Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
أما الاستدلال: [فيعبر عنه: بربط] الحكم بالمعنى المناسب، الذي لا يستند إلى أصل معين. هذا تفسيره. وللعلماء فيه مذاهب، ذكر [الإمام] ثلاثة منها، ولم [يذكر] الرابع. فلا بد من ذكره.
стр. 2522
والمذهب الرابع: ما ذهب إليه أبو حامد، وهو أن المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، إن كان واقعًا في الرتبة الأخيرة من رتب المناسبات، لم يقبل. واختلف قوله في الواقع في الرتبة المتوسطة، وهي رتبة الحاجات، فقبله في "شفاء الغليل"، ورده في "المستصفى". [وهو] آخر مصنفاته
стр. 2523
(١٥٣/ ب). فهي في محل الاجتهاد. ولا بُعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وميله إلى قبوله. [ولكنه اشترط] فيه شروطًا لا يتأتى الوفاء بها، وكلامه [فيها] يطول، فلنؤخره إلى آخر الفصل، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا مأخذ القاضي.
قال الإمام: (أما الشافعي فإنه قال: [أنا أعلم] قطعًا) إلى قوله (ويكتفى [أن لا]) يكن في الشريعة أصل يدرؤه من نص كتاب أو سنة أو
стр. 2524
إجماع). قال الشيخ: ما ذكره القاضي حيث (١١٩/ أ) حاول رد الاستدلال من حصر طرق الأدلة، وإبانة انتفائها، فالحصر غير مسلم، وفقدانها ممنوع، وإذا نظر المنصف غلى أقضية الصحابة ﵃ تبين منهم أنهم كانوا يتعلقون بالمصالح في وجوه الرأي، وظهر ذلك منهم في مواضع:
منها- حد شارب الخمر، فإنهم لم يصادفوا في المسألة نصًّا، وإنما أثبتوا الحد في المسألة رأيًا. وسنبين هذا بعد ذلك أتم البيان.
ومنها- أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، قال علي ﵁: "لا يصلح العامة إلا ذلك". [وهذه] أمور مفهومة من منع الرسول [ ﷺ ]
стр. 2525
من تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق. ومن المنع أن يبيع حاضر لباد. وغير ذلك من [تفاريع] أدلة دلت على التفات الشريعة [إلى المصالح] في أثناء الأحكام.
فأما ما ذكره من انتفاء دليل العمل بالاستدلال دليل على رده، فهذا إنما يكون [أن] لو سلم له دليل انتفاء العمل بالاستدلال.
وأما قوله: إن المعاني إذا اعتبرت بمجردها لم ينضبط الأمر، وأفضى
стр. 2526
ذلك إلى الاختلاف والتباين. فعنه جوابان:
أحدهما-[أن لا أحد] يجوز اتباع المصلحة المجردة، بل المصالح التي فهم من الشريعة ملاحظتها.
وقد قدمنا أن مقصد الشر عان يحفظ على الخلق خمسة أمور وهي: الدين والنفس والعقل والمال [والنسل]، فحفظ هذه الأمور مصلحة، وتفويتها مفسدة، فإذا لحظ العلماء هذه الأصول، لم يتباعد اختلافهم أصلًا.
والأمر الثاني- أن هذا وإن أفضى إلى الاختلاف، فلا يضر، وليس الاختلاف [مقصودًا] لعينه، واختلاف هذه الأمة رحمة من الله تعالى، سواء [قلنا إن] كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد، والاختلاف أيضًا لا يُعدم، وإن ردت المعاني إلى الأصول، وما كان يزيل الاختلاف إلا النصوص القاطعة المتواترة، ولم يفعل [الله] تعالى ذلك.
стр. 2527
وأما قوله: إنه كان يلزم أن تختلف الأحكام [باختلاف الأصقاع] والبقاع وأحوال المكلفين. فما ذكره ينقسم قسمين: أحدهما- أعرضت (١٥٤/ أ) الشريعة عنه، فهذا لا سبيل إليه.
والثاني- أمر لم يتحقق الإضراب عنه، فهذا عندنا تختلف به الأحكام، إن أفضت المصلحة إليه. وقد قال مالك [﵀] في قوله في لبن المصراة: "ردها وصاعًا من تمر": هذا لم عيشهم التمر، وأما من عيشهم غير ذلك، فيجزئ عنهم. وكذلك القول في زكاة الفطر والكفارات، في
стр. 2528
اختلاف الأحوال والبلدان.
أما قوله: إنه كان يتسع الأمر، ويرجع ذوو الأرحام بمثابة الأنبياء ﵈، [فهذا] تهويل ليس وراءه تحصيل، والعلماء ورثة الأنبياء، وما كان النبي يذكر إلا ما فهمه عن ربه [تعالى].
وإذا جعل الله تعالى للعلماء أن يحكموا بما يرونه صوابًا، محصلًا لمقصود الشارع، لم يكن لهم مجاوزة ذلك ولا تعديه، وكانوا إنما حكموا بحكم الله تعالى. ألا ترى أنهم إذا استنبطوا المعاني من الأصول، فإنهم
стр. 2529
بعقولهم أدركوا ذلك، ولا ينسب الحكم غليهم بحال، فأي فرق بين أن يفهموا (١١٩/ ب) المصالح من أصول معينة، وبين أن يفهموها مستندين إلى [كل] الشريعة؟
وكذلك قوله: إنه مصير إلى إبطال [أبهة] الشريعة، وذهاب إلى أن يفعل كل ما يريد. أما إبطال [أبهة] الشريعة، فغير صحيح، لأنهم إنما فعلوا ذلك مستندين إلى الشريعة.
