا فهم هذا المقصود، فهو مقطوع به.
وبيانه: لما سئل عن مسح الرأس، فأفتى بأنه يكتفي فيه بأقل [ما] ينطلق عليه الاسم، واستدل بأنه لا يتقدر فرضه بالربع، وقُبل منه ذلك. فلولا أنه رأى الحصر في المذهبين، وأنه إذا [بطل] أحدهما تعيَّن الثاني، لَما كان مستدلًا على الحكم الذي ذكره بحال، ولكان هذا الكلام مائلًا عن المسألة ميلًا كثيرًا. فقبول مثل هذا الاستدلال، يدل على الالتفات إلى الإثبات الضمني. فإذا قلب القالب، وتعرض بالتصريح إلى نفي ما أراد المستدل إثباته ضمنًا، كان ذلك بالغًا في القوة، ولا يضره في ذلك تصوره بصورة المستدلين، وليس
стр. 2410
الغرض الاستدلال والبناء، وإنما الغرض الهدم والإبطال.
قال الإمام: (ولي بعد المسلكين نظر آخر، وهو مختاري) إلى قوله (في [توجه] الاعتراض، إذا لم يكن الكلام في وضعه قادحًا). قال الشيخ (١٣٧/ ب): قول الإمام: إذا كان مضمون القلب متعرضًا لطرف لا يناسب مضمون العلة من طريق المعنى، يريد بذلك أن قول القائل: لا يتقدر [بالربع]، لا يلزمه منه أن يكتفي بما ينطلق عليه الاسم، فنقول في مثل هذا القلب: إنه غير مفيد، إذ لا يعترض على الحكم الذي أتى به المستدل، فيكون هذا قلبًا مائلًا عن مقصود المسألة.
ومعنى قوله: ولكن اتفق مذهب الخصمين على طرفين في النفي والإثبات، يعني بذلك أن الشافعي ذهب (١٠٦/ أ) إلى الاكتفاء ونفي التقدير، وأبو حنيفة ذهب إلى عكس ذلك.
وقوله: ولكن القائل قائلان: أحدهما يثبت أمرًا فيهما، ظاهره يخالف
стр. 2411
الأمر الثابت. إذ الشافعي يثبت أحدهما [وينفي الآخر]، وأبو حنيفة كذلك أيضًا. فليس واحد منهما يثبت الحكمين والآخر ينفيهما، ولكن مراده بذلك: أن أحدهما قال: يكتفى بالاسم، ولا يتقيد بالربع، فجعل ذلك إثباتًا لحكمين، والآخر عكس ذلك. هذا مراده هنا.
وقوله: وهذا يقوى جدًا، إذا صح مذهب معتبر [غيرهما]، والأمر كذلك في مسح الرأس، فإن مالكًا أثبت الاستيعاب. فلو كان ينشأ من المذهبين فقه يناقض المذهب الثالث، ويوجب حصر الأمر في المذهبين، لكان فقه المذهبين يقتضي الرد على مالك. ولمالك أن يقول بموجب القياسين، فلا يتقدر الفرض بالربع، ولا يكتفى بأقل ما ينطلق عليه الاسم، بل يجب الاستيعاب. ولمًّا صح ذلك أن الفقه لا يقتضي حصر الحكم في المذهبين،
стр. 2412
ولكنا [قد] قدمنا أن الاستدلال إنما يصح بناء من الخصمين على أن الحق مقصور عندهما على القولين. فمن هذه الجهة يصح القلب اعتراضًا من غير تفصيل.
وأما قوله: وهذا [يقوي كون] القلب ليس اعتراضًا، [إذا كان في المسألة] مذهب ثالث معبر. ومسألة مسح الرأس كذلك. أما إذا لم يكن في المسألة إلا قولان، فإن فرض مع ذلك إجماع عليهما، فلا بد بالضرورة من لزوم القلب، فإنه إن صح أحد الكلامين، بطل الآخر قطعًا، فلا يتصور على هذا التقدير أن لا يكون القلب اعتراضًا. وإن كان في المسألة مذهبان، ولم ينعقد على ذلك إجماع، [ولم] يصادف [خلاف]، فالصحيح أنه اعتراض في الجدل، من جهة اتفاق الخصمين على نفي الحكم الثالث، فينزل اتفاقهما منزلة الإجماع.
стр. 2413
قال الإمام: (فأما إذا (١٣٨/ أ) كان في القلب تعرض من طريق المعنى) إلى قوله (كان ذلك قدحًا بينًا). قال الشيخ: معنى قوله: إذا كان في القلب تعرض لمناقضة علة المعلل أصلًا، يعني أن القالب صرح بنقيض ما قصد المعلل لإثباته ضمنًا أو سياقًا [أو ترعيضًا]، يشير به إلى القسم الثاني، وهو
стр. 2414
قوله: فلا يقع قربة بنفسه. [وسياق] كلامه وتعريضه يقتضي أن لا بد من الصوم، ولكنه لم يتمكن من التصريح به، فأبهم وأثبت طرفًا من المذهب. هذا هو [المفهوم] من السياق والتعريض.
قال الإمام: (وفي القلب [سر] يجب التنبيه له) إلى قوله (فهذا منتهى الكلام في القلب المصرح به). قال الشيخ: إذا لم يتمكن المستدل من التصريح بمذهبه، وأمكن القالب نفي حكمه تصريحًا، فلا خفاء بكونه اعتراضًا
стр. 2415
قادحًا، [ولا يتصور] (١٠٦/ ب) عندي في ذلك خلاف.
ومثاله: إذا قال الحنفي في الاعتكاف: مكث في مكان مخصوص، فلا يقع قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة. ومقصوده اشتراط الصوم، ولكنه لو صرح به، لم يجد أصلًا، إذ الوقوف بعرفة لا يشترط فيه صوم.
