← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13791

التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه

الأبياري، علي بن إسماعيل

Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وأما ما يمكن ان يكون خيالًا لجُعل، ووجهه التشبيه بين الأمارات والبينات، أن الشرع أثبت الأمارات ورتب الأحكام عليها، على تقدير انفراد كل واحدة منها، بدليل الإجماع من أهل الإسلام، مع قطع النظر عن تفاوت الدرجات. وإذا ثبت كون كل واحدة أمارة بدليل قاطع، فلا نظر (١٢٨/ ب) بعد ذلك إلى التفاوت، مع القطع بصحة النصب. وقد قال القاضي [﵀] مثل هذا في مسألة، [وهي]: أنه إذا تعارض ظاهر من الكتاب بظاهر نقله الآحاد، فقد قال القاضي: إنهما يتعارضان، وإن تفاوتا في طرق النقل. وهذا ترجيح واضح. فإن الظاهرين استويا في الدلالة، وانفرد أحدهما بالقطع بصحة الثبوت، لا وجه لذلك إلا أنهما جميعًا استويا في كونهما أمارتين، فلا نظر إلى التفاوت بعد ذلك، كما في البينات. هذا وجه هذا المذهب، (١٦٥/ ب) وهو باطل عندنا، وذلك أن لا يلزم من كون الشارع نصبه أمارة، على تقدير انفراده إجماعًا، أن يكون أمارة على

стр. 2592

تقدير أن يعارضه غيره. إذ المجمع عليه حالة الانفراد. وأما حالة الإجماع، فلا إجماع عليها. فيكون هذا من باب استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف. وقد بينا بطلانه. ومعنى قول الإمام: فكيف يجري في المعقولات ترجيح ما لا يجري أصلها فيه، مع أن المرجح أقوى من الترجيح؟ يريد بذلك أن [للترجيح] قوة في الأمارة، والأمارة أقوى من ترجيحها. وإذا كانت الأمارات لا يتأتى التمسك بها في القطعيات، فجهات ترجيحها أولى بالامتناع. وهذا عند الأصوليين يقارب قول أهل العربية: إنه لا يصح أن يكون النعت أوضح من المنعوت. فكذلك لا يصح أن يكون الترجيح أقوى من المرجح بحال. وقد امتنع إجراء [المرجح] في القطعيات. قال الإمام: (مسألة: أطلق الأئمة القول: بأن المعقولات لا تجري الترجيحات فيها) إلى قوله (مجرى الظنون في [المظنونات]). قال الشيخ: الذي ذهب إليه الأئمة حق، لا خفاء به، ولا يتصور تطرق الترجيح إلى العلم.

стр. 2593

ولا إلى طرقه. أما العلم فهو: معرفة المعلوم على ما هو به. فلا يتصور علم أبين من علم. وقد قررنا ذلك فيما سبق. ولا يتصور أيضًا الترجيح في طرق العلم، فإن طرقه قصارها كلها العلم، [ولا يصح] أن يكون أحد [الطريقين] أشد ارتباطًا بالعلم من الآخر، إذ ليس بعد القطع مرتبة يرتقي إليها، فاستحال- والأمر كذلك- الترجيح في العلم وطرقه. وأما ما ذهب إليه الإمام من تطرق الترجيح إلى المعتقدات، فهذا عندنا لا يصح أيضًا بحال، وإنما يتصور الترجيح على [تقدير] اجتماع الراجح والمرجوح في النفس، ثم القضاء بالتفاوت، وهذا لا يتصور، فإن اعتقاد النقيضين لا يتأتى [أيضًا]، فإن المصمم لا يتصور أن يدرك فرقًا بين [تصميمَيْه]، ولو أدرك فرقًا وتفاوتًا، لانحل الاعتقادان جميعًا. أما رجوح الترجيح إلى أسبابها، فلا يتصور ذلك أيضًا عندنا، فإنه [من] أدرك تفاوتًا بين السببين، [قوة وضعفًا]، خرج عن كونه معتقدًا،

стр. 2594

وصار إلى رتبة الظانين. [فالصحيح] أن الترجيحات لا تتطرق [إلا] إلى الأمارات على الخصوص. ومن العجيب ذهاب الإمام إلى هذا، مع كونه يحد الترجيح بأنه: تغليب بعض الأمارات على بعض في سبل الظن. ولو صح ما قال ها هنا، لبطل الحد، [فهو] دائر بين اختلال الحد، وبين فساد ما ذكر ها هنا. وقول (١٦٦/ أ) الإمام: فإنا نكتفي من [العوام] بعقود سليمة، لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين. وهذه المسألة عظيمة (١٢٩/ أ) في الدين، وقد امتنع من ذلك المتكلمون، وأوجبوا معرفة الله تعالى بالأدلة، وتمسكوا بأن مطلق الاعتقاد لا يكتفى به، والواجب لا بد أن يكون المكلف متمكنًا من معرفته، والاعتقاد لا يتصور أن يعلم المعتقد كونه معتقدًا، فكيف يتصور أن يكلف الاعتقاد مع استحالة عدم علمه؟ لا سيما إذا كلف الاعتقاد الصحيح. قالوا: وهذا بمثابة ما لو كلفه عتق عبد، وهو معين عند الآمر، ولم يعينه للمخاطب، فإن صادفه عتقه، فقد امتثل، [وإن] لم يصادفه، [عرضه] للعقاب. فهذا عندهم من تكليف ما لا يطاق.