وأما إفضاء الأمر إلى أن كلًا يفعل ما يرى، فهو كذلك، ولكنه حكم [الله] عليهم، وقد قال معاذ حبر الأمة: "أحكم بكتاب [الله]. فقال له الرسول ﷺ : فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟
стр. 2530
قال: أجتهد رأيي. فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضاه رسول الله [ ﷺ ] ". فكيف يكون المصير إلى أن كل واحد يحكم بما يرى، حيدًا عن الشريعة؟ وبالشريعة [عملوا] وإياها قصدوا، وفي مقاصدها اجتهدوا.
وأما الطريق الذي سلكه الشافعي في إعمال الاستدلال من [بنائه] القول على [أنه لا] تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، فبناء على أصل عظيم، ودعوته [عرية] [عن] الدليل.
وما ذكره من أن الأئمة السابقين لم يخلو واقعة عن الحكم، مصيرًا منهم
стр. 2531
إلى أنه لا حكم فيها، فهذه أمور عظيمة، ودعاوى [يشق] الاستدلال عليها، ويفتقر في تقرير هذا الكلام إلى النقل المتواتر عن جميع أهل الإجماع، بأن كل واقعة فلله تعالى فيها حكم. وهذه دعوى لا تصادف أبدًا، والشافعي أيضًا لم يدعها، وإنما أخذها استقراء من كثرة الوقائع، وتعميم (١٥٤/ ب) الفتاوى، فيقول: قد اشتمل عصر الصحابة [﵃] على كل ممكن، فلسنا نتخيل وقوع واقعة لم تقع لهم. ثم يقول: وقد حكموا في كل ما لهم، فترتب على ذلك تعميم الأحكام للوقائع. وهذا كلام مرتب على مقدمتين كلاهما ممنوعة.
أما المصير إلى أن كل واقعة وقعت للصحابة، فممنوع، والمسألة التي أوردها أبو هاشم، [وهو] إذا سقط رجل على صدر جريح محفوف بجرحى، إلى آخر المسألة. قال الأئمة: هذه المسألة ليست منصوصة، ولا عهد بمثلها في المنصوصات. قال أبو حامد: ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم.
وأما [كونهم] أفتوا في جميع ما وقع لهم، فالمنقول خلافه، وقد نقل
стр. 2532
الوقف عن أكثر الصحابة [أو عن] جميعهم، غايته أن يقول: الواقف وقفه وقف عاجز، مع كونه يرى في المسألة حكمًا من حيث الجملة، ولذلك كان يحيل الأمر على غيره. وهذه دعوى يقابلها عكسها، وهو أنه يحتمل أن يقف وقف من لا يرى وراءه [مرمى]، ويحتمل أن يقف [وقف] من يضيف العجز إليه، ويرى أن غيره قادر، ويحتمل أن يقف وقف شاك، هل وراءه مرمى [أم لا]؟ فمن أين [تحقق] أنه إنما وقف وقف عاجز مع كون غيره متمكنًا؟ هذا لا يعرف إلا من قوله: ولم ينقل، ولو نقل هذا عن واحد، فيفتقر إلى أن ينقل هذا عن الجميع نقلًا متواترًا، نقل الآحاد في الأبواب مفقود، فضلًا عن التواتر. فبناء مسألة الاستدلال على هذه الأصول، صعب شديد، وإذا لم يثبت ذلك بالدليل، لم يعلم ما ينبني عليه.
وأما الكلام الثاني: وهو أنه لو لم [يعمل] بالاستدلال، لكان الوقوف
стр. 2533
عن الحكم يزيد على الفتوى. فهذا لعمري يفتقر إلى تقرير عظيم، وهو أن تضبط المعاني المستندة (١٢٠/ أ) إلى الأصول، ثم تعرض الأحكام المفصلة عليها، فإذا صودفت زائدة زيادة بينة، بحيث يحصل العلم بأنه لا بد من مأخذ زائد على المعاني ذوات الأصول، علم الافتقار إلى مستند آخر. وانحصاره في الاستدلال المرسل، يفتقر إلى زيادة تقرير، وهو أن تكون تلك المسائل التي حكم فيها لا تستند إلى الأشباه، ولا يصح أن ترجع إلى استصحاب الحال، [لوجود] أحكامها مختلفة، وظهرت فيها مصالح، فحينئذ يثبت الاستدلال، ولكن هذا بشرط أن ينقل ذلك عن جميع أهل الإجماع. وهذه أمور إنما يصح أن يتصرف فيها المجتهدون، وإلا فقد يظهر للناظر أن الأصل [لا معنى] له، ويتضح لغيره تقدير معناه. (١٥٥/ أ) فسبحان الله ما أعز درجة الاجتهاد، وما أبعدها عن الخلق.
