← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ذلك معرِّفًا لمقدار الأموال، فالوزن في الموزون، وكالعدد والذرع في المعدود والمذروع، وعلى قطع نعلم التماثل بين هذه الأمور، ولم يكن الذرع ولا العدد علة في الشرع على حال، فليكن الوزن كذلك، إذا ما ثبت [لأحد] [المثلين] ثبت للآخر. هذا وجه. والوجه الثاني: أن كل عينين اجتمعا في علة الربا، أو في وصف من أوصاف علة الربا، فلا يجوز إسلام أحدهما في الآخر، وإنما [كان] [كذلك] لإيماء النص، وهو قوله ﵇ في الحديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا [الورق] [بالورق] إلا مثلًا بمثل، عينًا بعين، يدًا بيد". [ثم قال: "فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد]. ولو أراد الأجناس على العموم، لحُرم بيع الأجل والسلم. فعلم بذلك أنه إنما أراد [الجنسين] من هذه المذكورات. فعند اتحاد الجنس، يحرم التفاضل، فإذا تعدد الجنس مع الاجتماع في العلة، حرُم النَّساء خاصة، ولو كان الوزن علة، لحَرُم إسلام الدراهم والدنانير في الموزونات، ولا ذاهب إلى ذلك. فثبت بهذا أن الوزن لا يصلح للاعتماد، حتى يقع (١٤٨/ ب) الترجيح بينه [وبين غيره]. قال الإمام: (ومن الاعتراضات الفاسدة: ما إذا تعلق المتعلق بما يدل على

стр. 2487

فساد في الفرع) إلى قوله (فلا يستريب في اختلال العقد [إن] تخلف عن اقتضائه). قال الشيخ: هذا الاعتراض فاسد لا شك فيه، والأمر فيه على ما [قرره] الإمام بلا مزيد، وليس الغرض [في الخوض] في التفصيل، الاعتراف بصحة الأصل، وإنما هو استدلال على الفساد بفقدان ثمرات الصحة، وهذا يناظر في المعقولات أن يُذكر كلام ويُنظر ما يفضي إليه، فإن أفضى إلى محال كان محالًا. وكذلك هذا ثبوت العقد الصحيح مع منع تخلف ثمرته باطل، إذا لم يكن معارض يمنع من الثمرة.

стр. 2488

وأما قول الإمام: إن من لا يقول بالاستدلال، ويشترط الأصل في كل معنى، فقياس مذهبه أن يقول بهذا، وإن لم يستند إلى أصل، فكلام صحيح، والسبب في الفرق أن المعاني قد يثبت الشرع الأحكام على وفقها، وقد يعطلها في بعض المواضع. فلما ثبت هذا الانقسام، افتقر المعنى إلى أن يحكم الشرع على وفقه، ليتبين أنه من قبيل ما اعتبره الشرع. وأما ثبوت المثمر من غير معارض مع تخلف الثمرة، فهذا لم يثبت على حال، فاستغنى فيه عن الرد إلى الأصل. وهذا إذا قدر المستدل أن يثبت أن العقد إذا صح بثمرته ما يدعيه، وإذا ثبت ذلك، فلا خفاء في صحة الاستدلال. قال الإمام: (ثم من صحح هذا النوع، اضطربوا في أنه [هل هو] من

стр. 2489

قياس المعنى، أو من قياس الشبه؟ ) إلى قوله (والظهار والطلاق حكمان متغايران). قال الشيخ: هذا الاستدلال صحيح، [غير] مفتقر إلى الرد إلى أصل، [فإذا لم يرد إلى أصل]، [لم] يصح أن (١١٥/ أ) يكون قياسًا، إذ شرط القياس الأصل لا محالة. [نعم]، إن تكلف المستدل الرد إلى أصل مع غنيته عنه، فهذا حينئذ الجمع بالأحكام، وهو قياس الدلالة. وقد تقدم القول فيه، وسيعود إن شاء الله [تعالى] بعد ذلك. أما إذا اقتصر على بيان نفي الثمرة مستدلًا بها على نفي الصحة، فلا يصح أن يكون هذا من القياس بحال، وهذا هو قول الإمام: إن هذا أعلى من قياس الدلالة، فإن الظهار والطلاق حكمان متغايران، لا يبعد أن يثبت أحدهما وينتفي الآخر، ولا يجوز المحصل مباينة المقتضي مقتضاه.