стр. 2595

والعجب من الإمام أنه حكم باستحالة التكليف بمثل هذا، ثم صار إلى تحقيق التكليف بالاعتقاد الصحيح، وهو لا يتصور علمه بحال. إلا أن يقول: له طريق ها هنا إلى الخروج عن الغرر، بأن يعلم، فيكون على تحقيق من الامتثال. وهذا ضعيف، فإنه يجري مثله فيما إذا أمره بعتق عبد معين عند الطالب، ولم يعينه للمخاطب، وهو ملتبس بعدد من العبيد، يمكن المأمور عتق الجميع، فإن ذلك لا يوجب كون المكلف [متمكنًا] لقصد المخاطب إليه. وتمسكوا أيضًا بادعاء الإجماع على وجوب [معرفة الله سبحانه. هذه مستندات المتكلمين في وجوب] المعرفة، ومنع الاكتفاء بالاعتقاد. والصحيح عندنا خلاف ذلك. فإن الله تعالى لم يوجب على الخلق المعرفة، بل إما علمًا، وإما اعتقادًا صحيحًا. والمسألة سمعية لا عقلية. والدليل على ذلك [ما نقل] على التواتر عن رسول الله ﷺ من الاكتفاء من عوام الخلق بالإقرار بالتوحيد، وتصديق [الرسل] من العدد الكثير في الزمن القريب، ومن [النسوان والصبيان، الذين لم يبلغوا الحلم، والإماء العبيد، ومن] ليس من أهل النظر بحال. ونحن من طريق الاعتقاد

стр. 2596

نعلم أنهم لم يحصل لهم ما يستند إلى البراهين، وكيف يتأتى منهم ذلك وليسوا ممن يحصي النظر، ولا يهتدي غلى طريق الفكر؟ هذا محال من جهة العادات. فالأمر في الحكم الشرعي كما ذكر الإمام، وقد تبين اختيارنا في امتناع الترجيح في الاعتقادات. قال الإمام: (مسألة: قال الأئمة ﵃: الترجيح لا يستعمل في المذاهب) إلى قوله (ونحن الآن نرسم ما يترجح به مذهب الإمام المطلبي). قال الشيخ: ما ذكره الأئمة من أن الترجيح يجري في الأدلة لا في المذاهب،

стр. 2597

صحيح، لأن المذاهب دعوى محضة. وقد قلنا: إن الترجيح: تغليب بعض الأمارات (١٦٦/ ب) على بعض في سُبل [الظن]. [ونفس] المذاهب دعوى ليست أمارة، فلا دخول لها تحت الحد. وأيضًا [فإن] الترجيح إنما يثبت نظرًا إلى قوة في الدليل، ولو تقدم المذهب على المذهب بمحض الترجيح، لاستقل الترجيح دليلًا. هذا لو قدرنا تصور الترجيح. هذا كلام الأئمة، وهو حق واضح. فأما ما ذكره الإمام من أن العامي لا يتخير في تقليد من يشاء [من المفتين]، [ولكن عليه] ضرب من النظر. فهذا مما [اختلف فيه الناس]. وهذا الكلام يتعلق بالتقليد والاستفتاء، ولم يورده الإمام في هذا

стр. 2598

الكتاب، [ووعدنا به يصنف فيه كتابًا تتمة لهذا المجموع، ولم نظفر به في هذا الكتاب]. ولم نعلم هل صنفه أم لا؟ ونحن نذكر ها هنا ما تمس الحاجة إليه. وبالله (١٢٩/ ب) التوفيق. ويتم الغرض منه برسم مسائل. مسألة: التقليد: قبول الغير بلا حجة. وليس ذلك طريقًا للعلم، لا في الفروع ولا في الأصول. وذهبت الحشوية [والتعليمية] إلى أن طريق معرفة الحق التقليد، وأن النظر والبحث حرام. ويدل على بطلان مذهبهم مسالك: الأول: أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة، بل بدليل، ودليل صدق مدعي الرسالة المعجزة، فيما علم صدقه، وصدق من صدقه الرسول [ ﷺ ]. وصدق كلام الله تعالى. إما أن يرجع إلى ثبوت كلام النفس على وفق العلم، وإما أن يستند إلى إخبار الرسول [ ﷺ ] عن صدقه، على حسب اختلاف

стр. 2599

المتكلمين في ذلك. وقد قدمنا فيه قولًا مقنعًا. [ويجب] على القاضي الحكم بقول العدول، لا على معنى أنه يعتقد صدقهم، بل لأن الله أوجب عليه الحكم عند ظن الصدق. وكذلك المفتي عند رواية خبر الواحد. وكذلك يجب على العامي اتباع المفتي، إذ دل الإجماع على أن فرض العوام ذلك، كذب المفتي أو صدق، أصاب أم أخطأ. فقبول قول المفتي والشاهد، لزم بحجة الإجماع، فهو قبول قول بحجة، فلم يكن تقليدًا على ما حددنا به التقليد. فحيث تقوم الحجة، فليس تقليدًا. وإذا لم تقم حجة، فيجب القول، بل بحكم مجرد. الثاني: أن يقال: أتحيلون الخطأ على من قلدتموه أم تجوزونه؟ فإن جوزتموه، فأنتم شاكون في صحة مذهبكم، وإن أحلتموه، فبم عرفتم استحالته؟ أبضرورة أم بنظر؟ أم تقليد ولا ضرورة [ولا دليل]؟ فإن قلدتموه في قوله: إن مذهبه حق، فمن أين عرفتم [صدقه في تصديق نفسه، وإن قلدتم فيه غيره، فبم عرفتم] صدق المقلد الآخر؟ وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله، فبم تفرقون بين سكون أنفسكم (١٦٧/ أ)، وسكون نفوس غيركم من الكفار؟ وبم تفرقون بين قول مقلدكم: [إني] صادق، وبين قول مخالفيكم؟ المسلك الثالث: أن يقال لهم: هل تعلمون وجوب التقليد أم لا؟ فإن لم تعلموا، فلم قلدتم؟ وإن علمتم، فبضرورة أو نظر أو تقليد؟ ويعود الكلام الأول حرفًا حرفًا. فإن قيل: عرفنا صحته، لأنه مذهب الأكثرين، فهو أولى بالاتباع.