وأما قوله: إن كان التمسك بأقضية الصحابة، وهم القدوة والأسوة، فمن نظر أحكامهم، لم يجد لواحد منهم تعيين أصل، والاعتناء بالاستنباط منه، ثم
стр. 2534
بناء الواقعة عليه، وإنما كانوا [ينيطون] الأحكام بالمصالح، ولا يعرجون على الأصول، كانت أو لم تكن.
وهذا نقل، لو كان صحيحًا منقولًا على ألسنة التواتر، لكان دليلًا قاطعًا في قبول الاستدلال. ولكن مَن علمه، وجب عليه العمل به، والظن بالشافعي [أنه لا] يقوله إلا عن تحقيق. هذا إذا ثبت أنهم ما كانوا يعرجون على الأصول. وأما إذا كان مستند النقل عدم التصريح، فهذا غير دال، لاحتمال أنها كانت [معلومة] عندهم، فاستغنوا عن [التصريح]. وعلى هذا نزل القاضي ﵀ اختلاف علي وعبد الرحمن، وقد تقدم ذلك.
стр. 2535
وأما ما ذكره الشافعي أخيرًا، من أن المعاني إذا استندت إلى الأصول، فالتمسك بها جائز، فعبارة ضعيفة، بل إذا استندت المعاني إلى الأصول، فالتمسك بها واجب. وليس الأصول وأحكامها حججًا، وإنما الحجة في المعاني، فهذا كلام صحيح، وليس التمسك بصورة الأصل، ولا [يحصل] الوفاق عليه، وإنما التمسك بالمعنى، كان الأصل أو لم يكن.
فهذا عندنا كلام صحيح، وهو يقتضي الالتفات إلى المعاني على الإطلاق، على حسب ما أسند إلى مالك [رحمة الله عليه].
وما طرده القاضي على الشافعي من الاعتراضات، فقد أجبنا عنها، فلا معنى للإعادة.
[وأما] ما أضافه الإمام إلى مالك [رحمة الله عليه]، واعتنى بالرد عليه، [فقد قدمنا] أن مذهب مالك هو مذهب الشافعي بعينه، وإلزامه اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص والبقاع والأوقات، فقد أجبنا عنه بما فيه
стр. 2536
مقنع. وكذلك قوله: فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء ﵈، هو الذي سبق بعينه.
وأما الزيادة التي أوردها الإمام ردًّا بها على مالك [﵀]، [وهي] أن يكون العاقل العالم بوجوه السياسات، إذا [راجع] العلماء في واقعة، فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة، ولا أصل لها يدانيها، فأنى للعاقل أن يحكم فيها بعقله؟ فهذا من مورده وملزمه غفلة عظيمة. وبيان الغلط فيه من وجهين:
أحدهما- أنا نشترط في اتباع المصلحة ألا تناقض أمرًا مفهومًا من الشريعة، ومن أين يعلم العامي هذا؟ وما المانع من كون ما يراه من الرأي مناقضًا للشرع؟
الأمر الثاني- (١٥٥/ ب) أنا قلنا: لسنا (١٢٠/ ب) نريد بالمصلحة في هذا المكان: مجرد جلب المنفعة ودفع المضرة، وإنما نريد بها: المحافظة على رعاية مقصود الشرع، وهذا إنما يعرفه العلماء دون العوام، ولا يتصور لذي عقل أن يُمكن العامي من الفتوى في الشريعة.
وعلى الجملة فليس بين مذهب مالك والشافعي فرق بوجه، وأما الإمام فإنه يقصد أن يفرق بين المذهبين، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلًا أبدًا.
قال الإمام: (فإن قيل: فما معنى التقريب الذي نسبتموه إلى الشافعي) إلى
стр. 2537
آخره. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام في جواب السائل، [لا يتحصل] منه المقصود على حال، وذلك أنه قال: تثبت معان اتفق القائسون عليها، فأنا أجعلها معتبري، وأقرب الاستدلالات منها حتى كأنها هي، وإن لم تكن أعيانها. فهذا التقريب ما مأخذه؟ وما المراد به؟ وفي أي جهة يشترط [التقارب]؟ أفي مجرد المصلحة؟ أم في وجه آخر أقرب من ذلك؟ و [ما] مأخذ هذا التقريب؟ فليس في هذا الكلام شيء من البيان، فإن اكتفى بمجرد [التقارب] في المصلحة، أعملت جميع المصالح، وإن اشترط الاشتراك في الوجه الأخص، فهو المؤثر بعينه، وبين الدرجتين رُتب [متفاوتة] فيلا القرب والبعد لا تنضبط بحال.
стр. 2538
[وأما] قوله: فاعتبار المعنى بالمعنى تقريبًا، أولى من اعتبار صورة بصورة. وهذا أيضًا ليس بشيء. [فإذا] قربنا الصورة بالصورة، نظرًا منا إلى الاشتراك في المعنى، فإذا أردنا أن نقرب المعنى من المعنى، فبأي شيء نقربه منه؟ فتحصل أن هذا الكلام ليس فيه شيء من البيان، والسؤال [عن الفرق] بين المذهبين قائم. هذا تمام ما أورده الإمام.