стр. 2490

قال الإمام: (ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا طرد طارد علية في حكم واستمر له) إلى قوله (وليس كل ما يلزمه (١٤٩/ أ) [في نفسه يلزمه] البوح به في النظر). قال الشيخ: هذا الاعتراض فاسد، ومقصود مورده من حيث الجملة، أنه قصد أن يبين انتقاض معنى المعلل، بأن يريه ثبوته مع انتفاء الحكم، هذا مقصوده، ولكنه لم يقدر على بيان تخلف نفس الحكم الذي أثبته المعلل، فزعم أنه لم تترتب عليه أحكامه. وزعم أن حكم [الربا] مترتب على علة الزكاة، ولو كان الأمر على ما ذكره، ثم وُجد أحد الحكمين، لأشعر ذلك بفساد

стр. 2491

المعنى، إن لم يتخلف الحكم لمعارض، ولكنه في هذا المقام مدع، وعليه أن يبين استناد الحكمين لسبب واحد، وإلا فكلام المعلل قد جرى سديدًا على ما [يريده]، فإن قدر المعترض على [بيان] رجوع الحكمين إلى مقتض واحد، كان ذلك اعتراضًا صحيحًا. قال الإمام: (و من الاعتراضات الفاسدة: التعرض للفرق) إلى قوله (وكونه مجتهدًا فيه في الفرع). قال الشيخ: قد قدمنا أنه يصح أن يفرق الإنسان بين الأصل والفرع بالأحكام، على حسب ما سبق، ولكن إنما يصح ذلك، إذا لم يكن الحكم الذي وقع به الفرق مترتبًا على الإجماع والخلاف، [فبان]

стр. 2492

التفاوت بين الفرع والأصل في القطع بحكم الأصل، وكون حكم الفرع مظنونًا، لا يمنع الإلحاق، إذ لو كان ذلك يمنع الإلحاق، لم يثبت من القياس إلا ما كان مقطوعًا به، وليس الأمر كذلك، على ما قررناه في كتاب القياس وإثباته على منكريه. وإذا كان الحكم الذي وقع الفرق فيه مترتبًا على هذا، لم يكن قادحًا، وإن كان على غير هذا الوجه، فقد سبق حكمه. قال الإمام: (و من الاعتراضات الفاسدة: قول القائل: الحكم يثبت في الأصل متأخرًا) إلى آخره. قال الشيخ: السؤال في ظاهره لازم، وذلك أنا إذا قلنا: القياس: حمل معلوم على معلوم، إلى آخره. فحاصله اعتبار مسكوت عنه

стр. 2493

بمنطوق به. فيفتقر على هذا إلى أن يكون حكم الأصل ثابتًا، وحكم الفرع غير ثابت، [فيتلقى] من القياس على الأصل، وإذا كان الفرع ثابت الحكم قبل الأصل، كيف يتصور أن يثبت حكمه قياسًا على الأصل؟ هذا محال. وقد كنا قدمنا أنه ينبغي أن يجري في هذا قياس العلة، فإن العلة تقتضي الحكم وتستدعيه، والحكم كان ثابتًا قبل ذلك في الوضوء. [وإنما] يجري في ذلك قياس الدلالة. فإن الدليل لا يشترط اقترانه بالمدلول، بل يصح اقترانه (١١٥/ ب) وتأخره، ولا يمتنع على هذا أن يكون الوضوء الثابت، النية فيه مشترطة عند من يثبتها، مدلولًا (١٤٩/ ب) عليها بدلالة أخرى من نص أو

стр. 2494

غيره. وإذا ثبتت النية في التيمم، وثبت استواؤه مع الوضوء في الشرع، أرشد ذلك إلى سبق [الشرط في] النية، وقد يكون المرشد إلى ذلك [توقيف] أو معنى مرسل. فأما إذا ثبتت النية في الوضوء مستندًا غلى قياس العلة، متلقىً من التيمم المتأخر، فلا وجه لذلك. وما ذكره الإمام من أن المناظرة في [مأخذ] النزاع، فكلام الخصم سؤال عن أمر مقتضٍ، كلام صحيح، والمقصود منه [أن الخصم] إن أنكر وجه الدلالة بيناه، وإن قال: فبأي شيء كانت العلة معلومة قبل شروع التيمم؟ لم يلزم الجواب عن ذلك في التحقيق، إذ قد استقل الدليل في التعريف في الحال. قال الإمام: (ومن الاعتراضات الفاسدة: جعل المعلول علة) إلى قوله

