Полный текст (2 928 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
اكتفاء بما ذكره أهل اللسان، إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذكر شيء مما ذكره أهل اللسان، ولا يجدون بدا من الكلام عليه، كالكلام على (من) الزائدة (٣٥/ب)، هل تكون مؤكدة للنفي؟ وغير ذلك. ثم صرفوا عنايتهم لما لم يذكره أئمة اللسان، وإن كان من اللغة، لأن أئمة اللسان لم يقصدوا إلى معرفة مدلولات الألفاظ، وإنما قصدوا النطق على حسب ما نطق [به] أهل اللسان، حتى إنهم يتكلمون على الكلمة باعتبار إعرابها، وغير ذلك، وإن كانوا لا يفهمون المدلول في اللغة. واللغوي المحض الباحث عن [معرفة] [مدلولات الألفاظ] لا يحسن صنعة الإعراب وعلم التصريف. وقصد الأصوليون إلى شرح المدلول، باعتبار الألفاظ التي ظهر مقصد الشرع فيها، ليحصل الغرض من فهم مقصود الشرع بألفاظه.
стр. 282
قال الإمام: (مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات. فذهب قوم إلى أنها توقيف من الله تعالى) إلى قوله ([وإذا احتمل الكلام الأمرين، لم يكن فيه حجة]). قال الشيخ: قد تردد الناس في البحث عن هذه المسألة، هل لها تعلق بأصول الفقه، أو لا فائدة فيها؟ والصحيح عندنا أنه لا فائدة
стр. 283
فيها، وذلك أن كل أمر يستوي العلم به وعدمه، بالإضافة إلى حصول أمر آخر، فلا حاجة إلى علمه في تحصيل مطلوبه. وقد بينا أن الاحتياج إلى معرفة اللغة العربية، إنما احتيج إليه بالإضافة إلى فهم الأحكام، وقد أمرنا الله تعالى بتنزيل أحكامه على ما نفهمه من اللغة العربية، إلا أن يثبت للشرع تصرف في بعضها، فيجب التنزيل على ما قرره الشارع من اللغة. على ما سيأتي مفصلا، إن شاء الله تعالى.
وإذا (٢/ب) كان كذلك، [فمفهومها لا يختلف، سواء كانت]
стр. 284
اصطلاحا أو توقيفا. ولذلك قال بعض الأصوليين: الكلام عليها في الإطلاق وامتناعه. وهذا كإطلاق زيد قاتلا مثلا، وكون الخمر محرمة، مع قضاء العقول بأن مزهق الأرواح من الأشباح هو الله سبحانه. وأن الأعياد لا تكون متعلق التحريم. فإن كانت توقيفا من الله تعالى، استحال أن يكون الوضع لإزهاق الروح على التحقيق، بل إنما يكون معنى قتله، أي فعل عنده [فعلا] يحصل عنده الموت، أو يكون القتل عبارة عن زهوق النفس، فيكون قولنا: قتل زيد تجوزا. كما قال تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. فإنه لا يقال في هذا إنه جعل القرية اسما للأهل، بل للقرية، وأضمر الأهل. فإن كانت اللغة اصطلاحا،
стр. 285
أمكن الغلط على الواضع في المعقولات، كما وقع للمعتزلة. وأمكن أيضا أن يكون عالما بالمدلولات، فيكون الاصطلاح على هذا التقرير كالتوقف.
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض من ينتمي إلى [أصحابنا]) إلى قوله (لا يجري هذا في محل النزاع قطعا). قال الشيخ: هذه المسألة يحتاج إليها في الأصول، فإنه إذا ثبت عموم الاسم بطريق القياس اللغوي، اندرجت
стр. 286
المسميات تحت العموم، ولم يحتج إلى القياس وشرائطه، حتى يكون قوله: حرمت الخمر، يتناول النبيذ. وكذلك اسم السارق يتناول النباش، فدخل تحت قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
والأمر في التقدير على ما ذكره الإمام [بلا] مزيد. هذا إذا ثبت اختصاص اللغة في أصل الوضع، ولم يثبت طرد القياس في اللغات بحال، فإنا نعلم من مذهب العرب أنهم لا يلتزمون بطرد (٣٦/أ) الاشتقاق وإن كان الاسم مشتقا، لأنهم قد يأخذون المحل قيدا في التسمية، فيسمون الفرس أدهما،
стр. 287
لسواده، وكميتا لحمرته. والآدمي المتلون بذلك اللون أو الثوب، لا يستحق هذا الاسم.