فأما ما ذهب إليه أبو حامد في قبول الاستدلال، فهو أنه خص القبول بالضرب الأول من رُتب المصالح، وقال: المقبول منه ما وقع في رتبة الضرورات، واقتصر [في هذا المكان على الدعوى]، ولم يدل على حصر القبول فيما عين بحال، وذكر مثالًا فقال: إذا تترس الكفار بالمسلمين، [فلو] رمينا الترس، لقتلنا مسلمًا معصومًا، لم يذنب ذنبًا. وهذا لا عهد [به] في الشرع، ولو كففنا، لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون
стр. 2539
الترس. فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير [لا بد أن يصير] [مقتولًا] بكل حال، وحفظ جميع المسلمين عن القتل أولى من حفظ حياة الترس ساعة واحدة، ثم يعودون إليه فيقتلونه، فحفظ جميع المسلمين أهم، لأنه يعلم قطعًا (١٥٦/ أ) قصد الشرع إلى حقن دماء المسلمين، إن قدر عليه، وإن عجزنا عنه، فقد قدرنا على التعليل، فيكون هذا أقرب إلى حفظ مقصود الشرع. فكان هذا التفاتًا غلى مصلحة عُهد من الشرع قطعًا الالتفات غليها، لا بدليل واحد، وأصل معين، بل بأدلة لا تحصى. هذا كلامه. وكله دعوى [معرى] عن البرهان. والموضع الذي علم أنه مقصود الشرع، صون الدماء من غير إراقة دم [مسلم] معصوم، [فأما ما] في هذه الصورة، فلم يعلم ذلك بحال، وليس في (١٢١/ أ) أدلة [الشريعة] ما يدل عليه التحقيق.
قال: وانقدح اعتبارها بثلاثة شروط: أنها ضرورية قطعية كلية، وليس في معناها ما إذا تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي [المتر سبه]، إذ لا ضرورة، [لأن بنا] غنية عن القلعة، [فنعدل] عنها، وليس في معناها ما إذا [لم نقطع] [بظفرهم بنا]، لأنها ليست قطعية، بل ظنية، وليس
стр. 2540
في معناها [جماعة] في سفينة، لو طرحوا واحدًا [لنجوا]، وإلا غرقوا بجملتهم، لأنها ليست كلية، إذ يحصل [بها] هلاك عدد محصور، وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين. ولأنه ليس يتعين واحد إلا أن يُعين بالقرعة، ولا أصل لها.
وكذلك جماعة في [مخمصة] لو أكلوا واحدًا بالقرعة، [لنجوا]، فلا رخصة فيه، لأن المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للآكلة، حفظًا [للروح]، فإنه تنقدح الرخصة فيه، لأنه إضرار به لمصلحته، وقد شهد الشرع للإضرار [بالشخص]، قصدًا لإصلاحه، كالفصد والحجامة وغيره. وكذلك قطع المضطر سببًا ظاهرًا في الهلاك، فيمنع منه، لأنه ليس فيه [يقين الخلاص]، فلا تكون المصلحة قطعية.
فنقول: هذا تمام [كلامه]. وهو عندنا غير صحيح، واقتصر في [جميع] ما [ذكره] على الدعوى من غير دليل.
стр. 2541
أما مصيره إلى أنها إذا كانت من قبيل الضروريات، فتثبت دون غيرها، فلم يذكر دليلًا على الفرق بحال.
وأما اعتباره القيود الثلاثة، [فهذا] أمر لا يتصور، ولا وقوع له في الشريعة أصلًا. ورد الحكم بالمصالح المرسلة التي يزعم الشافعي أنه الذي يسترسل على أكثر المسائل، هو هذا النوع من الاستدلال، كيف يتصور مع ذلك أن تعتبر فيه هذه الشروط، ولم تقع في الوجود هذه الواقعة؟ فهذه صورة تجري في أدراج الوسواس، يضعها المتكلفون، والشريعة عرية [عنها].
[ثم] (١٥٦/ ب) لو تصورت على زعمه، فما دليل جواز قتل الترس؟ وكيف يجوز الهجوم على قتله؟ ومن أين نعلم أنا إذا لم نقتله استؤصلت شأفة المسلمين؟ ودعوى أنهم إذا [قتلونا] عادوا إليه فقتلوه، وهم محض، وخيال باطل، ولعلهم لا يقتلونه.
ثم قوله بعد ذلك: [لحفظ] دماء المسلمين أهم من بقاء هذا ساعة أو يومًا، ثم يعودون إليه فيقتلونه. كل هذا وهم محض، وخيال باطل. وسنبين في المسألة التي تلي هذه، أمثلة تبين للناظر الموفق أن الصحابة ﵃ في إعمال الاستدلال المرسل، لم يشترطوا شيئًا من هذه الشروط، ولم يعولوا عليها بحال.
فإذًا الصحيح اعتبار المصالح على حسب ما قررناه، إذا لم تناقض الأصول، ولم يوجد في الشرع ما يصد عنها، وخلت عن المعارض. [فتحصل] من هذا الذي ذكرناه أن المناسب باعتبار شهادة الشرع ينقسم: إلى ما شهد الشرع لاعتبار
стр. 2542
عينه، فهو حجة باتفاق القائسين، ومناسب (١٢١ م ب) رده الشرع، وأعرض عنه، فهو مردود باتفاق المسلمين، ومناسب لم يشهد الشرع لاعتباره، ولا لرده في عينه، فهذا قد قسمه بعض الناس قسمين: [ملائم وغريب].
