Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
[ارتجاعًا]. ولكن الفرق بينهما أن الرجعة فيها حق لله [ ]، وليس للمرأة أن تسلم نفسها للواطئ تصديقًا له. وبائع السلعة يتعلق الحق له، وإذا مكن المشتري منها، فلا اعتراض عليه فيها. وإذا دار أمر الشرع على تعلق حق العباد، صح التمسك بالفعل الدال من جهة الاعتياد، ولا يقبل من المشتري أنه لم يفعل ذلك اختيارًا. ولذلك يتمكن البائع من تصديقه، وإبقاء سلعته له.
وليس كذلك الارتجاع في الزوجة، فلم يجعل الوطء [من الزوج] رجعة. وكيف يستدل على قصده، وهو ينكره؟ وليست مسألة النزاع ما إذا قال: [إنني] قصدت بالوطء الرجعة، فحل الوطء يتعلق بقصده، وهو يعلم فقده. هذا بيان تقرير هذا المثال، وهو الذي اشتمل عليه الكتاب. ولنذكر الآن أمثلة يتعلق القول فيها بالاستدلال، وحكم بها أهل الإجماع.
فمن أمثلة ذلك: اتفاق أصحاب رسول الله ﷺ بحد شارب الخمر ثمانين، وإطباقهم فيه [على] التقدير إما بأربعين أو بثمانين، ومستندهم ذلك الرجوع إلى المصالح، والتمسك بالاستدلالات المرسلة، ولذلك قال علي ﵁: "من سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري".
ووجه إجراء المسألة على الاستدلال: أن الصحابة ﵃ رأوا الشرع يقيم الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات، إذ جعل الإيلاج في أحكام [كالإنزال]. وكذلك جعل الحافر في محل العدوان، عند عدم مُرد يحال
стр. 2557
الحكم عليه [كالمردي]، وحرم الخلوة بالأجنبية، حذرًا من الذريعة إلى الفساد. إلى غير ذلك من مسائل الشريعة. ورأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء، فأقاموه مقامه في ترتيب الحد عليه. هذا من أوضح الأدلة على صحة [استناد] الأحكام إلى المعاني التي لا أصول لها، وهو مقطوع به من الصحابة. وتقرير الدليل بتوجيه أسئلة واعتراضات وأجوبة عنها.
فإن قيل: ليس هذا (١٥٩/ أ) باستدلال، بل هو قياس، إذ ردوه إلى أصل، وهو الافتراء، ولذلك رتبوا الحكم عليه. قلنا: هذا ليس بصحيح، ولا يتصور القياس على هذا الوجه، إذ القياس يرجع إلى استنباط معنى من أصل موجود في [الفرع]. وصورته أن يقال: حد القاذف ثمانين، لعلة كذا، وهذه العلة موجودة في الشارب، فليضرب ثمانين، والقاذف جلد ثمانين، لأنه افترى، لا لأنه تعاطى سبب الافتراء، فلم يكن هذا قياسًا أصلًا.
فإن قيل: الشرب سبب لمعاص كثيرة، فمن أي وجه رتبوا عليه حكم الافتراء دون غيره؟ قيل: المعصية الخاصة بزوال العقل، انطلاق اللسان (١٢٣/ ب) بالهذيان. وأما ما يتعلق بالزنا والسرقة والقتل وغيرها من المعاصي، فلا يتوصل إليها إلا بنوع من العقل، وضرب من النظر والفكر.
فإن قيل: فالردة أيضًا من هذيان اللسان، والعقل عنها زاجر، فإذا فقد العقل، نطق اللسان، فلأي شيء لم يترتب عليه حد الردة؟ قلنا: لا يترتب عليه لثلاثة أمور:
أحدها: ان السكر لا يكون سببًا في الاعتياد للنطق بالكفر، وإنما ينطق
стр. 2558
غالبًا في حال هذيانه بما كان يعتاد النطق به في حال عقله، والألسنة لا تنطق بالكفر، ولا تتسامح به بوجه، ويشهد بذلك أمران:
أحدهما- أن السكران إنما ينطق في حال سكره بما اعتاد النطق به قبل ذلك، [فينطق كل إنسان في حال سكره بما كان يألفه].
الثاني- أن العادة ترشد غلى أن السكران لا يجري على لسانه أمر الردة والكفر بحال، وإنما ينطق بما في نفسه من الشهوة إلى الزنا وغيره من الفواحش.
الثاني: أن حد الردة عظيم، وهو إتلاف النفوس، فلم يتجاسروا عليه، مع إمكان أن يشرع زاجر دونه، وما ثبت للضرورة يقيد بقدرها.
الثالث: أن أثر الردة يسقط بالتوبة، وذلك إنما تعرض عليه بعد إفاقته، وهو بعد إفاقته لا يبقى على قوله، [فلو] رتب عليه حد الردة، لم يُحد بحال. فلهذه الأسباب، لم يترتب عليه حد الردة.
فإن قيل: شرط الاستدلال أن لا يخالف نصًا، وشرب الخمر قد جرى في زمن رسول الله ﷺ ، وضُرب الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب. فإن كان ما جرى من رسول الله ﷺ [تعزيرًا]، فكيف صاروا إلى الحد؟ وإن كان حدًا، فكيف عدلوا عنه إلى حد آخر؟ وكلا الوجهين مخالف للنص.
وهذا السؤال سديد، وقد قال بعض الأصوليين: لم يكن فيه حد، وإنما جرى ذلك مجرى التعزير. ولما انتهى الأمر إلى زمان أبي بكر الصديق ﵁ (١٥٩/ ب) قدّر ذلك على طريق التعديل بأربعين، ولما انتهى الأمر إلى عمر
стр. 2559
[﵁]، وتتابع [الناس]، أي تتابعوا وكثروا، جمع الصحابة [﵃] واستشارهم، فقال علي ما قال. وهذا لعمري ليس انفصالًا عن السؤال، فإن ظاهر هذا أنهم جعلوه حدًّا ينتهي إليه. ولقد بقي في نفس علي إشكال حتى أنه قال: "أما أنا فلا أقيم الحد على أحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئًا إلا شارب الخمر، فإنه إن مات وديته، فإنه أمر أحدثناه". أو كلامًا هذا معناه.