стр. 2600

فنقول: بم أنكرتم على من يقول الحق دقيق غامض، لا يدركه إلا الأقلون، ويعجز عنه الأكثرون، لأنه يحتاج إلى شروط [كثيرة] من الممارسة والتفرغ للنظر، واتقاد القريحة، والخلو عن الشواغل. ويدل عليه أنه ﷺ كان محقًا، وكان في أول [أمره] منفردًا بدينه عن بقية الخلق. فلو استدل مستدل على بطلان قوله بانفراده بدينه، هل كان مصيبًا في استدلاله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. وقال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا". وقال: "وهم يومئذ الأقلون". [فإن قيل: ] [فقد] قال ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم". "ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد". قلنا أولًا: وبم عرفتم صحة هذه الأخبار، وليست متواترة؟ فإن كانت عن تقليد، فبم تنكرون على من يعتقد بطلانها؟ ثم إن صح ذلك، فالمراد بهذه الأخبار: اتباع أهل الإجماع، أو النهي عن الخروج على الأئمة الصالحين، أو الحث على طلب الرفيق في الطريق، وليس (١٣٠/ أ) يرجع هذا إلى التقليد. فإن صح أن المراد اتباع الأكثر، فليس هذا تقليدًا، بل هو اتباع قول

стр. 2601

بحجة. وقد تمسكوا بشبهتين: إحداهما- أن الناظر متورط في شبهات، وقد كثر ضلال الناظرين، فترك الخطر وركوب السلامة أولى. قلنا: وقد كثر ضلال المقلدين من أهل الكفر والضلالات، فبم فرقتم بين تقليدكم وتقليد سائر الكفار، حيث قالوا: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾. ثم نقول: إذا وجدت المعرفة، كان التقليد ضدها، فكأنكم أنكرتم النظر حذرًا من الوقوع في الجهل، [فاستعجلتم] الوقوع فيه حذرًا من إفضاء النظر إليه. الشبهة الثانية: تمسكهم بقول الله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. نهى عن الجدال في القرآن، والنظر يفتح باب [الجدال]. قلنا: نهى عن الجدال في الباطل دون الجدال في الحق، وقد قال الله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. وقال: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. وقال حكاية عن (١٦٧/ ب) قوم نوح: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾. وقال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس ل كبه علم﴾. وقال: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. وذم الله تعالى قومًا بقولهم: ﴿إنا

стр. 2602

وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾. وفي آية أخرى: ﴿مقتدون﴾. وقال الله تعالى: ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾. [والآيات] الدالة على النظر والاعتبار في كتاب الله تعالى كثيرة، كقوله: ﴿أولم يتفكروا﴾. ﴿أولم ينظروا﴾. ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. وعظم الله شأن العلماء فقال [تعالى]: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. وقال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين". وقال ابن مسعود: "لا تكونن إمعة، قيل: وما الإمعة؟ قال: أن يقول الرجل: أنا مع الناس إن ضلوا ضللت، وإن اهتدوا اهتديت، ألا لا يوطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس".

стр. 2603

مسألة: [العامي] يجب عليه الاستفتاء واتباع العلماء . وقال قوم من القدرية: يلزمهم النظر في الدليل واتباع الإمام المعصوم. وهذا مختص بمسائل الشريعة. وأما ما يتعلق بأصول الدين، فقد نقلوا مذهب المتكلمين في ذلك. وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى إلحاق قواطع السمع بالمعقولات، فأوجب على العوام تحصيل علم كل مسألة، مدركها القطع، وإن كانت فقهية، وهذا [باطل] بمسلكين: أحدهما- إجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة تواترًا. المسلك الثاني- أن العامي بالإجماع يكلف بالأحكام، [وتكليفه] طلب رتبة الاجتهاد محال، وذلك غير ممكن بحال. ولو كلف ذلك، لأفضى إلى خراب العالم، وتلاف الدنيا، وإقبال الخلق بجملتهم على طلب العلم، والإضراب عن أسباب المعاش، وذلك أمر يعلم بطلانه ضرورة. ثم أنه لو قدر ذلك، فما الحكم عليه قبل نيل درجة (١٣٠/ ب) الاجتهاد؟ أليس لله تعالى [عليه] أحكام ثابتة في القلب والجوارح؟ فهل تكون الأحكام ساقطة عنه إلى بلوغ هذه الدرجة؟ سقوطها عنه باطل، فإنها لو كانت ساقطة، لم يجب الطلب، وإن كانت متوجهة، فقد استقرت الأحكام عليه قبل بلوغ هذه [الرتبة]، فيصح ثبوت الأحكام عليه من غير أن يجب تحصيلها. فإن قيل: فقد رفعتم التقليد، وهذا عين التقليد. قلنا: ليس كذلك، فإنا