فأما الغريب، فلا يخلو: إما أن يرد حكم على وفقه، أو لا يرد، فإن ورد على وفقه، فهو مختلف في قبوله، ومستند الاختلاف، هل ورود الحكم على الوفق شهادة له أم لا؟ فإن كانت شهادة فقد ترجح جانب الإعمال، وغن لم تكن شهادة، ترجح جانب الإهمال، إذ ليس المناسب مقبولًا لعينه.
وأما الملائم، فإن ورد حكم على وفقه، فهو حجة باتفاق القائسين. وذكر عن أبي زيد أنه لا يقبل غلا المؤثر، ولكن ذكر أمثلة تدل على أنه قبل الملائم وسماه مؤثرًا. [وما] أقل ما يصادف المناسب الغريب، فإنه إذا تحققت المناسبة، لم تنفك عن مدناة ومقاربة، وهو المعبر عنه بالملاءمة. وسنذكر أمثلة كثيرة نبين بها اعتماد العلماء على المناسبة [التي] لا ترجع غلى أصل معين. إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (مسألة: الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي) إلى قوله ([سرًّا بديعًا يتخذه الناظر معبرًا في أمثاله]). قال الشيخ: [لما] ذكر الإمام مسألة
стр. 2543
الرجعية، ممثلًا بها صحة التمسك بالمعاني التي لا أصول لها، نازعه المنازع،
стр. 2544
وزعم أن تحريم الرجعية يعتمد على معنى راجع إلى أصل، فيكون من أبواب القايس، لا من أبواب الاستدلال المرسل، فألحقه بالمعتدة البائن، ويجعل (١٥٧/ أ) الاعتداد علة، ويجعل البائن محلًا، ويلحق الرجعية به، فينتظم القياس من أصل وفرع وجامع وحكم. فإن قيل له: البينونة علة، [قال]: لا
стр. 2545
يمتنع اجتماع علتين [لحكم] واحد، فيرجع الكلام إلى ما سبق من تعليل الحكم بعلتين، والقول فيه طويل، وقد استقصيناه، فلا معنى لإعادته.
стр. 2546
قال الإمام: (فإن قال قائل: إنما يستقيم ما ذكرتموه من تجريد النظر إلى العدة) إلى قوله (ولا [مستند للتعلق] بالعدة في اقتضاء التحريم [إلا الاستدلال]). قال الشيخ: قد قدمنا أنه إذا ذكر الجامع وصفًا مضمونًا إلى علة الأصل، لا يستقل علة، وعلة الأصل تستقل دونه، كان ذلك باطلًا. وقد قدمنا في ذلك أمثلة: منها- ما إذا قال الشافعي: أمة كافرة، فوجب أن تكون محرمة، كالأمة المجوسية. وكذلك قوله: مس، فصار كما لو مس وبال، وبينا
стр. 2547
أن هذا القياس باطل على القطع، فإن علة الأصل غير موجودة في الفرع، والذي في الفرع لم يثبت كونه علة، والنزاع فيه، [فإن] قدر المستدل على إثبات كونه علة، تعذر عليه أن يشهد الأصل له، فلو ثبت ذلك، لوقع الكلام في أبواب الاستدلال. فكذلك إذا قال: معتدة فحرمت، كالمعتدة البائنة، فإن البينونة مستقلة بالمنع، معتدة كانت أو غير معتدة، وكونها معدة، هو المتنازع فيه، وهو منضم إلى البينونة المستقلة بإثارة التحريم، [فهو] من قبيل القياس على ما لو مس وبال.
وأما المصير إلى أن هذا ينبني على القول بتجويز تعليل الحكم بعلتين أو امتناع ذلك، فغير صحيح، (١٢٢/ أ) وذلك أنه لا يلزم من صحة إحدى العلتين أو فسادها، إبطال حكم الأصل، ولا منعه، ولو منعت البينونة ها هنا، أو قدر انتفاؤها، لمنع الحكم، فمن هذه الجهة كان ما يعتقد أصلًا، هو مسألة الخلاف، فيقع الكلام على هذا في أبواب الاستدلال.
قال الإمام: (فإن [قيل: لو] قال من يحرم الرجعية: معتدة فشابهت
стр. 2548
المعتدة عن وطء شبهة) إلى قوله ([إن] عول على العدة، لم يجد أصلًا). قال الشيخ: هذا الكلام هو أقرب من الأول، وذلك أنا قد بينا في الأول أن الحكم في الأصل ثابت [العلة، متفقًا] عليها، وهي البينونة، والاعتداد لا أثر له في الانضمام، فوقع ذلك في باب القياس، على ما لو مس وبال، [فعدل] الخصم إلى هذا السؤال، وهو قوله: معتدة فكانت محرمة، كالمعتدة عن وطء شبهة طارئ على النكاح، إذ العلة في الأصل متحدة، وهي كونها معتدة، ويرى أن كونها عن وطء شبهة، لا أثر له في التحريم، وإنما ذكر ذلك
стр. 2549
محلًا محضًا، [كذكر] الخمر [١٥٧/ ب) عند إلحاق النبيذ بها. هذا مراد الجامع من هذا القياس.
