Полный текст (2 928 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
ولكن لأمر من الديانة، من جهاد، وبث علم، وإقامة حكم، أو غير ذلك مما تدعو إليه الضرورة. والله أعلم. لترغيب النبي ﷺ في سكناها والصبر على لأوائها.
فيها كان الوفر العظيم والعلم الجسيم. وقد كان الخارج منها من الصحابة إذا شك في أمر، لم يقطع بحقيقته حتى يقدم المدينة، فيسأل عن ذلك.
[كذلك] فعل ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وغيرهم. وقد انقاد إلى تقليدهم من ينكر مخالفتهم، فلم يجد [بدًّا] من تقليدهم في صاعهم ومُدهم وأحباسهم وصدقاتهم، ولا يكون ذلك غلا بينة أحياها عملهم، واستغنوا عن نصها. وكذلك لزم اتباعهم في إسقاطهم عن الخضر الزكاة، إذ الزكاة غير [مؤخرة]، وكان الرسول [ ﷺ ] يأخذها والخلفاء على سيرته. فلما بطل أن
стр. 2662
يكون ذلك من الحوادث التي حدثت بعد الرسول ﷺ ، فقالوا فيها برأيهم، لم يبق إلا أنها توقيف من نبيهم [ ﷺ ]، فصارت بذلك الأعمال أقوى في النفوس من أخبار الآحاد، التي يدخلها من الأغفال ما لا يدخل الأعمال. إذ الأعمال نقل عامة عن عامة.
فإن قيل: فهذا في عملهم الذي لا يعارضه خبر مأثور، فما دليلكم على أن المصير إلى ما عملوه أولى من الخبر الذي نقلوه؟ قيل: لأن ذلك لا يعدو: [إما] أن يكون لسنة أحياها عملهم، فاستغنوا عن نصها، من علمهم بنسخ أو خاص أو ترغيب ونحوه، مما يوجب رفع الخبر [الأول]، إلا أن يقول زائغ إنهم أحدثوا شريعة شرعوها، رغبة عن سنة علموها، فلما فسد القول بذلك، ثبت ما تقدم ذكرنا إياه.
وقد سقط بالعمل [أحكام] منها: الحديث في قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة. ولا سبيل إلى استعماله، ولا يكون ذلك إلا لسنة على
стр. 2663
نحو ما [بينا].
فإن قيل: فهل يطلق في عمل جمهور الصحابة أنه سنة، كإطلاق ذلك في الأخبار؟ قيل: قد قال ذلك سعيد بن المسيب لربيعة، إذ احتج عليه في نقصان عقل المرأة عند كثرة جراحتها، فقال: "هي السنة يا ابن أخي". ومع ذلك قال عمر: "لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله [تعالى] ". في شأن آية الرجم. والحكم عنده بها كالحكم بكتاب الله [تعالى]، فسماها بذلك قولًا، ولم يلحقها بأن تكون آية تتلى. ولم يمنع ذلك من وجوب حكمها، مع ما قيل أن معنى قول النبي ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب [الله] ". أي: بحكم
стр. 2664
الله، الذي هو وحي، وليس بقرآن. يقول الله تعالى: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ أي: (١٣٨/ أ) يحكمون. وقال بعض أصحابنا: إن هذا من مجمل الكتاب في قوله سبحانه: ﴿ويدرؤُ عنها العذاب﴾. وهي (١٧٧/ أ) التي يرميها زوجها، فأبان الرسول [ ﷺ ] بفعله، أن ذلك العذاب: الرجم على من زنى من الزوجين المحصنين الحرين. والله أعلم.
ولما بطل أن يرغبوا عن سنة علموها لغير السنة، واستحال أن يجهل السنة أهل خاصة رسول الله ﷺ وأهل وزارته، والمستخلفون الله في بلاده على الحكم بين عباده، ويعلمها غيرهم على قرب عهد نبيهم، ثبت [أن] أعمالهم وأحكامهم، وما عمل به جماهيرهم، كالسنة الواجبة. ولولا طول الكلام وخروجه عن خصوص الأصول، لدللنا في كل ما خولف فيه أهل المدينة على صحة مذهبهم فيه.
стр. 2665
فهذا هو سر المذهب في تقديم الأعمال على الأخبار التي نقلها الآحاد. وقد قال بعض التابعين: "لو رأيت أهل المدينة يتوضؤون إلى الكوع لتوضأت إليه، وإن كنت أقرأ في المصحف: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ ". يشير بذلك إلى أنهم لا يتفقون على هذا، إلا لعلمهم بناسخ. فظهر بذلك أن الشافعي تكلم على أمر لم نتكلم نحن [عليه]، بل تلقينا من استمرار الأعمال سننًا ثابتة على وفقها، أستغني عن نقلها، فكم من سنة دارسة أحياها عملهم المستمر. [والله الموفق للصواب].