стр. 2604

فسرنا التقليد بأنه: قبول قول الغير بلا حجة. وهذه أقوال قامت عليها أدلة، فلا يكون تقليدًا. فإن قيل: فقد رفعتم التقليد [من الدين] (١٦٨/ أ)، وقد قال الشافعي: لا يحل تقليد أحد إلا رسول الله ﷺ . فقد جعله تقليدًا. قلنا: التقليد يطلق حقيقة، ويطلق مجازًا، فالحقيقي ما ذكرناه، وقد يطلق مجازًا على: قول لا يطلب عليه دليل خاص. والمعجزة لما دلت على الصدق جملة، ولم تفتقر إلى الإقامة، مقترنة بكل قول، [سُميت] تقليدًا مجازًا. والذي يدل على التجوز، أنه أبطل تقليد من سوى الرسول [ ﷺ ]، [واستثنى] قول الرسول [ ﷺ ]، وهو مدلول على صدقه، فلم يكن من القبيل الذي رددناه. مسألة: لا يستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة ، أما من عرفه بالجهل، فلا يسأله وفاقًا. وإن سأل من لا يعرف جهله، فقد قال قوم: يجوز، وليس عليه البحث. وهذا فاسد، لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره، وجب عليه معرفة حاله، فيجب على الأمة معرفة حال الرسول [ ﷺ ]، بالبحث عن معجزته، فلا يؤمن بكل مجهول يدعي النبوة، ووجب على الحاكم معرفة حال

стр. 2605

الشاهد في العدالة، وفي الستر عند قوم، إذ الستر أمارة العدالة عندهم، ولا يصح أن يكون الستر علامة العلم بحال، إلى غير ذلك من مسائل الشريعة، كحال الرواة والقضاة. وعلى الجملة، كيف يتصور أن يسأل من هو أجهل من السائل؟ فإن قيل: إذا لم يعرف عدالة المفتي، هل يلزمه البحث؟ أم يجوز له الاستفتاء من غير بحث؟ قلنا: من عرفه بالفسق، فلا يقلده، ومن عرفه بالعدالة يسأله، ومن لم يعرف حاله، فيحتمل أن يقال لا يقتحم، بل [يسأل] عن عدالته أولًا، فإنه لا يأمن كذبه وتلبيسه. ويحتمل أن يقال ظاهر حال العالم العدالة، لا سيما إذا اشتهر بالفتوى. ولا يمكن أن يقال ظاهر حال الخلق العلم، ونيل درجة الاجتهاد. والجهل [أغلب] على الخلق، والناس كلهم عوام، إلا [الأفراد]، والعلماء كلهم عدول إلا الشواذ. فإن قيل: فإن وجب السؤال لمعرفة علمه وعدالته، فيشترط التواتر أم لا يفتقر إليه؟ قلنا: يحتمل أن يشترط التواتر، فإن ذلك يمكن، ويحتمل أن يقال: يكفي غالب الظن، الحاصل بقول عدل أو عدلين، وهذا هو الظاهر عندنا. وقد اخترنا جواز نقل الإجماع على ألسنة الآحاد، وترتب العمل عليه. وهذا قريب منه. مسألة: إذا لم يكن في البلد إلا مفتٍ واحد، وجب على العامي مراجعته . وإن كانوا جماعة، قال القاضي: فله أن يقلد من يشاء، ولا يلزمه (١٣١/ أ) تقليد

стр. 2606

الأعلم، كما فعل في زمن الصحابة ﵃: إذ سأل العوام الفاضل والمفضول، ولم يحجر على الخلق في شؤال [غير] أبي بكر (١٦٨/ ب) وعمر وغير الخلفاء. وأكثر الفقهاء على خلاف ذلك، وقالوا: يجب تقليد الأعلم، وإن استووا تخير العامي. وقال القاضي: وهذا يخالف إجماع الصحابة، إذ لم يحجر الفاضل على المفضول الفتوى، بل لا تجب إلا مراجعة العالم العدل، وقد عرف كلهم بذلك. نعم، إذا اختلف عليه مفتيان في حكم، فإن تساويا، راجعهما مرة أخرى، وقال: [تناقضت] فتواكما، وتساويتما عندي، فما الذي يلزمني؟ فإن خيراه تخير، وإن اتفقا على الأمر بالاحتياط، أو [الميل] إلى جانب معين، [فعل]، وإن أصر على الخلاف، فلم يبق إلا التخير، فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم، وليس أحدهما أولى من الآخر. والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى اهتدى. هذا تمام كلام القاضي. والصحيح عندنا خلاف ذلك، بل على العامي أن يبحث بحسب إمكانه، فإذا غلب على ظنه تقديم واحد معين على غيره، لزمه اتباعه. والدليل على ذلك: أنا قلنا: الحكم يترتب على العلم تارة، وعلى الظن أخرى. [فإذا] غلب على ظن العامي أن أحد الرجلين أعلم، غلب على ظنه أنه إلى الصواب أقرب، والحق في قوله أغلب. فإذا خافه متمسكًا بقول غيره، فهو يقدم على الفعل، وهو يظن [أنه] خلاف حكم الله تعالى عليه. وهذا محذور على