стр. 2495

(فقد تبين سقوط الاعتراض). قال الشيخ: لا بد أن يكون باب المعلول يتميز [عن] باب العلة، إذ العلة مؤثر، والمعلول أثر، فلا بد أن يتميز الأثر عن المؤثر، فإن لم يتميز أحدهما عن صاحبه، بطل هذا المعقول. هذا وجه تقرير السؤال. ولكن لا يلزم من الجامع أن يكون مؤثرًا ولا بد، بل قد يجمع بالمؤثر، وقد [يجمع] بالأثر، استدلالًا على المؤثر، وقد يستدل بأحد [الأثرين] على الآخر. وهذا النوع الثالث هو الذي يتوجه فيه هذا الاعتراض، فإن الظهار والطلاق أثران عن مؤثر واحد، وهو صحة الملك، وقبول المحل، وكون [المتصرف] أهلًا، فإذا تحقق ذلك، دل ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر،

стр. 2496

[إذا] ثبت تلازمهما وكونهما [ثمرتين] لمثمر واحد. هذا تحقيق هذا السؤال، ولا يتفق هذا الاعتراض إلا في هذا النوع من الاستدلال، في قياس الدلالة على الخصوص، لما قررناه من تلازم الحكمين. قال الإمام: (فأما ما ذكره من الاستشهاد بالعلة والمعلول في [المعقولات]) إلى قوله ([مشعر] بوقوعه [عند وقوعه]). قال الشيخ: أما الكلام على العلة والمعلول في العقليات، فليس هذا موضع استقصائه،

стр. 2497

وكذلك الكلام في إثبات الأحوال. وأما [العلل] في الشرعيات، فقد نقلنا [اختلافًا] في مأخذ اللغة. أما من ذهب إلى أنها مقتضية للحكم، وباعث عليه، فلا يصح على رأيه أن يكون الحكم المعلول [باعثًا] على العلة، ولا مقتضيًا لها. [فأما] إذا بنينا ذلك على أن علل الشرع علامات، ولم نشترط فيه الاقتضاء، فلا بُعد في أن يكون أحد الحكمين عًلًمًا على الآخر، ويكون الآخر علمًا على ذلك الحكم الذي كان علمًا، ويختلف ذلك باختلاف [وجوه] الحاجات [إلى] الاستدلال. وهذا كما نقوله في الأوقات، فإن كل حادث

стр. 2498

قُرن [بحادث] آخر (١٥٠/ أ)، فذلك الحادث وقته، فيصح أن يعرف قدوم زيد بطلوع الشمس، وقد يقول: طلعت الشمس عند قدوم زيد، إذا كان قدوم زيد معروفًا، ووقت طلوع الشمس مجهولًا. فعلى هذا، لا يمتنع أن يجعل نفوذ الطلاق معرفًا لنفوذ الظهار، إن وقعت المنازعة مع من يعترف بنفوذ الطلاق، ويمنع نفوذ الظهار. وقد يكون الأمر بالعكس من ذلك في الطرفين. وهذا بمثابة ما مثلناه [من الوقت] من غير فرق. [فليفهم] الناظر الفرق بين جهات الاستدلال، وليتبين موضع ورود هذا السؤال (١١٦/ أ). وبالله التوفيق. قال الإمام: (و من الاعتراضات الفاسدة: أن يقول القائل: هذا الذي نصبته علمًا هو صورة المسألة) إلى آخره. قال الشيخ: مثال ما ذكرناه: أنا إذا سئلنا عن النبيذ المشتد، هل هو حرام مثلًا؟ فقلنا: مسكر فكان حرامًا، قياسًا على الخمر، قال المعترض: لم تزيدوا في الاستدلال على ذكر صورة المسألة، فإن

стр. 2499

السؤال عن المسكر، هل يحرم أم لا؟ والدليل ينبغي أن يكون زائدًا على ما وقع السؤال عنه. [وهذا] الاعتراض فاسد، فإنه قد يتفق أن يكون في نفس ذكر المسؤول عنه ما يقتضي حكمه، ولو تنبه الخصم له، لاستغنى عن الاستدلال. وهذا بمثابة من يقول: هل [يدل] الجائز إذا حصل على المخصص؟ فإنه يقول: [يدل]، ويبين وجه الربط بين وقوع الجائز، وبين الافتقار إلى المخصِّص. ولا يفسد هذا الاستدلال تنبه السائل على وجهه. وكذلك إذا كان الإسكار مقتضيًا للتحريم، وسأل السائل عن تحريم المسكر، [فنبه] على وجه، بالنظر إلى إخالته ومناسبته، واستنباطه من الأصل الشاهد له، فلا يقدح في ذلك كون سؤال السائل تعرض له. وأما ما ذكره الإمام من أن المستدل لو نص على خاصية الفرع، لم يجد أصلًا، فكلام صحيح، إذ خاصية الشيء هي التي تثبت له، ولا تثبت لغيره.