فإن قيل: فما وجه الجواب عن السؤال؟ قلنا: الذي [يصح] عندنا في ذلك أنهم ﵃ رأوا الواقعة- لما كثر شرب الخمر- واقعة أخرى ليست الواقعة الأولى بحال، فاجتهدوا في حكمها بعد اعتقاد الابتداء فيها، فلا يكون في ذلك مناقضة نص أصلًا.
فإن قيل: يلزمكم [على] هذا إذا تتابع الناس في الزنا أو في القذف أن تغيروا الأحكام، وتلتفتوا إلى الأحوال، واختلاف الأزمان [والمكان]، وذلك باطل من دين الأمة بغير إشكال (١٢٤/ أ). وعن هذا جوابان:
أحددهما- أن التعزير يشعر بالتخفيف، وعدم التضييق، ولذلك رُد الأمر [فيه] إلى الأئمة في القيود، وتفاوت المقادير. وأما الحدود فقد ثبتت على كمال التضييق، فلا يلزم من انضمام الكثرة، قيدًا مؤثرًا في قاعدة التعزير، أن يفعل مثل ذلك في قاعدة الحدود.
стр. 2560
الوجه الثاني- أنهم إنما لم يفعلوا ذلك في الحدود، لفقدان الأصول التي يكون إليها الاستناد، وعليها القياس، وقد وجد للشارب أصل، وهو القاذف. ولو قدرنا تتابع الناي في القذف، فبأي أصل نلحقه بناء على أنه وسيلة إليه، وسبب فيه؟ وكذلك القول في الزنا والسرقة. وهذه المسألة من أغمض مسائل الشريعة، والسؤال في غاية الغموض، والجواب حسن في الباب.
[مثال] آخر: قضى الخلفاء الراشدون ﵃ بتضمين الصناع، قال علي ﵁: "لا يصلح الناس إلا ذلك". ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون على الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك أمر يشق على الخلق، ويضيق معه الوجود، أو يعملون ولا يضمنون عند دعوى الضياع والهلاك، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الجناية، فكانت المصلحة في التضمين. هذا (١٦٠/ أ) معنى قول أمير المؤمنين علي ﵁: "لا يصلح العامة غلا ذلك".
فإن قيل: [في] هذا أيضًا نوع من الفساد، وهو تضمين من عنيناه، [لا] أتلف، ولا فرّط، [فالتضمين] مع الإمكان، نوع من الفساد. [قلنا]: قد قررنا ما في ترك التضمين من المفسدة العامة، وفي مقابلتها أيضًا
стр. 2561
مصلحة [للصانع]، فغن وقع التضمين، انتفع أرباب الأموال بالتصوين، وتضرر الصانع، وإذا سقط الضمان، كان الأمر بالعكس. قلنا: قد تقابلت المصلحة والمضرة، ولكن شأن العقلاء إذا وقع التقابل، نظروا إلى التفاوت، ووقوع التلف من الصناع من غير انتساب إلى تفريط [أو عدوان] بعيد، والغالب عند فوات الأموال، أنها لا تستند إلى التلف السماوي، بل يرجع إلى صنع العباد، إما على وجه مباشرة الإتلاف، أو على وجه التفريط، وقد قال ﵇: "لا ضرر ولا [ضرار] ".
[هذا] مثال للقول بالاستدلال المرسل. والشاهد [لهذه] الأصول من حيث الجملة: "نهى رسول الله ﷺ : أن يبيع حاضر لباد". وقال: "دعوا الناس يرزق [الله] بعضهم من بعض". وقوله ﵇: "لا تلقوا الركبان للبيع حتى يهبط بالسلع الأسواق". كل ذلك ترجيح للمصلحة العامة على الخاصة. فتضمين الصناع من هذا القبيل.
مثال آخر: اختلف العلماء في الضرب بالتهم، فذهب مالك [رحمة الله عليه] إلى جواز السجن في التهم، حتى يستبرئ الأمر، والسجن نوع من
стр. 2562
العذاب، ونص أصحابه على جواز الضرب. وهذا عندنا هو من قبيل تضمين الصناع، فإنه لو لم يثبت الضرب والسجن [١٢٤/ ب) بالتهم، لتعذر استخلاص الأموال من السراق [والغصاب]. إذ قد يتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة في التعذيب وسيلة إلى التحصيل بالتعيين [أو الإقرار].
فلئن قيل: في هذا فتح باب إلى تعذيب البرآء، وفي الإضراب عنه إبطال استرجاع الأموال. ولكنا نقول: الإضراب عن [التعذيب] أشد ضررًا، فإنه لا يُعذب بمجرد الدعوى، بل إذا ظهرت تهمة تحيك في النفس، وتؤثر في القلب. وإذا كان كذلك، فالتعذيب في غالب الأمر لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته، فيغتفر أمره، كما قررناه في تضمين الصناع.
فإن قيل: ما فائدة الضرب والحبس، وهو لو أقر لم يلتفت إليه؟ قلنا له فائدتان:
إحداهما- أن يعين المتاع، فتشهد عليه البينة [فيلزمه]، وهذه فائدة ظاهرة.
الثاني- (١٦٠/ ب) أن غيره ينزجر حتى لا يكثر الإقدام، فتقل هذه الأنواع من الفساد.
وفيه أيضًا فائدة أخرى: [وهي] أن يُقر [ثم يستمر] على إقراره بعد أمنه، فيؤخذ به. وقد ذهب يحنون إلى أنه يؤخذ بما أقر به في حال
стр. 2563
تعذيبه. وهذا ضعيف، وقد قال الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾. نزله سحنون على من أكره بطريق غير مشروع. كما إذا أكره على طلاق زوجته، [أو غير] ذلك من الإكراه المحرم. والأول عندنا هو الصواب، والإقرار في حال الإكراه كالعدم. وبالله التوفيق.