стр. 2607

الجملة، إلا في مواضع التعبد، كترك الحكم بشهادة العبيد العدول، والامتناع من القضاء بقول المرأة الواحدة، وإن غلب على الظن صدقها. ولكن هذا في مواضع قليلة، ثبت فيها التعبد، وأكثر الشريعة على خلاف ذلك. اعترض القاضي على هذا بأن قال: لا يصح الاعتماد على مجرد ميل النفوس، بل ينبغي أن يفرق العاقل بين الوهم والظن، فإن الظن يرجع إلى أسباب صالحة، والوهم ميل النفس من غير سبب صالح لذلك. والعامي لا يقدر على تحصيل الظن، بأن أحد [العالمين] أعلم من الآخر، فإن قضايا التفضيل أمور غامضة، وعليها أدلة خفية، فمن أين يقدر العامي على ذلك؟ فإن قدر عليه، فلينظر في نفس المسألة، وليس له أهلية ذلك. وهذا كلام عظيم، ولكن الجواب عنه أنا نقول: من مرض له مريض- وإن لم يكن طبيبًا- أو اجتمع في البلد أطباء، وغلب على ظنه أن أحدهم أطب من الباقين، فعدوله إلى الضعيف، مع التمكن من القوي، عين التقصير. ولا ينكر حصول غلبة الظن بأطب الرجلين للعامي. فكذلك يجري هذا في أعلم الرجلين. ولكن في هذا الجواب نظر، وذلك أنه يتأتى [للعامي] حصول غلبة الظن بتفاصيل الأطباء في الطب، لأن الآثار عاجلة، فيعرف ذلك بكثرة نجح معالجته، وحصول (١٦٩/ ا) البرء لمن يلاطفه، وآثار العلم مدخرة في الدار الآخرة، لا يوقف عليها إلا بإخبار الصادق، وأدلتها في الدنيا غامضة، لا يقف عليها العوام بحال. فمن هذه الجهة تغمض المسألة.

стр. 2608

ولكن قد يحصل الظن بالقول الصريح من أحد العالمين بان يقول: فلان أعلم مني، كما قال أبو موسى الأشعري [﵁] عندما خالفه ابن مسعود: "لا تسألوني ما دام هذا الحبر (١٣١/ ب) بين أظهركم". فهذا طريق يغلب على الظن كونه أعلم منه. الوجه الثاني: أن يعرف ذلك بقول ذوي المعرفة من العلماء وأهل العلم، أو تطول المجالسة، ورجوع أحدهما إلى الآخر في كثير من الأحوال. فهذه الأمور وما يضاهيها تحصل غلبة الظن بمزية العلم في حق [العامي]. فإذا ثبت حصول غلبة الظن بالتفاوت، وجب الاعتماد على قول الأعلم، على ما قررناه. وبالله التوفيق. قال الإمام: (مسألة: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة) إلى قوله (وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الفتوى، إن شاء الله تعالى). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ممنوع من حيث الجملة والتفصيل. أما [مصيره] إلى أن المتأخر

стр. 2609

أقدر على التفصيل والتهذيب، فغير صحيح مطلقًا. وكيف يمكن دعوى ذلك على العموم، وقد صودف [الوجود] على خلاف ذلك؟ والذين سبقوا إلى وضع العلوم من الهندسة والطب، كبقراط وغيره من الحكماء اعترف بعدهم بالعجز عما وضعه الأولون. وهذا سيبويه [﵀] أول من صنف كتابًا مبسوطًا في العربية، وكل من جاء بعده حذا حذوه، وسلك مسلكه، واعترفوا بالعجز عن بلوغه فيما وضعه وأسسه. وكيف ينكر ذلك، والتصنيف على قدر قوة العلم؟ وإنما أضرب الأولون من الصحابة والتابعين عن التصنيف، ولو صنفوا، لم ينته إليهم وضع المتأخرين. إذ الوضع على حسب العلم. وأما ما مثل به من الحرف والصناعات، فهذه أمور تختلف باختلاف الأغراض. فقد يحدث لقوم من الغرض، ويستحسنون ما لا يحسن عند غيرهم،

стр. 2610

فلا يجعل الثاني أولى بالاقتداء به من الأول. وكيف تمكن المنازعة في أن من سبق أعلم؟ أم كيف تمكن المنازعة في أن التصنيف يتفاضل بحسب تفاضل علم الوضعين؟ [هذا بين] لا شك فيه، ولم يضرب الأولون عن [تلفيق] العبارات، لقصورهم عنها، ولكن لانشغالهم بما هو أهم، ولفهم بعضهم عن بعض الأمر بالإشارة العربية، والعبارة المختصرة. فهذا هو سبب قلة كلامهم، (١٦٩/ ب) [فاعتنى المتأخرون] بتهذيب العبارات، إذ لم يبق لهم شيء يفعلونه سواها. والشريعة كانت في [زمان] رسول الله ﷺ غضة طرية، قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فبكى أبو بكر ﵁ وقال: "ما تم شيء إلا وأخذ في النقصان". وقال النبي ﷺ : "لا ينتزع العلم من صدور

стр. 2611

الرجال انتزاعًا، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا". فالعلم يتناقص، اعترف بذلك خيار [العلماء من] التابعين، بالإضافة إلى الصحابة، بل اعترف به أحداث الصحابة، بالإضافة إلى مشايخهم، مثل ابن عباس [سئل]: " [أيهما أعلم هو أو علي]." فذكر مثالًا يدل على قلة علمه بالإضافة إلى علي كرم الله وجهه. فإذا كان كلما تقادم الزمان نقص العلم، فالوضع على حسب ذلك بلا ريب، إذ لا يضع إلا ما علم. وأما ما ذكره من أن (١٣٢/ أ) الشافعي [﵁] تأخر عن الأئمة

стр. 2612

الناخلين، فيكون مذهبه أولى، فقد بينا أن ذلك غير لازم أصلًا، وحققنا أن حسن الوضع، فرع كمال العلم، ومزيد الإدراك. وأما ما وجهه على نفسه، فلازم على قاعدته، فإنه جعل جودة النخل تزيد على تقدير التأخير. قيل له: فقد تأخر عن الشافعي غيره، فليكن نخله أولى، كابن سريج وغيره من