[وقوله]: هذا مطرد، ولكنه طردي، فنقول: قوله قبل هذا: والعلة الأولى فيها إخالة ربط حكم أو حكمين متماثلين بعلتين، قصد بذلك اختلاف الأصوليين في التعبير عن علة الأصل وحكمه، هل يقال: علة الأصل موجودة في الفرع أو مثلها؟ وكذلك، هل الثابت في الفرع حكم الأصل أو مثله؟ والمقصود واحد، والعبارة مختلفة، وليس الثابت في الفرع عين علة
стр. 2550
الأصل ولا مثلها. والذي يحقق ذلك، أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من منه العدة، ولو كانت العدة من ماء الزوج، ولم تقع البينونة الكبرى، لما امتنع [عن] الزوج النكاح، فدل هذا على اختلاف أحكام العدد وآثارها، وإن شملها اسم واحد. [فإذا] اعتمد على اسم العلة، كان [طاردًا]، وإن التفت إلى الفرع، لم يجد أصلًا.
قال الإمام: (فإن قيل: فما رأيكم في استعمال ذلك استدلالًا) إلى قوله (فليكن الوطء كذلك). قال الشيخ: هذا الكلام هو عمدة الشافعي في تحريم الرجعية، فغنه قال: [هي مأمورة] بالتربص لبراءة الرحم، فتسليط
стр. 2551
الزوج على شغل رحمها في الزمان الذي [تؤمر] بتبرئة الرحم متناقض. وهذا الذي ذكره قريب من القواعد، إذ ليس في الشريعة الأمر بتحصيل أسباب، ثم [شرعيته مما] يبطل أثر تلك الأسباب. إذ يفضي ذلك إلى شرع ما لا فائدة في شرعه. ولكن هذا الكلام يفتقر إلى الإتمام بالاستدلال على بطلان إثبات كون الوطء رجعة، فإذا ثبت ذلك، استقل الكلام وحصل المقصود.
قال الإمام: (فإن قيل: فما الرأي في قول من يتمسك بالاحتساب بالعدة؟ ) إلى قوله (فهذا وجه الكلام). قال الشيخ: وجه الاستدلال ما تقرر
стр. 2552
في الشرع من الربط بين إباحة الوطء، وبين الإعراض عن الأقراء، فإنها لو اعتزلت دهرًا طويلًا، لم تكن الأقراء موصلة إلى بينونة، وما ذاك إلا (١٢٢/ ب) لأنها مباحة. فلا يجتمع الاحتساب بالأقراء مع إباحة الوطء.
وقول الإمام: هذا أمثل قليلًا، يريد بذلك أنه استدلال بالتلازم، والأصل المعبر به ما قبل الطلاق، فهو جار على شرط القياس الخالي عن التركيب.
ومعنى قوله: إنه تمسك بالعكس، أي لما كانت مباحة، لم [تحتسب]، وإذا [احتسبت]، [فينبغي] ألا تكون مباحة، [وهو] الاستدلال بنفي أحد المتلازمين على انتفاء الآخر.
وقوله: وجواب الخصم (٥٨/ أ) عنه أوضح منه، يريد إن التربص قبل الطلاق لا يفضي إلى البينونة، فلم يكن للاحتساب بالأقراء معنى، والاعتداد بعد الطرق في الممسوسة يؤدي إلى البينونة، فكان الفعل بين ما قبل الطلاق وبعهد. هذا، وهو كلام واضح في الفرق.
стр. 2553
قال الإمام: (فإن تعلق المحرم بأن الطلاق أوجب المصير غلى البينونة) إلى قوله (فلم ينصب دليلًا عليه بعد). قال الشيخ: هذا الكلام صحيح في وضعه، لكن على أصل مالك [﵀]، فإن حل النكاح لا بد أن يكون مطلقًا، والتأقيت يبطل النكاح، [ويعتمد] في ذلك على بطلان نكاح المتعة، فإنه باطل، وسبب ذلك أن مقصود النكاح الائتلاف، وحسن الصحبة والعشرة، قال الله [تعالى]: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. وهذا ينتقض بالتأقيت، فأثبت الشرع النكاح مؤبدًا، والتأبيد يجر جهالة، ولكن هذه الجهالة منطبقة على مقصود العقد. فإذا علق الطلاق على أجل، [فإنه] جعل التأقيت ينافي مقصود النكاح. هذا مذهب مالك [﵀]، فيصح أن تحرم المعتدة، بناء على هذا الأصل
стр. 2554
الذي قرره. وأما الشافعي، فلا يتأتى له ذلك، لأنه يفرق بين أن يعقد عقد النكاح مؤقتًا، وبين أن يرد التوقيت عليه، [فلم] يستقم له تعليل تحريم الرجعية بالمصير إلى البينونة.
قال الإمام: ([فإن قيل: ] فلو كانت مستحلة، لما احتيج إلى الرجعة) إلى قوله (ومسلك مستقيم). قال الشيخ: هذا مقصود المثال عند الإمام، وذلك أنها إذا تربصت لتبرئة الرحم، فإذا سلط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذي تؤمر فيه بتبرئة الرحم، كان ذلك تناقضًا بينًا، وذلك بعيد عن مقاصد الشريعة الكلية. ولكن يبقى في هذا الكلام تقرير أن الوطء الجاري لا يكون رجعة، والإمام لم يدل على هذا بحال، وهو نكتة المسألة.