فإذا لم [يطرد] ذلك في لغتها، بل وجد الانقسام، امتنع القياس مضافا إليهم. وإن أطلق المطلق اللفظ، ولم يسنده إلى لغة العرب، لم يمتنع منه. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد ثبت عموم الاشتقاق منهم فيها، فلا يكون ذلك قياسا. بل ذلك وضع منهم، فثبت أن اللغة نقل كلها.
قال الإمام: (مسألة: في ألفاظ استعملها العرب، وجرت في ألفاظ
стр. 288
الشرع) إلى قوله (ومساق ما ذكره أن المسمى [بالصلاة]: الدعاء فحسب، وليس الأمر كذلك). قال الشيخ: رد على القاضي من غير أن يذكر له مستندا. وقد ذكر القاضي مستندين:
أحدهما- أن هذه الألفاظ لغوية، وقد تعبدنا بفهم لغة العرب، فلو نقلها الشارع وجعل لها مدلولات أخر، لم يكن بد من بيان التغير، وإلا [جر] ذلك تلبيسا وتجهيلا وتكليفا بمحال.
الثاني- أن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن، والقرآن عربي كله، وإنما
стр. 289
يكون اللفظ عربيا، إذا كان منطوقا به، دالا على مدلوله عندهم. فإذا جعل اللفظ عبارة عن غير مدلوله، أو عبارة [عن] مدلوله، أو عبارة عن بعض مدلوله]، فليس ذلك لغة العرب. ولو قال: أكرم العلماء، وأراد المجانين، لم يكن آتيا بلغة العرب، وإن كان لفظ العلماء لغويا.
وقد وجه القاضي على نفسه [أسئلة] فقال: قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. قال المفسرون: أراد به صلاتكم نحو بيت المقدس. وقال ﵇: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن [لا إله إلا الله]،
стр. 290
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). فقال: هذا يجاب عنه بأن الصلاة دليل الإيمان، وكذلك إماطة الأذى عن الطريق أمارة للتصديق بالثواب، فيجوز تسميته إيمانا، وتسمية الشيء بما له تعلق به صحيح [لغة].
ووجه سؤالا فقال: لا يفهم واضع اللغة من لفظ الصلاة إلا الدعاء، ويفهم منه في الشرع غير ذلك. قال القاضي: وهو المفهوم منه أيضا في الشرع، ولكن شرط في الاعتداد به أمورا أخر من أقوال وأفعال. فالشرع تصرف بوضع الشرط، لا بتغيير الوضع. هذا تلخيص قوله.
أما ما احتج به من أن التغيير يفتقر إلى التعريف، فالأمر على ما قاله، وقد حصل التعريف بقرائن الأحوال، وبيان الأعمال، والتكريرات والإشارات، إلى حد لا يبقى معه ريب في المفهوم.
стр. 291
وأما قوله: [القرآن] عربي كله، لا عجمة فيه بوجه، فهذا خلاف أئمة اللسان بالنظر إلى المدلول والإعراب. أما المدلول فإن: (الإستبرق) ليس في كلام العرب، وكذلك قال بعضهم: ليس (الأب) من كلام العرب. وأما ما يتلقى من الإعراب، فمنع بعض الأسماء [من] الصرف، بناء على العجمة والتعريف، وهذا مقطوع به عند أهل الفن. وفي العجمة المانعة من الصرف كلام طويل يتعلق بفن العربية، وفي الموضع الذي يمنع. ولكن ما ذكرنا مقدار غرضنا.
وأما قوله: (وإنما سميت إيمانا [لأنها] دليل الإيمان). فكلام [لا يصح]، إذ هو قياس في اللغة، (٣/ب) ونحن [قد] منعنا من إجراء
стр. 292
القياس في اللفظ الدال حقيقة، [فكيف] يصح القياس في المجاز؟ فيفتقر القاضي (٣٦/ب) إلى أن ينقل عن أهل اللسان أنهم تجوزوا هذا النوع من التجوز.
قال الإمام: (وأما المختار عندنا، فيقتضي ببيانه تقديم أصل) إلى قوله ([والإمساك] في الصلاة والحج والصوم. فهذا حاصل هذه المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من بيان العرف، وتسمية الأفعال عرفية، إنما هذا في عرف أهل اللغة، وأما عرف غيرهم، فلا التفات إليه. ولو التفتنا إلى عرف
стр. 293
غيرهم، لكانت الأسماء كلها عرفية.