стр. 2613

العلماء. وجوابه أنه قال: لسنا نرى أحدًا بلغ [منصب] الشافعي في ذلك، وإن كان متأخرًا عنه. دل ذلك على أن مجرد التأخير في النخل، لا يقتضي اتباعًا حتى ينضم إليه إثبات المزية في العلم. وإذا منع الإمام من الرجوع إلى [منتخل] غير الشافعي، وإن كان متأخرًا عنه، بناءً على أنه لا يساوسه في العلم، أمكن أصحاب مالك، وغيرهم [ممن ينخل] المذاهب أن يدعوا مثل ذلك لأئمتهم. فلا يكاد يخفى أنه إذا تساوت الدعاوى [من] غير برهان تساقطت، ويبقى [الفضل] [للمتقدم]. قال الإمام: (طريقة أخرى: وهي أن المذاهب تمتحن بأصولها) إلى

стр. 2614

آخرها. قال الشيخ: قوله: المذاهب تمتحن بأصولها، فإنها تصح بصحتها، وتعوج باعوجاجها، وهذا كلام صحيح، إذا جرى التفريع على مقتضى الأصل، وإلا فقد يكون الأصل مستقيمًا، ويسوء التفريع. وإنما الكلام عند جريان التفصيل على مقتضى التفريع. وقوله: سبيل محنة [الأصول] معرفتها أفرادًا ثم تنزيلها منازلها، كلام صحيح، ورجوع الأصل إلى الكتاب والسنة والإجماع والاستنباط، لا مراء فيه. وأما المصير إلى أن الشافعي أعرف الخلق بكتاب الله [تعالى]، فغير مسلم. وقوله: إنه عربي مبين، تفقأت عينه (١٧٠/ أ) بيضة قريش، لا نزاع في كونه قرشيًّا. وأما أن [يترتب] على ذلك أنه أعلم [الخلق] بالكتاب، فلا

стр. 2615

يُسلم، وليس للشافعي ممن ينطقه طبعه، ولذلك رد الأصوليون عليه في اعتقاد المفهوم، ولم يأخذوه منه [رد القبول]. والذي يتعلق من الكتاب بالأحكام مضبوط، وهو قريب من خمسمائة آية، وقد تتبعها العلماء فوجدوا اختلافًا في مواضع الاحتمال، ولم ينفرد الشافعي بفهم معنى منها على حال. ولو ذهبنا نتتبع تلك المسائل، ونتقصى أنواع الكلام، لخرج الكلام عن مقصود الأصول. وأما ما يتعلق بالسنة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، فغيره هو المشهور بذلك، المعروف [به]، وهو مالك [رحمة الله عليه]. وقد أطبق أهل هذا الفن على أن الشافعي [﵀] لا يبلغ مبلغ مالك فيه. وقد اجمع علماء الحديث على ضبط مالك وحفظه وإتقانه للرواية من غير خلاف بين [أهل] النقل. قال النسائي: "لا أحد بعد التابعين أجل ولا أحفظ، ولا آمن

стр. 2616

على سنة رسول الله ﷺ من مالك بن أنس ﵀". وكذلك القول في معرفة الإجماع، فإنه يتعلق بنقل الآثار، وما يصح منها وما لا يصح، والقول في معرفة الآثار كالقول في معرفة الأخبار، إذ المنهاج واحد، فالأعلم بأحدهما إذا اعتنى بالآخر، فهو به أعلم، ولا يكاد يخفى اعتناء مالك بآثار الصحابة [﵃] وسننهم، وهي أفعالهم وأقوالهم. هذا قولنا في معرفة الأصول (١٣٢/ ب) أفرادًا. وأما تنزيلها منازلها، وما حكاه الإمام عن الشافعي من أنه قدم كتاب الله تعالى، ثم أتبعه سنة رسول الله ﷺ ، فهذا الترتيب ليس [تشوفًا] على حال. وذلك أن الكتاب والسنة يقعان عندنا في درجة واحدة، [لأنا] لو صادفنا نص سنة متواترة، لم نتركها [لظاهر كتاب، وكذلك إذا وجدنا نص كتاب، لم

стр. 2617

[نتركه]] لظاهر متواتر، ولا لخبر واحد. وأما كونه لا ينظر إلى القياس إلا بعد فقدان الكتاب والسنة، فهذا أيضًا غير صحيح، وكيف يمكن ذلك، وقد يكون القياس محصلًا علمًا مستندًا إلى أصل مقطوع به؟ وتكون السنة خبر واحد ظاهر؟ [وكذلك قد] يكون الكتاب مشتملًا على ظاهر في مخالفة مثل هذا القياس. فتأخر النظر في القياس حتى تفقد المتعلقات من الكتاب والسنة، غير صحيح. وأما المصير إلى أنه أعلم خلق الله بمصالح الشريعة، وما يقبل من

стр. 2618

المعاني، وما لا يقبل، فهذا غير مسلم، وذلك أن المعاني لا تعتمد أعيانها لذواتها، وإنما تعتمد لالتفات الشريعة إليها، وليست مستوية في التفات الشريعة. وإذا كانت تقوى بقوة الشهادة، (١٧٠/ ب) [وتضعف] أيضًا على هذا الحد، فكل من كان أعلم بالمنقولات وصحيح الأخبار وسقيمها، ومعرفة آثار الصحابة ومستنداتهم، وما أضربوا عنه من المعاني، وما قبلوه، وما قدموه [منها]، وما أخروه، فهو الأعلم بالمصالح. والسبب في ذلك، أن الكتاب قل أن يتعرض للأحكام إلا من جهة كلية، والسنة هي المفسرة المبينة، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم بسنته، لحصول الشهادة، ودلالة قرائن الأحوال، ونزول الوحي بين أظهرهم، فهم أعلم خلق الله بالشريعة، وأجراهم على العمل بها. ولما ذكر رسول الله ﷺ اختلاف هذه الأمة [قال]: "خير القرون ما أنا عليه وأصحابي". فهم القدوة والأسوة، وأعلم الخلق بهذه الشريعة. هذا لا يخالجنا فيه ريب أصلًا. فمن كان أعلم بآثارهم وأحوالهم، كان أعلم بتفاصيل المعاني المقبولة والمردودة. قال الإمام: (طريقة أخرى: وهي تشتمل على نظر كلي إلى الفروع) إلى