قال الإمام: (والرأي الحق [عندنا] ما نوضحه في ذلك بتقسيم) [إلى
стр. 2666
قوله] (وإن لم يقل مالك بخيار المجلس). قال الشيخ: قد اعترف الإمام بأنه إذا بلغ الخبر طائفة من أئمة الصحابة، ثم عملوا بخلافه، لا يتمسك بالخبر، ولا محمل لذلك إلا ثبوت النسخ عندهم. وإلى هذا يرجع ما بسطنا
стр. 2667
القول فيه قبل هذا. وإنما خالف فيما إذا لم يبلغ الخبر. ونحن نرى أنه إذا استمرت أعمالهم على خلاف الخبر، فلا بد أن يكونوا أو بعضهم اطلعوا عليه، أو على سنة استقرت بعده مخالفة له. والذي [قدمناه] [يحقق] هذا. إذ
стр. 2668
يبعد أن تخفى السنة عليهم، ويطلع عليها غيرهم، فلذلك تعلقنا بالأعمال على الإطلاق. وهذا هو رأي مالك [﵀].
وأما ما ذهب إليه من أن الأعمال من الصحابة، إذا لم ينعقد عليها إجماع، فلا يتمسك بها، إلا إذا خالفت أخبارًا. فهذا لا نقوله نحن، إذا استمرت الأعمال من الجماهير، إذا لم تكن المسألة في محل القياس، فإن كانت قياسية، ففيها احتمال. وقد تكلمنا على ذلك في كتاب الإجماع.
قال الإمام: (ومما يجب تنزيله على هذا التقسيم) إلى قوله (وهو مقدمة غرضنا في الترجيح). قال الشيخ: الذي ذكره الإمام كلام جيد في هذا التفصيل، وتقديمه ترك التارك على عمل العامل، صواب على حسب ما ذكره. فالعامل تمسك بظاهر الخبر، والتارك لا مستند لتركه (١٧٧/ ب) إلا الاطلاع
стр. 2669
على الناسخ، [وعلمه بضعف] الخبر.
يبقى أن يقال: تحققنا ثبوت الخبر الصحيح، ولم يتعين لنا ناسخه، ومن الممكن أن يعتقد الراوي التارك ما ليس بنسخ نسخًا. قلنا: هذا يطرد في قوله: نسخ رسول الله ﷺ حكم كذا، وكذلك في قوله: أمر بكذا، أو نهى عن كذا. وكل هذا لا يسقط التمسك بهذه المنقولات، بل تحصل (١٣٨/ ب) غلبة الظن بحصول [النسخ]، بناء على مجرد العدل الذاكر، سواء كان راويًا أو لم يكن.
فإن قيل: هذا تقليد منكم له في قوله: إنه منسوخ. قلنا: ليس هذا من أبواب التقليد، وإنما هو تمسك بنقله من جهة المعنى، كما لو قال: نسخ رسول الله ﷺ حكم كذا، وكذلك في قوله: أمرنا بكذا، فلا يقال: إن هذا تقليد للراوي، بل هو تصديق له في النقل، ولذلك يقبل منه إذا نقل حكمًا، وشرط
стр. 2670
فيه شرطًا، ووقت وقتًا. كقوله: "أمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثًا". فلا يقال: لعله غلط في فهم الشرط وتعيين الوقت.
قال الإمام: ([وعاد بنا الكلام إلى القول] في الترجيح) إلى قلوه (ثم لم يعملوا [به]. ولكن قد يظن ذلك ظنًّا). قال الشيخ: حديث أنس في [الغنم] فيه: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن، فابن لبون ذكر". هذا معنى الحديث دون لفظه. وحديث علي ﵁ يقول: "في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربعة
стр. 2671
شياه، وفي خمس وعشرين خمس شياه". هذا أيضًا معنى الحديث دون لفظه، وعمل أبو بكر وعمر ﵄ بحديث أنس. قال الشافعي: أرجح حديث أنس لعمل الشيخين به. وقال القاضي [﵀]: الخبران متعارضان، ولا يقوى دليل بمصير مجتهد إليه. وهذا هو اللائق بأصول الشافعي.
والدليل على أنه اللازم له، أنه لو ثبت عنده قوة في أحد الخبرين، لم يجز له التمسك بما ضعف عنده، بناء على عمل بعض الصحابة [به]. فإنه لو فعل ذلك، لكان مقلدًا، مضربًا عما غلب على ظنه قوته. وإذا منعه المصير إلى الأخذ بالأضعف، [فإنه] عين التقليد، وترك لما ثبت عنده من الاستواء.