وأما تصرف [الشرع] بهذين الوجهين، [فلا يوجب] أن يكون هذا أمرا لغويا، أصليا ولا فرعيا، إذ لم ينطق أهل اللغة بذلك. ولو اعتبر غير الشارع مثل هذا المعنى، أو وضع اسما يقتضي ذلك، لم تكن تلك الأسماء عرفية عند الأصوليين، بل أسماء شرعية. وليس يلزم من إثبات هذه الأسماء لهذه المسميات شرعا، الإضراب عن اللغة أصلا. وهو معنى قول القاضي: ثم الشرع لا يزجر عن تسمية الدعاء المحض صلاة.
стр. 294
ثم اختلف الأصوليين بعد هذا [فيما] إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، فقال القاضي: مجمل. وهذا يناقض مذهبه في حجد الأسماء الشرعية، اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال مع اتحاد جهة الدلالة محال. أو يكون هذا منه تفريعا على قول من يثبتها. وهذا ضعيف، فإنه من أين له الحكم عليهم بأنهم يسوون بين [التسمية] إلى المسمين؟
وقال قائلون: هو لمعناه الشرعي، إلا أن يقوم دليل على أنه أراد المعنى اللغوي. وهذا هو الأظهر عندنا، لاستقراء عرف الشرع غالبا في إطلاق ألفاظ
стр. 295
الصلاة والصوم وغيرها، مما ثبت له فيه عرف استعمال، فيصير هذا بمثابة المجاز المشهور، كالغائط والعذرة.
وقال أبو حامد: أما ما ورد في صيغ الأمر والإثبات، فهو للأمر الشرعي، وأما ما ورد في النهي، فهو مجمل. واحتج على ذلك بقوله ﵇: (دعي الصلاة إلى أقرائك). وأنه إنما أراد المعنى اللغوي، فإن الصلاة الشرعية غير ممكنة، وما لا يمكن، لا ينهى عنه. وهذا [الكلام] ضعيف، [فإنه لم يرد أيضا في الحديث الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، فإنه غير منهي عنه. [وسيأتي] الكلام عليه] في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة.
وقوله في تمثيل المجاز، إطلاق التحريم على الخمر، فإنه مستعار متجوز به. لا يلزم ذلك، ومن أين يلزم من كون العقل يحيل [إضافته] إليها أن يكون الإطلاق اللغوي مجازا، وهم يقولون: قتل زيد عمرا؟ وإن كانت
стр. 296
القدرة الحادثة لا [تعدو] محلها، ولا ذاهب إلى كون هذا اللفظ مجازا.
وأما قوله: (إن من قال: إنها (٤/أ) نقلت نقلا كليا، فقد زل). [فصحيح] على وجه كلامهم، [فإن] الاسم إذا دل على [مدلول على صفة]، ولم تستعمله العرب إلا على تلك الجهة، فمن زاد فيه، أو نقص [منه]، أو تعداه إلى غيره، فقد غير الوضع بالكلية. وإن كان الشرع قد جعل اللفظ دالا على الدعاء والركوع والسجود، وغير ذلك. فهو نقل كلي. نعم، سبب النقل ما ذكر، من اعتبار أصل موضوع اللغة.
ومما يتصل بهذا الموضع الكلام في الحقيقة والمجاز . والحقيقة:
стр. 297
عبارة عن اللفظ الدال بالإضافة على مدلوله، غير مقبول من غيره، ولا مستغنى [عنه]. وقد ذهب بعض الناس إلى إنكار المجاز في القرآن. وذهب المحققون إلى اشتمال (٣٧/أ) القرآن عليه.
ويمكن أن يكون المنكر، إنما أنكر المجاز في القرآن، على معنى الخلف والكذب، فقد يطلق لفظ المجاز على الباطل، فيقال: هذا القول مجاز لا حقيقة له. والظاهر خلاف ذلك.