стр. 2619

قوله: (فهذه مرامز كافية فيما نحاوله). أما تقسيم الشريعة إلى مأمور به ومنهي عنه ومباح، [فتقسيم] صحيح. وأما قوله: "الأئمة من قريش". فهذا الحديث لم يرو على هذا الوجه، ولو كان كذلك، لما خالف الأنصار يوم السقيفة، ولانقادوا [إلى الخبر]، ولكان المهاجرون يتمسكون بذلك، وما كانت المسألة إلا اجتهادية. نعم، الذي

стр. 2620

صح أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تكون اثني [عشر] خليفة كلهم من قريش". وكيف يصح حصر الأئمة في قريش، وقد قال ﵇: "أعلم أمتي بحلال الله وحرامه: معاذ بن جبل". وكان من الأنصار؟ وقال: "أفرضكم زيد". وقال لأبيّ: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك [القرآن] "؟ ولم يذهب أحد من الأئمة إلى حصر الأئمة في قريش. ثم لو قدرنا ورود ذلك، عُلم

стр. 2621

على قطع أن الرسول [ ﷺ ] لم يرد بذلك أمر الفتوى والعلم، وإنما هذا يشير إلى الخلافة. وأما ما ذهب إليه من أن مالكًا من الموالي، فتخرص وافتراء، ومالك ﵀ من بني الأصبح، وهم أهل دين وفضل وعلم بالمدينة. وعمه أبو سهيل بن مالك، من أهل الحديث، وخيار التابعين، معروف لهم ذلك. على أنه لا يتعلق بكونه من الموالي شيء من التهجين فيما يتعلق بالعلم. وقد كان أعيان التابعين من الموالي، كزيد بن أسلم، والحسن البصري، وابن سيرين وغيرهم. فهذا التهجين الذي ذكره الإمام، لم يصر إليه أحد من أهل الإسلام. وقد كان علي بن الحسين، على ما خصه الله به من الشرف والدين،

стр. 2622

يحضر مجلس زيد بن أسلم، وهو من الموالي. والاشتغال بهذا اشتغال بما لا يفيد. قال الإمام: (وإذا أردنا (١٧١/ أ) أن نعبر عن الأئمة الثلاثة) إلى قوله (ثم يستأنس بما يبلغه وفاقا). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام هو الظاهر من حال أبي حنيفة، وسبب ذلك عدم إحاطته بالأخبار والآثار، فربما لم يقف على الصحيح، فيفوته الحكم المتلقى منه ومعناه، [فيختل] عليه أمر الأصل

стр. 2623

والفرع جميعًا. وربما يتمسك بخبر صحيح، فيختل عليه حكم الأصل ومعناه، إذ قد يستنبط المعنى من أصل غير صحيح. فإذًا أتى عليه [الخلل] من أجل [إهمال] الأخبار والآثار، فكل من كان أعلم بذلك، فهو أحق بالاتباع، وأقرب إلى الصواب، وأبعد عن الزلل في الأصول والفروع جميعًا. وفي هذا تنبيه لذوي العقول على ما نريد من التفضيل والتقديم. قال الإمام: (وأما الإمام مالك ﵁، فلا يشق غباره) إلى قوله (فلا وجه لإطلاق أيدي الولاة في الدماء والأموال). قال الشيخ: ما ذكره عن مالك [﵀] من الحفظ والضبط والأمانة في الحديث والعلم والآثار، كلام صحيح، [معروف عند المسلمين]، وقد بينا أن فهم الشريعة على ذلك يترتب، فهو عندنا أعلم الأئمة بكتاب الله وسنة رسوله [ ﷺ ] والمعاني

стр. 2624

المستنبطة منهما، وما يتعلق بالإجماع والاختلاف. وأما ما أضافه إليه [من أنه] ينحل بعض الانحلال، ويثبت أمورًا عظيمة مرتبة على أقضية [للصحابة]، لم يحط بمعناها، فتخرص منه عليه وتقول. وأما ما حكاه عنه من أنه يجوز إراقة الدماء وأخذ الأموال من غير استحقاق، فمعاذ الله أن يكون كذلك. وأما كونه قال: إنه استند في المال والدم إلى قضاء عمر [﵁] في السياسة والإيالة، فهذا غير صحيح، والمنقول عن عمر ﵁ التأديب بأخذ الأموال. وقد "ألقى عمر ﵁[لبنًا] في الأرض غُش [بماء]، أدبًا لصاحبه". وأما قضية خالد وعمر، فالإمكان فيما قاله الإمام محال، ولكنه [بعيد

стр. 2625

جدًا]، فإنه يتعذر في العادة الإحاطة بمقدار المحاورة حتى ينتهي الأمر إلى خلع [إحدى] النعلين، فالظاهر التأديب. وأما المصير إلى أنه لا سبيل إلى التأديب بأخذ المال، فقد صح عن عمر ﵁ أن عبدًا لحاطب بن بلتعة انتحر ناقة للبراء، فذكر الأمر لعمر ﵁ فأحضر حاطبًا وقال: "أراك تجيعهم، كم تساوي ناقتك يا براء؟ فقال: كنت والله يا أمير المؤمنين أمنعها من أربعمائة درهم. فقال: يا حاطب قم فأغرم ثمان مائة درهم". فهذا تأديب بالمال. وكيف ينكر ذلك) ١٧١/ ب)، وقد قال أبو