فإذا قال الشافعي: فلا يشترط في وقوعه قربة صوم، كالوقوف بعرفة. فكيف يصح أن يقال: هذا لا يقدح فيما قصد المعلل إثباته؟ إلا إذا بني الأمر على قول من يرى أن السائل ممنوع من الإتيان بما يصح أن يكون دليلًا.
والكلام في توجه القلب مبني على غير هذا الأصل. أما إذا فرض الكلام على هذا الأصل، امتنع القلب والمعارضة جميعًا. والفرق على بعض المذاهب، وصحة استدلال أبي حنيفة في المسألة ينبني على حصر الأمر في المذهبين، فإنه لا ذاهب يذهب إلى اشتراط غير الصوم، فصار قوله: فلا يصير
стр. 2416
قربة بنفسه، يشير إلى اشتراط الزيادة، وهي متعينة بإجماع الخصمين، [لا أن] الدليل اقتضى تعينها. وإذا كان التعليل مبهمًا، ووقع القلب مصرحًا به، كان بالغًا في القوة.
قال الإمام: (وأما القلب المبهم) إلى قوله (هذا اعترافه بتعارض العلتين). قال الشيخ: الذي ذكره القاضي صحيح، والقلب المبهم لا
стр. 2417
يقدح، [لأن] المستدل قد سبق إلى تعيين حكمه والدليل عليه، وما ذكره القالب لا سبيل إلى أن يناقض المعلل في غير الحكم الذي استدل عليه، إذ [أصلهما] واحد. وقد بينا ذلك فيما سبق.
ومعنى قول (١٣٨/ ب) القاضي: إن هذا القالب ينقلب عليه قلبه، فلو كان يقدح، لوجب أن يبطل من حيث يقدح، إذا أمكن قلبه، كلام حسن.
ومعنى قوله: ينقلب عليه، يقول في المثال: فلا يختص بزيادة هو ركوع، وإن كان [دليلك] يقتضي زيادة، فلا يقدح ذلك في استدلالي، [لأنه قلب]، فلا يختص بزيادة هي ركوع، [فإذا] تمكن من التصريح بما أراد
стр. 2418
والدلالة عليه، ولم [يستطع] القالب أن يناقضه في عين ما استدل عليه، لم يكن كلامًا قادحًا.
والذي حمل الإمام الأمر عليه من أن المستدل يعد بدليله في معرض القلب مطلقًا، ليس الأمر على ما تخيله، ولو كان كذلك، لوجب رد القلب مطلقًا، مصرحة ومبهمة، والقاضي لا يقول بذلك، فلو كان الأمر على ما فهمه الإمام، لكان [اعتراضه] متوجهًا من غير إشكال، وللزم أيضًا فساد المعارضة، إذ يتمكن المستدل من إعادة دليله في معرض المعارضة. وهذا لا يتخيله لبيب، وإنما الأمر على حسب ما يقتضيه كلام القالب. [هذا] تقرير هذا الاعتراض والجواب.
قال الإمام: (ومما تمسك به القاضي أن قال: المصرح مرجح على المبهم) إلى قوله (وفي المصير إلى هذا قبول القلب والنظر إلى الترجيح). قال الشيخ: الظاهر عندي ما ذكره القاضي، وذلك أن المبهم لم يقدر على التصريح بمراده، لعدم (١٠٧/ أ) شهادة الأصل [له]، وهو شاهد لحكم
стр. 2419
المستدل من أخص جهاته، وفرق بين أن يشهد الأصل لحكم من جهة عامة، وبين أن يشهد له من جهة خاصة، فإن الشهادة من الجهة الخاصة مرجحة. وبهذا الاعتبار، إذا تعارض شبه خاص وعام، كان الخاص مرجحًا، فكذلك هذا.
وأما قول الإمام: وفي هذا قبول القلب والمصير إلى الترجيح، فليس بشيء، لأن هذا إنما يكون على تقدير أن يكون كل واحد من المتعارضين يصح أن يكون في حالة ما على معارضة. فها هنا لا يصح القول بتقديم أحدهما [مطلقًا. أما إن كان أحدهما] يترجح على الإطلاق، فلا معنى لإطلاق القول بقبول المرجوح على كل حال. بل لا يقال إلا أنه مردود. وهذا بمثابة حكمنا بأن خبر الواحد النص، مقدم على القياس المظنون، فإنا لا نقول [نُعمل] القياس في معارضة الخبر، ويرد الأمر إلى الترجيح. وكذلك القول في كل دليلين يتقدم أحدهما على الآخر على كل حال. فلا وجه إلا إطلاق القول برد المرجوح في مقابلة الراجح (١٣٩/ أ).
стр. 2420
قال الإمام: (ومما تمسك به القاضي أيضًا أن قال: المبهم قاصر النظر) إلى قوله (فقد ظهر غرض [القالب]). قال الشيخ: هذا الذي ذكره القاضي ها هنا فيه نظر، وذلك أن القالب لم يساعده دليله على التصريح بمقصوده، إذ لو صرح بمقصوده في المثال بعينه، وقال: فيفتقر إلى الصوم، لما أبهم.
ومعنى قصور نظره: أن دليله لا يُفضي إلى عين [مطلوبه] من طلب زيادة مخصوصة. [فهذا] معنى قصور النظر، بالإضافة إلى حصول المقصود. نعم، هذا قد يرد اعتراضًا على ما فهم من غرض المستدل، إذ غرضه أن يقع اللبث بمجرده قربة. وهذا ليس هو الذي استدل عليه المستدل، وإنما استدل
следующие страницы →