والقول في تتبع المسائل التي بنيت على المصالح خارج عن الحصر، فليكتف فيه بما ذكرناه.
قال الإمام رحمة الله عليه: (فصل- فإن قيل: قد أثبتم الاستدلال ولم تقبلوه) إلى قوله (وجريانه على الاسترسال في الاستصواب [من غير
стр. 2564
اقتصاد]). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام هو عين الاسترسال في الاستصواب، وذلك أنه حد [الاستدلال] المقبول بأنه: كل معنى لو ربط به حكم، لجرى واستد، أي ناسب ولم ينتقض. فإذا استعمله استدلالًا [صح].
وقوله: فإن الحكم إذا ربط بمعنى، رده إلى أصل، فهو صحيح، وليس التمسك بصورة الأصل، ولا بحصول الوفاق عليه. وأما التمسك بالمعنى، وقد [ضبط] هو فيما سلف بيان المعنى الذي يصلح الاعتماد عليه في تعليل الأصول الثابتة الأحكام، فقال: ومن الطرق الدالة على إثبات علل الأصول،
стр. 2565
التمسك بإخالتها ومناسبتها [الحكم]. وعبر الأستاذ عنه في تصانيفه بالاطراد والجريان، وعنى بالاطراد: السلامة عن المبطلات. وإذا كان مجرد المعنى المناسب السالم عن المناقضة، [يصح] تعليل الحكم [الثابت] به، صح أن يترتب عليه الحكم ابتداءً. وهذا عين الاسترسال في الاستصواب. وزاده تقريرًا بقوله: فليقدر الناظر مسألة مختلفًا فيها متفقًا عليها، فالمعنى الذي يصح تعليل الحكم الثابت [به]، صح أن يرتب الحكم عليه ابتداءً. وهذا هو صريح
стр. 2566
الاسترسال في الاستصواب، فلم يبق بين هذا المذهب ومذهب مالك فرق، لا أن يضاف إلى مالك أنه يتبع المعاني المرسلة، وإن كانت مناقضة لقواعد الشريعة، ونعوذ بالله أن يكون هذا مذهبًا لأحد.
قال الإمام ﵀: (ونحن [نضرب] في ذلك مثالًا ثم نذكر بحسبه لمالك) إلى قوله (١٢٥/ أ) ("أنا أقتل ثلث الأمة استبقاء لثلثيها"). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر الفساد، وذلك أنه (١٦١/ أ) ألزم القول بالاستدلال على خلاف الإجماع، وذلك أن الأعضاء إنما أباح الشرع إيلامها في القصاص دون التعزير. وإذا كانت الأعضاء مصانة عن التعزير بالتوقيف، فكيف يصح أن يلزم إتلافها في التعزير على القول بالاستدلال؟
الوجه الثاني: أنه يعترف بأنه لو فعل ذلك، لكان على خلاف الإجماع، فكيف يلزم خصمه الذي يشترط في القول بالاستدلال [ألا] يخالف أصلًا من أصول الشريعة؟ وأي شيء أعظم في الفساد من اتباع مصلحة إلى خرق الإجماع؟ فهذا الإلزام بعيد عن الصواب.
стр. 2567
وأما قوله: إن مالكًا [﵀] التزم مثل هذا، حيث جوز لأهل الإيالة القتل في التهم العظيمة. وهذا الذي ذكره عن مالك، لم يقف عليه، ولا يعترف به أصحابه، وإن قال ذلك، فله وجه ممكن من الصواب، وذلك إذا كثر أهل الفساد، واستولوا على العباد والبلاد، وخرجوا على أهل الحق، ودعوا إلى الباطل، فإنهم يقاتلون ليرجعوا، فإن استمروا، ولم يقدر على دفع شرهم إلا بقتلهم قتلوا. سئل عمر بن عبد العزيز [﵀] عن القدرية، قال: "أرى أن يُدعوا غلى السنة والجماعة، فإن أبوا قتلوا". قال مالك [﵀]: "وهو رأيي فيهم". وقد قاتل الأئمة في أزمنة الفتنة، دفعًا للفساد،
стр. 2568
وإحياءً للخلق، فلا يستبشع ذلك بحال. وأما قتل من لا يستحق القتل، فمعاذ الله أن يقول ذلك أحد.
قال الإمام: (فغن قيل: فبم تردون ما ذكرتموه) إلى قوله (وهذا تنبيه على ما نريده). قال الشيخ: هذا الذي ذكره عن مالك من الطراز الأول، وهو أنه نسب إليه القول بمصالح حائدة عن الشريعة، مصادمة لأصولها، وهذا لا يقوله أحد، وقد بينا أنه لا فرق بين ما اختاره الشافعي، وبين ما نسبه إلى مالك
стр. 2569
[رحمة الله عليه] على الجملة والتفصيل. وهذه المصالح التي ألزمه القول بها، ردتها الشريعة إجماعًا، فكيف يصح أن ينسب إلى مالك القول بها؟
قال الإمام: (فصل- فإن قال قائل: ما الاعتراض على الاستدلال) إلى قوله (هذا يستقصى في كتاب الترجيح، إن شاء الله). قال الشيخ: هذا الكلام، أعني الاعتراض على الاستدلال واضح، وأما ترجيح المعنى المستند
стр. 2570
إلى أصل على آخر، فهذا ينقسم عندنا، فغن كان المعنى المستند إلى أصل في (١٦١/ ب) رتبة الاستدلال المرسل، بحيث يجوز الاعتماد عليه، فإن ما يستند إلى أصل، لا شك في كونه مرجحًا، لاستوائه معه في القوة، وانفراد المستند إلى أصل بالشهادة. وإن كان المستند إلى أصل غريبًا، وهو الذي لا يجوز الاعتماد عليه دون الرد إلى [أصل]، [فهذا موضع اجتهاد، لانفراد احدهما بالشهادة، وانفراد الآخر بالملاءمة]. فهذا محل يرى المجتهد فيه رأيه، ولينظر في كل مسألة نظرًا خاصًّا.