стр. 2626

سعيد الخدري: "إن النبي [ ﷺ ] قال: "من وجدتموه يصيد في حرم المدينة (١٣٣ م ب) فلكم سلبه"؟ وأخذ بذلك سلب غلام وجده يصيد في حرم المدينة، وقال: "لا أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ ". فمالك ﵀ أعلم بما يعتمد من المعاني وما لا يعتمد. ولقد قال في قضاء عمر ﵁ على صاحب الجنان: أن يمر الماء عليه لصاحبه لما امتنع، فقال [له] عمر: "والله ليمرنه ولو على بطنك". قال مالك: "ليس العمل عليه، ولا أرى أن يجبر أحد على هذا". قال الإمام: (وأما الإمام الشافعي فإنه أعرف [خليقة] الله بأصول

стр. 2627

الشريعة وأضبطهم لها) إلى قوله (وسنصف ذلك النظر وحدَّه). قال الشيخ: هذا كلامه في تقديم الشافعي [وتعين] تقليده، ونحن نرى خلاف ذلك، ونقول: مالك أولى بالاتباع، ويدل على ذلك مسالك: الأول: ما نقل عن النبي ﷺ أنه بشر به فقال: "ينقطع العلم حتى لا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة، ويضرب الناس إليه أكباد الإبل". ويتأول فيه سفيان بن عيينة- على فضله- أنه عالم المدينة، وكذلك تأول فيه ابن جريج وغيره. وذكر أن سفيان قال: "كانوا يرونه مالك بن أنس". ولم يشر سفيان- والله أعلم- إلا إلى من أدركه، وقد أدرك التابعين. قال عبد الرحمن بن

стр. 2628

مهدي: "سمعت ابن عيينة يقول: كانوا يرونه [مالك بن أنس [. قال ابن مهدي: يعني التابعين. فحسبك [ذلك] من بعض مناقبه، مع الإشفاق، وورعه في الفتوى [وتوقفه]. وفيه أمور أكثر من هذا. هذا تقديمه بالنظر إلى الخبر، وقد اشتهر بكونه إمام دار الهجرة، ولم يثبت هذا الاسم لأحد غيره. وما أعظم هذا النعت. وما أتم هذا التفضيل. ومجموع ما [نوضح] به ترجيح هذا المذهب بالنظر طرق: منها: أنه ﵁ من أهل دار الهجرة، وهي المدينة على ساكنها [أفضل] السلام، وأهلها هم أصحاب رسول الله ﷺ ، نصر الله بهم الدين، وأظهر بهم

стр. 2629

[كلمته]، قال الله سبحانه [وتعالى]: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. يعني: [أنتم]. قال مالك: هم سلف هذه الأمة، وهم العصر الأول من أمة نبيه [ ﷺ ] الذين أخبر ﷺ أنهم خير القرون من أمته، وهم الذين اختارهم [لصحبة نبيه]، وانتخبهم لنصرته، ورضيهم أئمة لأمته، وضرب بهم الأمثال في سالف كتبه، (١٧٢/ أ) وارتضى منهم خلفاء لإقامة دينه، وإحياء سنة رسوله، وأثنى على السابقين بسبقهم، ومدح التابعين بحسن اتباعهم إياهم، ورضي بذلك منهم، [قال]: ﴿[والذين] جاءوا من بعدهم﴾. وجعل [متبوأهم] دار النبوة والعلم والحكمة. فما علموه ونقلوه، لزم أهل الآفاق الائتمام بهم فيه، إذ هم الذين وعوا عن رسول الله ﷺ ما شرع من الدين، وسن من السنن، مع [توقيفهم] إياهم على ماضي ذلك، فكان لهم بذلك فضل العيان والمشاهدة على من نأت به الدار، وبلغته الأخبار، التي لا تحل من القلوب محل المعاينة. وقد كان الرسول ﵇ بغير المدينة في أسفاره، وخرج عنها بعض

стр. 2630

أصحابه، (١٣٤/ أ) إلا أن أكثر مصير من صحبه إليها. والمقيم بها أكثر من الظاعن عنها. فكان بذلك عملهم في القلوب أثوى من عمل غيرهم. وقد كان إجماع من بالمدينة في غير شيء حجة على من سواهم. ولم يجد مخالفنا بُدًّا من الرجوع إليهم في المد والصاع والأحباس وغيرها. فكانوا ﵃ على الحق الواضح، والطريق اللائح، لا يغيرون ولا يبدلون، بل لم يزالوا على ذلك حتى [لقوا الله ]. ثم سلك مسلكهم، ونهج منهجهم التابعون لهم بإحسان، فكانوا أعلم خلق الله بسنة رسول الله ﷺ . ولقد كان الناس إذا اختلفوا في غيرها، جاءوا إليها ليعلموا ما عند أهلها. وهذا بين في النفوس، مستقر في القلوب. وليس [من] هو من أهل البلد في معرفة سيرة أهلها، كمن نقلت إليه أخبارهم. هذا معروف بالعادات. ولم يزل الأمر على ذلك إلى [زمن] مالك ﵁ وأفضت [إليه] الإمامة، ورجع الناس إلى قوله. قال بعض الناس: [قدمت] المدينة بعد موت نافع مولى ابن عمر بسنة، فوجدت الحلقة لمالك، وهو غلام. وكان ﵁ أمير المؤمنين في السير في عصره، ورأس الراسخين في العلم في دهره، شهد بذلك رؤساء قرنه. وشتان بين من نشأ في دار الهجرة على الوجه الذي ذكرناه، وبين من
следующие страницы →