стр. 2500

وعند فقدان الجامع، يمتنع الإلحاق. [هذا] تمام البيان في الاعتراضات. قال الإمام: (القول في المركبات) إلى قوله (فلا يتصور- والحالة هذه- الخلاف في [الفرع]). قال الشيخ: المراد بالمركبات: أن يكون الحكم المتفق عليه بين الخصمين، إنما يثبت عندهما لعلتين مختلفتين، [أي] يركب الحكم من السببين، ولا يعتقد الناظر في هذا الباب أنا نريد أنه متى اختلفت العلتان في الأصل المعتبر به، كان ذلك تركيبًا، فإنه لو كان كذلك، لكان أكثر الأقيسة مركبة، بل لا يوجد أصل تنازع الفقهاء في اعتبار الفروع به إلحاقًا، إلا بعد الاختلاف في علته. بل المراد أن (١٥٠/ ب) الأصل إنما صار أصلًا باتفاق الخصمين عليه، مستندًا إلى سببين [مختلفين]، [فهو] بالنظر إلى الصورة أصل، [لاتفاقهما] على حكمه، وبالنظر إلى المعنى، [فهو] في

стр. 2501

معنى الفرع، إذ الخصم إذا منع معناه منع الحكم. فصورة القياس المركب المنازعة في المعنى، لا أن كل قياس اختلف في معناه لعلة يكون مركبًا. فلأجل أن ضرورة القياس المركب، الاختلاف في المعنى، افتقر إلى تجديد العهد بالطرق التي تثبت بها علل الأصول. [إذ المنازعة في المعنى قائمة، والحاجة إلى الاستدلال ماسة]. قال الإمام" (ومما تمس الحاجة إلى ذكره، أن من ذكر في علة الأصل صفة) إلى قوله (وهذه مقدمات لا بد من التنبه لها). قال الشيخ: ما ذكره الإمام ها هنا من افتقار [القائس] في الجمع إلى ضم صفة إلى العلة، لا تستقل علة، وعلة الأصل تستقل دونها، يفسد القياس، ويمنع المصير إليه، وذلك أنه إذا ضم إلى علة الأصل صفة لا حاجة إليها، ومعنى الأصل يستقل دونها، فلا يخلو: إما أن يكون معنى الأصل موجودًا في الفرع أو غير موجود، فإن كان موجودًا في الفرع، صح الجمع، اعتمادًا عليه، والصفة مستغنى عنها في الأصل والفرع جميعًا، ولا حاجة إليها بحال، ولا سبيل إلى أن يقضى بفساد (١١٦/ ب) الجامع لأجل ما ضم إليه من الوصف الزائد، ولكن يكون ذاكره أتى بأمر غير محتاج إليه، فيكون من فن اللغو. وإن كان معنى الأصل على الحقيقة غير موجود في الفرع، والموجود في الفرع لا أثر له في الأصل، فهذا القياس باطل قطعًا، وهو على الحقيقة الجمع بلا جامع، وذلك باطل، [فإذا] تحقق

стр. 2502

بطلان الجمع لفقدان الجامع، لم يبق إلا الاقتصار على ذكر الفرع، غير مردود في الحقيقة إلى أصل. ومثاله: ما إذا قال: مسٌّ فصار كما لو مس وبال، وقد حصل الاتفاق على أن البول مستقل في الأصل، وانضمام المس إليه لا أثر له. فإذا قال القائس فيمن مس على الخصوص: مسٌّ، [وقال: قيل له: البول مستقل، وهو غير موجود في الفرع، فأسقط التعرض له، فلا يبقى معك إلا أنه مس]، فصار كما لو مس، [فالقياس] على هذا باطل قطعًا، لأن ما اعتقد أصلًا [عين] مسألة النزاع. فإن قيل: هذا يلزمكم في الخمر، فإنه إذا قلنا في النبيذ: مسكر فكان حرامًا، قياسًا على الخمر، قيل: الخمر ليس نبيذًا أصلًا، فأسقطوا ذكر الخمر، فيبقى معكم كونه مسكرً، فيكون القياس: مسكر فكان حرامًا، قياسًا على المسكر. وإذا قيل هذا (١٥١/ أ) في الخمر، فليجز في قولنا: مسٌّ فصار كما لو مس وبال. قلنا: هذا غلط بين، فإنا لم نذكر الخمر لاعتقادنا أن الخمرية علة، بل إنما ذكرت لأنها المحل المحكوم فيه، والأحكام تتبع العلل، ولا تقتصر على صور المحال. فأما التعدية مع فقدان العلة، فباطل لا شك فيه، والبول هو العلة هناك، وهو مفقود في محل النزاع، فامتنع الإلحاق من غير جامع.