وسبب خيالهم في ذلك، أن المجاز إنما يصار إليه لضرورة أو حاجة، وهو خلاف الفصاحة. وليس الأمر على ما تخيلوه. ورب مجاز لا تقوم الحقيقة مقامه. وقد عد من أقسام الكلام الفصيح البليغ، التجوز، كقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾. وكيف ينكر ذلك، وفي كتاب الله
стр. 298
تعالى: ﴿يريد أن ينقض﴾. ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾. ﴿أحاط بهم سرادقها﴾. و ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾. إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
والمجاز: ما تجوز به عن أصل موضوعه. وذلك لأسباب: إما لمشاركته إياه في التعيين، وإما لملازمته إياه غالبا، كتسمية الغائط والعذرة. وإما لكونه من أثره، كقولهم: انظر إلى قدرة الله، يعني الثبات، لأنه من أثر قدرة الله، ودليل عليها.
وهو على ثلاثة أنواع:
стр. 299
أحدها- إطلاق الاسم على غير ما سمي به في أصل الوضع، فتكثر المسميات بعد أن كانت قليلة، كتسمية الرجل الشجاع أسدا، والجواد بحرا.
الثاني- الزيادة التي لا تفيد، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فإن (الكاف) وضع للإفادة، وهو ههنا غير مفيد، ولو جرى على حقيقته، لأثبت مثلا، ونفى التشبيه عنه، وهو محال.
الثالث- النقصان الذي لا يمنع فهم المعنى، ولا يلبس، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. ﴿والعير﴾. ولا يجوز: سل زيدا، وأنت تريد غلامه، إلا في الشعر. وهذا النقصان اعتادته العرب، فهو توسع وتجوز. فإن قيل: لم قضي على هذه الأضرب بكونها مجازا، وهي منطوق بها عند أهل اللسان؟ قلنا: هذا معلوم ضرورة، كما أن العرب سمت عمرا مخصوصا، وآخر زيدا. وكذلك نعلم الأسماء الدالة بالإضافة أو التجوز.
стр. 300
وطريق معرفة ذلك: النقل المتواتر، إما صريحا، وإما استقراء، وهو طريق معرفة أوضاع اللغة، وليس [للقياس] في ذلك مجال. وقد ذكر بعض الأصوليين طرقا لمعرفة الفرق:
إحداها- أن الحقيقة جارية على العموم، إذ قولنا: عالم، لما صدق على عالم، صدق على ذي علم، ﴿وسئل القرية﴾ يصح في بعض الجمادات (٤/ب)، ولا يصح في الجميع. وهذا عندنا غير صحيح. فأما اطراد الحقيقة، فغير صحيح، فإنا قد بينا أن بعض الألفاظ الحقيقية مختصة. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد تبين من العرب طردها. وقد يطرد بعض المجاز، فإن كل كريم [سمي] بحرا، وكل شجاع [سمي] أسدا.
стр. 301
الطريق الثاني: أنه قال: يعرف المجاز بامتناع الاشتقاق منه، إذ (الأمر) إذا استعمل في الأمر حقيقة، اشتق منه (أمر)، فإذا استعمل في الشأن، لم يشتق منه (أمرا). وهذا أيضا ضعيف، لأن (الأمر) قد يكون مصدر (أمر) فليشتق منه لذلك، وقد يكون اسما للحال، كزيد وعمرو، فامتنع الاشتقاق لذلك.
الثالث: أن تختلف صيغ الجمع على الاسم، فيعلم أنه في أحدها [مجاز]، [إذ] الأمر إذا كان بمعنى القول، جمع على أوامر، وإذا كان بمعنى الشأن جمع على أمور. [وهذا] أيضا غير مطرد، فإن صيغة الجمع قد تختلف، فإنك قد تجمع فلا على فعال وفعول (٣٧/ب)، وكل ذلك حقيقة. وقد تجمعه على فعيل، ككليب وعبيد، في جمع كلب وعبد، ولا يدل على أن لفظ (فعل) مجاز في (فلس)، [ولا في (فعل)]، وإن كان (فلس) لا يجمع على فعيل، وإن صح جمع كلب على أكلب، وكذلك يجمع فعيل على فعلاء، كشريف وشرفاء، ويجمع فعيل على فعلان، كقضيب وقضبان، ولا يجمع شريف على شرفان. ولا يدل ذلك على أن اللفظ [مجاز] في أحدهما.
стр. 302
الرابع: أنهم قالوا: إذا كان اللفظ له في الأصل الدلالة على تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا يتعلق له [كان] مجازا. وهذا أيضا لا يفيد، لأنه يفتقر فيه إلى معرفة الوضع، وأنه وضع بالإضافة إلى ذلك المعنى دون غيره، فيثبت عدم الاشتراك والتجوز بمعرفة الوضع.