وأبو حنيفة يرى أن الوطء الجاري رجعة، فلا يجتمع عنده الشغل مع الاستمرار على التربص. فحرف المسألة لم يتعرض له الإمام بالاستدلال. ووجه
стр. 2555
تقرير أن الوطء لا يكون رجعة، أن الفعل المجرد لا خصوصية له في الدلالة بحال، والوطء [صورته] لا تستدعي زوجًا. وإذا تقرر أن الطلاق محرم، افتقر في حِل الأبضاع إلى سبب يرفع التحريم، وقد ثبتت [الرجعة] مبيحة، وهو أن يقصد الإنسان بقلبه، أو ينطق بلسانه، برد المرأة إلى العصمة. هذه الرجعة المتفق عليها.
[أما إقامة] الفعل المطلق مقام القصد، (١٥٨/ ب) أو النظر إلى توقيف [المعنى]، فلا يقتضيه، لما قررناه من عدم اختصاص [التسمية]. فثبت بهذا أن الوطء لا يكون رجعة. (١٢٣/ أ) هذا هو الصحيح عندنا.
ويتوجه على هذا سؤال يختص بالمذهب، وذلك أن مالكًا ﵀ يرى أن المشتري بالخيار، إذا وطئ الجارية في أيام الخيار، عُد ذلك اختيارًا، ولم ينزل وطأه [دليلًا] على التحريم بحال، وإن كان لولا الوطء لم يكن مختارًا. فكذلك ينبغي أن يكون وطء الزوجة في عدة الطلاق الرجعي
стр. 2556
[ارتجاعًا]. ولكن الفرق بينهما أن الرجعة فيها حق لله [ ]، وليس للمرأة أن تسلم نفسها للواطئ تصديقًا له. وبائع السلعة يتعلق الحق له، وإذا مكن المشتري منها، فلا اعتراض عليه فيها. وإذا دار أمر الشرع على تعلق حق العباد، صح التمسك بالفعل الدال من جهة الاعتياد، ولا يقبل من المشتري أنه لم يفعل ذلك اختيارًا. ولذلك يتمكن البائع من تصديقه، وإبقاء سلعته له.
وليس كذلك الارتجاع في الزوجة، فلم يجعل الوطء [من الزوج] رجعة. وكيف يستدل على قصده، وهو ينكره؟ وليست مسألة النزاع ما إذا قال: [إنني] قصدت بالوطء الرجعة، فحل الوطء يتعلق بقصده، وهو يعلم فقده. هذا بيان تقرير هذا المثال، وهو الذي اشتمل عليه الكتاب. ولنذكر الآن أمثلة يتعلق القول فيها بالاستدلال، وحكم بها أهل الإجماع.
فمن أمثلة ذلك: اتفاق أصحاب رسول الله ﷺ بحد شارب الخمر ثمانين، وإطباقهم فيه [على] التقدير إما بأربعين أو بثمانين، ومستندهم ذلك الرجوع إلى المصالح، والتمسك بالاستدلالات المرسلة، ولذلك قال علي ﵁: "من سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري".
ووجه إجراء المسألة على الاستدلال: أن الصحابة ﵃ رأوا الشرع يقيم الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات، إذ جعل الإيلاج في أحكام [كالإنزال]. وكذلك جعل الحافر في محل العدوان، عند عدم مُرد يحال
стр. 2557
الحكم عليه [كالمردي]، وحرم الخلوة بالأجنبية، حذرًا من الذريعة إلى الفساد. إلى غير ذلك من مسائل الشريعة. ورأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء، فأقاموه مقامه في ترتيب الحد عليه. هذا من أوضح الأدلة على صحة [استناد] الأحكام إلى المعاني التي لا أصول لها، وهو مقطوع به من الصحابة. وتقرير الدليل بتوجيه أسئلة واعتراضات وأجوبة عنها.
فإن قيل: ليس هذا (١٥٩/ أ) باستدلال، بل هو قياس، إذ ردوه إلى أصل، وهو الافتراء، ولذلك رتبوا الحكم عليه. قلنا: هذا ليس بصحيح، ولا يتصور القياس على هذا الوجه، إذ القياس يرجع إلى استنباط معنى من أصل موجود في [الفرع]. وصورته أن يقال: حد القاذف ثمانين، لعلة كذا، وهذه العلة موجودة في الشارب، فليضرب ثمانين، والقاذف جلد ثمانين، لأنه افترى، لا لأنه تعاطى سبب الافتراء، فلم يكن هذا قياسًا أصلًا.
فإن قيل: الشرب سبب لمعاص كثيرة، فمن أي وجه رتبوا عليه حكم الافتراء دون غيره؟ قيل: المعصية الخاصة بزوال العقل، انطلاق اللسان (١٢٣/ ب) بالهذيان. وأما ما يتعلق بالزنا والسرقة والقتل وغيرها من المعاصي، فلا يتوصل إليها إلا بنوع من العقل، وضرب من النظر والفكر.