стр. 2503

قال الإمام: (والتركيب يقع في [الوصف وفي الأصل]) إلى قوله (وبين سقوط العلة على تقدير). قال الشيخ: أما تقسيم التركيب [إلى الأصل [والوصف]، فاعلم أنا قد بينا أن التركيب] إنما يعقل عند استناد الحكم عند الخصمين إلى علتين مختلفتين، فلا تركيب أبدًا إلا في الأحكام، ولكن قد يكون المركب حكم الأصل على الحد المذكور، وقد يكون المركب الحكم الجامع بين الأصل والفرع، فيسمى وصفًا من جهة كونه جامعًا، إذ يطلق الوصف على الجامع، حكمًا كان أو غيره. فأما التركيب في الأصل، فقد مثله الإمام بمسألة المرأة حيث قال: أنثى فلا تزوج نفسها، كابنة الخمس عشرة سنة، وأبو حنيفة [يسلم] أن ابنة

стр. 2504

الخمس عشرة لا تزوج نفسها، بناء منه على كونها صغيرة، والشافعي قضى بأنها لا تزوج نفسها، بناء على أنها أنثى، فقد حصل الحكم متفقًا عليه بينهما، بناءً على علتين مختلفتين، فهذا هو التركيب في الأصل، والاختلاف في قبول هذا التركيب واضح، وسببه لائح. والقائلون تمسكوا بأن حكم الأصل متفق عليه، والمنازعة في العلة، ولا بد من إقامة الدليل عليها. [فإن] وفي المستدل بإقامة الدليل، صح كلامه، وإن عجز، كان منقطعًا. فلا أثر للتركيب، كان أو لم يكن.

стр. 2505

والصحيح عندنا خلاف ذلك، وحاصل القول في التركيب (١١٧/ أ) الاعتماد على [النكتتين] في مثل هذه الصورة، والنكتة في الإبطال: أن المقيس عليه، وإن كان أصلًا من جهة الصورة، فهو على التحقيق فرع، فإنه إن ثبت للشافعي أن ابنة الخمس عشرة كبيرة، منع الحنفي الحكم، وإن ثبت أنها صغيرة، فالصغر مستقل، فيصير كالقياس على ما لو مس وبال، فالقياس متردد بين منع الحكم، [على تقدير البلوغ، وبين منع العلة]، على تقدير الصغر، فتفوت حقيقة القياس، ويصير معنى الكلام: صغيرة فلا تزوج نفسها كالصغيرة. فالوجه القطع ببطلان هذا القياس، ولا التفات إلى صورة الاتفاق. وقوله: إنه لا بد من إثبات علة الأصل، [يقال] له: وأين الأصل حتى تثبت علته؟ فآل الأمر إلى أنه فرع. فإن أجرى الكلام على أبواب الاستدلال، انقطع القياس بالكلية. قال الإمام: (فإن قيل: أرأيتم (١٥١/ ب) لو أثبت المعلل الأنوثة علة) إلى قوله (فالصغر مستقل بالمنع). قال الشيخ: أما إثبات كون الأنوثة علة، فإنه يتأتى [بيانه] بالمناسبة الراجعة إلى مكارم الأخلاق، وأبواب

стр. 2506

التحسينات، وهو آخر مرتبة المناسبات، فإن المستحسن في العادات، واللائق بالمكارم والمروءات، أن لا تتولى المرأة عقد النكاح، إما بالنظر إلى ما يشعر به ذلك من شدة الشبق، وتمام الشهوة إلى النكاح، أو للخروج عن [ذوات] الخفرات. وبهذا علله بعض الأصوليين. وهذا المعنى ضعيف، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنع من تولي [عقد النكاح] على غيرها. والصحيح أن ذلك إنما كان تفخيمًا لأمر النكاح، وتمييزه عن السفاح، ولذلك اشترط الإشهاد فيه. فقصد الشرع أن يتولاه من له منصب من حيث الجملة، إلحاقًا له بالولاية والقضاء، ولذلك قال: "لا نكاح إلا بولي". وكانت عائشة ﵂ تقرر مهر من تحت حجرها، وتختار الأزواج، وإذا حضر العقد قالت: "اعقدوا فإن النساء لا يعقدن". وفي حديث أم سلمة: "أنها لما خطبها رسول الله ﷺ واتفقا على النكاح، قالت لوالدها: قم فزوج رسول الله ﷺ ". كذلك كانت سيرة العرب قبل مبعث رسول الله ﷺ تخطب إلى الرجل كريمته: أخته أو ابنته،