قال الإمام: (فصل- في استصحاب الحال) إلى قوله (مع كثرة الإبل
стр. 2571
بعيد، وهذا ليس استصحابًا). قال الشيخ: معنى قوله: قد قال باستصحاب الحال قائلون، يريد بذلك أن بعض الناس قال به، بناء على أنه دليل، وقال به آخرون، بناء على أنه ترجيح، وآخرون يقولون إنه ليس دليلًا (١٢٥/ ب) على إثبات حكم، ولا يصلح لترجيح دليل. ولا بد من تفسير لفظ الاستصحاب أولًا، وهو يطلق على أربعة أمور: يصح منها ثلاثة، ويبطل الرابع:
الأول: منها- وهو المشهور-: دلالة العقل على انتفاء الحكام السمعية قبل ورود الأنبياء ﵈، فلا تكليف على العقلاء قبل ورود الشرع، وهذا يدرك عقلًا عند قوم، وعُلم سمعًا عند آخرين. وقد قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾. والأمة مجمعة على أنه لا تكليف قبل ورود الأنبياء، وبعد الورود، لا تكليف إلا بعد نصب دليل. وإذا تقرر ذلك، فكل حكم لم ينصب الله للمكلفين دليلًا عليه، فهو غير ثابت عليهم، فنحن على ذلك حتى يرد التغيير على ألسنة الأنبياء.
стр. 2572
فإذا ورد نبي مثلًا، وأوجب خمس صلوات، بقي ما [وراء] ذلك على أصل النفي، من غير حاجة إلى تصريح النبي بنفيها، بل علم أنها كانت منتفية، وأن الإيجاب مقتصر على ما سواها، فبقيت [منتفية] على ما كانت عليه. وهذا يخرج الاستصحاب عن أن يكون دليلًا شرعيًّا، فكأن الشرع بالإضافة إلى ما زاد على الخمس لم يرد.
وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على ما كان عليه. وإذا أوجب عبادة في وقت، بقيت الذمة بعد خروج الوقت على البراءة الأصلية. وإذا أوجب على قادر، بقي العاجز على ما كان. فإذًا النظر في الحكام، إما أن يكون في إثباتها، أو في نفيها.
أما في إثباتها، فالعقل قاصر عندنا عن الدلالة على الإثبات. وإن كان في نفيها، ففيه خلاف. فمن [أحال] تكليف المحال، جعل العقل (١٦٢/ أ) مستقلًا بالنفي، ومن أجازه، لم يحكم بإثبات ولا نفي، إلا مستندًا للشرع. وهذا هو الصحيح عندنا، ولكن بعد أن وردت الأنبياء ﵈، وأخبروا الخلق أن الله [تعالى] لا يحكم على العباد إلا إذا نصب لهم دليلًا، فإذا فقدوا الأدلة، قطعوا بنفيها علم انتفاء الأحكام.
стр. 2573
فإن قيل: [فبأي] طريق [يعلم] نفي الدليل؟ قلنا: تارة بالنص، كما إذا قال: لم يوح إلي في هذا شيء، وهو كقوله [تعالى]: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية.
وقد [يعلم] ذلك من غير أن يوجد هذا النص، وهو كعلمنا بنفي وجوب صوم شوال، وصلاة سادسة، فإنها لو وجبت، لتواترت، وتوفرت الدواعي على نقلها. وقد يظن انتفاء الدليل، فيظن نفي الحكم، ثم يرجع النظر إلى أن قلنا: ثبوت العلامة أو نفيها، هل يقطع [بمقتضاها]، أو يظن ذلك؟ هذا ينبني على أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ وقد تكلمنا على ذلك بما فيه مقنع وبلاغ.
стр. 2574
فإن قيل: وما المانع من أن يكون عليه [دليل]، ولم يبلغنا؟ قلنا: قد أجبنا عن هذا بأن الدليل، قد يعلم انتفاؤه، وقد يظن، على حسب ما سبق.
فإن قيل: [أفيقدر] العامي على النفي، بناء على أنه لم يبلغه الدليل؟ قلنا: هذا إنما يكون للمجتهد، المحيط بمآخذ الأدلة، المطلع على الشريعة، فإذا بحث ولم يجد، فقد يقطع وقد يظن.
أما العامي، فليس له أهلية النظر بحال، فهو كالأعمى الذي لا أهلية له للتفتيش (١٢٦/ أ) عن الأجسام الخفية في البيت. فهذا لا يتأتى له أن يعلم النفي ولا يظنه، بخلاف من له بصر. هذا أحد الأوجه التي يطلق الاستصحاب عليها، وهو الأشهر، وهذا هو الذي اختلف الناس [فيه]، هل هو دليل الحكم، أو ترجيح، أو خارج عنهما جميعًا؟
الثاني: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، واستصحاب النص إلى
стр. 2575
أن يرد نسخ، فالعموم حجة إلى قيام المخصصات، والنص حجة إلى قيام النسخ، وليس هذا من قبيل الاستصحاب بحال. فإن الحكم مستند إلى الدليل، لا إلى الاستصحاب.
الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك بعد جريان العقد المملك ودوامه، وكشغل الذمة عند جريان الإتلاف [أو الالتزام]، فإن هذا وإن لم يكن [حكمًا] أصليًّا، فهو حكم شرعي، دل الشرع على ثبوته ودوامه، [ولولا دلالة الشرع على دوامه]، لما جاز استصحابه، [فالاستصحاب] ليس بحجة، إلا فيما إذا دل الدليل على دوامه، بشرط عدم [المغير]، (١٦٢/ ب) كما دل على البراءة العقلية، وعلى الشغل الشرعي، وعلى الملك الشرعي.