стр. 2672
قال الإمام: (فإن قيل: فما الوجه [والحالة كما وصفتم]) إلى قوله (وقد تقدم ما فيه بلاغ). قال الشيخ: ما ذهب إليه الإمام فيما إذا ظن البلوغ والنسخ استمراره على العمل بما ظن نسخه، كلام ضعيف، ومناقض لما سبق له. أما بيان ضعفه، فكيف يجوز أن يحكم بما يغلب على ظنه (١٧٨/ أ) سقوطه، وخروجه عن الشريعة؟ وهل هذا إلا قصد المخالفة؟
وأما وجه المناقضة، فإنه يقول: إذا تطرق إلى أحد الخبرين ظن النسخ من جهة ضعيفة، وهو أن يكون راويه ممن تقدم إسلامه، وراوي [الخبر] الآخر ممن تأخر إسلامه، قال هو في ذلك: إذا لم يجد متعلقًا سوى الخبرين، فالوجه التعلق بما بعد عن ظن النسخ. وإن كانت هذه الصورة قد [منعنا] [فيها] تصور ظن النسخ. فإذا رأى العمل في مثل ذلك، فكيف يصح له الإضراب عن ظن النسخ المتلقى من إضراب الراوي عن العمل بالخبر ظنًّا؟
стр. 2673
فإن قيل: لا يثبت النسخ بمثل ذلك. قلنا: وكذلك إذا تحقق أنه بلغه وأضرب عن العمل به، فإن علم النسخ مستندًا إلى ذلك، ظن نصًّا عند استناده لهذا.
قال الإمام: (ومما [يجب] (١٣٩/ أ) [التفطن] له أن النصب مقادير) إلى آخره. قال الشيخ: جعل الإمام موافقة بعض الصحابة أحد الخبرين ترجيحًا، ولم يبين وجه ذلك، واقتصر على الدعوى فيه، ولم يبن الأمر على النسخ في أحدهما، لأنه لم ير تحقيق القول بأن الخبر بلغهم، وظن البلوغ لا يمنع التمسك بالخبر الآخر. فليت شعري ما وجه هذا الترجيح؟ إلا أن يكون قد صار إلى ما يقوله الشافعي من أن موافقة عمل بعض الصحابة، يقضي ترجيح الدليل على مناقضه. وهذا الموضع القاضي ينازع فيه، ويقول: لا يقوى دليل بمصير مجتهد إليه. وقد قدمنا وجه ذلك، والإلزام الوارد على الشافعي، فلا نعيده.
стр. 2674
قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض خبران نصان [وانضاف] إلى أحدهما قياس) إلى قوله (والعمل بما اجتمع عليه [الخبر والنظر]). قال الشيخ: الذي ذكره القاضي أصح في نظر الأصول، وذلك أن الخبر يترجح [على الآخر] إما بمزية في الراوي، وذلك يرجع إلى تفاوت في طرق الثبوت، أو إلى تفاوت فيما يتعلق بالدلالة كالنص [مع الظاهر]، [والظاهر] مع الأظهر. وإذا
стр. 2675
تساوى الخبران متنًا وسندًا، فكيف يثبت الترجيح مع موافقة القياس لأحدهما؟
فالصواب التساقط، والقضاء بالقياس، إلا أن يقال: إن القياس إذا وافق أحد الخبرين، أشعر ذلك بأنه الثابت دون الآخر، إذ الغالب على الشريعة مراعاة القياس. فمن هذه الجهة قد يترجح الخبر الموافق.
стр. 2676
وأما الطريق الذي ذكره القاضي، ففيه نظر، وذلك أنه أراد أن يجعل حالة التعارض في الإعراض عن الخبر كحالة انفراد الخبر في مقابلة القياس، وليس الأمر كذلك، فإنه قد يجوز أن يكون للانفراد حالة تخالف الاجتماع، وكيف لا يكون كذلك، وفي حالة انفراد الخبر، يتعين المصير (١٧٨/ ب) إليه، [ويقدم] على الراوي والاستنباط؟ وحالة تناقض الخبرين، فلا عمل بواحد منهما على القول الصحيح، فإن لم يتمسك القاضي بما قررناه، لم يقو كلامه، ويتعين المصير إلى ما يقوله [الشافعي].
قال الإمام: (ونبني على هذا مسائل نسردها) إلى قوله (والتعلق بالقياس بعدهما). قال الشيخ: هذه المسألة تقارب الأولى من وجه، وهو القرب من القواعد، فيجري الأمر من هذه الجهة، على ما مضى في التي تقدمت.
وأما جهة مباينتها لها، فهو أنه لا يتصور أن يكون القياس مستندًا إلى ما في رواية خوات بن جبير، فمن الباطل أن يصير القاضي في هذه المسألة إلى
стр. 2677
تساقط الخبرين، وإيقاع الصلاة على حسب [خبر] خوات بن جبير، بل يظهر في هذه المسألة [مذهب] الشافعي في الترجيح. ولكن لا يكون ذلك ترجيحًا بالقياس، بل بالقرب من القواعد خاصة، فإن الصلاة بنيت على ترك الحركات التي لا تناسبها، وإذا تضمنت رواية البقاء على هذه الصورة [أو قريبًا] منها، كان أرجح من الرواية التي تقتضي البعد عنها.