стр. 2507

فيزوجها، ولا يتولى النساء ذلك. فلا يبعد وقوع هذا في أقسام المناسبات في الدرجة الثالثة. فهذه الصورة في التركيب في الأصل هي المتفاحشة. قال الإمام: (صورة أخرى: إذا قلنا في تزويج [الأب] البكر: بكر يزوجها أبوها) إلى قوله (فيلغو تعيين بنت الخمس عشرة سنة). قال الشيخ: سبب الإجبار عند الشافعي البكارة، ولذلك قضى بأن [الثيب] الصغيرة لا يجبرها الأب. وسبب الإجبار عند أبي حنيفة الصغر، واتفق الفريقان على أن البكر إذا كانت بنت الخمس عشرة سنة أجبرت، أما الشافعي، فلأنها بكر عنده، وأبو حنيفة، فلأنها صغيرة عنده (١١٧/ ب). فإذا قاس الشافعي على ابنة

стр. 2508

الخمس عشرة سنة، وسلم الخصم ذلك، فإنما سلمه لاعتقاد صغرها. فإذا ثبت بلوغها، منع الحكم. ومن هذه الجهة تشبه الصورة الثانية الصورة الأولى. فإن ثبت صغرها، لم يصح لأبي حنيفة أن يقول للشافعي: العلة الصغر. وهذا هو مذهب أبي حنيفة. وأما الشافعي، فإنه لا يرى الصغر علة، فيتصدى فيها منع الحكم على تقدير البلوغ، ولا تثبت العلة عنده على تقدير الصغر. وبهذا تنفصل هذه الصورة عن الصورة الأولى. قال الإمام: (وأما التركيب في الوصف) إلى قوله (فالعلة بين منع

стр. 2509

وبطلان). قال الشيخ: قد قدمنا بيان منع التركيب في الأصل، وقلنا إنه مختص بما إذا كان الجامع بين الأصل والفرع حكمًا، تركب الحكم على المذهبين من علتين مختلفتين، كل واحد من الخصمين أثبته لعلة. وبيانه: هو أن الشافعي وأبا حنيفة اتفقا على أن المسلم إذا قتل الذمي بالمثقل، لم يقتل به. واختلفا إذا قتله بالمحدد، فقال الشافعي: لا يقتل به، وقال أبو حنيفة: يقتل. وتحرير القياس أن يقال: من لا يستحق القصاص بقتل شخص بالمثقل، لا يستحقه بقتله بالمحدد، كما إذا قتل المسلم عبده، والأب ابنه، أو غير ذلك من صور الوفاق، فقد صار كونه لا يستحق القود، إذا قتله بالمثقل جامعًا. وإنما اتفق على [هذا] الحكم لعلتين مختلفتين، فمنع الشافعي القصاص في هذه الصورة، لأن الدم لا يتكافأ، ومنع أبو حنيفة القود، لأنه لا يرى المثقل آلة، فكأنه عنده خطأ. فكان هذا القياس باطلًا عند المحققين.

стр. 2510

ومن سلمه يقول: الجامع مسلم، والمنازعة في علته، والمستدل مطالب بإقامة الدليل على التعيين، فإذا استدل على ما [يعينه] [استد] قياسه، ونحن نرده بناء على ما سبق، فإنه إذا ثبت أن المثقل آلة [القصاص]، منع الخصم الحكم الجامع، وإذا ثبت أنه من قبيل الخطأ، أبطل القياس. قال الإمام: (وقد يجري في الوصف تركيب قريب) إلى قوله (فهذا منتهى القول فيما يصح ويبطل من التركيب [في الأصل والوصف]). قال الشيخ: مذهب أبي حنيفة أن الثمرة إذا لم تكن مأبورة وقت البيع، فهي باقية للبائع، كما لو كانت مأبورة. ومذهب مالك والشافعي أنها تكون للمشتري. وفي المسألة كلام يتعلق بالأخبار. والمقصود ها هنا ضرب المثال في القياس