стр. 2576
ومن هذا القبيل: الحكم بتكرر اللزوم والوجوب، إذا تكررت أسبابها، كتكرر شهر رمضان، وأوقات الصلاة، ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات، إذ فهم انتصاب هذه المعاني أسبابًا، فهذه الأحكام من أدلة الشرع، إما بمجرد العموم عند القائلين به، أو بالعموم وجملة من القرائن عند الجميع، وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات، وأمارات عرفت حملة الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أساسًا، إذا لم يمنع مانع، فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابًا، لم يجز استصحابها.
فإذًا الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي عند قوم، أو شرعي عند الجميع، وليس راجعًا إلى عدم العلم بالدليل، بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير، أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب.
والرابع: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو باطل. وصورته: المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، فقال قائلون: يمضي على صلاته، لأن الإجماع منعقد على صحة الصلاة ودوامها، وطريان وجود الماء، كطريان هبوب الريح، وطلوع الفجر، وسائر الحوادث، فنحن نستصحب دوام
стр. 2577
الصلاة، إلا أن يدل دليل على كون رؤية الماء قاطعة. وهذا فاسد، لأنا إنما نستصحب الحكم الذي ثبت دوامه شرعًا، [أما] [إذا] علمنا انتفاء الدليل، فكيف يتصور استصحابه مع العلم بانتفائه؟ والإجماع إن دل على صحة الصلاة عند وجود الماء وعدمه، فمن أبطل عند الوجود، فهو خارق للإجماع، وإن دل على الصحة [عند] العدم، فهو عند الوجود لا يدل قطعًا، فكيف يستصحب حكمه مع العمل بنفيه؟
فإذا بطل أن يستصحب الإجماع مع نفيه، لزم أن يستدل على دوام الصحة بدليل سوى الإجماع، إما بتوقيف، وإما أن تقاس حالة الوجود على حالة العدم. وهذا يتعلق بفن الفقه، وهو خارج عن فن الأصول. وإنما المقصود أنه لا يصح استصحاب دليل مع العلم بنفيه بحال.
مسألة: اختلفوا في النافي، هل عليه دليل [أم لا]؟ فقال قوم: لا دليل عليه، وقال قوم (١٢٦/ ب): لا بد من دليل، وفرق بين العقليات والسمعيات، وأوجبوا الدليل في العقليات دون السمعيات. والصحيح أن ما ليس بضروري، لا يعرف إلا بدليل، ويستوي في ذلك النفي والإثبات، والسمعيات والعقليات.
стр. 2578
وتحقيقه أن يقال لمن ادعى النفي: أعلمت ذلك أم لا؟ فإن قال: إنه علمه، قيل له: أضرورة [أم] نظرًا؟ (١٦٣/ أ) فإن ادعى العلم الضروري، لم يطالب بالدليل، ولا بُعد في أن يعلم النفي ضرورة، فإنا نعلم أنا لسنا على جناح نسر، أو على لجة بحر، وأنه ليس بين أيدينا [فيل] في الحال. وإن ادعى العلم النظري، طولب بالدليل، فإن ما ليس [بضروري]، لا يعرف إلا بدليل. هذا تقرير الدليل، ويتأيد بلزوم إشكالين:
أحدهما- سقوط الدليل [عمن] ينفي تحريم المحرمات، فيقول مثلًا: ليس النبيذ حرامًا، وكذلك ما سواه من المسائل، وهذا باطل قطعًا.
الثاني- أنه إذا سقط الدليل عن هؤلاء، لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي، فيقول بدل قوله: العالم قديم، ليس بحادث، وكذلك ما سواه من العقليات والسمعيات، فيتحقق بذلك لزوم المطالبة بالدليل في النظريات، عقلية كانت أو سمعية، نفيًا كان ذلك أو إثباتًا.
رجع بنا الكلام إلى مسألة الكتاب، ولم ير الإمام الأحكام المستندة إلى الأدلة الثابتة من نص أو عموم راجعة إلى استصحاب الحال، وإن أمكن طريان النسخ أو التخصيص. قال: وإن سمى [مُسم] ذلك استصحابًا، لم يناقش فيه، وليس [هو] مقصودنا.
стр. 2579
وأما قوله: إذا ثبت حكم في صورة، ثم تغيرت وحالت، ورام الناظر طرد الحكم الثابت في الصورة الأخرى، فإن لم يكن للصورة الثانية ترتيب على الأولى، لم يتصور الاستصحاب [فيها. وهذا] كما صوره فيمن أراد أن يستصحب [صدقة البقر في صدقة الغنم]، حتى لا يثبتها إلا على ذلك القياس. وهذا باطل قطعًا. لأنه إثبات حكم من غير توقيف ولا قياس مخيل ولا شبه. وهذا باطل من دين الأمة.
أما إذا تغيرت في وصفها، وأثبتت في الخلقة عليها، فمثاله: أن الإبل تُزكى بالغنم إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمسًا وعشرين زُكيت بالإبل، بالنص إلى مائة وعشرين، ثم قال ﷺ بعد المائة والعشرين: "فما زاد ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون". قال أبو حنيفة: ترجع إلى الأصل الأول، لأنها زكيت أولًا بالغنم، ثم انقلبت إلى الإبل إلى هذا الحد. [وهو] آخر ما ذكره الرسول ﷺ ، ويستأنف الأمر بعد ذلك على الحكم الأول. وهذا غلط بين، وكيف يتفق أن يُستصحب حكم ثبت الانتقال عنه، وصار الأمر إلى غيره؟ مع أن الفقه لا يقتضي ذلك، والأصل أن زكاة كل مال منه، وإنما تثبت الشاة اجتنابًا للتشقيص، وحذرًا من إسقاط الزكاة، مع [أن] إيجاب بعير
стр. 2580
يجحف بالخمس. فلا وجه (١٦٣/ ب) للرد إلى الشاة مع كثرة الإبل.