قال الإمام: (١٣٩/ ب) (ويجري في هذه الواقعة نوعان آخران من النظر) إلى قوله (ورد الأمر إلى التفصيل). قال الشيخ: أما إذا اتحدت الواقعة،
стр. 2678
فيعلم أن إحدى الروايتين وهم وزلل، ثم لا يتعين لذلك إحداهما. وهل تكون موافقة القياس لإحداهما أنها الصدق؟ هذا مما يتردد فيه، والظاهر أن ذلك عندنا يتعين بموافقة القياس، وذلك أنه إذا علم أنه لم يصدر من الشارع إلا أحدهما، وكانت له عادة غالبة في إحدى الروايتين، غلب على الظن في الصورة الملتبسة أنها من قبيل الأغلب الكثير.
وأما [إذا] لم يتحقق اتحاد الواقعة، وتحقق مع ذلك التعدد، وعرفت التواريخ، فهل يكون الآخر ناسخًا للأول، أو لا يكون كذلك؟ ذهب القاضي إلى أن ذلك لا يثبت به نسخ، بل يجوز الفعلان جميعًا، وعلى هذا لا يفتقر إلى معرفة التواريخ، إذ لا حاجة إليها. ولا يتوقف العمل عليها، اللهم إلا أن يصير أن الأخير أفضل، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين. فيكون مفتقرًا إلى معرفة الفضيلة، لا إلى تحقيق الأخرى.
стр. 2679
والذي عندنا في ذلك في مسألة الصلاة في وقتين على حالتين مختلفتين، أن الأخير يمنع من التمسك بالفعل الأول، لأنه قال: "صلوا كما رأستموني أصلي". ولا سبيل إلى أن يصلي على الوجهين المختلفين. فمن هذه الجهة يتعين التمسك بالفعل الأخير. وهذا هو المظنون بالصحابة ﵃. ولذلك قالوا: "كان آخر الأمرين من (١٧٩/ أ) رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار". إلى غير ذلك مما تمسكوا فيه بالفعل الأخير. وقد نزل الإمام ذلك على الفضيلة.
وأما إذا وردت الأخبار مطلقة، ولم يتعين اتحاد الواقعة، ولا التعدد [فيها]، فهذا يحتمل الاتحاد والتناقض، ويحتمل أيضًا التعدد والاختلاف. فعلى أيهما ينزل؟ الصواب التنزيل على التعدد، إذ ليس فيه تكذيب العدول، لا عمدًا ولا سهوًا، وذلك أولى. أما العمد، فلأنه حرام ومعصية، وأما السهو، فلأنه نادر قليل، مع كمال الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي، فتنزيل الخبر على
стр. 2680
الواقعتين أحق وأولى. ثم يرجع الكلام إلى طلب التقديم والتأخير، إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن، فالتوقف على قول، والاحتياط على قول، والتخيير على قول، على ما يلزم في تعارض الدليلين.
قال الإمام: (وقد ذكر القاضي وجهًا في تقديم رواية ابن عمر) إلى آخره. قال الشيخ: هذان الوجهان لا يصح الترجيح بهما عندنا.
أما الأول: فعلى حسب ما ذكره الإمام في الرد على القاضي.
وأما الثاني: فمن أين يلزم أن يكون حكم القرينة مرجحًا؟ اللهم إلا أن [يقال] إن القرائن تبين الأمثال. وهذا هو الذي يأتي على أصل الشافعي، فإنه قال في كتاب التأويل: إذا وردت مناهٍ عن رسول الله ﷺ ، اشتهر من شيم
стр. 2681
العلماء [العاملين] بالشريعة حمل بعض تلك المناهي على الفساد، فالشافعي لا يرى حمل بعضها على الكراهة، بناء منه على حكم القرينة. وهذا من ذلك القبيل، وقد رددنا على ذلك. وقد تعطف العرب المندوب على الواجب، والمكروه على المحرم.
لكن ها هنا أمر آخر، وهو أنه قال (١٤٠/ أ): ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. فهل يصح أن يتعلق الأمر بشيئين: أحدهما على جهة الوجوب، والآخر على جهة الندب؟ هذا عندنا يرجع إلى صحة إطلاق اللفظ المشترك على معنييه جميعًا، والشافعي يرى ذلك. وقد قال في قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾. هو محمول على الجس باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا. فكذلك يكون قوله: ﴿وأتموا﴾ يقتضي وجوب إتمام الحج، واستحباب إتمام العمرة. وهذا يلزم الشافعي الذي يقول: إن المتطوع بالخيار بعد الشروع، كما
стр. 2682
كان بالخيار قبله. فعلى هذا يفتقر إلى التقدير.