واعلم أن كل حقيقة لا يلزم أن يكون لها [مجاز]، وأن كل مجاز لابد له من حقيقة. بل ضربان من الكلام لا يدخلهما المجاز، وهما:
[الأول]-[أسماء] الأعلام، [لأنها] وضعت للفرق بين ذات وذات، فلو دخلها المجاز، لبطل هذا الغرض.
الثاني- الأسماء التي تستغرق كل مسمى بأصل الوضع، فلا [تقبل] هذا التجوز، إذ جميع المسميات دلت عليها حقيقة، فكيف يتجوز بها إلى غير مدلولها الأصلي؟
وقد توهم بعض الناس التجوز في الأعلام، واحتج بأنه يقال: قرأت
стр. 303
(سيبويه)، وهو يريد الكتاب، وقد تجوز بإطلاق اسم صاحب الكتاب عليه. وهذا غلط، بل (سيبويه باق على الدلالة على الرجل، وإنما [جاء] التجوز من حذف الكتاب، لا من جهة إطلاق لفظ صاحب الكتاب. وكذلك قوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. لم يجعل القرية عبارة عن الأهل، بل القرية باقية على مدلولها. حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيما يتعلق بالإعراب، أي يعرب المضاف إليه بما كان يعرب المضاف، لا أنه جعل الاسم للمحذوف.
قال الإمام: (فصل- في ألفاظ جرى رسم الأصوليين (٥/أ) بالخوض فيها) إلى قوله (وهي تنطلق على ما يفيد، وعلى ما يفيد). قال الشيخ: قوله: الكلام: هو المفيد. اختلف الناس [فيه]، فذهب الأكثرون إلى هذا،
стр. 304
وهو اختيار سيبويه. وقال آخرون: القول: هو الكلام.
واحتج الأولون بأن الكلام: اسم لمصدر تكلم، وهذا البناء يقتضي مبالغة، فلابد فيه من الإشعار بالتركيب، والكلمة الواحدة لا يصح ذلك فيها، وليس المراد تركيب الحروف، وإنما يراد تركيب الكلمات.
الأمر الثاني- أن الكلام قد شرف في قلوبهم، وجل في صدورهم، وكان أعظم الأمور عندهم، وما ذاك إلا لفهم معناه، وحسن الدلالة به، والكلمة الواحدة لا تستحق ذلك، فلا يحصل منها مقصود التفاهم، ولا تستحق إعرابا، وسبيلها الأصوات التي ينعق بها.
وقوله: (والجملة معقودة من مبتدأ وخبر، [أو فعل] وفاعل). يصح على التأويل، وأم كلام أئمة العربية، فبخلاف ذلك، فإن الجمل عندهم أربع: جملة من مبتدأ وخبر، وجمل من فعل وفاعل، وجملة من جار
стр. 305
ومجرور، وجملة من شرط ومشروط، [ولكنها] في الحقيقة [ترجع] إلى جملة اسمية، وأخرى فعلية. وهذا هو الذي قصده الإمام (٣٨/أ).
وقوله: ([والكلم]: جمع كلمة، كالنبق والنبقة، واللبن واللبنة). هذا محل غامض في علم العربية، فقد يكون الاسم [جمعا]، كما ذكر. وقد يكون مفردا يدل على الجنس. فليس قولنا: كلم، كقولنا: نبق. إذ يقال: نبق طيب أو حسن، ولا يقال: كلم حسن، لإشعار اللفظ بالجمع. وأكثر ما تصادف أسماء الأجناس الدالة على الجنس، مع كونها [لفظا مفردا] في المخلوقات دون المصنوعات. قال النحويون: الجنس أخو الجمع. ولم يجعلوه جمعا، لإفراد لفظه. وجعلوه أخاه، بالنظر إلى كثرة الداخل [تحتهما] جميعا. ولكن الفرق عندي [بينهما]، أن واضع لفظ الجنس قصد إلى وضع الاسم بإزاء معقول الجنس، فلم يتعرض في التسمية إلى الأعداد. وواضع لفظ الجمع تعرض للدلالة على الأعداد.