стр. 2511

المركب الوصف، الذي لا يتفاحش تركيبه، ويصح التمسك به في [الجدل]. وصورته أن نقول: ما يستحقه الشفيع من الشجرة يندرج تحت مطلق العقد كالأغصان، فالجامع بين الفرع والأصل استحقاق الشفيع، والأصل الأغصان، والفرع الثمرة التي لم تؤبر في حال الشراء، [والجامع] استحقاق الشفيع، والحكم المتنازع في الاندراج تحت مطلق التسمية، ويثبت الاتفاق على استحقاق الشفيع الثمرة التي لم تؤبر. إن الشافعي (١١٨/ أ) يرى أنها في معنى جزء الشجرة، وأبو حنيفة يقول إنما أخذها الشفيع، بناء على دفع ضرر المداخلة. وهذا الذي قاله ضعيف، وبيان ضعفه من وجهين: أحدهما- ان الشفعة في أصلها لا تتعلق بالمنقولات، فأشعر أخذ الشفيع بكونها معدودة (١٥٢/ ب) من أجزاء الشجرة. الوجه الثاني- أنه لو كان الأخذ [لأجل] [قطع] ضرر المداخلة من غير اعتبار كون المشتري عقارًا، لكان ثبوت الشفعة في الجواري اللاتي يردن للتسري أولى. فلم يصح لأبي حنيفة الاعتماد في الأخذ على مجرد ضرر

стр. 2512

[المداخلة]، وتعلق به غرض المسألة تعلقًا بينًا. فالمعنى صحيح، والمناسبة كما يريد واضحة، ومعناه باطل على السبر. وسببه مناقضتهم في قطع النظر عن [الصورة] في بعض الصور. وهذا التركيب لا يقدح في صحة الاعتماد في الجدل، وهو بمثابة التعلق بمناقضة الخصم، فإنه يفتح باب النظر، ويفضي إلى التدرب في استعمال الأدلة. وليس هذا من قبيل ما تقدم، فإن الأمثلة السابقة لم يتمسك [القائس] فيها بفقه، وإنما جعل عمدته على غلط الخصم، كغلط يتفق في سن البلوغ، [وآلة] القود. واعتبار القصاص في النفس [بالقصاص] في الطرف اعتبار حسن، فإن

стр. 2513

تفاوت الحرمة مشعر بمنع القصاص، وللمسلم من الحرمة ما ليس للكافر، فكان [إسقاط] القصاص في الأطراف مستندًا لذلك. فإذا ذهبوا يخبطون في الأطراف، وقالوا: إنها تقتضي التبعيض والتقويم، ولا يستوي الكامل [من] الناقص، كان ذلك من فساد نظرهم، وسوء تصرفهم، ثم كما [تتفاوت] [قيم] الأطراف، فكذلك [تتفاوت] [قيم] النفوس في غير موضع الديات المقدرة، أعني قيم العبيد. فهذه التركيبات لا تمنع من الاعتماد على أصولها، لما قررناه من إشعار الجوامع بالفقه، وحصول الاتفاق من الخصمين

стр. 2514

على الحكم، ولم يكن هذا من القبيل الأول، لعدم الفقه بالكلية، ورجوع الأمر إلى محض التلبيس والغلط. قال الإمام: (ثم ضري أهل الزمان بفن من الكلام) إلى قوله (وهذا يطرد للمعدي في الصغيرة الثيب التي يتفق على صغرها). قال الشيخ: هذا النوع من الكلام لا أعلم وجهًا لدخوله في الجدال، وأي مقصود يترتب عليه؟ وبأي وجه يُعد من الاعتراضات؟ وحاصل التعدية أن كل واحد من الخصمين

стр. 2515

[رتب] على علته ما يليق بها من الأحكام، وليس ترتيب التفريع على التعليل بالذي يقوي الدليل، ولا يؤثر فيه. اللهم إلا أن يكون [مقصود] المعدي أن يبين لخصمه أن الذي أبداه من المعنى هو يعتقده، ولا يورده إيراد المدافعة والمجادلة، فيبين أن مذهبه مبني على ذلك. وهذا أمر قريب وخطب يسير، والأمر في الدين يغني عن ذلك، ويقتضي تصديق المعلل فيما [يذكره]، ولا ينزل الأمر على المراغمة في الجدال، فإن ذلك حرام، [وليس] من (١٥٣/ أ) الدين بحال. فتبين أن التعدية لا حاجة إليها، [وليست] من قبيل الاعتراضات، (١١٨/ ب) ولا من وجوه الاستدلالات. قال الإمام: (ثم تكلم أصحاب التركيب على التعدية) إلى قوله (فهذا

стр. 2516

مضطرب المركبين والمعدين). قال الشيخ: قد قدمنا أن التعدية لا معنى لها بحال، ولا [تصح] اعتراضًا ولا دليلًا، ولا حاجة إليها بوجه، وقصارى أمرها: تحقيق أن الخصم فيما أبداه من المعنى المناقض لمعنى المستدل هو معتقده، وهذا قليل النيل، فلا معنى لإطالة القول فيه، ويوجه البحث عنه،