وأما مالك ﵀ الذي يرى أنه إذا دخل في المندوب [إليه]، وجب الوفاء به. فيبقى قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ على الوجوب فيهما جميعًا. ولا يتلقى- على قوله- وجوب الابتداء من وجوب الإتمام. والشافعي، وإن كان يقول بالمقالة الأولى، فهو يساعد على وجوب إتمام
стр. 2683
(١٧٩/ ب) العمرة وحج التطوع، فلا يكون على مذهبه استدلال بوجوب الإتمام على وجوب الشروع [بحال]، ثبت بذلك بطلان الترجيح بهذا ونظائره.
قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض خبران، ولم يترجح أحدهما على الثاني) إلى قوله: (والمعنى متجرد [للتعلق] به). قال الشيخ: قد قدمنا فيما سبق أن المصيب واحد، وأن حكم الله تعالى في المجتهدات معين. وعلى هذا لا يتصور أن يقع التعارض مع انتفاء الترجيح، إذ الحاصل دليل واحد، والآخر شبه، فكيف يستويان؟
ويتصدى بعد هذا ثلاثة أوجه: أحدهما- التوقف، والثاني- الاحتياط، والثالث- تقليد مجتهد آخر إن وجد. وهذا الوجه أجود الأمور، لتحقق العجز، والعاجز يلمه المصير إلى رأي من له نظر، إذا لم يتبين له فساد نظره.
وأما الذين قالوا كل مجتهد مصيب اختلفوا، فمنهم من قال يتوقف، لأنه
стр. 2684
متعبد باتباع غالب ظنه، ولم يغلب على ظنه شيء. وهذا هو الظاهر على هذا القول. وقال القاضي: يتخير، لأنه تعارض عنده دليلان، وليس أحدهما أولى من الآخر، فليعمل بأيهما شاء.
وهذا الذي قاله القاضي قد استدل عليه بدليل، وذلك أنه قال: ليس التخيير بين الشيء ونقيضه محال، ولا ينافي ذلك الطلب بحال، وقد ورد الشرع بالتخيير في خصال الكفارة، وعقل مع ثبوت التخيير، لانصراف التخيير إلى جهة، والتضييق إلى أخرى. قال: وإذا كان ذلك معقولًا، فيدل عليه أن الضرورة تدعو إليه، فإن إثبات الحكمين تناقض، وخلو الواقعة عنهما لا يصح، والتعيين مع الاستواء تحكم، فلم يبق إلا التخيير. وق قال ﵇: "فإذا زادت الإبل على المائة والعشرين، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فإذا بلغت مائتين كان فيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون". [والساعي]
стр. 2685
يخير، فإن أخذ الحقاق، فقد أخذ بقوله: "في كل خمسين حقة"، وإن أخذ بنات لبون، فقد أخذ بقوله: "وفي كل أربعين بنت لبون".
وكذلك إذا نظرنا إلى المعاني، فقد تدور المسألة بين أصلين متقابلين في أبواب المعاني والأشباه، ويقع الاستواء، ولا يتبين ترجيح بحال. وكذلك يجري القول (١٤٠/ ب) في تقابل استصحابين، كما إذا أعتق عبدًا آبقًا عن ظهاره، فالأصل بقاء الحياة للعبد، حتى يثبت الموت، والأصل استصحاب امتناع الزوجة حتى يثبت الإعتاق. والمسائل التي تتعارض فيها الأدلة كثيرة.
قال: وهذا بمثابة ما إذا اجتمع على العامي مفتيان، استوى حالهما عنده، فلا طريق إلا التخيير. وللفقهاء في تعارض البينتين مذاهب. فمنهم من قال: (١٨٠/ أ) يقسم المال، ومعناه: تصديق البينتين جميعًا، ويقدر أنه [قام] لكل واحد سبب كامل في استحقاق المال، ولكن ضاق المحل عن الوفاء بهما، ولا ترجيح، فصار كما لو استحقاه بالشفعة.
وهذا الذي قاله القاضي كله مبني على أصل، وهو أنه لا سبيل إلى إخلاء
стр. 2686
الواقعة عن الحكمين. وهذا الذي قاله غير صحيح، بل نقول: إن بنينا على أن كل مجتهد مصيب، فالإصابة مرتبة على تحصيل غلبة الظن، والظن مفقود ها هنا، إذا لم يترجح أحدهما في ظنه على الثاني، فكيف يحكم من غير قطع ولا ظن؟ فالصواب إما الوقف، بناء على التباس الحكم، وهو مذهب من يقول المصيب واحد، وإما وقف نقي. وهذا هو اللازم على قول من صوب كل مجتهد، إذ الحكم عند هؤلاء يتبع الظن، ولا ظن بحال. فكيف يصح أن يثبت الحكم بلا سبب يقتضي ثبوته؟
وأما قول الإمام: وإن تحقق التعارض والتساوي إلى آخره، هذا الكلام هو الذي سبق بعينه. والأغلب على الظن عندنا التمسك بالخبر الذي [يعتضد] بالقياس، وقد بينا وجهه فيما سبق.