стр. 306
وإنما كثر ذلك في المخلوقات، لأن الغالب فيها ما استوى المندرجات تحت مقتضى التسمية، [وإن] وقع الاختلاف في أمور عارضة. وليس المصنوعات كذلك، لكثرة الاختلاف ووجوه التباين.
وهذا بمثابة الصدر، فإنه لما وضع للقليل والكثير من جنسه، استغنى عن جمعه، لعدم تعلق غرض المسمى بالأعداد. فإن حاول التعرض للأعداد، زاد (هاء) فأحد وثنى وجمع، فقال: ضربة وضربتين وثلاث ضربات، وكذلك يقول: تمرة وتمرتان وتمرات.
وقوله: ([والكلم] الذي ينتظم منه الكلام: اسم وفعل وحرف). قلت: يفتقر في هذا المكان إلى معرفة الاسم ومدلوله واشتقاقه. أما الاسم: فإنه ينطلق على المسمى، وينطلق على التسمية، والأكثر عند المتكلمين دلالة على المسمى. قال الله تعال: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾. [و] لم يكونوا يعبدون المسميات. قال الشاعر:
стр. 307
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... .... ... ...
وما أراد على القطع إلا السلام. فإنه لم يقصد (٥/ب): عليكم تسمية السلام.
وقالت المعتزلة: الاسم يرجع إلى قول المسمين. وهذا أيضا كثير في اللغة. ويدل عليه قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى﴾. وقوله ﵇: (إن لله تسعة وتسعين اسما .. ). والإنصاف الاعتراف بالاشتراك في اللغة، وينزل الأمر على ما يقتضيه ظهور غرض المطلق. والكلام بين الفريقين في ذلك يطول، ولا يتعلق به غرض في الأصول.
وغرضنا في هذا المكان، الكلام على الاسم باعتبار المسمين التي هي أقوال المسمي، ثم يتصدى بعد ذلك بحث آخر في إشعار الألفاظ بما في النفس إذا أطلق الاسم، كالأمر والنهي عليهما جميعا. وهل هو حقيقة [فيهما]، أو مجاز في [أحدهما]؟ وفيه أيضا نظر. سيأتي الكلام عليه في أول كتاب الأوامر، إن شاء الله تعالى.
стр. 308
وغرضنا الآن الكلام على الاسم الذي هو لفظ. قال الإمام: (كقولك: رجل وفرس ودار، وكل ما دل على [معنى] سمى به). قال الشيخ: الاسم مختلف في اشتقاقه وحده.
أما اشتقاقه: فقد ذهب البصريون إلى أنه من السمو، وهو الارتفاع، فكأنه سما بمسماه، أي رفعه عن اللبس حتى [عرف]. وذهب الكوفيون إلى أنه من الوسم، وهي العلامة. وكأن هذا القول أقرب من جهة المعنى، فإن الأسماء علامات تعرف بها المسميات، [ولكن] القول الأول أجرى (٣٨/ب) على قياس العربية، باعتبار التصغير والتصريف والتكسير. فإنك تقول: سمي: ولو كان من الوسم لقلت: وسيم. وأما التصريف، فإنك تقول: سميت تسمية، ولا تقول: [وسميت]. وأما التكسير. [فتقول]: أسماء، ولا تقول: أوسام.
وأما حده بأنه: الدال على معني سمي به. فغير مانع، إذ يدخل فيه الفعل، فإنه يدل على [معنى] [وضعه] المسمى للدلالة عليه. فلابد من زيادة تخرجه، فتقول: غير مقترن بزمان محصل.
стр. 309
وقوله: (إنها ثلاثة: اسم وفعل وحرف). فدليل حصر القسمة: أن اللفظ إما أن يدل، وإما أن لا يدل. فإن لم يدل بوجه من الوجوه، فليس من أقسام الكلام. وإن دل، فلا [يخلو]: إما أن يدل على معنى في نفسه، أو على معنى في غيره. والقسمة صحيحة بعد ثبوت أصل الدلالة، فإن دل على معنى في الغير، فهو الحرف. وإن دل على معنى في النفس، فإما أن يتعرض في الدلالة لمعنى أو لذات، فإن تعرض للذات، فهو اسم، وإن تعرض للمعنى، فلا يخلو: إما أن يدل على [زمان] وجود ذلك المعنى مقرونا بالمعنى، أو لا يباشر بالدلالة الزمان. فإن دل مباشرة على الزمان، فهو الفعل، وإن لم يباشر الدلالة على الزمان، فهو المصدر، وهو من الأسماء.