وأما قول الشافعي: إن الفريضة إذا انتقلت (١٢٧/ أ) إلى الإبل، وجب استصحابها. فهو أيضًا غلط، وهو نظير ما قررناه من استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، إذ كيف يكون الدليل متناولًا للصورة، ثم يمكن أن تسقط دلالته بطريان مغير، فيقال: يستصحب حكم الدليل، ولا يضر احتمال ورود المغير. أما إذا كانت الصورة لا تدخل تحت مقتضى الدليل بحال، فكيف يمكن استصحاب الدليل فيها؟ والاستصحاب [عبارة عن الاستدامة، وإنما يدوم الشيء على حسب ثبوته، وغاية الاستصحاب] الإعراض عن احتمال الانقطاع. فأما أن يصير الدليل دالًا على ما [لم] يدل عليه في ابتدائه فمحال.
[ولا شك] أن النصوص الدالة على اطراد الفريضة في الإبل، لم تتناول [الخمس] الزائدة بعد المائة والعشرين، حتى يستصحب حكم الدليل فيها. نعم، الذي قاله أصحاب الشافعي أقرب إلى فقه الزكاة، لما قررناه. فأما أن يكون من أبواب الاستصحاب فلا.
قال الإمام: (فإن قيل: من [تيقن] الطهارة وشك في الحدث) إلى قوله
стр. 2581
(ولكنه أصل ثابت في الشريعة، مدلول عليه بالإجماع). قال الشيخ: أما قول الفقهاء: لا [يرفع] اليقين بالشك، كلام متجوز [به]، فإنه يوهم أنهما يتعارضان ويجتمعان في النفس، ثم يغلب أحدهما، فيستمر حكمه، وهذا محال. فإن اليقين يضاد الشك، ولكن مرادهم بذلك: أن الأمر الذي يتبين ثبوته ابتداء، يدوم حكمه، وإن حصل الشك في دوامه. هذا مرادهم بالإطلاق.
وأما ما ذكره الإمام من [تقسيم] الأحوال، وقوله: لم يخل المشكوك [فيه] من ثلاثة [أحوال]:
стр. 2582
أحدهما- أن يرتبط بعلامة بينة في محل الظنون، فهذا إخراج للصورة عن تحقيقها، فإن الظن يضاد الشك، فكيف يتفق أن يكون مشكوكًا فيه يرتبط بعلامة ظاهرة في محل الظنون؟
[وقوله]: فإنه يتصدى للمرء شك في بقاء ما سبق، واجتهاد ظاهر في زواله. هذا عين التناقض، وهو تصريح بما [تجوز] الفقهاء بإطلاق لفظه. وإذا ظن الانتقال [عنه]، كيف يبقى معه شك في الدوام؟ هذا محال.
وأما قوله: إذا ثبتت علامة خفية كالعلامات التي يقع التمسك بها في تمييز النجس من الطاهر. هذا أيضًا لا يبقى معه شك، لما قررناه من أن الظن
стр. 2583
يضاد الشك، وهو (١٦٤/ أ) يضاده، قويًّا كان أو ضعيفًا، فقال فيه: إن عارض يقين الطهارة يقين النجاسة، فعلم صاحب الواقعة أن أحد الإناءين نجس والآخر طاهر، فيضطر إلى التمسك بالأمارة، وإن خفيت، فإن الأمرين يتعارضان. وإن لم توجد النجاسة، ولكن تيقنا الطهارة وشككنا في طريان نجاسة، وثبتت علامة خفية، هذا أيضًا من الطراز الأول، فإن العلامة وإن خفيت، إذا حركت الظن، استحال معها بقاء الشك، فالظن بالنجاسة حاصل.
فما كان الصواب في هذا الصنف إلا اتحاد القول بالترتيب على حكم العلامة، إذا مالت النفس بسببها إلى النجاسة.
قال: وإن تقدم يقين وطرأ (١٢٧/ ب) شك، وليس لما فيه الشك علامة [جلية ولا خفية]، فعند ذلك [تأسيس] الشرع على التعلق بحكم ما
стр. 2584
تقدم. هذا القسم هو مقصود المسألة، وما تقدم خارج عن مقصودها، ولهذا قال: فهذا نوع من الاستصحاب صريح، [وسببه] ارتفاع العلامات.
قال: [وليس هذا] من فنون الأدلة. يعني أن الأدلة إما أن تكون قطعية، وإما أن تكون ظنية، وهذا إنما [نحن] على شك في الحال، فكيف يكون هذا من فنون الاستدلال؟
قال: ولأنه أصل ثابت في الشريعة، مدلول عليه بالإجماع. وهذا كلام عجيب، أنكر أن يكون من الأدلة، [ثم] قال: إنه أصل ثابت، مدلول عليه بالإجماع. والأصل: الدليل، اللهم إلا أن يقول ليس هو من الأدلة المعروفة، التي هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فيكون لهذا وجه. وليس هذا ظاهر كلامه، بل يشير إلى أنه لا يتحصل منه قطع ولا ظن بحكم.
قال الإمام: (فإن طرأ مثل ذلك في مثار المجادلات) إلى قوله (من اعتبار
стр. 2585
صورة بصورة). قال الشيخ: قوله: [وإذا] طرأ مثل ذلك في مثار المجادلات إلى آخره، شرع للمستدل التمسك به، وجعل فيه أنه يعتبر بنظائره [بتشبيه] أو [قياس] معنوي، فيخرج التمسك بالاستصحاب عن كونه دليلًا [مستغنى] به، ويرجع إلى القياس في صحة التمسك به. وما أراه بنى هذا إلا على أصله في: أن نفي الحكم الشرعي حكم شرعي، والحكم الشرعي لا يثبت إلا بحكم شرعي، فافتقر إلى رد الأمر إلى القياس، وإلا فإذا كان هذا أصلًا ثابتًا بنفسه، مدلولًا عليه بالإجماع، فأي حاجة بعد ذلك إلى نظم قياس، واعتبار الصور؟
قال الإمام: (وبيان ذلك بالمثال: أن المسؤول عن وجوب الأضحية) إلى
стр. 2586
قوله (وقد نجز بنجازه القول المقصود في الاستدلال). قال الشيخ: (١٦٤/ ب) هذا الكلام الأخير منه يدل على صحة التمسك باستصحاب الحال بعد [البحث والسبر]، من غير حاجة إلى [قياس و] تشبيه. فهذا الكلام مضطرب عندي، والله أعلم.