قال الإمام: (فصل- كل ما قدمناه [في] تعارض النصوص) إلى
стр. 2687
آخره. قال الشيخ: هذا كلام ظاهره يناقض [ما سبق]، من جهة أنه قضى فيما سبق بأن الخبرين إذا تعارضا وامتاز أحدهما بمزية في العدالة ظاهرة، قطع [بتقديم] من قويت عدالة رواته، إذا لم يكن في المسألة مأخذ آخر. وتلقى ذلك من عمل الصحابة تقديرًا. ورجع في هذا المكان إلى أن هذه الصورة لم يثبت عنده وقوعها، أعني تعارض النصوص مع ثبوت المزية في العدالة،
стр. 2688
بخلاف الظواهر عنده. فهذا دليل بين على أن تلك المسألة قطعية. وهو الذي كنا نحن اخترناه فيما سبق.
والقول عندي في تعارض الظاهرين يجري على ذلك، إذا استويا في الدلالة، فأي فرق بين مزيد العدالة في النصوص، وبين مزيد العدالة في الظواهر المستوية في الدلالة؟ فما يقال في أحدهما يقال في الآخر، بلا ريب.
قال الإمام: (مسألة: إذا تعارض ظاهران، ظاهر من الكتاب، وظاهر من السنة () إلى آخرها . قال الشيخ: الصحيح عندنا أنه إذا تعارض ظاهران من
стр. 2689
الكتاب والسنة المتواترة، وهما في الدلالة على رتبة واحدة، فالتعارض محقق، ويعود الكلام إلى الاختلاف في تعارض (١٨٢٠/ ب) الدليلين من غير ترجيح. وأما الذين قدموا الكتاب، فقد تمسكوا بقول معاذ، ولا يتأتى ذلك لوجهين:
أحدهما- النقض، فإنهم لا يقدرون على تقديم كل ما في الكتاب على السنة، لتعذر تقديم ظواهر الكتاب على نصوص السنة المتواترة. (١٤١/ أ) فكيف يصح تقديم الكتاب مع هذا على السنة على الإطلاق؟
الوجه الثاني- أن الرسول ﵇ ما كان يقول من تلقاء نفسه شيئًا، وإنما الكل [وحي] من الله ، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا
стр. 2690
وحيٌ يوحى﴾. وقد بينا في ترتيب نظر المجتهد في الأدلة، أنه ينظر في الكتاب والسنة، وهما في رتبة واحدة. فإن قيل: فإذا كانا في رتبة واحدة، فما معنى قول معاذ: "أحكم بكتاب الله" الحديث؟ . قلنا: إذا تقرر بالدليل وجوب النظر إليهما جميعًا قبل الفتوى، وجب تأويل هذا الظاهر، وتأويله عندنا أن المجتهد أول مطلوبه الدليل، فإذا [ظفر] به، [نظر] نظرًا ثانيًا في معارضه. وإذا كان المطلوب في إحدى جهتين، وإحداهما أقرب إلى الضبط من الأخرى، فمن حسن الطلب البداية بالجهة القريبة الضبط. فسلك معاذ [﵁] هذا في طلب الأدلة.
стр. 2691
فإن قيل: الفرق بين هذه المسألة وبين المثال، هو أن الذي يطلب مطلوبه في الجهة المنضبطة على قرب، إذا ظفر بمطلوبه، لا يفتقر إلى طلبه في الجهة الأخرى. وإذا ظفر الإنسان بالدليل في الكتاب، فلا بد له من النظر في السنة، وإذا كان ينظر فيهما جميعًا، لم يبق للبداية بأحدهما معنى. قلنا: قد بينا أن المطلوب بالقصد [الأول] الدليل، وإنما ينظر ثانيًا، لاحتمال المعارض، فلما كان الغرض الدليل، وكان طلبه في الكتاب أقرب، بدأ بذلك، لا وجه غيره.
وأما من قدم السنة، بناء على أنها مفسرة للكتاب، فقد أجاب الإمام عن ذلك بجواب سديد، إذ ليس الخلاف في السنة المفسرة، وإنما الخلاف في السنة المعارضة. فالصحيح إذًا التعارض.
وأما ما ذكره القاضي من حصول المعارضة [بين] الكتاب وظاهر
стр. 2692
أخبار الآحاد، فوجهه من حيث الجملة، استقلال كل واحد منهما بكونه أمارة، على تقدير الانفراد بالإجماع. وإذا كانا أمارتين إجماعًا، فكيف يتصور ترجيح أحدهما على الآخر، وقد حصل القطع بالنصب؟ ولا ترجيح مع القطع. هذا هو الذي نظن أنه مستنده، وهو باطل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه لو قطع بالنصب في هذه الحالة، لاستحالت المسألة، إذ (١٨١/ أ) يستحيل التعارض في القطعيات.