قال الإمام: (ثم الأسماء تنقسم إلى: متمكن) إلى قوله (وما لا ينصرف
стр. 310
يسمى متمكنا ولا ينون ولا يجر). قال الشيخ [﵁]: تقسيم الأسماء كما ذكره، صحيح. وأما اقتصار البناء على [شبه] الحروف، فغير صحيح، فإن كثيرا من المبنيات لا تشبه الحروف والمنادى المضموم، ونزال بمعنى: أنزل، ودراك بمعنى: أدرك. وقد (٦/أ) أطبق أئمة العربية على أن هذا المعنى لا يقتصر البناء عليه. نعم، هذا أحد الأسباب في نحو (ما) ونظائرها. بل الصحيح أن السبب مناسبة ما لا تمكن [فيه]، كنزال أو ما [شاكله] الواقع موقعه، كفجار، أو وقوعه موقع: ما أشبهه، كالمنادى [المضموم]. أو إضافته إليه، كقوله تعالى: ﴿من عذاب يومئذ﴾، و ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾.
стр. 311
على قراءة من فتح.
قال الإمام: (والأفعال: صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان.
стр. 312
والأحداث: هي المصادر، وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال، كالتبر للصورة المصوغة. ثم الأفعال المبنية خلا المضارع) إلى قوله (ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة التدوار في الكتاب والسنة). قال الشيخ: قوله في الأفعال: إنها صيغ دالة على أحداث الأسماء، مشعرة بالأزمان، هو قول النحويين. وقد اعترض على ذلك بـ (كان) الناقصة، فإنها غير دالة على ما حدث، [وإنما] دلت على زمن الحدث خاصة. وهذا ضعيف، فإنها دلت على زمن ذلك الحدث، [فإنا] إذا قلنا: كان [زيد] قائما، فإنها دلت على زمن الحدث بـ (كان). فلأجل تعلق مدلولها [بالحدث]، جعلت دالة على الأحداث،
стр. 313
ومدلولها [المباشر] المقصود [هو] الزمان.
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض الفقهاء إلى أن (الباء) إذا اتصلت بالكلام (٣٩/أ) إلى قوله (في مثل قولك: مررت بزيد). قال الشيخ: هذا الكلام كله ظاهر، إلا الإلصاق في: مررت بزيد، لأنه محمول على التوسع،
стр. 314
أي: اتصل مروري بزيد.
قال الإمام: (ومن أحكامه: تعدية الفعل اللازم من: قمت [وقمت] به، وذهبت وذهبت به. وهذا قياس جار مطرد).
قال الإمام: (مسألة: مما خاض [فيه] الفقهاء) إلى قوله (فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له، فكان الكلام بآخره). قال الشيخ [أيده الله]: الأمر كما ذكر في (الواو) لا تقتضي ترتيبا. وقد يصح
стр. 315
في وضع اللغة أن يقول القائل: جاءني زيد اليوم، وعمرو أمس، ولا يكون بذلك متجوزا. وقد قال الله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾. وفي موضع آخر: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾. ويقول القائل: ([وسيان] قيامك وقعودك)، ولا يدل على تقديم أحدهما على الآخر. واستعمالهم إياه في باب التفاعل، دليل واضح على بطلان الترتيب.
стр. 316
فلئن قال قائل: هي ليست نصا في الترتيب ولكنها ظاهر، فإن دل دليل على تقدير الترتيب، بقي على اقتضائه في غير هذا المكان. قلنا: لو كان كذلك، لكان قول القائل: تقاتل زيد وعمرو مجازا، وليس الأمر كذلك.
وأما مسألة القائل: أنت طالق وطالق. أما من ذهب إلى أنهما يلزمان جميعا، فلا خفاء بعدم ورود السؤال عليه. فإن المذهب بعيد عن غرض الترتيب. وليس الأمر كذلك، فإن هذا إنما يتخيل في الإخبار عن الأمور التي تقبل التقديم والتأخير [والاجتماع]. وأما الأمور المنشأة التي ترتب وجودا، فلا يتصور فيها هذا. وإذا قال الحالف لامرأته: أنت طالق، فهو منشئ لذلك، وإنما تأتي الطلقة الثانية بعد البينونة، فلم تصادف (٦/ب) محلا لذلك.