فإن قيل: [إن] صح التمسك بالأصل السابق عند طريان الشك في انقطاعه، فما وجه قول مالك [﵀] المشهور: إن من تيقن الطهارة وشك في الحدث، وجب عليه الوضوء؟ فهذا ترك لحكم الأصل السابق عند طريان الشك، وأنتم تقولون: إن التمادي على الأصل الأول مجمع عليه. قلنا: نحن نقول كذلك، ولا خلاف فيه بين الناس، وإن اختلف في بعض المسائل، فليس النزاع في هذه [القاعدة]، ولكن سبب الخلاف تقابل الأصول عند بعض العلماء. وهذا بمثابة مسألة الوضوء، فغن الأصل ثبوت الطهارة، ولا
стр. 2587
يحكم بانتقاضها بمجرد الاحتمال. والأصل ثبوت الصلاة في الذمة، فلا تبرأ الذمة منها بمجرد الشك. وإذا طرأ شك في الحدث، لزم منه الشك في براءة الذمة، على [هذه] الحالة بمثل هذه الصلاة. فهذا هو سبب [الخلاف]، لتقابل الأصلين، لا للنزاع في الأصل السابق الأصولي. [وبالله التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل].
قال الإمام: (كتاب [الترجيحات]-[الترجيح: تغليب بعض الأمارات (١٢٨/ أ) على بعض) إلى آخر المسألة]. قال الشيخ: حد الإمام الترجيح
стр. 2588
بأنه: تغليب بعض الأمارات على بعض في [سُبل] الظن. كلام حسن، ولا يصح أن يحد الترجيح بأنه ترجيح ظن على ظن، فإن ذلك يشعر بحصول الظنين في النفس، ثم [يرجح] أحدهما على الآخر، وذلك محال، وهو مصير إلى اجتماع الضدين، ثم المصير إلى الترجيح، وذلك غير معقول.
فإن قيل: هذا يلزمكم، إذا قلتم إنه ترجيح بعض الأمارات على بعض، فهذا يتضمن القضاء باجتماع الأمارتين المتناقضتين، ثم المصير إلى ترجيح إحداهما، فقد وقعتم فيما منه فررتم. قلنا: لو كان الظن يرتبط بالأمارة ارتباطًا لازمًا، لكان كذلك، ولكنه قد لا يترتب الظن على الأمارة، بأن [يعارضها] ما في النفس مثلها. وإذا كان كذلك، أمكن تقابل الأمارات على التساوي وعلى التفاوت.
فإذا ثبت معقول الترجيح، عُلم بهذا أنه لا يتصور في القطعيات، وذلك مُتلقى من نفس الحد، فإن لفظ التغليب يشعر بالتفاوت، والعلوم لا تفاوت
стр. 2589
فيها. ولفظ الأمارة أيضًا يقتضي الدلالة على غير القاطع.
وقولنا: في سُبل الظن، فهذا الحد من هذه الجهات، يمنع تصور (١٦٥/ أ) الترجيحات في القطعيات، ولا يتصور الترجيح في العلم بحال، إذ لا يتصور علم أبين من علم.
فإذا ثبت ذلك، فالترجيح مما اجتمعت الأمة عليه، من حيث الجملة، ولا مبالاة بخلاف من شذ. والدليل في الترجيح قاطع منقول تواترًا، والمعنى المفهوم من الشريعة يدل عليه ويرشد إليه، وذلك أن الشرع إذا اكتفى من الخلق في بعض المسائل بغلبات الظنون، فعند اجتماع الأمارات في النفس وتغليب بعضها على بعض، فغلبة الظن حاصلة بثبوت الحكم على وفق الأمارات القوية. وهذا- والعلم عند الله- مستند أهل الإجماع في المصير إلى الترجيح- وما حكى القاضي من الخلاف عمن حكى الخلاف عنه، فلا سبيل إلى تغليط في النقل.
وما ذكره الإمام تعريض لتغليط العدول، مع كمال المعرفة والبصر، وهذا
стр. 2590
لا سيبل إليه. ومما تمسك به جُعل من امتناع ترجيح البينات، له وجه سنذكره. والظاهر من كلام الإمام أنه حمل على القاضي أنه بنى النقل عنه [تخريجًا] واستنباطًا، من مصيره إلى نفي الترجيح في البينات. ولهذا [قال] القاضي: وليس من الإنصاف إلزام مجتهد فيه على مسألة مدركها القطع. ولئن كان القاضي إنما حكى عن هذا، إلزامًا على قوله بنفي الترجيح في البينات، وهذا لا يظن بالقاضي، بل الذي يصح عندنا أنه نقل مذهبه صريحًا. وما أتى به من البينات، جاء به استدلالًا، والاستدلال بالخيالات في مقابلة الإجماع باطل، على أنا قد قررنا أنه لو لم يصادف [إجماع]، لكان قياس الشريعة في الحكم [بغلبات] الظنون يقتضي القضاء بالترجيح على ما مر.
стр. 2591
وأما ما يمكن ان يكون خيالًا لجُعل، ووجهه التشبيه بين الأمارات والبينات، أن الشرع أثبت الأمارات ورتب الأحكام عليها، على تقدير انفراد كل واحدة منها، بدليل الإجماع من أهل الإسلام، مع قطع النظر عن تفاوت الدرجات. وإذا ثبت كون كل واحدة أمارة بدليل قاطع، فلا نظر (١٢٨/ ب) بعد ذلك إلى التفاوت، مع القطع بصحة النصب. وقد قال القاضي [﵀] مثل هذا في مسألة، [وهي]: أنه إذا تعارض ظاهر من الكتاب بظاهر نقله الآحاد، فقد قال القاضي: إنهما يتعارضان، وإن تفاوتا في طرق النقل. وهذا ترجيح واضح. فإن الظاهرين استويا في الدلالة، وانفرد أحدهما بالقطع بصحة الثبوت، لا وجه لذلك إلا أنهما جميعًا استويا في كونهما أمارتين، فلا نظر إلى التفاوت بعد ذلك، كما في البينات.