الوجه الثاني: أن هذا يفسد باب الترجيح أجمع، فإنه يطلب الترجيح، بعد استجماع كل أمارة لشرائط الصحة. [وهذا] جنوح إلى مذهب جُعل من المعتزلة. وقد [ذكرناه] قبل هذا، وبينا بطلانه.
الثالث: أنه لا يلزم من الإجماع على النصب عند الانفراد، مثل ذلك على تقدير الاجتماع. والتفاوت في هذه الصورة بين، فإنهما قد استويا في الدلالة، وامتاز ظاهر الكتاب بعلم ثبوت الأصل، ولا ينكر الترجيح بذلك. وقد ألزمه القاضي إذا تعارض ظاهر متواتر وظاهر آحاد، فإن الظاهر المتواتر مقدم. وهذا إن سلكه القاضي، فنقض صريح، وإن منعه، اكتفينا بالأوجه السابقة. وبالله التوفيق.
قال الإمام (١٤١/ ب): (مسألة: قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي
стр. 2693
محرمًا﴾) إلى قوله (في كثير من المطعومات). قال الشيخ: هذا الكلام الذي ذكره الإمام، غير صحيح، لا من جهة الأصول، ولا من جهة الفروع، ولا من جهة التفسير، ولا من جهة معرفة الناسخ والمنسوخ.
أما ما يتعلق بمعرفة أوقات النزول، فقد قال إنها من آخر ما نزل على رسول الله ﷺ ، وأنها ليست منسوخة، وادعى الإجماع في ذلك. وأصحاب [هذا] الفن قد ذكروا اختلاف العلماء، وكونها منسوخة. ذكر النحاس في كتاب "الناسخ والمنسوخ": أن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أنها منسوخة، وجماعة ذهبوا إلى أنها محكمة، وهؤلاء الذين ذهبوا إلى أنها محكمة، اختلفوا
стр. 2694
من وجه آخر، هل ضُم إليها غيرها مما نزل بعدها يقتضي التحريم، أو اقتصر التحريم على ما تلقي منها؟
وأما ما حكاه عن مالك أنه تعلق بها، ونزل مذهبه عليها، فحرم ما اقتضت الآية تحريمه، وأحل ما عداه، فليس هذا مذهب مالك، ولا أحد من أصحابه، ولا صائر [منهم] يصير إلى أن ما سوى المذكور في الآية حلال.
وأما قوله: وتقديم أخبار الآحاد على نص القرآن، مشكل في غير محل الإجماع، فاعتقد أن الآية نص لا يقبل التأويل، فليس كذلك. فإن قال قائل: لعله أراد بالنص الظاهر، وهو قول الشافعي. قلنا: ليس كذلك، فإنه قال: وليس القرآن في مرتبة الظواهر في هذا، وإنما هو يشتمل على النفي والإثبات، والإبقاء والاستثناء. فهذا يدل على أنه اعتقد النصوصية في كل ما وراء ما اقتضت الآية تحريمه. ولذلك صعب عليه مذهب الشافعي. ولو كان يراه دالًا من جهة الظواهر والعمومات، لم يكن في مذهب الشافعي إشكال، إذ الأخبار
стр. 2695
(١٨١/ ب) إذا كانت نصوصًا، يترك لها ظواهر الكتاب.
والذي غره حتى اعتقد النصوصية، اشتمال الكلام على جهات من التنصيص، منها أصل النفي في قوله: ﴿[قل] لا أجد﴾، فأصل النفي معلوم، ثم وقع استثناء أشياء أربعة، وذلك أيضًا معلوم، فلما اشتمل الكلام في أوله على أمر مقطوع به، واشتمل آخره على مثل ذلك، تطرق الوهم إلى الأمر المتوسط، وهو اعتقاد النصوصية في تعميم نفي التحريم، وذلك غلط، وليس عندنا في تحريم المنفي إلا نكرة واقعة في سياق نفي، وهي ظاهرة في التعميم، ليست ناصة فيه.
قال الإمام: (والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: [صدق] الشافعي فيما ذكره [من] تنزيل الآية على
стр. 2696
سبب. ومن مذهبه أن العام إذا ورد على سبب مخصوص، اختص به.
والسبب [عنده] أن الآية سيقت لغرض الرد عليهم فيما أحلوه، وليس المراد منها إثبات حل ما سواه، فكانوا يقولون: إن هذه الأشياء الأربعة حلال، فكأنه قال: هي حرام، ولكن عبارة النفي والإثبات في هذا أبلغ فيما يتعلق بتحريمها.