وهذا ظاهر، ولكن مالكا ﵀ لم ير ذلك.
وقول الإمام: (إن الكلام الأول تام، فبانت به). فنحن لا نسلم تمامه،
стр. 317
ولو قال قائل: أنت طالق إن كان كذا، لاعتبر الشرط، ولم نقل: بانت بالكلام الأول. وكذلك لو قال: هذا المال لزيد وعمرو، فقد نزل العطف في عدم تمام الجملة منزلة الشرط. فلا يتم قولهم: أنت طالق، ويكون كلاما، إلا إذا اقتصر عليه. فأما إذا عطف عليه، صار الاسمان كالجملة الواحدة، وكذلك عطف جميع المفردات.
فإن قيل: يلزم على هذا إذا قال للمدخول بها: أنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، أن [يلزماه] جميعا. قلنا: ينبغي أن يتنبه لأصل، وهو أن التثنية أصلها العطف، وإنما جعلت التثنية طلبا للاختصار، فإذا اضطر الشاعر إليها قال:
كأن بين فكها والفك ... ... ...
فنحن إنما نقيم العطف مقام التثنية في المفردات التي يصح أن تثنى أو
стр. 318
تتجانس. فأما الجمل المتقاطعة، فلا يمكن ذلك فيها، والطلاق جنس خلاف الظهار، فلا يصح [جعلهما] جملة واحدة.
قال الإمام: (وأما من [قال] إنها للجمع، فهو أيضا متحكم، فإنا على القطع نعلم أن من قال: رأيت زيدا وعمرا، لم يقتض ذلك أنه رآهما [جميعا]. فإذا مقتضى (الواو) العطف والاشتراك، وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب. نعم، قد [ترد] في غير غرض المسألة بمعنى الجمع، إذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما. ومنه قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
فلا تكون (الواو) عاطفة في ذلك. فإن أردت العطف قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وأنت تعني النهي عن كل واحد منهما. والمعنى: لا
стр. 319
تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
[وقد] ترد (الواو) في باب المفعول معه بمعنى (مع) تقول: استوى الماء والخشبة) إلى قوله (ولكنه للترتيب مع التراخي). قال الشيخ [أيده الله]: وقد قدمت الكلام على هذا بأنها تستعمل فيما [يعقل] [منه] الاجتماع، كما ذكرناه. وإذا قال: جاءني زيد أمس وعمرو اليوم، فقد صرح بضد الاجتماع، والكلام حقيقة لا مجاز فيه.
وقوله: إنها ترد في غبر غرض المسألة لغير العطف في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الشيخ: (الواو) لا تصلح لنصب الفعل بحال. وسنتكلم عليه في باب (ما) إن شاء الله. وإنما يقع الانتصاب بعدها بإضمار (أن) وهي تضمر بعد خمسة أحرف: حتى، واللام، [و] (أو)، بمعنى (إلى)، و (واو الجمع)، و (الفاء)، بعد الأمر والنهي، والنفي والاستفهام
стр. 320
والتمني والعرض. والضابط لذلك أن لا يكون الكلام ثابتا، كقولك: مررت حتى أدخلها، وجئتك لتكرمني، ولألزمنك أو تقضيني حقي، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، واتيني فأكرمك، ولا تشتمني فأشتمك، وما تأتينا فتحدثنا، وهل لي من شفيع فيشفع لي. ولا يقع النصب إلا (بأن)، وإنما كان كذلك (٧/أ)، لأن الحروف الداخلة على الاسم والفعل لا تعمل في واحد منهما. والناصب أيضا للفعل لا يكون إلا ناصبا، وهذه قد توجد غير ناصبة. وإنما وجب في العوامل أن [تكون] على صفة واحدة، لأنها لو لم تعمل مرة، لم تعمل مطلقا. فلذلك قلنا: إن النصب لغيرها. وإنما اختص الإضمار بالنفي، لأن الكلام يحتمل معه جهات لا يحتملها الإثبات. وقد تتوسع العرب في النفي حتى قالوا: مررت برجل لا قائم ولا قاعد. ولا يقولون: مررت برجل قائم وقاعد. وربما جاء النصب بعد (أن) مضمرة في الإيجاب. قال الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
وهو ضرورة. ولكن الذي حسنه عندي أنه غير ثابت من جهة المعنى، لقوله: سأترك، [وسألحق].
следующие страницы →