هذا وجه هذا المذهب، (١٦٥/ ب) وهو باطل عندنا، وذلك أن لا يلزم من كون الشارع نصبه أمارة، على تقدير انفراده إجماعًا، أن يكون أمارة على
стр. 2592
تقدير أن يعارضه غيره. إذ المجمع عليه حالة الانفراد. وأما حالة الإجماع، فلا إجماع عليها. فيكون هذا من باب استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف. وقد بينا بطلانه.
ومعنى قول الإمام: فكيف يجري في المعقولات ترجيح ما لا يجري أصلها فيه، مع أن المرجح أقوى من الترجيح؟ يريد بذلك أن [للترجيح] قوة في الأمارة، والأمارة أقوى من ترجيحها. وإذا كانت الأمارات لا يتأتى التمسك بها في القطعيات، فجهات ترجيحها أولى بالامتناع. وهذا عند الأصوليين يقارب قول أهل العربية: إنه لا يصح أن يكون النعت أوضح من المنعوت. فكذلك لا يصح أن يكون الترجيح أقوى من المرجح بحال. وقد امتنع إجراء [المرجح] في القطعيات.
قال الإمام: (مسألة: أطلق الأئمة القول: بأن المعقولات لا تجري الترجيحات فيها) إلى قوله (مجرى الظنون في [المظنونات]). قال الشيخ: الذي ذهب إليه الأئمة حق، لا خفاء به، ولا يتصور تطرق الترجيح إلى العلم.
стр. 2593
ولا إلى طرقه. أما العلم فهو: معرفة المعلوم على ما هو به. فلا يتصور علم أبين من علم. وقد قررنا ذلك فيما سبق. ولا يتصور أيضًا الترجيح في طرق العلم، فإن طرقه قصارها كلها العلم، [ولا يصح] أن يكون أحد [الطريقين] أشد ارتباطًا بالعلم من الآخر، إذ ليس بعد القطع مرتبة يرتقي إليها، فاستحال- والأمر كذلك- الترجيح في العلم وطرقه.
وأما ما ذهب إليه الإمام من تطرق الترجيح إلى المعتقدات، فهذا عندنا لا يصح أيضًا بحال، وإنما يتصور الترجيح على [تقدير] اجتماع الراجح والمرجوح في النفس، ثم القضاء بالتفاوت، وهذا لا يتصور، فإن اعتقاد النقيضين لا يتأتى [أيضًا]، فإن المصمم لا يتصور أن يدرك فرقًا بين [تصميمَيْه]، ولو أدرك فرقًا وتفاوتًا، لانحل الاعتقادان جميعًا.
أما رجوح الترجيح إلى أسبابها، فلا يتصور ذلك أيضًا عندنا، فإنه [من] أدرك تفاوتًا بين السببين، [قوة وضعفًا]، خرج عن كونه معتقدًا،
стр. 2594
وصار إلى رتبة الظانين. [فالصحيح] أن الترجيحات لا تتطرق [إلا] إلى الأمارات على الخصوص. ومن العجيب ذهاب الإمام إلى هذا، مع كونه يحد الترجيح بأنه: تغليب بعض الأمارات على بعض في سبل الظن. ولو صح ما قال ها هنا، لبطل الحد، [فهو] دائر بين اختلال الحد، وبين فساد ما ذكر ها هنا.
وقول (١٦٦/ أ) الإمام: فإنا نكتفي من [العوام] بعقود سليمة، لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين. وهذه المسألة عظيمة (١٢٩/ أ) في الدين، وقد امتنع من ذلك المتكلمون، وأوجبوا معرفة الله تعالى بالأدلة، وتمسكوا بأن مطلق الاعتقاد لا يكتفى به، والواجب لا بد أن يكون المكلف متمكنًا من معرفته، والاعتقاد لا يتصور أن يعلم المعتقد كونه معتقدًا، فكيف يتصور أن يكلف الاعتقاد مع استحالة عدم علمه؟ لا سيما إذا كلف الاعتقاد الصحيح.
قالوا: وهذا بمثابة ما لو كلفه عتق عبد، وهو معين عند الآمر، ولم يعينه للمخاطب، فإن صادفه عتقه، فقد امتثل، [وإن] لم يصادفه، [عرضه] للعقاب. فهذا عندهم من تكليف ما لا يطاق.
стр. 2595
والعجب من الإمام أنه حكم باستحالة التكليف بمثل هذا، ثم صار إلى تحقيق التكليف بالاعتقاد الصحيح، وهو لا يتصور علمه بحال. إلا أن يقول: له طريق ها هنا إلى الخروج عن الغرر، بأن يعلم، فيكون على تحقيق من الامتثال. وهذا ضعيف، فإنه يجري مثله فيما إذا أمره بعتق عبد معين عند الطالب، ولم يعينه للمخاطب، وهو ملتبس بعدد من العبيد، يمكن المأمور عتق الجميع، فإن ذلك لا يوجب كون المكلف [متمكنًا] لقصد المخاطب إليه.
وتمسكوا أيضًا بادعاء الإجماع على وجوب [معرفة الله سبحانه. هذه مستندات المتكلمين في وجوب] المعرفة، ومنع الاكتفاء بالاعتقاد. والصحيح عندنا خلاف ذلك. فإن الله تعالى لم يوجب على الخلق المعرفة، بل إما علمًا، وإما اعتقادًا صحيحًا. والمسألة سمعية لا عقلية.
والدليل على ذلك [ما نقل] على التواتر عن رسول الله ﷺ من الاكتفاء من عوام الخلق بالإقرار بالتوحيد، وتصديق [الرسل] من العدد الكثير في الزمن القريب، ومن [النسوان والصبيان، الذين لم يبلغوا الحلم، والإماء العبيد، ومن] ليس من أهل النظر بحال. ونحن من طريق الاعتقاد
следующие страницы →