وكم من لفظ يكون له مفهوم يصرفه القصد عن المفهوم المشهور فيه، وهو كقول القائل: جئتك ألف مرة، فليس يراد بهذا تحديد (١٤٢/ أ) العدد بالألف، وإنما يراد به التكثير دون التحديد. فكذلك قول القائل: لم تأكل اليوم حلاوة، فيقول: [ما أكلت إلا حلاوة]، [مضادة] له فيما نفاه عنه، لا النفي لما سواه. فكذلك الآية عند الشافعي منزلة على هذا. وهذا في التأويل بعيد، ولا يتجاسر على مثل هذا إلا لضرورة، وأي ضرورة تدعو إلى مثل هذا؟ ولا مانع من إجراء الآية على ما تقتضيه من النفي والإثبات جميعًا.
وأما الأخبار التي نقلت في معارضة الآية، فتارة نقول: تكون مخصصة
стр. 2697
لعموم النفي، وتارة نقول: تحمل على [الكراهية]. والآية تدل على انتفاء التحريم، فلا معارضة. وتارة نقول: تدل على التحريم، أعني الأخبار، وتكون مضمومة إلى تحريم ما اقتضت الآية تحريمه، وتكون الآية نزلت قبل هذه الأخبار، فيصح الجمع بينها جميعًا.
وأما ما ذكره الإمام من الرد على مالك بنسبته إلى خرق الإجماع، فقد بينا غلطه [فيه] في كتاب العموم والخصوص. وما نقله عن الصحابة من اجتناب الحشرات، فهو مساعد عليه، إذ ذلك مما يعافه الطبع، وتنفر عنه النفس (١٨٢/ أ)، والعقلاء في ذلك متقاربون.
وأما قوله: واعتقادهم أنها بمثابة المحرمات، فمردود عليه، وقد نقلنا
стр. 2698
عن ابن عباس [﵁] خلاف ذلك. ثم قال: فهذا يمنع من اعتقاد التنصيص في الآية ويلحقها بالظواهر، يريد بذلك أنها إذا وقعت في مرتبة الظواهر، صح تخصيصها بأخبار الآحاد. ونحن قد اعترفنا بظهور الآية في نفي التحريم بغير هذا التكلف الشديد.
قال الإمام: (مسألة: إذا ورد عام وخاص في حادثة) إلى آخرها. قال الشيخ: اختلف العلماء فيما إذا تعارض خاص وعام، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الخاص مقدم، سواء تقدم أو تأخر، وأجروه مجرى البيان. وذهب القاضي
стр. 2699
[﵀] إلى أنهما يتعارضان. ولكنه يقول: إن ثبت تأخير الخاص، وجب المصير إليه، لأنه إما أن يكون بيانًا، وإما أن يكون ناسخًا.
وإن تأخر العام، فهذا موضع الخلاف. فذهب الفقهاء إلى أنه بيان وإن تقدم، أعني الخاص. وذهب القاضي إلى الوقف، لاحتمال أن يكون المراد بالعموم الشمول، فيكون ناسخًا، ويحتمل [أن يكون المراد به] البعض، فيكون الخاص سببًا. وهذا تقدم بيانه في كتاب العموم والخصوص.
وأما المصير إلى أن العام مقدم على الخاص، فلم يصر إلى ذلك أحد من الناس. وظاهر كلام أبي حنيفة أنه قدم العام على مقتضى الخاص، وذلك باطل قطعًا، إن كان مقتصرًا على محض تعارضهما. نعم، يمكن أن يكون لم يطلع على الخاص ورآه ضعيفًا، أو استند العام إلى أمر يقتضي تقديمه. فهذا له وجه ما.
стр. 2700
وأما المصير إلى ترك الخاص لأجل العام من غير زيادة، فذلك باطل قطعًا. ومثاله: ما ذكره من قوله: "فيما سقت السماء العشر". وقد قدمنا أيضًا هذا المثال بعينه، وأوضحنا الوجه فيه، فلا معنى لإعادته.
وأما ما ذكره الشافعي ها هنا من الاحتجاج بموضع الوفاق، فيما يتعلق بزكاة النقدين، فكلام صحيح، فإن الصورتين على حد واحد. ومصير أبي حنيفة إلى تسليم أحدهما يوجب عليه تسليم الأخرى، إلا أن تنفصل إحدى المسألتين [عن] الأخرى بأمر، فحينئذ يندفع الإلزام.
والذي يظهر من مذهب أبي حنيفة) ١٤٢/ أ) أنه ذهب إلى أن الواجب فيما أنبتته الأرض، فلا يختص بقليل ولا كثير، ولا بمقتات ولا بغيره. ولذلك قضى بأنه لا يجتمع الخراج والزكاة. فلهذا فرق بين المسألتين، لا لأمر يرجع إلى اختلاف مفهومات الألفاظ. هذا هو المقصود من هذه المسألة وباقيها ظاهر.
следующие страницы →