стр. 2517

والمنع تارة والتسليم أخرى، [فليشتغل] بغير ذلك مما هو مفيد. قال الإمام: (وقد بان أصلنا فيما نقبله ونرده في تركيب الأصل والوصف) إلى آخره. قال الشيخ: هذا التقسيم الذي ذكره الإمام تقسيم

стр. 2518

حسن، أما التركيب الذي لا يجوز التمسك به بحال، فهو الذي لم يبق على فقه، ولا على شبه، وإنما يرجع إلى محض [ألفاظ]، كقولنا في بنت الخمس عشرة سنة: إنها صغيرة. وأما التركيب الذي يسوغ التمسك به في الجدال، ويُعد أصلًا فيما بين المتناظرين، حتى يبدي الخصم السبب الذي سلم الحكم لأجله،

стр. 2519

ويصير ذلك مضاهيًا للتعلق بمناقضة الخصم في المناظرة، فإنه صحيح، والخوض فيه يفتح باب الفقه. وأما الذي يجوز التعلق به في الدين، فهو أن [يكون] الحكم ثابتًا إجماعًا. فهذا لا يضر [التركيب فيه] بحال. وإنما [يضر] التركيب فيما نقله من جهة أن الأمر دائر بين منع الحكم على تقدير، وبين منع العلة على تقدير. وإذا كان الحكم [مجمعًا] عليه، امتنع منعه، والتحق بالأصول

стр. 2520

الصحيحة، ولم يبق فيه إلا المنازعة في علة الأصل، وذلك [يمنع] الإلحاق بالاتفاق. قال الإمام: (القول في الاستدلال) إلى قوله (وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون). قال الشيخ: يفتقر في هذا المكان إلى تفسير الاستدلال، وبيان موضع الخلاف.

стр. 2521

أما الاستدلال: [فيعبر عنه: بربط] الحكم بالمعنى المناسب، الذي لا يستند إلى أصل معين. هذا تفسيره. وللعلماء فيه مذاهب، ذكر [الإمام] ثلاثة منها، ولم [يذكر] الرابع. فلا بد من ذكره.

стр. 2522

والمذهب الرابع: ما ذهب إليه أبو حامد، وهو أن المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، إن كان واقعًا في الرتبة الأخيرة من رتب المناسبات، لم يقبل. واختلف قوله في الواقع في الرتبة المتوسطة، وهي رتبة الحاجات، فقبله في "شفاء الغليل"، ورده في "المستصفى". [وهو] آخر مصنفاته

стр. 2523

(١٥٣/ ب). فهي في محل الاجتهاد. ولا بُعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وميله إلى قبوله. [ولكنه اشترط] فيه شروطًا لا يتأتى الوفاء بها، وكلامه [فيها] يطول، فلنؤخره إلى آخر الفصل، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا مأخذ القاضي. قال الإمام: (أما الشافعي فإنه قال: [أنا أعلم] قطعًا) إلى قوله (ويكتفى [أن لا]) يكن في الشريعة أصل يدرؤه من نص كتاب أو سنة أو

стр. 2524

إجماع). قال الشيخ: ما ذكره القاضي حيث (١١٩/ أ) حاول رد الاستدلال من حصر طرق الأدلة، وإبانة انتفائها، فالحصر غير مسلم، وفقدانها ممنوع، وإذا نظر المنصف غلى أقضية الصحابة ﵃ تبين منهم أنهم كانوا يتعلقون بالمصالح في وجوه الرأي، وظهر ذلك منهم في مواضع: منها- حد شارب الخمر، فإنهم لم يصادفوا في المسألة نصًّا، وإنما أثبتوا الحد في المسألة رأيًا. وسنبين هذا بعد ذلك أتم البيان. ومنها- أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، قال علي ﵁: "لا يصلح العامة إلا ذلك". [وهذه] أمور مفهومة من منع الرسول [ ﷺ ]

стр. 2525

من تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق. ومن المنع أن يبيع حاضر لباد. وغير ذلك من [تفاريع] أدلة دلت على التفات الشريعة [إلى المصالح] في أثناء الأحكام. فأما ما ذكره من انتفاء دليل العمل بالاستدلال دليل على رده، فهذا إنما يكون [أن] لو سلم له دليل انتفاء العمل بالاستدلال. وأما قوله: إن المعاني إذا اعتبرت بمجردها لم ينضبط الأمر، وأفضى
следующие страницы →