فإن قيل: فالردة أيضًا من هذيان اللسان، والعقل عنها زاجر، فإذا فقد العقل، نطق اللسان، فلأي شيء لم يترتب عليه حد الردة؟ قلنا: لا يترتب عليه لثلاثة أمور:
أحدها: ان السكر لا يكون سببًا في الاعتياد للنطق بالكفر، وإنما ينطق
стр. 2558
غالبًا في حال هذيانه بما كان يعتاد النطق به في حال عقله، والألسنة لا تنطق بالكفر، ولا تتسامح به بوجه، ويشهد بذلك أمران:
أحدهما- أن السكران إنما ينطق في حال سكره بما اعتاد النطق به قبل ذلك، [فينطق كل إنسان في حال سكره بما كان يألفه].
الثاني- أن العادة ترشد غلى أن السكران لا يجري على لسانه أمر الردة والكفر بحال، وإنما ينطق بما في نفسه من الشهوة إلى الزنا وغيره من الفواحش.
الثاني: أن حد الردة عظيم، وهو إتلاف النفوس، فلم يتجاسروا عليه، مع إمكان أن يشرع زاجر دونه، وما ثبت للضرورة يقيد بقدرها.
الثالث: أن أثر الردة يسقط بالتوبة، وذلك إنما تعرض عليه بعد إفاقته، وهو بعد إفاقته لا يبقى على قوله، [فلو] رتب عليه حد الردة، لم يُحد بحال. فلهذه الأسباب، لم يترتب عليه حد الردة.
فإن قيل: شرط الاستدلال أن لا يخالف نصًا، وشرب الخمر قد جرى في زمن رسول الله ﷺ ، وضُرب الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب. فإن كان ما جرى من رسول الله ﷺ [تعزيرًا]، فكيف صاروا إلى الحد؟ وإن كان حدًا، فكيف عدلوا عنه إلى حد آخر؟ وكلا الوجهين مخالف للنص.
وهذا السؤال سديد، وقد قال بعض الأصوليين: لم يكن فيه حد، وإنما جرى ذلك مجرى التعزير. ولما انتهى الأمر إلى زمان أبي بكر الصديق ﵁ (١٥٩/ ب) قدّر ذلك على طريق التعديل بأربعين، ولما انتهى الأمر إلى عمر
стр. 2559
[﵁]، وتتابع [الناس]، أي تتابعوا وكثروا، جمع الصحابة [﵃] واستشارهم، فقال علي ما قال. وهذا لعمري ليس انفصالًا عن السؤال، فإن ظاهر هذا أنهم جعلوه حدًّا ينتهي إليه. ولقد بقي في نفس علي إشكال حتى أنه قال: "أما أنا فلا أقيم الحد على أحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئًا إلا شارب الخمر، فإنه إن مات وديته، فإنه أمر أحدثناه". أو كلامًا هذا معناه.
فإن قيل: فما وجه الجواب عن السؤال؟ قلنا: الذي [يصح] عندنا في ذلك أنهم ﵃ رأوا الواقعة- لما كثر شرب الخمر- واقعة أخرى ليست الواقعة الأولى بحال، فاجتهدوا في حكمها بعد اعتقاد الابتداء فيها، فلا يكون في ذلك مناقضة نص أصلًا.
فإن قيل: يلزمكم [على] هذا إذا تتابع الناس في الزنا أو في القذف أن تغيروا الأحكام، وتلتفتوا إلى الأحوال، واختلاف الأزمان [والمكان]، وذلك باطل من دين الأمة بغير إشكال (١٢٤/ أ). وعن هذا جوابان:
أحددهما- أن التعزير يشعر بالتخفيف، وعدم التضييق، ولذلك رُد الأمر [فيه] إلى الأئمة في القيود، وتفاوت المقادير. وأما الحدود فقد ثبتت على كمال التضييق، فلا يلزم من انضمام الكثرة، قيدًا مؤثرًا في قاعدة التعزير، أن يفعل مثل ذلك في قاعدة الحدود.
стр. 2560
الوجه الثاني- أنهم إنما لم يفعلوا ذلك في الحدود، لفقدان الأصول التي يكون إليها الاستناد، وعليها القياس، وقد وجد للشارب أصل، وهو القاذف. ولو قدرنا تتابع الناي في القذف، فبأي أصل نلحقه بناء على أنه وسيلة إليه، وسبب فيه؟ وكذلك القول في الزنا والسرقة. وهذه المسألة من أغمض مسائل الشريعة، والسؤال في غاية الغموض، والجواب حسن في الباب.
[مثال] آخر: قضى الخلفاء الراشدون ﵃ بتضمين الصناع، قال علي ﵁: "لا يصلح الناس إلا ذلك". ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون على الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك أمر يشق على الخلق، ويضيق معه الوجود، أو يعملون ولا يضمنون عند دعوى الضياع والهلاك، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الجناية، فكانت المصلحة في التضمين. هذا (١٦٠/ أ) معنى قول أمير المؤمنين علي ﵁: "لا يصلح العامة غلا ذلك".
فإن قيل: [في] هذا أيضًا نوع من الفساد، وهو تضمين من عنيناه، [لا] أتلف، ولا فرّط، [فالتضمين] مع الإمكان، نوع من الفساد. [قلنا]: قد قررنا ما في ترك التضمين من المفسدة العامة، وفي مقابلتها أيضًا
следующие страницы →